أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فيصل عوض حسن - متى تنهض النُخَب السُّودانِيَّة لإنقاذِ السُّودان؟















المزيد.....

متى تنهض النُخَب السُّودانِيَّة لإنقاذِ السُّودان؟


فيصل عوض حسن

الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 19:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يمرّ السودان اليوم بأكثر لحظاته التاريخيَّة قسوةً وتعقيداً. فالحربُ تُمزِّق الجُغرافيا، والاقتصادُ يترنَّح ويمضي نحو الانهيار، والمُجتمع يَئِنُّ تحت ثقل الأزمات التي لم تترك مجالاً لترف الانتظار أو رفاهيَّة الجدل العقيم. وفي إطار هذا المشهد القاتم، تبرز أسئلة مُلِحَّة لا يُمكن القفز فوقها: أين النُخَب السُّودانِيَّة مما يحدث؟ ولماذا ظَلَّت أسيرة لدور المُتغافل أو المُراقب الذي يصف الأزمات ويحللها من بعيد؟ ومتى ستملك الشجاعة وتنتقل من موقع التعليق إلى موقع الفعل، ومن لُغةِ التحليلِ إلى لُغةِ الحلول؟
المُفارقة المُدهشة، أنَّ السيد/مالك عقار، نائب الجنرال عبد الفتاح البرهان، فاجأنا بدعوته لاستشراف المُستقبل وإعادة بناء السُّودان بعقليةٍ جديدة؛ تضع في مُقدِّمة أولويَّاتها إعادة إعمار الإنسان السُّوداني نفسه: وعياً وروحاً وقِيماً، جنباً لجنب مع دفع عجلة الاستثمار والأنشطة الاقتصادِيَّة بأيدٍ وعقولٍ سُّودانِيَّة، وتفعيل قوانين مُحاربة الفساد وضبط الأداء وترسيخ ثقافة التطوير. ولكن، وكما هو مألوفٌ في واقعنا السُّوداني المأزوم، لم تَمُر هذه الدعوة دون أن تتفجَّر حولها موجة من السُخريَّة والرفض والتأييد. بعضهم استقبلها بالتهكُّم، وبعضهم بالعداء، وآخرون بالصمت الذي لا يقل سلبيَّةً عن الرفض نفسه. ولم يقتصر هذا الانقسام على عامَّة النَّاس، بل شمل شريحةً واسعةً من المُتعلمين السَّودانيين، الذين يُفترض أنَّهم أكثر قُدرة على النظر إلى القضايا بعينٍ موضوعِيَّةٍ تتجاوز الأشخاص إلى جوهر الأفكار.
رغم تحفُّظاتي العميقة جداً على المسيرة السياسِيَّة لمالك عقار، وما شابها من تَقَلُّباتٍ ومواقفٍ مُثيرةٍ للجدل والاشمئزاز، إلا أنَّ الفكرة التي طرحها في هذه الجُزئِيَّة تحديداً ليست موضع خلاف عقلاني. فالسُّودان يحتاجُ بالفعل إلى إعادة بناءٍ شاملة، تبدأ من الإنسان قبل الحجر، ومن الوعي قبل البُنيان.
في تقديري أنَّ المُشكلة الحقيقيَّة لا تكمُن في هذه التصريحات، بقدر ما تكمُن في حالة التِيه التي تعيشها النُخَب السُّودانيَّة منذ عقود. تلك النُخَب التي كان يُفترض أن تكون بوصلة المُجتمع وضميره الحي، فإذا بها تتحوَّل – في كثيرٍ من الأحيان – إلى جُزءٍ من الأزمة نفسها. فقد ظَلَّ السُّودانُ، منذ فجر الاستقلال، يُعاني من مُفارقةٍ مُؤلمة: بلدٌ غنيٌ بالموارد الطبيعيَّة والبشريَّة، لكنه عاجزٌ عن النهوض والبناء. فبدلاً من أن تتقدَّم النُخَب الصفوف لتقود مشروعاً عقلانياً لإدارة الدولة، انشغلت بالطموحات الشخصِيَّة والولاءات الطائِفيَّة والكيانات الضيقة، وغرقت في جدالاتٍ عقيمةٍ لا تبني دولة ولا تنقذ وطناً.
هكذا ظَلَّ السُّودانُ يدور في الحلقة المُفرغة ذاتها: أزماتٌ تتوالد من أزمات، وانقساماتٌ تتغذَّى على انقسامات، وحروبٌ تُورث حروباً. وآخر فصول هذه المأساة هي الحرب الراهنة، التي مَزَّقت الجُغرافيا وأرهقت الإنسان السُّوداني إلى حدٍ لم يَعُد يُحتمَل. ومع ذلك، ما تزال النُخَب السُّودانِيَّة – في مُعظمها – حبيسةً لمُربَّع التحليل والتفسير. تُحلِّل الأزمة وتشرحها وتكتب عنها، لكنَّها نادراً ما تنتقلُ إلى مُربَّع الفعل الحقيقي. كأنَّ دورها ينتهي عند تشخيص المرض، دون أن تتقدَّم خطوةً واحدةً نحو وصف العلاج.
لقد آن الأوانُ أن تتغيَّر هذه المُعادلة.. آنَ الأوانُ أن تُدرك النُخَب السُّودانِيَّة أنَّ التاريخ لا يذكر المُراقبين، وإنَّما يذكرُ الشُجعان الذين صنعوا الفارق في اللحظات الحرِجة. والأوطانُ لا تُبنى بالغضب والارتجال، ولا تنهض بالنوايا الحَسَنة، ولا تُدارُ بالجدلِ العقيم، وإنَّما تُبنى بالعلم، وتنهضُ بالتخطيط، وتُدارُ بعقولٍ تعرف ماذا تريد وكيف ومتى تصل إليه، وهذا ما يحتاجه السُّودانُ اليوم! فبلادنا لا تحتاجُ إلى مزيدٍ من البيانات السياسِيَّة، ولا إلى سيلٍ جديد من الخطاباتِ الحماسِيَّة، ولكننا بحاجة إلى برنامجٍ وطنيٍ علميٍ وعملي، واضحُ المعالم، مُحدَّدُ الأهداف، يستندُ إلى قُدراتنا الواقِعيَّة، ويجيبُ بلا مُواربةٍ على الأسئلة الجوهريَّة التالية:
ماذا سنفعل؟
مَنْ سيفعل؟
كيف سنفعل؟
ومتى سنفعل؟
إنَّ المسؤوليَّة التاريخيَّة للنُخَب السُّودانِيَّة تفرضُ عليها أن تُبادر إلى وضع الأُسُس العلمِيَّة لإدارة الدولة وبناء نهضتها. والخطوةُ الأولى في هذا الطريق تكون بإعداد استراتِيجيَّة وطنيَّة شاملة لإدارة الدولة السُّودانِيَّة ككل دون استثناء أي إقليم أو قطاع، استراتيجيَّة تُمثِّل رُؤية مُتكاملة وليس مُجرَّد مُبادراتٍ مُتفرِّقة أو اجتهاداتٍ معزولة. ويُمكن البدءُ في هذا المشروع بتشكيل مجموعات عمل وفق التَخصُّصات العلمِيَّة والمِهَنِيَّة، لتَتَولَّى إعداد استراتيجيات قطاعِيَّة مُتكاملة كالصحة والتعليم والاقتصاد والزراعة والبُنية التحتِيَّة والإدارة العامَّة وغيرها. على أن تتضمَّن هذه الاستراتيجيات تحديد الأهداف الكُبرى، والخطط التنفيذيَّة قصيرة ومُتوسطة وطويلة الأجل، وتقدير التكاليف والموارد، وآليات المُتابعة والتقييم والتقويم، وتَصَوُّر واضح لشكل الحُكم والتنظيم الإداري للدولة ومُتطلبات شغل الوظائف العامة، أخذاً في الاعتبار الواقع المالي والسياسي والأمني والاجتماعي المُعقَّد الذي يعيشه السُّودان. وعند اكتمال هذه الاستراتيجيات القطاعِيَّة، يتم دمجها لتُشكِّل الاستراتيجيَّة الوطنيَّة الشاملة، ثُمَّ تُطرَح بشفافِيَّةٍ أمام الشعب السُّوداني ليُقرِّر بشأنها بحُرِّيَّة ودون وصاية..
قد يقول قائل إنَّ بعض القوى أو الكيانات السياسِيَّة تمتلك بالفعل رُؤىً أو استراتيجيات. لكن الحقيقة أن كلَّ ما طُرِحَ حتَّى الآن لا يتجاوز حدود الشعارات العاطِفِيَّة والوعود الفضفاضة وتفتقر إلى الأساس العلمي والعملي. فالاستراتيجيَّة الرصينة لا تُبنى على الأمنيات، ولا تقومُ على التعويل المُفرِط على الخارج، بل تعتمدُ فقط على قُدراتنا الذاتِيَّة (المُتاحة فعلاً)، وعلى المعلومات الدقيقة والإحصاءات الواضحة، وهذا لا يتوفَّر في كل المطروح الآن (رغم قِلَّته)..!
إنَّ الشعب السُّوداني ينتظرُ من نُخَبه أن يضعوا علمهم وخبراتهم في خدمة الوطن الجريح، وأن يُحولوا المعرفة إلى خطط، والخبرة إلى برامج ورُؤى قابلة للتطبيق..! فإمَّا أن تتقدَّم النُخَب السُّودانِيَّة لإنقاذ الوطن وبناء المُستقبل، وإما أن تكتفي بالصمت والتَرَدُّد، فتدفع البلاد بكاملها الثمن، والتاريخُ لن يرحم مَنْ تَخَلَّف، والأجيال القادمة لن تنسى من امتلك الشجاعة ليبني، أو فشل واكتفى بالمُشاهدة.
السُّودانُ يحتاجُ اليوم إلى عملٍ وشجاعةٍ وعقلانِيَّة، لا إلى مزيدٍ من التحليلاتِ والجدالاتِ العقيمة والانصرافِيَّة.



#فيصل_عوض_حسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بُؤسُ أنور قرقاش في تجميلِ قُبْح الإمارات..!
- العقوبات ضد السُّودان: فَخٌ مُتجدِّد وابتزازٌ مُتواصل!
- أمَا آنَ للسُّودانيين إيقاف نهب وتقسيم البلد؟!
- هل يتَّعظ السُّودانيُّون ويُنقذون ما تَبَقَّى من البلد؟!
- أزمةُ السُّودانِ وآفاق الحلول ..!
- هل سنَتَّعِظ ونلحق السُّودان قبل فوات الأوان ؟!
- هَلْ سيُدرِك السُّودانِيُّون حقيقة ومآلات الاشتباكاتُ الماثل ...
- السُّودانيون وتجزئة القضايا المصيرية ..!
- السودان ومُهدِّداتُ الشرق ..!
- السودان والاستقلال المفقود ..!
- حتميَّة إفشال مُثلَّث حمدي لاستدامة السُّودان ..!
- السُّودان والجحيمُ القادمُ من الشرق ..!
- عودة لأكذوبة البني عامر ..!
- تعقيباً على المُزَوِّرين المُتدثِّرين بمُسمَّى البني عامر .. ...
- الإريتريُّون وأكذوبة البني عامر والقبائل الحُدُودِيَّة والمُ ...
- السُّودان والتهديداتُ الوُجُوديَّةُ للمُجَنَّسين الإريتريّين ...
- السُّودانِيُّون والتفريطُ في حسم المُتأسلمين ..!
- السُّودان والاستقلالُ المفقود ..!
- انقلاباتُ السُّودان ..!
- مَحَاْذِيْر وَمُتَطَلَّبَات لِإِنْجَاحِ اَلْثَورة السُّودَان ...


المزيد.....




- في دبي.. مطعم إيطالي يدعو جدّات حقيقيات لطبخ أطباق دافئة للز ...
- فريق CNN: سماع دوي عدة ضربات في أنحاء طهران الإثنين
- رأي.. بارعة الأحمر تكتب: لبنان ساحة للحرب الإقليمية.. فهل ين ...
- بصور أقمار صناعية.. تحليل CNN يرجّح مسؤولية واشنطن عن ضربة م ...
- مجلس خبراء القيادة الإيراني يختار مجتبى خامنئي مرشدا جديدا خ ...
- من هو مجتبى خامنئي الذي خلف والده في قيادة إيران بعد سنوات م ...
- لوتان: صور مزيفة إلى حد الغثيان في حروب الشرق الأوسط والحقيق ...
- واشنطن بوست: ترمب يحقق أمنيات نتنياهو لكن دعمه ينطوي على مخا ...
- شاهد.. جولة ميدانية للجزيرة نت بين الأنقاض والركام في النبطي ...
- السعودية تعلن اعتراض مسيّرة فوق الربع الخالي كانت متّجهة إلى ...


المزيد.....

- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فيصل عوض حسن - متى تنهض النُخَب السُّودانِيَّة لإنقاذِ السُّودان؟