أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 14. العقد الاجتماعي المستحيل: لماذا لا تستطيع الرأسمالية الريعية تقديم الاستقرار















المزيد.....

14. العقد الاجتماعي المستحيل: لماذا لا تستطيع الرأسمالية الريعية تقديم الاستقرار


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 12:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


شكّل مفهوم "العقد الاجتماعي" إحدى الركائز التي استندت إليها الدولة العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال. قامت هذه المعادلة على تبادل واضح: توفر الدولة الخدمات الأساسية وفرص العمل وبعض أشكال الرعاية الاجتماعية، مقابل قبول الجماهير بشرعية السلطة والتخلي عن المطالب السياسية الجذرية. وبالرغم من محدودية هذا الترتيب وإقصائه لقطاعات واسعة من المجتمع، فقد استمر لعقود بفضل تدفقات الريع النفطي والمساعدات الخارجية والتحويلات المالية. غير أن تفكك هذا النموذج مع صعود السياسات النيوليبرالية، ثم انفجار الانتفاضات الشعبية، كشف هشاشته البنيوية وطرح سؤالاً حاسماً: هل تستطيع الرأسمالية الريعية، في ظل أزمتها العميقة، أن تؤسس عقداً اجتماعياً جديداً يضمن الاستقرار؟

يقدم التحليل الماركسي جواباً حاسماً على هذا السؤال: الرأسمالية الريعية عاجزة بطبيعتها عن إنتاج عقد اجتماعي مستقر. فاقتصادها يعتمد على تدفق الريع من الخارج، سواء في شكل نفط أو مساعدات أو تحويلات، وهو مصدر غير مستدام بطبيعته. كما أن هذا النمط الاقتصادي لا يبني قاعدة إنتاجية حقيقية قادرة على توليد الثروة بصورة مستمرة أو خلق فرص عمل مستقرة. وإلى جانب ذلك، فإن الطبقات المستفيدة من هذا النظام لا تملك أي حافز لإعادة توزيع الثروة لصالح الأغلبية، لأن منطق التراكم الذي يحكمها يقوم أساساً على الاحتكار والامتيازات. ولهذا فإن أي استقرار يقوم على هذه البنية يبقى مؤقتاً وهشاً، سرعان ما يتصدع عند أول أزمة اقتصادية أو سياسية.

قام العقد الاجتماعي القديم على ركيزتين مترابطتين: الريع الخارجي وأجهزة الضبط القمعي. فالريع كان يوفر للدولة القدرة على شراء السلم الاجتماعي عبر الوظائف والدعم والخدمات، بينما كانت الأجهزة الأمنية تضمن منع أي تمرد على هذا الترتيب. غير أن هذا النموذج بدأ يتآكل منذ ثمانينيات القرن الماضي مع أزمة الديون وبدء برامج التكييف الهيكلي التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي. تراجعت قدرة الدولة على توفير الوظائف والخدمات، وتفككت تدريجياً شبكات الحماية الاجتماعية، بينما اتسعت الفوارق الطبقية. ومع تقلص قدرة الدولة على شراء الولاء، اتجهت أكثر فأكثر إلى الاعتماد على أدوات القمع. هذا التحول من دولة الرعاية المحدودة إلى دولة أمنية صريحة كان أحد العوامل التي مهدت لانفجارات 2010-2011.

بعد الانتفاضات الشعبية، حاولت بعض القوى السياسية إعادة صياغة عقد اجتماعي جديد، لكن هذه المحاولات اصطدمت بالقيود البنيوية نفسها. ففي مصر، حاولت حكومة الإخوان بعد وصولها إلى السلطة تقديم تصور بديل، لكنها سرعان ما واجهت حقيقة أنها لا تمتلك برنامجاً اقتصادياً مختلفاً عن النموذج القائم. لم يكن هناك استعداد للمساس بالبنية الاقتصادية القائمة أو مواجهة مصالح الدولة العميقة. وانتهى هذا المسار بعودة المؤسسة العسكرية إلى السلطة بقوة أكبر، مع إعادة إنتاج صيغة أكثر خشونة من العقد القديم: مزيد من القمع يقابله وعد دائم بالتنمية والاستقرار.

في المقابل بدت تجربة تونس محاولة أكثر جدية لبناء عقد اجتماعي جديد قائم على الديمقراطية السياسية والمشاركة العامة. لكن هذه التجربة اصطدمت بالعقبة ذاتها: بقاء النموذج الاقتصادي الريعي-النيوليبرالي دون تغيير. الحكومات المتعاقبة، رغم اختلاف تركيبتها السياسية، واصلت تطبيق سياسات التقشف والاقتراض الخارجي، وخضعت للضغوط نفسها من المؤسسات المالية الدولية، بينما استمرت شبكات الفساد والمحسوبية في العمل. ومع مرور الوقت تزايد الإحباط الشعبي وتراجعت الثقة في المؤسسات المنتخبة، وبدأ ما كان يسمى "الاستثناء التونسي" يبدو كاستثناء هش لا يملك أسساً اقتصادية تحميه.

أما في بلدان مثل سوريا واليمن وليبيا فقد انهار العقد الاجتماعي بالكامل، وتحولت الدولة نفسها إلى ساحة صراع مفتوح تتداخل فيه الحرب الأهلية بالتدخلات الإقليمية والدولية. في هذه الحالات لم يعد الحديث يدور حول إعادة صياغة عقد اجتماعي، بل حول تفكك الدولة والمجتمع معاً. هذا الانهيار يمثل أقصى درجات عجز الرأسمالية الريعية عن إنتاج أي شكل من أشكال الاستقرار المستدام.

يفسر هذا العجز البنيوي عودة الأنظمة العربية باستمرار إلى القمع باعتباره أداتها الرئيسية للحكم. فعندما تفشل الدولة في توفير الرعاية الاجتماعية، وتعجز عن خلق اقتصاد منتج يوفر العمل والدخل، وتستنفد قدرتها على شراء الولاء بالريع، لا يبقى أمامها سوى الاعتماد على الأجهزة الأمنية. غير أن القمع وحده لا ينتج استقراراً حقيقياً، بل يخلق حالة من الهدوء القسري القابل للانفجار في أي لحظة. وهكذا تعيش معظم الأنظمة العربية في حالة توازن هش، يعتمد على القمع اليومي والدعاية الرسمية وشبكات الفساد التي تربط السلطة بالنخب الاقتصادية.

تكمن المشكلة الجوهرية في أن الرأسمالية الريعية تولد شروط عدم الاستقرار من داخلها. فهي تنتج البطالة والتهميش والفقر، ثم تطلب من المجتمع أن يقبل بهذا الوضع باعتباره قدراً. وهي تخلق فائضاً بشرياً واسعاً لا يجد مكاناً في دورة التراكم الاقتصادي، ثم تتفاجأ بأن هذا الفائض يتحول إلى قوة احتجاجية متفجرة. وهي تدمر تدريجياً شروط إعادة الإنتاج الاجتماعي عبر تآكل الخدمات العامة، ثم تسأل لماذا تتصاعد الأزمات الاجتماعية. في ظل هذه البنية يصبح الاستقرار الدائم مستحيلاً، لأن مصدر الاضطراب هو النظام الاقتصادي نفسه.

من هنا يبرز السؤال حول البديل الممكن. فالخروج من مأزق الريع يتطلب انتقالاً جذرياً نحو اقتصاد قائم على الإنتاج الحقيقي. أي الانتقال من اقتصاد الوساطة والاستيراد والخدمات المحدودة إلى اقتصاد يعتمد على الصناعة والزراعة والبحث العلمي والعمل المنتج. ويتطلب ذلك أيضاً تحرراً نسبياً من التبعية الخارجية، وبناء تخطيط اقتصادي ديمقراطي يضع احتياجات المجتمع في مركز عملية التنمية. كما يقتضي إعادة توزيع الثروة بصورة تضمن مستوى معيشة لائقاً للأغلبية بدلاً من استمرار التراكم لصالح أقلية ضيقة.

غير أن تحقيق هذا التحول لا يمكن أن يتم عبر إصلاحات شكلية داخل النظام القائم. فالنخب المرتبطة بالريع والتبعية تملك مصلحة مباشرة في استمرار الوضع الحالي، لأنها تستفيد من امتيازاته الاقتصادية والسياسية. ولهذا فإن الانتقال إلى نموذج اقتصادي مختلف يتطلب قطيعة مع هذا التحالف بين الدولة والبرجوازية الريعية. وتشمل هذه القطيعة إجراءات مثل إعادة السيطرة على القطاعات الاستراتيجية، ووضع الاستثمار تحت رقابة اجتماعية، وبناء مؤسسات ديمقراطية تعكس مصالح المنتجين والفئات المهمشة.

كتب أنطونيو غرامشي أن الأزمة التاريخية تتجسد حين يعجز القديم عن الاستمرار بينما لا يكون الجديد قد وُلد بعد. هذا الوصف ينطبق بدرجة كبيرة على الوضع العربي الراهن. فالنموذج القديم القائم على الرأسمالية الريعية والدولة البونابرتية يتآكل تدريجياً، لكنه يقاوم بكل ما يملك من أدوات. وفي المقابل لم يتشكل بعد بديل اجتماعي قادر على فرض نفسه بصورة واضحة، رغم أن مقدماته تتراكم داخل الحركات الاجتماعية والاحتجاجات الشعبية.

ضمن هذا السياق التاريخي يصبح بناء البديل مهمة سياسية وتنظيمية طويلة. فالمجتمعات العربية تقف في مرحلة مخاض بين نموذج يحتضر وآخر لم يتبلور بعد. والمهمة المطروحة أمام القوى التقدمية هي المساهمة في بلورة هذا البديل عبر العمل الفكري والتنظيمي وتوسيع القاعدة الاجتماعية للنضال. عندها فقط يمكن أن يصبح العقد الاجتماعي الذي يبدو مستحيلاً في ظل الرأسمالية الريعية ممكناً في إطار اقتصاد منتج وديمقراطية حقيقية قائمة على العدالة الاجتماعية.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 13. الديمقراطية كصراع طبقي: تفكيك وهم الانتقال السياسي في ال ...
- الجسد الأنثوي وقود الأزمة: إعادة الإنتاج الاجتماعي واقتصاد ا ...
- 12. الاستلاب المزدوج في المجتمعات الريعية: من القهر السياسي ...
- 11. الهزيمة بوصفها لحظة جدلية: لماذا لم تتحول الانتفاضات إلى ...
- 10. الثورة كمطلب وجودي: حين يصبح التمرد شرطاً للبقاء الاجتما ...
- 9. البونابرتية الرقمية والثورة المضادة: كيف أعادت الدولة الع ...
- 8. التمثيل دون تنظيم: لماذا عجزت الثورات عن إنتاج سلطة طبقية ...
- 7. الثورة ضد النهاب: الاقتصاد السياسي الخفي لشعارات الربيع ا ...
- 6. العولمة النيوليبرالية والدولة البوابة: إدارة النهب من الخ ...
- 5. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي: الميليشيا، الخصخصة، ورأس ال ...
- 4. الدولة البونابرتية الجديدة: من دولة التحديث إلى دولة الأم ...
- 3. البروليتاريا الرقمية والبطالة البنيوية: شباب المدن بين فا ...
- 2. من البرجوازية الوطنية إلى البرجوازية الريعية: إجهاض التصن ...
- في نقد الربيع العربي: نحو نظرية طبقية للانفجارات الاجتماعية ...
- 8. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الثاني
- 7. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الأول
- 6. استراتيجية التحرر الطبقي العابرة للخطوط
- 5. تفكيك النظام لا إصلاح الأجزاء
- 4. الاغتراب المسلح والأيديولوجيا الزائفة
- 3. اقتصاد الحرب كنمط تراكم موحد


المزيد.....




- فيديو تدمير العديد من الطائرات الإيرانية ينشره الجيش الأمريك ...
- الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً لعلاج أمراض كان يُعتقد أنها غير ...
- رويترز: المخابرات الأمريكية تستبعد انهيار النظام الإيراني
- يدفعها من ماله الخاص.. -هدية غريبة- من ترامب تثير التساؤلات ...
- داخل أميركا.. ترامب يتحدث عن انتقام وخلايا نائمة إيرانية
- قتلى بغارة إسرائيلية على الرملة البيضاء في بيروت
- تعرض 6 سفن لهجمات في الخليج ومضيق هرمز
- كدمة وكسر وجروح.. مصدر يكشف تفاصيل إصابة مجتبى خامنئي
- يديعوت أحرونوت: إسرائيل تطبق نموذج غزة في لبنان
- حديقة حيوانات تنشر مقطعًا طريفًا لمواجهة بين دب قطبي و-مخلّل ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 14. العقد الاجتماعي المستحيل: لماذا لا تستطيع الرأسمالية الريعية تقديم الاستقرار