|
|
حديث الارقام... ما أهم مؤشرات الاقتصاد الإيراني ؟
أحمد فاروق عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 23:50
المحور:
الادارة و الاقتصاد
هذا حديث ثقيل علي القارئ العادي، ومكانه الطبيعي في الدراسات والبحوث العلمية، ولكن سمحت لنفسي بكتابته هنا لاحتمال أن يوجد أحد - ولو قلة - تريد أن تعرف شيئا عن إيران واقتصادها، تستكمل به معرفة وفهم كافة جوانب الصدام الذي يجري قريبا منا علي شواطئ الخليج العربي - كما نسميه نحن العرب - أو الخليج الفارسي.. كما تسميه إيران... فقد فكرت أنه ربما - ربما - يوجد من يهتم، ويريد أن يري جوانب أخري للصراع بجانب صدام السلاح والنار، وصراع المال والصناعة والاقتصاد لا يقل ضراوة عن صراع السلاح والمعارك، ولكن لكل طبيعته ومكانه، وكلاهما تسيل فيه الدماء... تُسمع فيه أهات الجرحي والمصابين هنا .. وآنات المتعبين والمحرومين هناك... عموما لمن يجد لديه الوقت وفي نفسه الطاقة أقدم هذا الحديث...
مؤشرات الاقتصاد الايراني...
تطورت مؤشرات اداء الاقتصاد الايراني – صعودا وهبوطا – مع مرو السنين ، متأثرة بجملة من المتغيرات، ابرزها العقوبات الاقتصادية المفروضة علي الدولة الايرانية من سنوات عديدة، والتي أثرت علي الاقتصاد الايراني في كل نواحيه، وسوف ندرس في هذا الإطار المؤشرات المختلفة للاقتصاد الايراني، وذلك علي النحو التالي:
أولا: الناتج المحلي الاجمالي ومعدلات النمو...
يعد مقياس الناتج المحلي الاجمالي من أهم المؤشرات لمعرفة حالة الاقتصاد المعني من نمو أو ثبات أو انكماش، وهو يعبر عن اجمالي قيم السلع والخدمات النهائية التي تنتجها الدولة خلال عام.. وقد بلغ المتوسط السنوي لنمو الاقتصاد الايراني خلال الأربعين عاما السابقة علي ٢٠٢٠ معدل ١,٨% وهو معدل أقل كثيرا عن مثيله في بعض الدول الاقليمية المتقاربة مع ايران في حجم السكان – مثل مصر وتركيا – ولا تمتلك ما تمتلكه ايران من وفرة موارد الطاقة، وفي عام ٢٠٢٢ جاء الاقتصاد الايراني ثالثا علي مستوي الشرق الاوسط بعد المملكة العربية السعودية ومصر وفقا لتعادل القوي الشرائية، ولقد كان نصيب الفرد الايراني من الناتج المحلي الاجمالي ٧٩٣٦ دولار – بالأسعار الثابتة – عام ١٩٧٨، أي قبل نجاح الثورة بعام واحد، وهو أكبر مما كان عليه نصيب الفرد الايراني عام ٢٠١٧، والذي بلغ ٦٩٤٨ دولار..
ويتصف معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي في ايران – خلال العقود الماضية ومنذ نجاح الثورة – بالتذبذب وعدم الاستقرار، وذلك بعكس تحقيقه معدلات نمو مرتفعة خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ويرجع ذلك لمجموعة من الاسباب، من بينها الحروب والنزاعات الخارجية، التي كلفت الاقتصاد الايراني كثيرا، والعقوبات الاقتصادية المفروضة علي ايران، بالإضافة الي الاعتماد علي المواد الخام وموارد الطاقة، وهي في الغالب متقلبة الاسعار، سواء الصادرات الزراعية، التي تعتمد علي ظروف الطقس والامطار، او النفط الذي يتأثر بمجموعة متنوعة من العوامل الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية، وكذلك الابقاء القسري والمتعسف لسعر صرف منخفض، وهو ما شجع علي زيادة الواردات الرخيصة، وثبط من ناحية أخري الانتاج الوطني. وشهد عام ٢٠١٦ معدل نمو مرتفع نسبيا للناتج المحلي الايراني، وصل الي ٨,٨% مدعوما بنمو الصادرات النفطية، بعد رفع العقوبات الاقتصادية الدولية، ويمكن القول أن الزيادة في نمو الناتج المحلي الايراني ناتجة بالأساس من زيادة صادرات النفط الخام بعد ايقاف العقوبات، لا عن زيادة الانتاج والاستثمار في القطاعات الرئيسة كالصناعة والزراعة والخدمات والتكنولوجيا، وبالتالي فهو نوع من النمو المؤقت وليس النمو المستدام، فالأخير – النمو المستدام – ناتج عن إحداث تغييرات جذرية في هيكل الاقتصاد تؤدي الي زيادات في الانتاج في مختلف قطاعات الاقتصاد بوتيرة مستقرة ومستمرة، بعكس النمو المؤقت الناشئ عن نمو تصدير مادة خام تمتلكها دولة ما في سنة أو مجموعة سنوات، وهي معرضه دائما لتقلبات سعر تلك السلعة في الاسواق العالمية.
ثانيا: التجارة الخارجية الإيرانية:
بعد قيام الثورة الايرانية ونجاحها عام ١٩٧٩ بدأت ايران سياسة تجارية جديدة، اذ اعتمدت علي سياسة الحماية التجارية، وقامت الدولة بفرض سيطرتها علي قطاع التجارة الخارجية، وذلك بموجب المادة ٤٤ من الدستور الجديد عام ١٩٨٠ ، كما اتخذت الدولة الايرانية مجموعة من السياسات، منها منع استيراد بعض السلع وتخفيض استيراد سلع أخري، وذلك باستخدام نظام الحصص والقيود الجمركية، وفرض رقابة مشددة علي توزيع تراخيص الاستيراد، والغاء دور الوسطاء والاعتماد علي وزارة التجارة وهيئاتها، وقد خففت تلك القيود كثيرا علي مدار العقود الماضية، ففي الخطة الخمسية الثانية للتنمية الاقتصادية ١٩٩٥ – ٢٠٠٠ أكدت الخطة علي دور القطاع الخاص – بجانب الدولة – في توسيع قاعدة الصادرات غير النفطية، وتم تأسيس المجلس الأعلى للتصدير، وانشاء لجان تشجيع الصادرات في مختلف المحافظات الايرانية، وكذلك اقرار سياسات تحفيز ضريبية وتيسير حصول المصدرين علي القروض، وتشجيع تكوين جمعيات جديدة للمصدرين، واستمر ذلك الاتجاه في الخطط الخمسية المتعاقبة، وتعد كل من الصين وروسيا والامارات هم أكبر شركاء ايران التجاريين، ثم دول مثل تركيا وكوريا الجنوبية والهند واليابان، والصين هي الشريك التجاري الاكبر لإيران، فقد استوردت من الصين خلال الفترة ٢٠١٣ – ٢٠١٧ بضائع بقيمة ٤٠ مليار دولار، وقد بلغت واردات ايران من الصين عام ٢٠١٦ ربع حجم الواردات من دول العالم أجمع ( نحو ١٠,٧ مليار دولار من اجمالي ٤٣ مليار دولار هي حجم الواردات الايرانية من باقي دول العالم )..
ويأتي النفط في مقدمة الصادرات الايرانية ثم البتروكيماويات ومكثفات الغاز، والصناعات اليدوية كالحلي التقليدية والفخار والمنتجات الجلدية والسجاد والسيراميك والصوف، وتأتي روسيا بعد الصين كأكبر شريك تجاري لإيران، وفي عام ٢٠١٧ اتفقت روسيا وايران علي رفع مستوي التبادل التجاري بينهما الي ١٠ مليار دولار، وقد نص الاتفاق علي أن يدفع ٥٠% منها نقدا، والنصف الاخر ٥٠% في شكل بضائع وسلع تشمل السكك الحديدية والحافلات والمركبات الثقيلة ومعدات الطائرات وغيرها، واستعانة ايران بالتكنولوجيا والخبرات الروسية مقابل تزايد تواجد شركات النفط الروسية في تطوير حقول النفط الايرانية ونقل نفطها لحساب روسيا..
صدرت إيران عام ٢٠٢٣ نحو ٥٣٣ مليون برميل من النفط، بنسبة نمو ٢٧% مقارنة بالعام السابق ٢٠٢٢، وحصلت إيران إيرادات ما بين ٧٠ - ٨٠ مليار دولار، وكان نصيب الصين بمفردها من الصادرات الإيرانية النفطية نحو ٨٣% وقد بلغ متوسط صادرات إيران من النفط يوميا نحو مليون وأربعمائة ألف برميل عام ٢٠٢٣، وهو المعدل الأعلى من سنوات، وبرغم ذلك لم تعد الصادرات النفطية الايرانية لمستويات ما قبل العقوبات الاقتصادية، والتي بلغت نحو اثنين مليون ونصف برميل يوميا..
وفي مقابل فائض التجارة النفطية في إيران يحقق الميزان التجاري غير النفطي عجزا متزايداً، وذلك للنمو السريع في الواردات، لتلبية الاحتياجات الاستهلاكية الضرورية، وخاصة قطع الغيار للمنتجات المختلفة، وبعض أنواع الحبوب، وفي عام ٢٠٢٣ تجاوز عجز الميزان التجاري غير النفطي في إيران عام ١٠ مليار دولار..
وكان البنك المركزي الإيراني قد أصدر أوائل عام ٢٠١٨ قرارا بمنع الاستيراد بالدولار الأمريكي، ولم يقلل القرار من معدلات الاستيراد ولا من الطلب على الدولار الأمريكي، واعتبر القرار سياسيا ورمزيا أكثر منه قرارا عمليا...
ومن ناحية أخري تمثل قضية السلع المهربة عبئا كبيرا على الاقتصاد الإيراني، وتتمثل خطورتها في منافستها للمنتجات الإيرانية المصنعة محليا، وتتميز تلك المنتجات المهربة بانخفاض تكاليفها وبالتالي تدني أسعارها، وهو ما أدي الي اغلاق مصانع كثيرة في إيران وانخفاض انتاج البعض الأخر وتراكم البضائع في المخازن، وقد حاولت إيران الحد من تلك الظاهرة باتباع بعض الوسائل مثل الجمرك الالكتروني الموحد وغيرها من السياسات. وطبقا لمصادر رسمية إيرانية تتراوح قيمة البضائع والسلع المهربة الي إيران سنويا ما بين ١٥ - ٢٥ مليار دولار، وقد أعلن وزير الاقتصاد الإيراني في يناير ٢٠١٧ أن قيمة البضائع المهربة الي إيران خلال ثمانية أشهر بلغت ١٥ مليار دولار (متراجعة من ٢٥ مليار دولار)، وان ٧٠% من السلع المهربة تدخل إيران بأصول وأوراق غير رسمية، وذكر رئيس لجنة محاربة الفساد الاقتصادي في البرلمان الإيراني ان نحو ثلاثة ألاف حاوية من البضائع المهربة تدخل ايران يوميا، وأن نحو ٩٠% من سوق الهواتف المحمولة في ايران تدخل عن طريق التهريب...
وخلال فترة العقوبات الاقتصادية فقدت إيران كثيرا من حصتها السوقية في أوربا، ولم يكن ذلك قاصرا على حصتها من الصادرات النفطية ولكن أيضا غير النفطية، ومنها منتجات تشتهر بها إيران مثل السجاد والزيوت والتمر وغيرها، وكان ان لجأت إيران الي الشرق والي التقارب الاقتصادي مع دول الشرق، ومنها على سبيل المثال اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الاوراسي وإيران..
وقد تقدمت إيران بطلب رسمي الي أمانة منظمة التجارة العالمية عام ١٩٩٦ للانضمام للمنظمة، وبرغم تسلم الأمانة العامة للمنظمة الطلب الإيراني للانضمام رسميا الا انها لم تدرج هذا الطلب على جدول اعمال الجمعية العامة للمنظمة الا عام ٢٠٠١، وقد نوقش الطلب الإيراني في اجتماع ٨ مايو ٢٠٠١، لكن المندوب الأمريكي أعلن رفض بلاده قبول هذا الطلب، وحتى ٢٠٠٧ وصل عدد مرات طرح الطلب الإيراني للانضمام للمنظمة الي ٢١ مرة، وكانت الولايات المتحدة تستخدم حق النقض دائما، وان وافقت المنظمة علي اعتبار ايران عضوا مراقبا فيها عام ٢٠٠٥ ، وفي عام ٢٠٢٤ أعلنت ايران انها لا تسعي ولا تري ضرورة للانضمام الي منظمة التجارة العالمية، وأن عضويتها في تجمع بريكس ومنظمة شنغهاي والاتحاد الاقتصادي الاوراسي ومنظمة التعاون الاقتصادي يعادل انضمامها الي منظمة التجارة العالمية...
ثالثا: الاستثمارات الأجنبية المباشرة..
أدي قيام الثورة في ايران عام ١٩٧٩ وما تلاها من اضطرابات ثم الحرب العراقية الإيرانية لمدة ثمانية سنوات ١٩٨٠ -١٩٨٨ الي انخفاض معدلات تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر المتجهة الي ايران بصورة كبير، بل وانقطعت تماما خلال بعض الفترات، واستمر هذ الوضع حتي عام ١٩٩٣ تقريبا، حيث بدأت الاستثمارات الأجنبية في العودة بصورة محدودة، وكان ذلك راجعا الي قانون إدارة المناطق التجارية والصناعية الحرة في ايران، وقد شهدت الفترة من عام ١٩٩٣ حتي عام ٢٠٠٠ تقلبا في مستوي تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة الي ايران صعودا وهبوطا، الا انه بداية من عام ٢٠٠١ بدأت تدفقات الاستثمار الأجنبية في الزيادة المستمرة دون تقلبات أو تراجع في حجم أو قيمة هذه الاستثمارات... وكان ذلك راجعا الي مجموعة من العوامل من بينها: التصديق علي قانون تشجيع وحماية الاستثمارات الأجنبية عام ٢٠٠٠، وفي يونيو ٢٠٠٢ وافقت ايران علي قانون يتيح توسيع الاستثمار الأجنبي واعطاءه مزيدا من الضمانات، وتطبيق سياسة توحيد سعر الصرف بدلا من تعدده، وخفض قيمة الضرائب المباشرة ، بالإضافة الي قبول ايران في الوكالة الدولية لضمان الاستثمارات متعددة الأطراف (MIGA) وقد ارتفعت نتيجة لهذه المتغيرات الاستثمارات الأجنبية في ايران من ٣٩ مليون دولار عام ٢٠٠٠ لتقفز الي ٢ بليون دولار عام ٢٠٠٧..
وإيران من بلدان الشرق الأوسط كبيرة الحجم والمكتظة بالسكان، أي انها تتميز بحجم سوق داخلي كبير، كما تتميز بتوافر الموارد الطبيعية، ومع ذلك فإن متوسط تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر اليها ليس كبيرا، وبغض النظر عن العقوبات المفروضة عليها، ولكن أيضا لأن حجم القطاع الخاص في إيران مازال محدودا، والدولة في إيران مازالت تسيطر على الجزء الأكبر من الاقتصاد وعلى أغلب القطاعات الاقتصادية...
وعودة الاستثمارات الأجنبية المباشرة – بجانب زيادة الصادرات النفطية - هدفان رئيسيان سعت اليهما إيران للقبول بالاتفاق النووي مع الولايات المتحدة والغرب عام ٢٠١٥ ودخوله حيز التنفيذ مطلع ٢٠١٦، ورغم تزايد الصادرات النفطية بصورة كبيرة بعد الاتفاق النووي، وهو ما الي رفع معدل النمو الإيراني الي مستويات قياسية مقارنة بالسابق، إلا أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي رجعت مرة اخري الي ايران ذهبت بكميات قليلة، لم ترض طموح المسئولين الاقتصاديين في ايران، وكان ذلك راجعا الي الخشية من تغير الموقف الأمريكي من ايران، وهو ما تحقق بالفعل، وقد كان المستثمرون علي حق في مخاوفهم، اذ بعد أقل من عامين ونصف من تفعيل الاتفاق النووي اعادت الولايات المتحدة الامريكية منفردة فرض العقوبات الاقتصادية علي ايران في مايو ٢٠١٨، وقد استجاب للقرار عدد كبير من الشركات العالمية، وقررت وقف أنشطتها في ايران وانسحبت من السوق الإيراني مرة أخري.
وكانت الولايات المتحدة – وبرغم رفع الحصار الاقتصادي– قد استمرت في فرض كثير من العقوبات علي إيران، ففرضت وزارة الخزانة الامريكية مطلع ٢٠١٧ غرامة ضخمة علي شركة الاتصالات الصينية ZTE بلغت مليار دولار بسبب انتهاك قرارات التصدير الامريكية وارسال أجهزة اتصالات أمريكية الي ايران، وفرضت غرامات علي بنك BNP لانتهاكه الحظر الأمريكي، وقامت شركة ايرباص بتعليق عقودها الموقعة مع ايران خشية رد الفعل الأمريكي، وهو ما حد من تدفق كبيات أكبر من الاستثمارات الأجنبية المباشرة الي ايران..
وذكرت الاحصاءات الصادرة عن وزارة الاقتصاد الايرانية استقطاب ١٢ مليار دولار وافقت عليها لجنة الاستثمارات الاجنبية بعد توقيع الاتفاق النووي وحتي مارس ٢٠١٧، وتظهر مدي حاجة ايران الي الاستثمارات الاجنبية المباشرة في أن ايران ليس لديها القدرة علي توفير استثمارات كبيرة من الموارد والمصادر المحلية، لذا كان البديل هو السعي لجذب رؤوس الاموال الاجنبية لتعويض العجز الداخلي في الانتاج ولتوفير فرص العمل، وطبقا لمصادر بريطانية عام ٢٠١٧ فإن الفرص الاستثمارية في ايران تصل الي ٦٠٠ مليار دولار خلال العقد المقبل، وتشمل استثمارات في مشروعات البنية التحتية، وتطوير شبكة السكك الحديدية الحكومية – التي تمتد الي أكثر من ١٠ ألاف كم، وكان من المتوقع أن تصل مع تنامي الاحتياجات الي ٢٥ ألف كم عام ٢٠٢٥ – كما تحتاج مطارات ايران وعددها ٥٤ مطارا الي تطوير شامل، بالإضافة الي حاجة شركة الطيران الوطنية الايرانية الي شراء نحو ٦٠٠ طائرة جديدة خلال سنوات قليلة..
وبجانب العقوبات الاقتصادية هناك عقبات أخري أمام تدفق الاستثمارات الاجنبية الي ايران من أهمها:
١ - وجود أكثر من سعر صرف للعملة في ايران – سعر الصرف الرسمي وسعر صرف السوق الموازية – وهو ما يزيد من تكلفة أداء الاعمال الاقتصادية والتجارية، ويعمل علي تعثر الموازنات المالية للمستثمرين الاجانب وتحميلها اعباء اضافية. ٢ - اختلاف منظور الحكومة الايرانية وفريقها الاقتصادي للاستثمارات الاجنبية عن نظر القيادة الدينية – وهي القيادة الفعلية في ايران – لها، ففي حين تعمل الحكومة وجهازها الاقتصادي علي جذب الاستثمارات الاجنبية تركز الخطط الخمسية للتنمية والتي يشرف عليها ويضع أهدافها المرشد الأعلى للثورة الاسلامية علي زيادة الاعتماد علي النفس، أو ما يطلق عليه في ايران الاقتصاد المقاوم، وهو ما يؤدي الي عدم تحديد الاولويات الاقتصادية وتضارب السياسات والاجراءات..
رابعا: سعر صرف العملة الإيرانية:
في نوفمبر ٢٠١٦ حدث انخفاض كبيرا في سعر صرف الريال الإيراني أمام الدولار الأمريكي، حيث فقد نحو ١٧% من قيمته، وقد ساهم ذلك في زيادة تكلفة استيراد مدخلات الإنتاج والآلات والتكنولوجيا الحديثة، ووضع عقبات جدية أمام تحديث قطاع الصناعة في إيران. وكان السبب المباشر لذلك تطورات سياسية معينة ( فوز دونالد ترامب بالرئاسة في الولايات المتحدة وهو صاحب موقف متشدد من إيران، وكذلك تمديد الكونجرس الأمريكي العقوبات الاقتصادية علي ايران لمدة ١٠ سنوات أخري ) وقد ظل للدولار الامريكي في ايران سعرين لمدة طويلة، أحدهما السعر الرسمي الذي تثبته الحكومة، بالإضافة الي سعر السوق الحرة ، وفي عام ٢٠١٦ كان الفرق بينهما ١٣,٥% نتيجة لعدم كفاية الدولار لدي الحكومة لتلبية الطلب عليه بالأسعار الثابتة، مما يجبر طالب الدولار الي السوق الحرة لتلبية احتياجاته، وبرغم دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ في يناير ٢٠١٦ الا ان سعر صرف الريال الايراني أمام الدولار واصل انخفاضه، برغم زيادة الصادرات النفطية وتحقيق الميزان التجاري فائضا، وقد زادت حدة الازمة بقوة مع انسحاب الولايات المتحدة والغرب من الاتفاق مع ايران وعودة العقوبات الاقتصادية عام ٢٠١٨ . ويمكن القول ان تراجع سعر صرف العملة الايرانية يرجع الي الاسباب التالية:
١ - جذور الازمة قديمة ومتراكمة، فإيران مرت بتغيرات عميقة في بيئتها السياسية والاقتصادية منذ السبعينات من القرن الماضي، وخصوصا في علاقاتها غير المستقرة مع القوي الكبرى، وأبرز نتائجها الحصار الاقتصادي منذ التسعينات، ثم العقوبات الدولية المغلظة منذ ٢٠١٢ علي اثر تطوير ايران لبرنامجها النووي، ومع كل أزمة سياسية أو اقتصادية كان التأثير يظهر فوريا علي سعر صرف العملة الايرانية أمام الدولار..
٢ - تراجع موارد الدولة من العملات الاجنبية، مع الحصار التجاري الذي استمر طويلا، وزادت حدته بعد ٢٠١٢ مع حظر الصادرات النفطية الايرانية – وهي المصدر الرئيس للعملات الاجنبية – وكذلك انخفاض الصادرات غير النفطية، واستمرار تجميد الأموال والأصول الايرانية – وقيمتها عشرات المليارات من الدولارات – في الخارج، وقد تأثرت العملة الايرانية بكل هذه المتغيرات..
٣ - وجود أكثر من سعر صرف للعملة الايرانية، حيث يوجد سعر الصرف الحكومي الرسمي، وسعر الصرف الموازي – في السوق الحرة – وكذلك سعر الصرف المرجح، وهو ما كانت تتعامل به الحكومة الايرانية مع المؤسسات الاقتصادية المملوكة والتابعة لها، وقد تم الغاءه في مارس ٢٠١٣، ومن الجدير بالذكر ان الحكومة الايرانية حاولت مرارا توحيد سعر الصرف ولكن لم يكتب لتلك المحاولات الاستمرارية في أغلب الأحيان..
٤ - الاعتماد على مصادر غير مستقرة للعملة الاجنبية، حيث تعتمد ايران علي مصدر رئيس للحصول علي العملات الاجنبية – الصادرات النفطية – وهو مصدر سريع وشديد التقلب، ويخضع لعوامل ليس للدول المصدرة سيطرة عليها في أغلب الاحيان..
٥ - استمرار القيود البنكية علي ايران: حيث ظلت القيود المفروضة علي النظام البنكي في ايران بواسطة الدول الغربية تؤثر الي حد ما علي سعر صرف العملة الايرانية، وترفع تكلفة الحصول علي النقد الاجنبي، كما تعمل القيود علي النظام البنكي الايراني علي تأخير حصول ايران علي مستحقاتها المالية من النقد الاجنبي مقابل صادرات النفط والسلع غير النفطية، وهو ما أدي الي عدم مقدرة البنوك الايرانية علي تلبية الطلب علي العملات الاجنبية بشكل كاف..
٦ - السياسة الخارجية الايرانية في الاقليم، حيث الانفاق الخارجي – بعدة مليارات – علي الصراعات الاقليمية وعلي الاحزاب والتيارات والجماعات المؤيدة لإيران او القريبة منها، مع زيادة ميزانية القوات المسلحة الايرانية والحرس الثوري، وهو ما يؤثر بالسلب علي الاحتياطي النقدي الايراني من العملات الاجنبية، وبالتالي علي سعر الصرف..
٧ - وجود شبهات فساد، كقيام شركات الاستيراد بأخذ الدولار المدعوم من الحكومة ثم اعادة بيعه في السوق الموازية بأسعار أعلي وأرباح مضاعفة، والي جانب اهدار الموارد الدولارية المحدودة فإن ذلك يساهم في نقص السلع المعروضة وبالتالي زيادة أسعارها..
وقد شهد عام ٢٠١٨ أسوأ تراجعات وتدهور للعملة الايرانية – التومان – فقد شهدت بداية العام مظاهرات أثرت علي سعر الصرف بشكل كبير، وكانت بداية سلسلة من التراجعات في قيمة العملة، بلغت ذروتها بعد تطبيق المرحلة الاولي من العقوبات الامريكية في سبتمبر، حيث سجل الدولار الواحد ١٩ ألف تومان قبل أن يستقر حول ١١ ألف تومان للدولار بنهاية عام ٢٠١٨، وذلك مقارنة بأقل من ٥ ألاف تومان للدولار خلال عامي ٢٠١٦ و ٢٠١٧، وقد اتخذت الحكومة الايرانية مجموعة من الاجراءات لوقف تدهور العملة الايرانية، حيث قامت بخفض سعر الصرف الرسمي من ٣٥٠٠ الي ٤٢٠٠ تومان لكل دولار، ثم قامت بتغيير محافظ البنك المركزي، بالإضافة الي مطالبة المصدرين الايرانيين بتحويل ما بحوزتهم من عملات أجنبية من خلال البنك المركزي الايراني عبر نظام نيما، المربوط بسعر الصرف الحر كبديل عن التعامل مع السوق الموازية.
وفي يونيو ٢٠٢٢ حدث تراجع غير مسبوق حتي ذلك التاريخ في سعر صرف العملة الايرانية أمام الدولار الامريكي، حيث بلغ الدولار الواحد ٣٣ ألف تومان، وجاء هذا التراجع الحاد نتيجة لشح العملات الاجنبية عقب قرار الحكومة منع وتجريم تداول العملات الاجنبية بالعقود المستقبلية أو الآجلة، وفي نوفمبر ٢٠٢٢ وصل سعر صرف الدولار أمام التومان الايراني ٣٦ ألف تومان لكل دولار، ارتفع الي ٣٨ ألف تومان لكل دولار في منتصف ديسمبر ٢٠٢٢، وكان مما ساعد علي هذا الانحدار الحاد مجموعة من العوامل المستجدة ( بالإضافة الي العوامل التقليدية لأسباب تراجع العملة الايرانية ) ومن أمثلة العوامل المستجدة دراسة الاتحاد الاوربي تصنيف الحرس الثوري الايراني كمنظمة ارهابية، وللحرس الثوري دور مهم ومؤثر في الالتفاف علي العقوبات الغربية علي ايران، وهو ما يعني عرقلة الصادرات الايرانية وشح الدولار، وكان من ضمن الاسباب أيضا خفض كميات الغاز الموجهة الي صناعة البتروكيماويات، وهي من أهم صناعات التصدير في ايران والجالبة للعملات الاجنبية ( وتشكل جزء مهما من الصادرات الايرانية غير النفطية ) أضف الي ذلك موجة سحب الاموال من بورصة طهران مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية، وهو ما أدي الي هبوط مؤشر البورصة الرئيسي، كما ارتفع معدل تحويل الاموال الي دولارات وعملات مشفرة، وهو ما أدي الي زيادة الطلب علي الدولار في السوق الموازية..
وفي فبراير ٢٠٢٣ ارتفعت اسعار العملات الاجنبية أمام التومان وخاصة الدولار بنسبة ٣٤% مقارنة بالشهر السابق مباشرة، وتجاوز الدولار الواحد ٦٠ الف دولار تومان مقابل ٤٤ ألف تومان في الشهر السابق ( يناير 2023 ) وفي نفس الشهر الذي ارتفعت فيه العملات الاجنبية أمام التومان استحدثت الحكومة الايرانية وسيلة تهدف الي الحد من ارتفاع اسعار العملات الاجنبية، فقد قامت بإنشاء " مركز صرف العملات الاجنبية والذهب " ومن خلاله تطرح الحكومة أموال الصادرات الايرانية للمستوردين والتجار الراغبين في الشراء بأسعار متغيرة، ولم تنجح تلك الألية في الحد من ارتفاع اسعار العملات الاجنبية...
انتهي الحديث الطويل عن أهم مؤشرات الاقتصاد الإيراني ولكن لم ينته الحديث عن جوانب أخري مهمة في قصة الاقتصاد الإيراني... الامس واليوم وفي الغد...
#أحمد_فاروق_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قطاع الخدمات في إيران...
-
ماذا تُنتج إيران... وماذا تصَّدر ؟ كيف حال قطاع الصناعة الإي
...
-
الاقتصاد الإيراني...
-
الليلة... والبارحة !!
-
كيف فهمت مصر من 60 سنة ما يعجز البعض عن فهمه حتي اليوم ؟!
-
نصيحة لروسيا والصين...
-
الإمارات... وما تفعله ؟!
-
وهل هناك جديد ؟! الوسائل المتغيرة للقوة.. وكيف تصل أمريكا إل
...
-
كان صرحا من خيال... فهوي !!
-
الانقلاب السياسي..
-
هل حدث تزوير في الانتخابات؟!
-
لماذا أكبر دولتين في العالم غير ديموقراطيتين ؟!
-
إعادة تدوير السلع القديمة...
-
انتخابات مجلس النواب... والأموال..
-
العلم... والدولة..
-
أنور السادات... والتطرف الديني.
-
الإخوان والسجون... قصة غير مروية..
-
أنور السادات... نظرة أخري..
-
الخلافة.. في ثوبها العثماني.. وفي ثوبها الأموي !!
-
من خسر... ومن فاز ؟
المزيد.....
-
الحرب على إيران تضرب الاقتصاد الإسرائيلي: تحذيرات من الركود
...
-
هل تنجح إجراءات ترمب في احتواء صدمة النفط التي أشعلتها الحرب
...
-
مجموعة السبع تبدي استعدادا لاستخدام المخزونات الإستراتيجية ل
...
-
رئيس إيران يعلن حزمة دعم اقتصادي: معيشة الشعب أولويتنا القصو
...
-
واشنطن تسرّع إنتاج قاذفات -بي-21 رايدر- بنسبة 25% وسط تصعيد
...
-
-خرج الإيرانية- تحت المجهر.. هل تتحول إلى ورقة ضغط أميركية؟
...
-
صدى الحرب يتردد في أسواق النفط فما بدائل هرمز؟
-
زلزال اقتصادي عالمي: قفزة في أسعار السكر والطاقة مع استمرار
...
-
زلزال أسعار النفط يضرب آسيا: إجراءات طارئة وإغلاق للمدارس لم
...
-
اليوم الـ 10 من الحرب: غارات على لبنان وإيران ورشقة صواريخ ع
...
المزيد.....
-
الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي
...
/ سالان مصطفى
-
دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر
/ إلهامي الميرغني
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ دجاسم الفارس
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ د. جاسم الفارس
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ دجاسم الفارس
-
الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق
/ مجدى عبد الهادى
-
الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت
...
/ مجدى عبد الهادى
-
ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري
/ مجدى عبد الهادى
-
تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر
...
/ محمد امين حسن عثمان
المزيد.....
|