جاسم المعموري
الحوار المتمدن-العدد: 8641 - 2026 / 3 / 9 - 11:26
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إن ايران تحتل موقعا مركزيا في توازنات الشرق الاوسط ليس فقط بسبب حجمها الجغرافي وعدد سكانها وقدراتها العسكرية وثرواتها الهائلة وشعبها المستعد للتضحية من اجل كرامته ومبادءه العليا, بل أيضا بسبب شبكات النفوذ السياسيية والعسكرية التي بنتها عبر عقودمن الزمن في عدة مناطق من المنطقة ,وقد جعل هذا النفوذ من طهران لاعبا أساسيا في قضايا عديدة من بينها الصراع مع العدو الصهيوني, ومستقبل الأمن في الخليج والوضع في العراق وسوريا ولبنان واليمن ,ولهذا فإن اي تغيير في قمة هرم القيادة الايرانية يثير بطبيعته تساؤلات حول الاتجاه الذي قد تتخذه السياسة الايرانية في السنوات القادمة, وهل ستستمر في نهج المواجهة والتصعيد الذي هو حق من حقوقها المشروعة حسب القوانين والاعراف الدولية ,أم أنها قد تميل إلى (وان جنحوا للسلم فاجنح لها)* لتفتح الباب أمام فرص جديدة للتهدئة؟
تعيين اية الله السيد مجتبى خامنئي مرشدا للثورة الاسلامية في ايران هو قرار حكيم وبارع قد يمثل لحظة مفصلية مهمة جدافي تاريخ الشرق الأوسط المعاصر, إذ يأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه المنطقة واحدة من اكثر مراحلها توترا وتعقيدا منذ عقود طويلة ,وفد اعتاد الشرق الاوسط ان يمر بدورات متكررة من التصعيد والهدوء ,إلا ان التحولات التي تحدث في بنية القيادة السياسية والدينية في دولة محورية مثل ايران قد تكون عاملا حاسما في اعادة تشكيل المشهد الاقليمي بأكمله, ومن هنا يمكن النظر إلى صعود اية الله السيد مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد باعتباره فرصة ذهبية محتملة لإعادة التفكير في مسارات الصراع والسلام في المنطقة خصوصا إذا ما ترافقت هذه الخطوة مع تحولات موازية في سياسات القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة.
ان هناك عاملا مهما يتعلق بشخصية المرشد الجديد نفسه, فالسيد مجتبى خامنئي ينتمي الى جيل مختلف نسبيا عن الجيل الذي قاد الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها ,وهو بحكم نشأته السياسية والدينية عاصر تحولات كبيرة في الداخل الايراني وفي البيئة الدولية المحيطة بإيران وقد شهد كيف تغيرت طبيعة الصراعات في الشرق الاوسط وكيف اصبحت الكلفة الاقتصادية والعسكرية للحروب المباشرة وغير المباشرة اكثر وضوحا من أي وقت مضى, ومن هنا فإن كونه اصغر سنا مقارنة بكثير من القيادات التقليدية قد يمنحه هامشا أوسع للتفكير بطرق مختلفة في ادارة الأزمات الاقليمية..
اضافة الى ذلك فان موقعه كابن للمرشد الشهيد السعيد والده الراحل يمنحه قدرا من الشرعية الرمزية داخل مؤسسات النظام الايراني, وهو امر مهم في نظام سياسسي يقوم بدرجة كبيرة على التوازن بين المؤسسات الدينية والعسكرية والسياسية ,وهذه الشرعية قد تسهل عليه بناء توافق داخل دوائر النفوذ الاساسية في الدولة بما في ذلك الحرس الثوري والمؤسسات الامنية الاخرى ,فهذه الجهات تعد من أهم الفاعلين في صياغة السياسة الاقليمية الايرانية واذا كانت القيادة الجديدة قادرة على الحفاظ على ثقة هذه المؤسسات وفي الوقت نفسه توجيهها نحو سياسات أقل تصعيدا فإن ذلك قد يفتح نافذة جديدة أمام الدبلوماسية الاقليمية.
كما ان نفوذ السيد مجتبى خامنئي داخل الاوساط المحافظة في إيران يمكن أن يلعب دورا مهما في تهدئة التوترات الداخلية التي قد تنشأ عادة مع أي انتقال في القيادة ,فاستقرار الداخل الإيراني يعد شرطا أساسيا لأي تحول حقيقي في السياسة الخارجية ,لأن الدول التي تعيش مرحلة انتقالية مضطربة غالبا ما تميل إلى التشدد في الخارج لتعويض الهشاشة في الداخل ,أما إذا كان الانتقال سلسا ومدعوما من المؤسسات الأساسية مكا هو الحال في ايران اليوم فإن القيادة الجديدة قد تكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة المدى.
ومن ناحية اخرى فإن علاقة ايران بمحور المقاومة تشكل جزءا اساسيا من معادلة القوة في الشرق الاوسط فالفصائل المسلحة والتنظيمات السياسية المرتبطة بايران في عدة دول تنظر إلى القيادة اليرانية باعتبارها مرجعية سياسية واستراتيجية ,وإذا استطاع المرشد الجديد أن يحافظ على نفوذه المعنوي والسياسي داخل هذه الشبكة الواسعة فإن ذلك قد يمنحه القدرة على توجيه مواقفها في اتجاهات اكثر انضباطا ,وهو ما قد يقلل من احتمالات الانزلاق إلى مواجهات واسعة غير محسوبة.
ومع ذلك فان تحقيق اي تحول حقيقي نحو التهدئة لا يعتمد على طرف واحد فقط ,فالعلاقات الدولية بطبيعتها معقدة ومتداخلة والقرارات التي تتخذها دولة ما غالبا ما تتأثر بسلوك الاطراف الاخرى, وفي حالة الشرق الأوسط تلعب الولايات المتحدة دورا محوريا في تحديد مسار التفاعلات الأمنية والسياسية في المنطقة ,ولذلك فإن اي فرصة لخفض التوتر بين إيران والغرب تحتاج إلى إشارات متبادلة تعكس استعداد الطرفين لتغيير بعض مواقفهما التقليدية وخاصة تعنت اسرائيل والولايات المتحدة والذي لن يكون في صالح اي منهما اطلاقا .
وهنا يمكن ان اقول ان الادارة الامريكية تمتلك القدرة على التأثير في اتجاه الاحداث إذا اختارت اتباع مقاربة اكثر براغماتية أي المرونة الشديدة تجاه إيران فالتاريخ القريب يظهر أن ايران لا تنحني للاملاءات والشروط التعسفية التعجيزية وتهديدات العدو الصهيوني الغاشم, ويُظهر ايضا ان لحظات الانفراج الدبلوماسي غالبا ما تبدأ بخطوات صغيرة لكنها ذات دلالة سياسية واضحة ,ومن بين هذه الخطوات الامتناع عن تبني خطاب يسعى إلى إسقاط النظام في طهران لأن مثل هذا الخطاب يدفع عادة القيادات الايرانية إلى التشدد ويدفعها -مع شعبها – الى الاصرار على مواصلة الحرب مهما كانت النتائج والتضحيات وحتى لو ادى ذلك الى احتراق المنطقة كلها وبكل ثرواتها وشعوبها, بل ربما تنزلق الامور الى حرب اهليه في ايران وخارجها ليظهر توجه جديد اكثر تشددا واصرارا على مواصلة الطريق حتى تحرير كامل التراب العربي المحتل وستكون الولايات المتحدة والاحتلال الصهيوني أماموضع كارثي لا يحسدان عليه ..
لذا فإن عدم السماح لتأثير الضغوط السياسية القادمة من مجرم الحرب نتنياهوفي ما يتعلق باستراتيجية المواجهة الشاملة مع إيران حتى اسقاط النظام , قد يفتح المجال أمام مقاربات أكثر توازنا فالمعادلة الامنية في الشرق الاوسط لا يمكن حلها عبر الصراع الدائم لأن استمرار التوتر يخلق دائرة مفرغة من التصعيد المتبادل ويزيد من احتمالات اندلاع حروب جديدة تكون كلفتها الإنسانية والاقتصادية باهظة على جميع الأطراف.
ومن هنا فإن إبداء قدر من المرونة الدبلوماسية قد يكون عاملا مهما في تشجيع القيادة الايرانية الجديدة على اختبار مسار التهدئة ,فحتى الاشارات الرمزية مثل التأكيد على أهمية المفاوضات ,أو الامتناع عن التباهي بالانتصارات العسكرية المزعومة ,قد تساعد على خلق مناخ يسمح ببدء حوار غير مباشر يركز على تقليل المخاطر الأمنية وبناء إجراءات تدريجية للثقة بين الاطراف المتنازعة
ولا يعني هذا بالطبع أن الطريق نحو السلام سيكون سهلا أو سريعا ,فالصراعات المتراكمة في الشرق الأوسط تعود جذورها إلى عقود طويلة من الحروب والانقسامات الأيديولوجية والمنافسات الجغرافية والسياسية ,ومع ذلك فإن التاريخ يبين أن التحولات الكبرى غالبا ما تبدأ من لحظات تبدو في البداية صغيرة أو محدودة الأثر, فإذا توفرت الإرادة السياسية لدى الاطراف الاساسية يمكن لهذه اللحظات أن تتحول إلى فرص حقيقية لتغيير المسار.
إن تعيين السيد مجتبى خامنئي قد يشكل واحدة من هذه اللحظات لأنه يفتح الباب أمام جيل جديد من القيادة في إيران ,وهو جيل قد يكون أكثر وعيا بتحديات الاقتصاد العالمي ,وأكثر إدراكا لتكلفة الصراعات المفتوحة ,كما ان التجارب التي مرت بها المنطقة في السنوات الأخيرة أظهرت بوضوح أن الاستقرار الاقليمي اصبح مطلبا مشتركا لكثير من الشعوب والحكومات على حد سواء.
إن مستقبل السلام في الشرق الأوسط لن يتحدد بقرار شخص واحد أو دولة واحدة, بل سيكون نتيجة تفاعل معقد بين القيادات السياسية والمؤسسات العسكرية والرأي العام والقوى الدولية ,ومع ذلك فإن ظهور قيادة جديدة في إيران تمتلك الشرعية والنفوذ داخل مؤسسات الدولة قد يوفر فرصة نادرة لإعادة تقييم المسارات السابقة, وإذا ترافقت هذه الفرصة مع قدر من الحكمة السياسية لدى الأطراف الأخرى فقد يصبح من الممكن الانتقال تدريجيا من منطق المواجهة الدائمة إلى منطق التفاوض والتفاهم اذا كفانا الله شر المجرم النتياهو وادركت الادارة الامريكية خطورة نزعاته الشيطانية قبل فوات الاوان .
إن المنطقة التي عانت طويلا من الحروب والانقسامات تستحق فرصة حقيقية للسلام وقد يكون صعود قيادة جديدة في طهران بداية مرحلة مختلفة إذا ما تم استثمارها بحذر وواقعية وإذا اختارت القوى الدولية والإقليمية أن تتعامل مع هذه اللحظة باعتبارها فرصة للحوار بدلا من اعتبارها مجرد فصل جديد في صراع طويل فإن الشرق الأوسط قد يقترب خطوة إضافية من الاستقرار الذي طال انتظاره.
جزء من الاية 61 سورة الانفال*
جاسم محمد علي المعموري
9-3-2026
#جاسم_محمد_علي_المعموري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟