أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - التشريع الجنائي الدولي في زمن التحولات الجيوسياسية: من منطق القوة إلى إشكالية الفعالية















المزيد.....


التشريع الجنائي الدولي في زمن التحولات الجيوسياسية: من منطق القوة إلى إشكالية الفعالية


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 23:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


التشريع الجنائي الدولي في زمن التحولات الجيوسياسية: من منطق القوة إلى إشكالية الفعالية.

الدكتور/عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
جامعة القاضي عياض
…………….،

يشهد النظام الدولي المعاصر تحولات جيوسياسية عميقة تعيد تشكيل ملامح العلاقات الدولية، وتضع المفاهيم التقليدية للقانون والعدالة أمام اختبارات وجودية غير مسبوقة. فإذا كانت نهاية الحرب الباردة قد أذنت بزمن من التفاؤل بإمكانية بناء نظام عالمي قائم على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، فإن العقود الثلاثة المنصرمة كشفت عن صورة أكثر تعقيداً، بل وأكثر قتامة، من العلاقة بين القانون والسياسة على الساحة الدولية. فمن غزو العراق عام 2003، إلى الحرب الاهلية في سوريا وثم سقوط نظام الاسد، مروراً بالصراع في أوكرانيا الحرب مع روسيا، وصولاً إلى العدوان الاسرائيلي على غزة، (عامين من حرب الابادة الجماعية)، حيث يبدو القانون الدولي، ولا سيما القانون الجنائي الدولي، وكأنه يقف عاجزاً عن ردع المجرمين، أو حتى ملاحقتهم بشكل فعال وتنفيذ مبدأ عدم الإفلات من العقاب .

يُعد التشريع الجنائي الدولي أحد أهم إنجازات المجتمع الدولي في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث مثل محاولة جادة لتحويل الوعود الأخلاقية لمحاكمات نورمبرغ إلى آلية دائمة وفعالة لمكافحة الإفلات من العقاب على أشد الجرائم خطورة مثل الإبادة الجماعية، جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية، وجريمة العدوان. وقد بلغت هذه المحاولة ذروتها بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي لسنة 1998، التي شكلت حدثاً فارقاً في تاريخ العلاقات الدولية، وجسدت أملاً عالمياً في إمكانية تحقيق العدالة الجنائية الدولية بعيداً عن حسابات القوة والنفوذ.

غير أن هذا الأمل سرعان ما اصطدم بواقع السياسة الدولية المعقد. فالمحكمة الجنائية الدولية، رغم ما تمثله من تطور نوعي، تظل مؤسسة تعتمد في فعاليتها على إرادة الدول، وبخاصة الكبرى منها، في التعاون معها ودعمها. وفي زمن التحولات الجيوسياسية الراهنة، حيث تعود لغة القوة إلى الواجهة، وتتآكل المعايير الدولية، وتتراجع القيم الإنسانية أمام المصالح الجيوسياسية الضيقة، يبرز سؤال جوهري حول مستقبل هذا المشروع برمته.

تتمثل الإشكالية الرئيسية لهذا البحث في التساؤل الجوهري التالي:
كيف يمكن للتشريع الجنائي الدولي، الذي وُلد من رحم توازنات قوة دولية معينة، أن يحافظ على فعاليته في زمن التحولات الجيوسياسية الكبرى، حيث تعود لغة القوة إلى الواجهة، وتتآكل المعايير الدولية، وتظهر ازدواجية المعايير بأبشع صورها. وبعبارة أخرى هل يمكن للقانون الجنائي الدولي، بآلياته الحالية، أن يصمد أمام اختبارات السياسة الدولية الراهنة، أم أننا نشهد نهاية حلم العدالة الجنائية الدولية كما عرفناه منذ محكمتي (نورمبرغ وطوكيو) عام 1946,وهذا ما سنتناوله كما يلي:

أولاً: الإطار النظري والتطور التاريخي للتشريع الجنائي الدولي.

ماهية التشريع الجنائي الدولي ومصادره

يشكل التشريع الجنائي الدولي فرعاً مستقلاً من فروع القانون، يهدف إلى تجريم الأفعال التي تمس المصالح الأساسية للمجتمع الدولي ككل، وتحديد المسؤولية الجنائية الفردية عنها، ووضع القواعد الموضوعية والإجرائية لمحاكمة مرتكبيها. ويقتضي الدقة المنهجية التمييز بين مصطلحين قد يبدوان متقاربين لكنهما يحملان دلالات مختلفة: القانون الجنائي الدولي (International Criminal Law) الذي يعني القواعد الجنائية الموضوعية المتعلقة بتجريم الأفعال الدولية، والقانون الدولي الجنائي (International Criminal Law) الذي يعني الجوانب الإجرائية والتعاون القضائي الدولي في المسائل الجنائية.

وللإشارة،تقتضي الدقة المنهجية التمييز بين مفهومين قد يبدوان متقاربين لكنهما يحملان دلالات مختلفة: القانون الجنائي الدولي من جهة، والقانون الدولي الجنائي من جهة أخرى. فالفرق بينهما لا يقتصر على مجرد اختلاف في ترتيب الكلمات، بل يمتد ليشمل موضوعاً مختلفاً ونطاقاً مغايراً لكل منهما.

فالقانون الجنائي الدولي هو ذلك الفرع من القانون الذي يحدد الجرائم الدولية ويضع قواعد المسؤولية الجنائية الفردية عنها. بعبارة أخرى، هو القانون الذي يجرم أفعالاً معينة على المستوى الدولي وتحديدا الجرائم الخطيرة التي تمس بحالة السلم والأمن الدوليين ، مثل (الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان). ويخاطب هذا القانون الأفراد مباشرة"شخصية القوانين "، بغض النظر عن جنسياتهم أو مراكزهم الرسمية وفق المادة 27 من نظام روما الأساسي، ويحدد العقوبات التي توقع عليهم إذا ثبت ارتكابهم لهذه الجرائم. وقد نشأ هذا الفرع القانوني حديثاً نسبياً، ويمكن القول إن محاكمات نورمبرغ عام 1945 كانت بمثابة لحظة ميلاده الحقيقية.

أما القانون الدولي الجنائي، فيختلف في موضوعه ونطاقه. فهو يعني بالدرجة الأولى القواعد الدولية التي تنظم التعاون بين الدول في المسائل الجنائية. ويتعلق هذا الفرع بالجوانب الإجرائية لإنفاذ القوانين الجنائية عبر الحدود الوطنية، مثل تسليم المجرمين، والمساعدة القانونية المتبادلة في التحقيقات، ونقل الإشراف على المحكوم عليهم، والإنابة القضائية. ويخاطب هذا القانون الدول أساساً، وينظم علاقاتها وتعاونها في مكافحة الجريمة عبر الحدود. وهذا الفرع أقدم تاريخياً من الأول، إذ يعود إلى ممارسات التعاون القضائي الجنائي بين الدول التي عرفها القانون الدولي التقليدي.

يمكن توضيح الفرق بمثال بسيط: عندما تحدد المحكمة الجنائية الدولية أن قتل المدنيين عمداً في النزاعات المسلحة يشكل جريمة حرب، فإنها تطبق قواعد القانون الجنائي الدولي. أما عندما تطلب دولة من دولة أخرى تسليم شخص متهم بارتكاب هذه الجريمة، أو عندما تطلب منها المساعدة في جمع الأدلة، فإن القواعد المنظمة لهذا التعاون هي التي تشكل القانون الدولي الجنائي.

وهكذا، فبينما يتعلق القانون الجنائي الدولي بـ "التجريم والعقاب" على المستوى الدولي، يتعلق القانون الدولي الجنائي بـ "التعاون القضائي" بين الدول في المسائل الجنائية مثال التعاون مع منظمة الإنتربول او اليوروبول، أو الاتفاقيات الثنائية لتسليم المجرمين. ورغم أن المصطلحين يلتقيان في دائرة واحدة هي مكافحة الجريمة، إلا أن لكل منهما موضوعه المستقل ونطاقه المتميز.

يتسم التشريع الجنائي الدولي بخصائص عدة تجعله متميزاً عن غيره من فروع القانون. فهو أولاً قانون عقابي استثنائي، إذ لا يطبق إلا على الجرائم الأكثر خطورة التي تهدد السلم والأمن الدوليين. وهو ثانياً قانون جماعي، بمعنى أنه لا يتشكل من إرادة دولة بعينها، بل من إرادة المجتمع الدولي. وثالثاً، هو قانون تكاملي مبدأالتكامل(Complementary) يقوم على مبدأ أن مسؤوليته لا تتحرك إلا عندما تعجز الأنظمة القضائية الوطنية في المجال المحفوظ عن القيام بدورها. ورابعاً، يحمل هذا القانون طابعاً سياسياً واضحاً، إذ يتداخل بشكل كبير مع التوازنات الدولية ومصالح الدول الكبرى.

كما تتنوع مصادر التشريع الجنائي الدولي بين مصادر تقليدية وأخرى حديثة. فالمصادر التقليدية تشمل المعاهدات الدولية وفي مقدمتها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998)، والقانون الدولي العرفي، ومبادئ القانون العامة، والأحكام القضائية، وفقه كبار الكتاب. أما المصادر الحديثة فتشمل بروتوكول كمبالا لسنة 2010 الذي عرّف جريمة العدوان وحدد شروط ممارسة المحكمة لاختصاصها بشأنها، وبروتوكول مالابو لسنة 2014 الذي أضاف جرائم جديدة كالانقلاب على الدستور والفساد، وأثار إشكالية كبرى بمنحه حصانة لرؤساء الدول الأفريقية وكبار المسؤولين أثناء فترة ولايتهم، في تراجع واضح عن مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية.

أما حول التطور التاريخي للتشريع الجنائي الدولي،قبل منتصف القرن العشرين، كانت فكرة المسؤولية الجنائية الفردية عن انتهاكات القانون الدولي شبه معدومة، إذ كان مبدأ السيادة المطلقة الذي كرسته معاهدة وستفاليا عام (1648) يحمي الحكام والرؤساء من أي مساءلة خارجية. ومع ذلك، يمكن تتبع بعض البوادر المبكرة لهذه الفكرة، ومن أبرزها محاكمة بيتر فون هاغنباخ (1474) في الإمبراطورية الرومانية المقدسة، والتي تعتبر أول محاكمة دولية في التاريخ.

كذلك جاءت محاكمات نورمبرغ وطوكيو (1945-1946) لتحدث قطيعة جذرية مع هذا الماضي، حيث شكلت لحظة تأسيسية للقانون الجنائي الدولي الحديث. فقد كرست هذه المحاكمات لأول مرة مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية، وأسست لثلاث فئات كبرى من الجرائم الدولية (جرائم السلم، الجرائم الحربية، والجرائم ضد الإنسانية). لكن هذه المحاكمات أثيرت حولها إشكالية كبرى تمثلت في اتهامها بأنها "عدالة المنتصر"، حيث استخدم المنتصرون المحاكم في الحرب العالمية الثانية ضد المهزومين، دون أن تطال أي من جرائم الحلفاء.

من جانب آخر،مع انتهاء الحرب الباردة، شهد العالم مرحلة جديدة تمثلت في إنشاء المحكمتين الخاصتين بيوغوسلافيا (1993) ورواندا (1994) بقرار من مجلس الأمن، تلاه إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة عام(1998). لكن المحكمة واجهت انتقادات حادة من الدول الأفريقية التي اتهمتها بالانحياز ضد القارة، خاصة في قضية الرئيس السوداني عمر البشير، في حين رفضت قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين الانضمام لنظام روما الأساسي.

ثانياً: منطق القوة وتحديات تطبيق التشريع الجنائي الدولي

سياسة العقوبات الأمريكية ضد المحكمة الجنائية الدولية

يعود العداء الأمريكي للمحكمة الجنائية الدولية إلى ما قبل إنشائها. ففي مفاوضات روما عام 1998، قادت الولايات المتحدة حملة شرسة لتقييد اختصاص المحكمة، وعندما رفضت الأغلبية هذا المطلب، صوتت ضد النظام. وفي عام 2002، أصدرت إدارة بوش قانون حماية أفراد الخدمة الأمريكية (ASPA) الذي يحظر التعاون مع المحكمة، ويجيز استخدام القوة لتحرير أي أمريكي محتجز لديها. كما أبرمت أكثر من 100 اتفاقية ثنائية بموجب المادة 98 من نظام روما، تلتزم فيها الدول بعدم تسليم المواطنين الأمريكيين للمحكمة.

في ذروة النزاع حول تحقيق المحكمة في جرائم حرب محتملة ارتكبها الجيش الامريكي في أفغانستان، أصدر الرئيس ترامب الأمر التنفيذي 13928 في يونيو 2020، والذي فرض عقوبات اقتصادية وتأشيرية على موظفي المحكمة المشاركين في التحقيق مع القوات الأمريكية، مستهدفاً بشكل مباشر المدعية العامة للمحكمة / فاتو بنسودة. وفي تطور لاحق، فرضت الإدارة الأمريكية في 20 أغسطس 2025 عقوبات جديدة استهدفت أربعة قضاة في المحكمة، بالإضافة إلى نائبي المدعين، وجاءت هذه العقوبات رداً على إصدار المحكمة لمذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين.

تثير هذه العقوبات تساؤلات جوهرية حول استقلالية المحكمة وفعاليتها. فقد حذرت الأمم المتحدة من أن هذه العقوبات "هجوم صارخ على استقلال القضاء"، وانتقد الاتحاد الأوروبي هذه الإجراءات. غير أن الدعم الأوروبي والدولي يبقى محدوداً في مواجهة الضغوط الأمريكية، مما يخلق مناخاً من الترهيب قد يدفع قضاة وموظفي المحكمة إلى التراجع عن التحقيقات الحساسة.

من جهة أخرى،أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير، الأولى في مارس 2009 بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، والثانية في يوليو 2010 بتهمة الإبادة الجماعية. وكان البشير بذلك أول رئيس دولة في منصبه تصدر المحكمة مذكرة توقيف بحقه.

يثار في هذه القضية إشكال قانوني مهم يتعلق بالتعارض بين مادتين في نظام روما. فالمادة 27 تنص على أن الصفة الرسمية لرئيس الدولة لا تحول دون ممارسة المحكمة لاختصاصها، أما المادة 98 فتمنع المحكمة من طلب تسليم شخص إذا كان ذلك يتطلب من الدولة التصرف بما يتعارض مع التزاماتها بموجب القانون الدولي فيما يخص حصانات الدول. وقد استندت بعض الدول (كالأردن وجنوب أفريقيا) إلى هذه المادة لتبرير عدم اعتقال البشير أثناء زيارته لأراضيها.

تظهر هذه القضية الحدود الواضحة لفعالية المحكمة في غياب إرادة سياسية حقيقية للتعاون. فقد ظل البشير حراً طليقاً لأكثر من عشر سنوات، وزار دولاً أعضاء في المحكمة دون أن يُعتقل. ولم يتم اعتقاله إلا بعد سقوط نظامه في أبريل 2019، مما يعزز الانطباع بأن العدالة الدولية تخضع لمنطق القوة والسياسة لا لمنطق القانون.

ثالثاً: التحولات الجيوسياسية الكبرى: نماذج معاصرة.

أ-حرب روسيا-أوكرانيا ومذكرة توقيف بوتين

في 17 مارس 2023، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومسؤولة حقوق الأطفال ماريا لفوفا بيلوفا، بتهمة ارتكاب جريمة حرب تتمثل في "الترحيل غير المشروع" للأطفال الأوكرانيين من المناطق المحتلة إلى روسيا. شكلت هذه المذكرة سابقة مهمة، فهي المرة الأولى التي تصدر فيها المحكمة مذكرة بحق رئيس دولة عضو دائم في مجلس الأمن.

تثير مذكرة بوتين إشكالاً قانونياً معقداً يتعلق باختصاص المحكمة. فروسيا ليست عضواً في نظام روما، وأوكرانيا أيضاً لم تكن عضواً وقت وقوع الجرائم، لكنها قبلت اختصاص المحكمة بموجب إعلانين (2014 و2015). غير أن قبول الاختصاص هذا لا يشمل جريمة العدوان، مما دفع المحكمة للتركيز على جريمة حرب محددة.

رغم التحديات القانونية والسياسية، كان للمذكرة تأثير عملي ملموس، حيث اضطر بوتين إلى تجنب حضور قمة بريكس في جنوب أفريقيا في أغسطس 2023، لأن جنوب أفريقيا عضوة في المحكمة وملزمة باعتقاله. كما تسبب قراره بالحضور عن بُعد في إحراج دبلوماسي لروسيا، وأظهر أن مذكرات المحكمة قد تخلق "تأثيراً رادعاً غير مباشر".

نظراً لعدم اختصاص المحكمة بجريمة العدوان في أوكرانيا، اتجهت أوكرانيا ومجلس أوروبا إلى خيار بديل، ففي يونيو 2025 تم الإعلان عن إنشاء محكمة خاصة بجريمة العدوان ضد أوكرانيا، تختص بمحاكمة كبار القادة الروس. غير أن هذه المحكمة تواجه تحديات قانونية كبيرة، أبرزها إشكالية الحصانة، إذ أنشئت بدون تفويض من مجلس الأمن.

ب-غزة: مذكرتا اعتقال نتنياهو وغالانت والضغوط الأمريكية

في 20 مايو 2024، أعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية/كريم خان ،عن طلبه إصدار مذكرات توقيف بحق قادة من حماس وبحق رئيس الوزراء الإسرائيلي/ بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع /يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، شملت تجويع المدنيين في غزة كوسيلة حرب ومنع وصول المساعدات الإنسانية.

قوبل هذا الطلب برد فعل أمريكي غاضب وفوري، حيث هدد الرئيس/ بايدن ،بفرض عقوبات على المحكمة، ووصف البيت الأبيض الطلب بأنه "مشين". وفي 21 نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة مذكرات التوقيف الفعلية بحق نتنياهو وغالانت، وأدانت الولايات المتحدة القرار فور صدوره.

ج-الفلبين: في سياق متصل بقضايا الملاحقة الدولية لكبار المسؤولين، تمثل قضية الرئيس الفلبيني السابق/ رودريغو دوتيرتي محطة بارزة في مسيرة العدالة الجنائية الدولية. ففي 7 مارس 2025، أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق دوتيرتي بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية تتمثل في القتل العمد، وذلك في إطار حملته المعروفة باسم "الحرب على المخدرات" التي راح ضحيتها آلاف المدنيين.

تستند المذكرة إلى اعتقاد المحكمة بوجود أسباب معقولة تدعم مسؤولية دوتيرتي الجنائية عن جرائم القتل التي ارتكبت في الفلبين خلال الفترة من 1 نوفمبر 2011 حتى 16 مارس 2019، وهي الفترة التي كانت فيها الفلبين لا تزال دولة طرفاً في نظام روما الأساسي قبل انسحابها النافذ في 17 مارس 2019. وتغطي هذه الفترة مرحلتين مهمتين: فترة توليه رئاسة بلدية دافاو (2011-2016) حيث قاد "فرقة الموت في دافاو"، وفترة رئاسته للفلبين (2016-2019).

وتوضح المذكرة أن هناك أسباباً معقولة لاعتبار دوتيرتي مسؤولاً عن مقتل 19 شخصاً على الأقل على يد فرقة الموت في دافاو، إضافة إلى 24 شخصاً آخرين على الأقل قتلوا على أيدي أفراد إنفاذ القانون الفلبينيين أو تحت إشرافهم. وقد ساهم دوتيرتي في هذه الجرائم من خلال تصميم المشروع الشامل لاستهداف المجرمين المزعومين، والإشراف على فرقة الموت وتزويدهم بالأسلحة، وتقديم حوافز مالية وترقيات لضباط الشرطة، ووعد الجناة بالحصانة وحمايتهم من التحقيق.

وفي 11 مارس 2025، نُفذت مذكرة التوقيف عندما تم اعتقال دوتيرتي فور وصوله إلى مطار مانيلا عائداً من هونغ كونغ، بناء على إشعار ورد من الإنتربول. وبعد تسليمه إلى المحكمة، مثل أمام الدائرة التمهيدية في 14 مارس 2025. ومنذ ذلك التاريخ، شهدت الإجراءات تطورات متعددة، أبرزها رفض الطعن في اختصاص المحكمة، حيث أكدت المحكمة أن انسحاب الفلبين لا يؤثر على سلطتها في النظر في الجرائم المرتكبة أثناء عضويتها. كما صدر قرار في 26 يناير 2026 بأن دوتيرتي لائق صحياً للمشاركة في الإجراءات، وحددت جلسة الاستماع لتأكيد التهم في الفترة من 23 إلى 27 فبراير 2026.

رابعاً: إشكالية الازدواجية والانتقائية.

أ-"عدالة مزدوجة المعايير": مقارنة أوكرانيا بغزة.

شكلت الحرب في أوكرانيا حالة استثنائية في تاريخ العدالة الجنائية الدولية من حيث سرعة التعبئة الدولية وتوحيد الجهود. فقد تحرك المجتمع الدولي بسرعة غير مسبوقة: فتحت المحكمة تحقيقاً بعد أيام من بدء الغزو، وشكلت دول عدة فريق تحقيق مشتركاً، وأنشئت المحكمة الخاصة بجريمة العدوان بدعم من 46 دولة، وخصصت مئات الملايين من الدولارات لدعم جهود التوثيق والملاحقة.

في المقابل، تواجه قضية غزة جموداً دولياً واضحاً رغم حجم الفظائع المرتكبة. فالدول الغربية الكبرى التي سارعت لدعم أوكرانيا تتباطأ في دعم تحقيقات المحكمة في غزة، بل وتعيقها بالتهديد بالعقوبات. كما أن حالات أخرى عديدة تبقى خارج دائرة الاهتمام الدولي: إثيوبيا (تيغراي)، السودان، اليمن، الكونغو، ميانمار.

تكشف هذه المقارنة عن دور المصالح الجيوسياسية في تحديد أولويات العدالة الجنائية الدولية. فالنزاعات التي تمس مصالح الغرب تحظى باهتمام فوري ودعم غير محدود، بينما النزاعات في مناطق أقل أهمية استراتيجياً تهمش وتنسى. كما أن الدول التي تتمتع بحماية قوى كبرى تكاد تكون بمنأى عن الملاحقة.

ب-التكامل بين الردع والسلام: مقاربة نقدية.

تشير الدراسات التجريبية إلى أن للمحكمة الجنائية الدولية أثراً رادعاً، وإن كان محدوداً ومشروطاً. فتحليل البيانات يظهر أن تصديق الدول على نظام روما يؤدي إلى تحسن في ممارسات حقوق الإنسان، كما أن التدخل الفعلي للمحكمة يقود إلى انخفاض ملحوظ في العنف ضد المدنيين وانتهاك حقوق الإنسان ، خاصة من قبل الجماعات المتمردة.

في المقابل، تشير أبحاث أخرى إلى أن تدخل المحكمة قد يطيل أمد النزاعات ويصعّب حلها. فمذكرات التوقيف تجعل القادة المستهدفين يتجنبون مفاوضات السلام، خوفاً من الاعتقال والملاحقة. نموذج (جوزيف كوني) زعيم جيش الرب للمقاومة في أوغندا خير مثال، إذ رفض التوقيع على اتفاقية سلام مع حكومة أوغندا بسبب مذكرة المحكمة بحقه.

يبرز هنا تناقض محتمل بين هدفين نبيلين: العدالة والسلام. فتحقيق العدالة قد يعني استمرار الحرب وإطالة أمد معاناة المدنيين، بينما تحقيق السلام قد يعني التضحية بالعدالة عبر العفو. المحكمة تتبنى موقفاً صارماً برفض العفو عن الجرائم الدولية،لان تلك الجرائم لا تسقط بالتقادم، لكن هذا الموقف قد يكون له ثمن باهظ.

مع ذلك، قد تساعد المحكمة في إنهاء النزاعات في حالات محددة. فعندما يصبح القادة المستهدفون مهددين بعقاب داخلي أشد، قد يرون في التسليم للمحكمة خياراً أقل سوءاً. نموذجا على ذلك المتهم/ بوسكو نتاغاندا في الكونغو ،والمتهم/علي كوشيب في دارفور السودان،يظهران أن المحكمة قد توفر "مخرجاً آمناً" للقادة المحاصرين.

ختاما،يقف التشريع الجنائي الدولي اليوم على مفترق طرق تاريخي. فقد كشفت التطبيقات المعاصرة عن هشاشة هذا التشريع أمام الإرادات السياسية للدول الكبرى، وعن استمرار إشكالية الانتقائية التي رافقت نشأته. فالمحكمة الجنائية الدولية، رغم رمزيتها الكبيرة، لا تزال رهينة لتوازنات سياسية لا تمت للعدالة بصلة، ويمكن الإشارة إلى التحديات التي تقف امام العدالة الجنائية الدولية وهي:

أولاً، التشريع الجنائي الدولي وليد ظروفه الجيوسياسية ويحمل في بنيته تناقضات القانون والسياسة. ثانياً، إشكالية الحصانة لا تزال قائمة، والدول تفضل التعامل مع القادة الأقوياء كحلفاء لا يمكن المساس بهم. ثالثاً، منطق القوة يهيمن على تطبيق القانون، والعقوبات الأمريكية تخلق نظاماً انتقائياً للعدالة. رابعاً، ازدواجية المعايير واضحة وصارخة بين التعامل مع أوكرانيا وغزة. خامساً، التحولات الجيوسياسية الراهنة تهدد المشروع برمته. سادساً، فعالية المحكمة محدودة ومشروطة بتعاون الدول. سابعاً، العلاقة بين العدالة والسلام معقدة ولا يمكن اختزالها.

وفي ضوء هذه النتائج، يقترح البحث مجموعة من التوصيات: تعزيز استقلالية المحكمة عبر توسيع قاعدة دعمها المالي والسياسي، وتطوير آليات التعاون الدولي، وتبني استراتيجية دبلوماسية نشطة لحث القوى الكبرى على الانضمام، وتطوير آليات رقابة داخلية لمكافحة الازدواجية، وتعزيز الشفافية في قرارات الادعاء، وتطوير مقاربة أكثر مرونة تتعامل مع تعقيدات العلاقة بين العدالة والسلام.

في الختام، يمكن القول إن التشريع الجنائي الدولي يعيش اليوم أخطر أزماته منذ نشأته. غير أن اليأس ليس موقفاً علمياً ولا أخلاقياً. فالعدالة الجنائية الدولية، رغم كل إخفاقاتها، تظل أحد أهم المكتسبات الإنسانية في القرن العشرين، وتمثل الأمل الوحيد لملايين الضحايا في العالم الذين لا يملكون سوى القانون ليحميهم. إن مستقبل هذه العدالة يتوقف على قدرتنا جميعاً على الدفاع عنها وتطويرها، وجعلها أكثر تمثيلاً للعالم بأسره، وأكثر قدرة على مواجهة منطق القوة بمنطق القانون.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رئيس مجلس سلام غزة لا يصلح للسلام
- دور الدبلوماسية غير الرسمية في تنفيذ السياسة الخارجية الفلسط ...
- تفعيل مبدأ جبر الضرر وتعويض الفلسطينيين عن خسائرهم في عدوان ...
- تكيف جرائم العدوان الإسرائيلي (الجرف الصامد)على غزة سنة 2014
- عيوب اللجنة الدولية لتقصي الحقائق في العدوان على غزة سنة 201 ...
- مشكلة فلسطين في الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية التي لا يع ...
- واقع العلاقات العربية-الصينية الضعيف والبديل الإسرائيلي عنهم
- الربيع العربي وانعكاساته على الدبلوماسية العربية.الأسباب وال ...
- دور اللجنة الدولية لتقصي الحقائق في تنفيذ قواعد حماية الأعيا ...
- مصادقة الدول بالانضمام للبرتوكولين الإضافيين لسنة 1977
- ملائمة القانون الوطني الفلسطيني مع قواعد القانون الدولي الإن ...
- الحماية الدولية للبيئة الطبيعية الفلسطينية زمن النزاعات المس ...
- آليات تنفيذ قواعد حماية الأعيان المدنية الفلسطينية
- حظر الأعمال الانتقامية ضد الأعيان المدنية الفلسطينية.
- الحماية الخاصة للأعيان المدنية الفلسطينية زمن النزاع المسلح.
- مراعاة التدابير اللازمة في حال توجيه ضربة عسكرية للأعيان الم ...
- دراسة: المسئولية الدولية في حماية الأعيان المدنية زمن النزاع ...
- دراسة: المسئولية الدولية في حماية الأعيان المدنية زمن النزاع ...
- دراسة: المسئولية الدولية في حماية الأعيان المدنية زمن النزاع ...
- الدبلوماسية في عصر العولمة


المزيد.....




- ترامب: سنرافق ناقلات النفط في مضيق هرمز -إذا احتجنا لذلك-.. ...
- فيديو لـ-ظهور مجسم كرتوني بديل لمجتبى خامنئي بمراسم بيعته-.. ...
- وزير الدفاع الأمريكي: مجتبى خامنئي ربما -تشوّه-.. وإيران لم ...
- مراهق سوري يصف فقدانه لعائلته في غارة إسرائيلية على لبنان
- إيران بعد خامنئي: كيف تم اختيار مجتبى وما الذي ينتظره؟
- غارات إسرائيلية قرب مسيرات -يوم القدس- في طهران… ما خلفية هذ ...
- -معك أسبوع لإنهاء الحرب-.. ترامب يمنح نتنياهو مهلة 7 أيام لأ ...
- -يجب إنهاء المهمة مع حزب الله-: سكان شمال إسرائيل يتحدثون عن ...
- غوتيريش يصل بيروت وتطور نوعي في جبهة لبنان
- دراسة ألمانية: الفياغرا لعلاج مرض وراثي عند الأطفال


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - التشريع الجنائي الدولي في زمن التحولات الجيوسياسية: من منطق القوة إلى إشكالية الفعالية