هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي
(Hani Alroussen)
الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 14:02
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
عندما أعلن دونالد ترامب في 28 فيفري/فبراير 2026 انطلاق "العمليات القتالية الكبرى" ضد إيران، كان الرجل يعتقد أنه يمسك بورقة رابحة، اذ انه خلال الأيام التي سبقت الضربات، كان مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف لا يزال يتفاوض مع الجانب الإيراني في جنيف، فيما كان هو وسيده في تل ابيب نتنياهو يعدان العدة لحرب واحدة وربما بهدفين مختلفين، لكن ما يهمنا هنا انه بالنسبة لترامب فانه كان يهدف لـ"صفقة كبرى" يفرضها على ايران بالحديد والنار . غير ان ما اكتشفه متأخرا، وعلى حد تعبيره، هو أن الإيرانيين "عنيدون ويريدون القتال" - اعتراف متأخر بفجوة عميقة في الإدراك، ليس فقط لطبيعة الخصم، بل لجذور الخطأ في منهج التفكير ذاته.
وهنا سنحاول القاء الضوء سريعا على بعض الاسباب التي قد تجعل "فن الصفقة" التجاري يفشل في فهم "العناد" الإيراني العقائدي، وكيف أن ترامب يكرر خطأً استراتيجياً عندما يقرأ الصراع كمعادلة ربح وخسارة مادية، بينما يخوض الطرف الآخر حرباً وجودية تُختصر في معادلة "التكليف" لا "الربح".
ففي كتابه "فن الصفقة"، يختزل ترامب العالم في معادلة بسيطة وهي ان استخدام أقصى درجات الضغط، مع قليل من الانتظار ستؤدي الى انهيار الخصم، الذي سيتيح لك ابرام الصفقة التي تريدها . هذه النظرة التبسيطية تحولت إلى عقيدة في نهج ترامب السياسي، وربما اغراه نجاحه في اختطاف مادورو، في امكانية اعادة السيناريو في التعامل مع إيران عبر سياسة "الضغوط القصوى"، القائمة على افتراض أن تجفيف الموارد المالية وتدمير القدرات العسكرية سيجبر طهران على الركوع طلباً للتفاوض.
لكن المشكلة الأساسية أن هذا المنطق التبسيطي لا يجدي مع خصم لا يضع "الربح على رأس أولوياته، بل "التكليف" الذي يلخص العلاقة بين الله والانسان في مجموعة الاوامر والنواهي التي يوجهها الاول للثاني. ففي الفكر السياسي الإيراني المستند إلى العقيدة الاثني عشرية، التفاوض تحت التهديد المباشر لا يُقرأ كـ"صفقة"، بل يُصنف في أدبياتهم السياسية والدينية كـ"ذلة" - أي خضوع مذل - وهي مفردة محرمة في القاموس السياسي للجمهورية الاسلامية التي قامت على شعار "لا ذلة للمؤمنين" .
لذا فالخطأ الجوهري هنا ليس تكتيكياً، بل ابستمولوجياً لان ترامب يقرأ العالم عبر "كتالوج الصفقات"، بينما يتحرك الإيرانيون في عالم آخر قائم على "المواريث العقائدية". اي إنه صدام بين لغة الأرقام ولغة الرموز.
فما يسميه ترامب "عناداً" هو في الواقع نتاج تربية عقائدية عمرها ألف عام، تقوم على ثقافة "المظلومية المنتصرة" المستلهمة من ملحمة كربلاء، وفي هذه الثقافة، يُنظر إلى "المقاومة" حتى في ظل انعدام التوازن العسكري كفعل عبادي، بينما يُعتبر "الاستسلام" سقطة روحية لا تغتفر .
وهذا التكوين النفسي يجعل من "الموت" بداية "الانتصار"، وليس نهاية اللعبة، فعندما يقول ترامب إنه دمر معظم القوات الإيرانية أو قدراتها النووية، فهو يخاطب العقل المادي الذي يقيس النصر بالخسائر الميدانية. أما العقلية العقائدية فترى أن "بقاء المبدأ" هو النصر الحقيقي، مهما كانت الخسائر البشرية أو المادية، وهنا يكمن سبب احتمال ان تفشل استراتيجية "الضغط من أجل الصفقة" أمام استراتيجية "الصمود من أجل العقيدة".، حيث الأولى تحتاج إلى خصم يبحث عن تقليل الخسائر، بينما الثانية تتعامل مع الخسائر كجزء من ثمن الحفاظ على الهوية.
وربما يكون أخطر ما في الاستراتيجية الأميركية هو تصورها أن استهداف القيادة - وفي مقدمتها المرشد الأعلى - سيؤدي إلى انهيار النظام،لانه تصور يستند إلى قراءة "عقلانية" ضيقة اي اقطع الرأس، يموت الجسد. لكن ما حدث على الأرض يشير إلى عكس ذلك تماماً.
ففي الفكر الاثني عشري، يرتبط "الثأر" بالعدالة الإلهية المؤجلة، واستهداف رمز بمكانة المرشد الأعلى (الذي يمثل نيابة الإمام المعصوم في الفكر السياسي الإيراني) يحول الصراع من حرب دول إلى "تكليف وجودي" لكل معتقد بهذا النهج . وبدلاً من أن يؤدي اغتيال القيادة إلى الانهيار، فإنه يولد طاقة "انتحارية" جماعية تحت شعار الثأر، مما يجعل تكلفة الحرب على المهاجم تتجاوز أي أرباح سياسية قد يحققها .
والحقيقة ان هذا ما أشار إليه بعض المحللين عندما حذروا من أن الضربات .
وعلى ما يبدو فان ترامب في تصريحاته الأخيرة، بدا يدرك وكأنه يقرأ واقعاً جديداً لم يذكره كتاب "فن الصفقة"، فاعترافه بأن الإيرانيين "عنيدون ويريدون القتال" هو لحظة إدراك متأخر أن استراتيجيته قد تفشل او انها في طريقها للفشل، وهذا الإدراك يعكس حقيقة مهمة وهي ان ترامب، الذي يكره الخسارة المادية، بدأ في اكتشاف أن الدخول في حرب استنزاف مع خصم "يقدس الموت" هو خيار انتحاري لمسيرته السياسية .
فالعديد من المحللين لاحظوا أن ترامب لا يحب المغامرات العسكرية الطويلة، ويفضل العمليات الموجعة المحدودة على الحروب المفتوحة . لكن المشكلة أن "العناد" الإيراني ليس تكتيكاً للتفاوض يمكن كسره بضربة قاسية، بل هو أصل من أصول الإيمان. وعندما تدرك أن خصمك لا يقاتل من أجل رفع العقوبات فقط، بل من أجل الحفاظ على "كرامة الأمة" وثأرا للحسين، فإنك تدرك أن اللعبة مختلفة تماماً .
في النهاية على الارجح ان ترامب الذي ضحك عليه نتنياهو قد وقع في فخ الدرس الذي لم يفهمه مسبقا -وقد يدفع ثمنه غالياً - وهو أن "فن الصفقة" يصلح لإدارة الشركات وبناء الأبراج، لكنه يسقط أمام الشعوب التي تستمد قوتها من التاريخ والعقيدة، وان الحرب مع ايران ليست مباراة ملاكمة تنتهي بالنقاط، بل هي صراع إرادات يرى فيه أحد الطرفين أن موته هو بداية انتصاره.
غير ان ذلك لا يعني أن إيران منيعة عن السقوط، أو أن نظامها السياسي بمنأى عن الانهيار. لكنه يعني أن استراتيجية تقوم على "الضغط التجاري" والتصورات التبسيطية ستظل عاجزة عن فهم المعادلة، بل وقد تنتج عكس ما تسعى إليه تماماً. فـ"العناد" الإيراني ليس نزوة سياسية، بل هو بنية عقائدية متجذرة، وأي محاولة لقراءتها خارج سياقها التاريخي والديني محكوم عليها بالفشل، وفي معادلة الحرب هذه يظل "العناد" هو السلاح الذي لم يحسب ترامب حسابه، وسيشكل فارقا قد لا يستهان به.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة
عندما أعلن دونالد ترامب في 28 فيفري/فبراير 2026 انطلاق "العمليات القتالية الكبرى" ضد إيران، كان الرجل يعتقد أنه يمسك بورقة رابحة، اذ انه خلال الأيام التي سبقت الضربات، كان مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف لا يزال يتفاوض مع الجانب الإيراني في جنيف، فيما كان هو وسيده في تل ابيب نتنياهو يعدان العدة لحرب واحدة وربما بهدفين مختلفين، لكن ما يهمنا هنا انه بالنسبة لترامب فانه كان يهدف لـ"صفقة كبرى" يفرضها على ايران بالحديد والنار . غير ان ما اكتشفه متأخرا، وعلى حد تعبيره، هو أن الإيرانيين "عنيدون ويريدون القتال" - اعتراف متأخر بفجوة عميقة في الإدراك، ليس فقط لطبيعة الخصم، بل لجذور الخطأ في منهج التفكير ذاته.
وهنا سنحاول القاء الضوء سريعا على بعض الاسباب التي قد تجعل "فن الصفقة" التجاري يفشل في فهم "العناد" الإيراني العقائدي، وكيف أن ترامب يكرر خطأً استراتيجياً عندما يقرأ الصراع كمعادلة ربح وخسارة مادية، بينما يخوض الطرف الآخر حرباً وجودية تُختصر في معادلة "التكليف" لا "الربح".
ففي كتابه "فن الصفقة"، يختزل ترامب العالم في معادلة بسيطة وهي ان استخدام أقصى درجات الضغط، مع قليل من الانتظار ستؤدي الى انهيار الخصم، الذي سيتيح لك ابرام الصفقة التي تريدها . هذه النظرة التبسيطية تحولت إلى عقيدة في نهج ترامب السياسي، وربما اغراه نجاحه في اختطاف مادورو، في امكانية اعادة السيناريو في التعامل مع إيران عبر سياسة "الضغوط القصوى"، القائمة على افتراض أن تجفيف الموارد المالية وتدمير القدرات العسكرية سيجبر طهران على الركوع طلباً للتفاوض.
لكن المشكلة الأساسية أن هذا المنطق التبسيطي لا يجدي مع خصم لا يضع "الربح على رأس أولوياته، بل "التكليف" الذي يلخص العلاقة بين الله والانسان في مجموعة الاوامر والنواهي التي يوجهها الاول للثاني. ففي الفكر السياسي الإيراني المستند إلى العقيدة الاثني عشرية، التفاوض تحت التهديد المباشر لا يُقرأ كـ"صفقة"، بل يُصنف في أدبياتهم السياسية والدينية كـ"ذلة" - أي خضوع مذل - وهي مفردة محرمة في القاموس السياسي للجمهورية الاسلامية التي قامت على شعار "لا ذلة للمؤمنين" .
لذا فالخطأ الجوهري هنا ليس تكتيكياً، بل ابستمولوجياً لان ترامب يقرأ العالم عبر "كتالوج الصفقات"، بينما يتحرك الإيرانيون في عالم آخر قائم على "المواريث العقائدية". اي إنه صدام بين لغة الأرقام ولغة الرموز.
فما يسميه ترامب "عناداً" هو في الواقع نتاج تربية عقائدية عمرها ألف عام، تقوم على ثقافة "المظلومية المنتصرة" المستلهمة من ملحمة كربلاء، وفي هذه الثقافة، يُنظر إلى "المقاومة" حتى في ظل انعدام التوازن العسكري كفعل عبادي، بينما يُعتبر "الاستسلام" سقطة روحية لا تغتفر .
وهذا التكوين النفسي يجعل من "الموت" بداية "الانتصار"، وليس نهاية اللعبة، فعندما يقول ترامب إنه دمر معظم القوات الإيرانية أو قدراتها النووية، فهو يخاطب العقل المادي الذي يقيس النصر بالخسائر الميدانية. أما العقلية العقائدية فترى أن "بقاء المبدأ" هو النصر الحقيقي، مهما كانت الخسائر البشرية أو المادية، وهنا يكمن سبب احتمال ان تفشل استراتيجية "الضغط من أجل الصفقة" أمام استراتيجية "الصمود من أجل العقيدة".، حيث الأولى تحتاج إلى خصم يبحث عن تقليل الخسائر، بينما الثانية تتعامل مع الخسائر كجزء من ثمن الحفاظ على الهوية.
وربما يكون أخطر ما في الاستراتيجية الأميركية هو تصورها أن استهداف القيادة - وفي مقدمتها المرشد الأعلى - سيؤدي إلى انهيار النظام،لانه تصور يستند إلى قراءة "عقلانية" ضيقة اي اقطع الرأس، يموت الجسد. لكن ما حدث على الأرض يشير إلى عكس ذلك تماماً.
ففي الفكر الاثني عشري، يرتبط "الثأر" بالعدالة الإلهية المؤجلة، واستهداف رمز بمكانة المرشد الأعلى (الذي يمثل نيابة الإمام المعصوم في الفكر السياسي الإيراني) يحول الصراع من حرب دول إلى "تكليف وجودي" لكل معتقد بهذا النهج . وبدلاً من أن يؤدي اغتيال القيادة إلى الانهيار، فإنه يولد طاقة "انتحارية" جماعية تحت شعار الثأر، مما يجعل تكلفة الحرب على المهاجم تتجاوز أي أرباح سياسية قد يحققها .
والحقيقة ان هذا ما أشار إليه بعض المحللين عندما حذروا من أن الضربات قد توحد الصف الإيراني بدلاً من تقسيمه، وتخلق تماسكاً داخلياً في وجه "العدوان الخارجي" بدلاً من إشعال احتجاجات شعبية تطالب بإسقاط النظام .
وعلى ما يبدو فان ترامب في تصريحاته الأخيرة، بدا يدرك وكأنه يقرأ واقعاً جديداً لم يذكره كتاب "فن الصفقة"، فاعترافه بأن الإيرانيين "عنيدون ويريدون القتال" هو لحظة إدراك متأخر أن استراتيجيته قد تفشل او انها في طريقها للفشل، وهذا الإدراك يعكس حقيقة مهمة وهي ان ترامب، الذي يكره الخسارة المادية، بدأ في اكتشاف أن الدخول في حرب استنزاف مع خصم "يقدس الموت" هو خيار انتحاري لمسيرته السياسية .
فالعديد من المحللين لاحظوا أن ترامب لا يحب المغامرات العسكرية الطويلة، ويفضل العمليات الموجعة المحدودة على الحروب المفتوحة . لكن المشكلة أن "العناد" الإيراني ليس تكتيكاً للتفاوض يمكن كسره بضربة قاسية، بل هو أصل من أصول الإيمان. وعندما تدرك أن خصمك لا يقاتل من أجل رفع العقوبات فقط، بل من أجل الحفاظ على "كرامة الأمة" وثأرا للحسين، فإنك تدرك أن اللعبة مختلفة تماماً .
في النهاية على الارجح ان ترامب الذي ضحك عليه نتنياهو قد وقع في فخ الدرس الذي لم يفهمه مسبقا -وقد يدفع ثمنه غالياً - وهو أن "فن الصفقة" يصلح لإدارة الشركات وبناء الأبراج، لكنه يسقط أمام الشعوب التي تستمد قوتها من التاريخ والعقيدة، وان الحرب مع ايران ليست مباراة ملاكمة تنتهي بالنقاط، بل هي صراع إرادات يرى فيه أحد الطرفين أن موته هو بداية انتصاره.
غير ان ذلك لا يعني أن إيران منيعة عن السقوط، أو أن نظامها السياسي بمنأى عن الانهيار. لكنه يعني أن استراتيجية تقوم على "الضغط التجاري" والتصورات التبسيطية ستظل عاجزة عن فهم المعادلة، بل وقد تنتج عكس ما تسعى إليه تماماً. فـ"العناد" الإيراني ليس نزوة سياسية، بل هو بنية عقائدية متجذرة، وأي محاولة لقراءتها خارج سياقها التاريخي والديني محكوم عليها بالفشل، وفي معادلة الحرب هذه يظل "العناد" هو السلاح الذي لم يحسب ترامب حسابه، وسيشكل فارقا قد لا يستهان به.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة
#هاني_الروسان (هاشتاغ)
Hani_Alroussen#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟