أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي لهروشي - هل يرضى الأكراد أن يكونوا وقودًا لنيران الصهيونية ومرتزقة لمواجهة إيران؟















المزيد.....


هل يرضى الأكراد أن يكونوا وقودًا لنيران الصهيونية ومرتزقة لمواجهة إيران؟


علي لهروشي
كاتب

(Ali Lahrouchi)


الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 09:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كل إنسان مثقف، واعٍ، عاقل، إنساني ومتخلّق، تَرَبّى على يد آبائه وأجداده تربية حسنة تنبذ الظلم وتنصر الحق، ويقف في صف العدل، يرفض ويحارب الجور والظلم، يساند المظلوم، ويقف إلى جانب الحق مهما كانت الإغراءات. هذه الخصال الحميدة لا تمنحها، ولا تزرعها، ولا تغرسها في قلب و ضميرومباديء هذا النوع من الإنسان القوي الشامخ الصلب، لا العقيدة، ولا الديانة، ولا الإيديولوجية، ولا السياسة، ولا التعليم و حدها، كما لا علاقة لها بالخوف، لا من نار جهنم ولا من عذاب القبر، ولا بإغراءات الجنة. بل هي قناعات إنسانية وُجدت في الإنسان منذ ظهوره على وجه هذه البسيطة، أي قبل ظهور العقيدة والديانة وطغيان الإيديولوجيات والميتافيزيقا، والقانون الوضعي أو الإلهي الفقهي الديني، مسيحيًا كان أو يهوديًا أو مسلمًا.
هذا الإنسان القوي، المتشبّع بالأخلاق الحميدة والقيم الإنسانية، يقف وسيقف، ويناصر وسيناصر المظلومين في كل أنحاء العالم مهما كان جنسهم أو جنسيتهم أو انتماؤهم أو عقيدتهم أو عرقهم أو أصلهم. غير أن الظلم بلغ حدًا كبيرًا بعد ظهور الديانات التي تدّعي في الواقع أنها جاءت من السماء لحماية الإنسان وإزالة الجور والظلم والطغيان، لكن ذلك ظلّ في كثير من الأحيان مجرد تصورات وأقوال وأحاديث نظرية لا علاقة لها بما هو عملي. فقد أراد الإنسان المتحكّم في زمام الأمور فرض تعاليم تلك الديانة التي تخدم مصالحه الضيقة، الشخصية منها والعائلية، على الجميع، وأن يقوم مقام الإله عبر استخدام القوة أو السلطة التي يتمتّع بها ، دون مراعاة للقناعات الفكرية أو للآراء المختلفة أو لحرية الإنسان في التصرف كما يشاء في حدود حياته الشخصية الفردية والجماعية.
وهكذا شهد التاريخ مآسي كثيرة؛ فقد قتلت الكنيسة المسيحية ملايين الأبرياء لفرض معتقداتها المسيحية على الجميع، ونفس الشيء قامت به العقيدة اليهودية، وبعدهما العقيدة الإسلامية. ومن هنا تم احتلال أراضي الشعوب البريئة وفرض عليهم لغات ليست لغاتهم الأصلية، ومعتقدات ليست معتقداتهم، وأخلاقًا وقيمًا وعادات ليست أخلاقهم وقيمهم وعاداتهم. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تم تذويبهم والقضاء على ثقافاتهم ولغتهم وموروثاتهم الحضارية والتاريخية. ولا تزال إلى حدّ الآن بعض الشعوب تعاني من آثار ذلك، مثل الشعب الأمازيغي في شمال إفريقيا الذي تم استعرابه وأسلمته بقوة النار والحديد، وكذلك الشعب الكردي في منطقة الشرق الأوسط، المتفرّق والمشتّت بين دول مثل تركيا والعراق وسوريا وإيران.
يعيش العالم اليوم مرحلة مضطربة من تاريخه الحديث، مرحلة تتكاثر فيها الأزمات وتتشابك فيها المصالح الدولية بشكل يجعل مصير الشعوب التي ينظر إليها بمنطق الأقلية معلقًا في كثير من الأحيان بقرارات القوى الكبرى. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تصبح الحكمة السياسية والوعي التاريخي والثوري التحرري، والضمير الأخلاقي والإنساني، عناصر حاسمة في تحديد مصير الأمم.
فالتاريخ، منذ فجر الحضارات وحتى يومنا هذا، يعلّم للإنسلن درسًا قاسيًا حيث أن الحروب الكبرى لا يدفع ثمنها الذين يشعلونها، بل الشعوب التي يتم الزج بها فيها. أما الذين يخططون لها ويستثمرون فيها فهم غالبًا أولئك الذين يقفون بعيدًا عن ساحات القتال، يراقبون الخراب من خلف مكاتبهم، ويحصون الأرباح المالية والسياسية والاقتصادية التي يجنونها من دماء الآخرين. ولهذا السبب تحديدًا، يصبح الوعي التاريخي والثوري التحرري ضرورة أخلاقية قبل أن يكون موقفًا سياسيًا. لأن الشعوب التي تنسى دروس التاريخ تجد نفسها غالبًا تعيد ارتكاب الأخطاء نفسها، ولكن بثمن أكبر وخسائر أشد.
لقد شهد العالم في العقود الأخيرة سلسلة طويلة من الحروب والصراعات التي جرى فيها استعمال شعوب كاملة كأدوات في صراعات القوى الكبرى. ففي كل مرة تقريبًا يتكرر السيناريو نفسه: تُغذّى الانقسامات، وتُسلَّح الجماعات، وتُطلق الوعود بالحماية والدعم والاستقلال، ثم ما إن تتحقق الأهداف الاستراتيجية حتى تُترك تلك الشعوب وحدها في مواجهة مصيرها، تدفع ثمن الدم والدمار والانقسام. إن هذه الحقيقة المؤلمة ليست مجرد تحليل سياسي، بل هي خلاصة تجارب تاريخية عاشتها شعوب كثيرة عبر العالم، من آسيا إلى إفريقيا إلى الشرق الأوسط، حيث تحولت قضايا عادلة في بعض الأحيان إلى أدوات في صراعات دولية لا علاقة لها بمصالح تلك الشعوب ولا بمستقبلها. وفي هذا السياق بالذات يأتي هذا المقال، ليس بدافع العداء لشعب أو ثقافة، بل بدافع الدفاع عن كرامة الشعوب وحقها في ألا تتحول إلى أدوات في مشاريع الصهيونية والماسونية الراغبة في تحقيق هدفها الذي هو الهيمنة الدولية. فالشعوب التي عانت من الظلم والاستغلال عبر التاريخ ينبغي أن تكون أكثر وعيًا بخطر الوقوع مرة أخرى في فخ الاستغلال نفسه، حتى لو تغيرت الشعارات والوجوه.
إن الضمير الإنساني، عندما يكون حيًا، يرفض أن تتحول معاناة الشعوب إلى سلعة في سوق السياسة الدولية، خاصة بين أيادي الصهيونية، ويرفض أن يُستعمل المظلومون أنفسهم أدوات لإشعال حروب جديدة تزيد العالم اضطرابًا ودمارًا. ومن هذا المنطلق فإن الشعب الكردي، الذي يمتلك تاريخًا عريقًا وثقافة عميقة وجذورًا ضاربة في تاريخ المنطقة، والذي عانى عبر مراحل مختلفة من التهميش والتمزق بين عدة دول في الشرق الأوسط مثل تركيا والعراق وسوريا وإيران، ورغم ذلك لا ينبغي أن تتحول هذه المعاناة إلى مبرر للوقوع في فخاخ جديدة من الاستغلال السياسي والعسكري، خصوصًا عندما يكون الهدف الحقيقي لتلك المشاريع هو خدمة أجندات جيوسياسية لا علاقة لها بحقوق الشعوب الأصلية ولا بحريتها واستقلالها ولا بكرامتها.
في التاريخ البشري لحظات فاصلة تختبر ضمير الشعوب قبل أن تختبر قوتها. ففي كل حقبة من حقب الصراعات الكبرى، لم تكن الحروب مجرد صدام بين جيوش أو تنافس بين دول، بل كانت في جوهرها امتحانًا أخلاقيًا عميقًا يضع الأمم أمام سؤال بسيط في ظاهره لكنه مصيري في نتائجه: هل ستختار الشعوب أن تكون صانعة لمصيرها، أم وقودًا في صراعات لا أفق لها ة مرتزقة بين أيادي الآخرين؟
فمنذ نشوء الإمبراطوريات القديمة وحتى النظام الدولي المعاصر، فإن القوى الكبرى نادرًا ما خاضت حروبها وحدها. فهي غالبًا ما تلجأ إلى إستراتيجية أكثر دهاءً وأقل تكلفة: استخدام شعوب وقبائل أخرى كأدوات في صراعاتها. وهكذا تتحول آلام تلك الشعوب والقبائل وتطلعاتها المشروعة إلى أوراق في لعبة جيوسياسية قاسية، حيث تُمنح الوعود في البداية ثم تُسحب في اللحظة التي تنتهي فيها الحاجة إليها، بل يُلقى بمستقبلها وبالوعود التي تلقتها في سلات المهملات وتطالها ذاكرة النسيان.
في عالم اليوم، حيث تتشابك المصالح الاستراتيجية والطموحات الجيوسياسية، لم تعد الحروب تُخاض فقط بالسلاح، بل أيضًا بالتحريض، وبإحياء الأحقاد التاريخية، وبإثارة الانقسامات القومية والدينية والعرقية والعنصرية، وبإقناع الشعوب بأن خلاصها يكمن في التحالف مع قوى صهيونية ماسونية إمبريالية رأسمالية لا ترى فيها سوى أدوات مؤقتة. إن المأساة الكبرى في مثل هذه اللحظات التاريخية لا تكمن فقط في الصراع نفسه، بل في الطريقة التي يتم بها توجيه آمال الشعوب المظلومة نحو مسارات تخدم مشاريع لا علاقة لها بتحريرها وتحقيق تحررها الحقيقي. فكثيرًا ما تتحول قضايا عادلة إلى وسائل ضغط في صراعات دولية أكبر، ويجد أصحاب تلك القضايا أنفسهم بعد سنوات أمام واقع أكثر قسوة مما كان عليه الحال قبل أن يبدأ كل شيء.
إن الشعب الكردي، مثل الشعب الأمازيغي وكثير من الشعوب الأخرى التي يُشار إليها بالأقليات أو بشعوب بلا أرض، يحمل تاريخًا طويلًا من المعاناة والتطلعات المشروعة للكرامة والاعتراف والحقوق والتحرر. وقد عانى الأكراد عبر عقود طويلة من سياسات قاسية في دول متعددة،. وهذه الحقيقة التاريخية لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها. لكن التاريخ نفسه يقدم درسًا لا يقل أهمية: إن القوى الخارجية التي تتدخل في شؤون المنطقة، سواء كانت دولًا كبرى مثل الولايات المتحدة أو مشاريع إقليمية مثل إسرائيل، ل و لن تتحرك بدافع تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة أو التعاطف مع معاناة الشعوب، بل إن ما يحركها هو ميزان المصالح والانتقام والشيطنة، وليس ميزان الأخلاق التي لا تتوفر عليها أصلًا. ومن هنا تنبع الخطورة الحقيقية في اللحظة الراهنة. فحين تصبح قضية شعب ما جزءًا من إستراتيجية صراع بين قوى كبرى أو إيديولوجيات متناحرة، فإن تلك القضية قد تتحول تدريجيًا من حلم و الرغبة في التحرر إلى أداة في لعبة النفوذ الدولية.
إن التاريخ مليء بالأمثلة المؤلمة على شعوب دفعت أثمانًا باهظة لأنها صدقت وعود القوى الكبرى، خاصة القوى الإمبريالية الصهيونية الرأسمالية بزعامة أمريكا وربيبتها إسرائيل، ثم اكتشفت متأخرة أن تلك الوعود لم تكن سوى أدوات مؤقتة في سياق صراع أوسع. ولذلك فإن النقاش حول مستقبل الشعوب، ومنها الشعب الكردي أو الشعب الأمازيغي، لا ينبغي أن يُختزل في ردود فعل عاطفية أو شعارات سياسية عابرة، بل يجب أن ينطلق من قراءة عميقة للتاريخ ومن فهم دقيق لطبيعة النظام الدولي. إن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يقف مع من اليوم؟ بل السؤال الأهم هو: من سيبقى مع من غدًا عندما تتغير موازين القوى الدولية؟
إن التحالفات التي تُبنى على المصالح المؤقتة قد تنهار بسرعة مذهلة، وأن الشعوب التي تراهن على قوى صهيونية إمبريالية متوحشة لتحقيق طموحاتها قد تجد نفسها في نهاية المطاف وحيدة أمام عواقب قرارات لم تكن تملك السيطرة عليها. لهذا السبب تحديدًا، فإن النقاش حول مستقبل العلاقة بين الشعب الكردي ودول المنطقة، وعلى رأسها إيران، يجب الأن في هذه الظرفية تحت العدوان الصهيوني على إيران أن يُطرح بمنتهى الصراحة والمسؤولية التاريخية. فما يجري اليوم في المنطقة ليس مجرد خلافات سياسية عابرة، بل جزء من صراع جيوسياسي واسع تحاول فيه القوى الصهيونية الأمريكية الإسرائيلية إعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الشعوب الأصلية التي يُشار إليها على أنها تشكل أقلية في كثير من الأحيان ساحات للصراع بدل أن تكون أطرافًا فاعلة فيه. ومن هنا فإن القلق العميق لدى العقلاء من مناهضي الصهيونية هو أن تتحول قضية عادلة لشعب عريق إلى أداة في مشروع صهيوني إمبريالي قد يقود المنطقة بأكملها إلى مزيد من الفوضى والدمار.
الكرامة القومية لأي شعب لا تتحقق بأن يصبح أداة في صراع الآخرين أو أن يتحول إلى مجرد حطب لنار تدفئ أجساد الصهاينة، بل بأن يحافظ على استقلال قراره السياسي ونضاله الثوري الوجودي وعلى رؤيته التاريخية لمصالحه ومستقبله. عبر آلاف السنين من التاريخ الإنساني، لم تتشكل الحضارات فقط عبر البناء والإبداع، بل أيضًا عبر الصراع ومحاولات الهيمنة. ففي كل عصر ظهرت قوى سعت إلى فرض سيطرتها ليس فقط على الأراضي والثروات، بل كذلك على العقول واللغات والذاكرة الثقافية للشعوب. لقد أدركت الإمبراطوريات القديمة والحديثة على حد سواء حقيقة أساسية: السيطرة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان الهيمنة طويلة الأمد، بل يجب أن ترافقها سيطرة وهيمنة ثقافية وسياسية واقتصادية وإدارية. ولهذا السبب كثيرًا ما شهد التاريخ محاولات ممنهجة لطمس لغات شعوب بأكملها، أو تحقير ثقافاتها، أو إعادة كتابة تاريخها بما يخدم المنتصرين.
ليس خافيًا في هذا الأمر أن شمال إفريقيا والشرق الأوسط كانا من أكثر مناطق العالم تعرضًا لمثل هذه التحولات القاسية. فهاتان المنطقتان، اللتان قيل عنهما أنهما كانتا مهدًا لعدد من أقدم الحضارات الإنسانية، تحولتا عبر القرون إلى ساحة تتقاطع فيها الطموحات الإمبراطورية والصراعات الإقليمية والدولية. وقد أدى هذا التاريخ الطويل من الصراعات إلى تشكل فسيفساء معقدة من الهويات القومية والثقافية والدينية، حيث تعيش شعوب متعددة جنبًا إلى جنب في صراعات أحيانا بين المد و الجزر، لكل منها لغتها وتاريخها وذاكرتها الخاصة. ومن بين هذه الشعوب يبرز الشعب الأمازيغي والكردي باعتبارهما من أقدم شعوب المنطقة وأكثرها تعرضًا لتحولات التاريخ القاسية.
عاش الأكراد عبر قرون طويلة في مناطق واسعة تمتد عبر جبال وسهول المنطقة التي تتقاطع اليوم داخل حدود دول متعددة. وقد أدى هذا التوزع الجغرافي، خاصة بعد التحولات الكبرى التي أعقبت انهيار الإمبراطوريات في القرن العشرين، إلى أن يجد الأكراد أنفسهم جزءًا من كيانات سياسية مختلفة، لكل منها سياساتها الداخلية وتعقيداتها القومية الخاصة. وفي كثير من الحالات، عانى الأكراد من سياسات قاسية استهدفت لغتهم وثقافتهم وطموحاتهم السياسية. وهذا جزء من الحقيقة التاريخية التي يجب الاعتراف بها بوضوح دون إنكار أو تقليل. لكن في المقابل، يجب أيضًا قراءة التاريخ بعيون مفتوحة على دروسه المؤلمة. فالقضية الكردية، رغم عدالتها، لم تكن بمنأى عن محاولات الاستغلال الخارجي. لقد وجدت قوى دولية وإقليمية متعددة في هذه القضية وسيلة للضغط على خصومها أو لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. وهنا تبدأ الحلقة الخطيرة التي تكررت مرارًا في التاريخ الحديث للشرق الأوسط: حيث تتحول قضايا الشعوب إلى أدوات في صراعات جيوسياسية أكبر منها.
منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، شهدت المنطقة أمثلة عديدة على الطريقة التي استخدمت بها القوى الكبرى النزاعات المحلية لتحقيق أهدافها الإستراتيجية. فالقوى العظمى لا تدخل عادة الصراعات الإقليمية بدافع العاطفة أو العدالة أو الحرية والتحرر أو الديمقراطية، بل وفق حسابات دقيقة تتعلق بالنفوذ والموارد والثروات والموقع الجغرافي. وفي هذا السياق برز دور دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة في صياغة توازنات القوة في الشرق الأوسط، كما برزت مشاريع إقليمية تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية المحيطة بها، ومن بينها قيام وفرض مشروع الكيان الصهيوني الإسرائيلي.
إن قراءة تاريخ السياسات الدولية في المنطقة تظهر بوضوح أن التحالفات التي تُبنى على أساس الصراعات المرحلية غالبًا ما تكون مؤقتة بطبيعتها. فهي تستمر ما دامت تخدم مصالح الأطراف الأقوى، لكنها قد تتلاشى بسرعة عندما تتغيرلأو تنتهي تلك المصالح. ولهذا السبب فإن الشعوب التي تراهن بالكامل على دعم خارجي لتحقيق أهدافها القومية قد تجد نفسها في لحظة ما أمام واقع صعب: حيث تختفي الوعود، وتبقى النتائج المؤلمة.
فبدافع الحرص على ألا يتحول شعب عريق مثل الشعب الكردي إلى أداة في صراع دولي قد تكون عواقبه كارثية على الجميع، يتوجب الوعي وإدراك أن الصراعات الكبرى التي تدور اليوم في المنطقة، وخاصة تلك المتعلقة بشن العدوان العسكري على إيران من قبل القوى الصهيونية الإمبريالية الرأسمالية الأمريكية والإسرائيلية، لا يمكن فهمها بمعزل عن المشاريع الإستراتيجية الأوسع التي تتنافس فيها قوى دولية وإقليمية، وعن الرغبة في الهيمنة المطلقة على المنطقة لتحقيق حلم الكيان الصهيوني الإسرائيلي والأمريكي في إنشاء مملكة إسرائيل الكبرى التي ستستعبد كل سكان المنطقة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية الحساسة، يصبح السؤال الذي يواجه الشعوب مثل الشعب الكردي أو الأمازيغي ليس فقط كيف تدافع عن حقوقها، بل كيف تفعل ذلك دون أن تتحول إلى أداة في المشاريع المستقبلية لهذه الصهيونية. ورغم ما يعاني منه هذين الشعبين من تهميش وحرمان وظلم وقهر، فإن ذلك لا يعني، وليس من أخلاقهما هذا، الاستعانة بالشيطان والشياطين من أجل الانتقام ممن ظلمهم وجردهم من حقوقهم وأرضهم، أو بيع كرامتهم وشرفهم للصهاينة، أو التضحية بتاريخهم وثقافتهم وحضاراتهم، لينتهي بهم الأمر بخيانة أجدادهم الذين علموهم الأخلاق الحميدة والقيم الإنسانية ونصرة الحق وهزم الظلم ومواجهة الطغيان عوض الاستعانة به.
فبالأمس وعد نفس الصهاينة أكراد سوريا بحمايتهم وأقحموهم في مواجهة مسلحة مع حزب البعث الحاكم بالعراق تحت سلطة صدام حسين، ثم ضد المجموعات الإرهابية المسلحة من تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة، وضد حكم بشار الأسد. لكن عندما حقق الصهاينة هدفهم وأسقطوا كل من صدام حسين وبعده الرئيس السوري بشار الأسد، ضحوا بنفس الأكراد لتلبية رغبات تركيا المتخوفة من تسليح ونهوض الأكراد. واليوم ها هم نفس الصهاينة يتوجهون للأكراد مرة أخرى وكأن الأكراد لا يملكون ذاكرة تاريخية من أجل تحريضهم وتسخيرهم واستعمالهم ضد إيران، وغدًا قد ينقلب الأمر ويتم دعم حركة أخرى ضد نفس الأكراد. وتلك هي أخلاق الصهاينة الذين كانوا بالأمس من صناع الحركات الإسلامية في أفغانستان والشيشان لمواجهة الاتحاد السوفياتي في إطار الحرب الباردة، ثم مواجهة روسيا عبر تحريض مرتزقة أوكرانيا، ثم انقلب نفس الصهاينة لمحاربة نفس التنظيمات الإسلامية التي صنعوها، واصفين إياها مرة أخرى بالإرهابية لتحريض العالم ضدها، ولكن نفس الصهاينة أوصلوا نفس الإرهابيين إلى سدة الحكم بسوريا تحت سلطة الإرهابي أحمد الشرع و مجموعاته القاتلة.
مهما كان الخلاف بين الأكراد والدول التي يتواجدون فيها حاليًا، ومهما بلغ الظلم الذي مسّ حقوقهم، فإن الأخلاق العالية والقيم الإنسانية التي تلقوها كشعوب أصلية عبر التاريخ من آبائهم وأجدادهم عبر العصور لا يمكن أن تجعلهم يقبلون بمناصرة الظالمين، أو المغامرة بأرواحهم من أجل تنفيذ أوامر الصهاينة من الإسرائيليين والأمريكيين عبر إقحامهم في مواجهة مع إيران خدمة لمشروع صهيوني ماسوني أمريكي إسرائيلي في المنطقة، وهو مشروع سيضر بالجميع في المستقبل القريب أو البعيد.
فأتمنى ألا يعيد الأكراد نفس الأخطاء القاتلة التي ارتكبوها في الاحتماء بالصهاينة عند مواجهتهم لحكم صدام وبشار الأسد، وألا يربّوا الأفاعي الصهيونية السامة القاتلة في حدائق منازلهم، و ألا يفتحوا لها أبوابهم فقد يصابون في يوم من الأيام بلسعاتها السامة. أما إذا تورّط الأكراد في هذا المخطط الجهنمي من جديد و حملوا أسلحتهم في هذه الظرفية بالذات لمحاربتهم لإيران، فلن تبقى لهم أية قيم ولا أية أخلاق ولا أي احترام. وسيتحوّلون من شعب مظلوم وعريق يعود تاريخه وحضارته وإنسانيته إلى قرون طويلة قبل اكتشاف الولايات المتحدة نفسها وقبل قيام الكيان الصهيوني الإسرائيلي اللذين يريدان استعمالهم الآن كوقود لإحراق إيران، و مرتزقة وخونة لتاريخهم ولأخلاق وتربية أجدادهم، وإلى مجرد عملاء للصهاينة المحرضين لهم للقيام بأعمال تخريبية مسلحة إرهابية ضد إيران المقاومة لنفس الصهيونية حاليا.
إن الأخلاق والقيم الإنسانية التي ترعرع عليها الشعب الكردي وورثها عن آبائه وأجداده تدعوه بالعكس إلى للوقوف في صف إيران المظلومة الآن أو على الأقل الحياد التام، وليس الوقوف إلى جانب الصهاينة الظالمين والمعتدين الذين دنّسوا كل المؤسسات الدولية بتحديهم السافر للقانون الدولي. إن الواجب الإنساني اليوم على كل كردي عاقل متحرر هو: ألا يصبح أداة في مشاريع الصهاينة، وألا يتحول من إنسان ينحدر من شعب عريق وعادل إلى مرتزق وخائن لتاريخه وثقافته وأخلاقه وقيمه وإنسانيته. إن البشرية اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الحروب، بل تحتاج إلى العقلاء الذين يفرضون السلام، لا إلى الطغاة الذين يفرضون الدمار. فالحروب لا تجلب إلا الخراب والغلاء وانعدام الأمن وانتشار الخوف في العالم كله، أما السلام العادل فهو الطريق الوحيد لإنقاذ الإنسانية من الانزلاق نحو الهاوية. ولهذا تبقى الكلمة الصادقة واجبًا، ويبقى الضمير الحي أمل البشرية في مواجهة الظلم والطغيان، حتى لا تتحول الشعوب الحرة إلى أدوات في يد تجار الحروب وأعداء الإنسانية.
إن العالم اليوم يقف على مفترق طرق خطير، حيث تتصارع فيه قوتان: قوة العقل والضمير التي تسعى إلى السلام والعدالة والأمن، وقوة الطغيان والجشع التي تدفع بالبشرية نحو الحروب والدمار والفوضى. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية الحساسة، تصبح الكلمة الصادقة واجبًا أخلاقيًا، ويصبح التنبيه إلى المخاطر التي تهدد الشعوب مسؤولية إنسانية لا يجوز التهرب منها. فالحروب لا يصنعها العقلاء، بل يصنعها المتهورون وتجار السلاح والمصالح الضيقة، بينما يدفع ثمنها الأبرياء من دمائهم وأرزاقهم وأمنهم واستقرارهم وغلاء معيشتهم. هذه القيم الإنسانية الأصيلة هي التي صنعت عبر التاريخ الضمير الإنساني الحر، وهي التي دفعت الشعوب إلى مقاومة الظلم والاستبداد، وهي التي جعلت الإنسان يثور ضد العبودية والاستعباد والاستغلال والاحتقار. فحيثما وُجد الضمير الحي وُجدت المقاومة، وحيثما وُجدت الكرامة الإنسانية وُجد رفض الطغيان.

أمستردام



#علي_لهروشي (هاشتاغ)       Ali_Lahrouchi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العدوان الصهيوني على إيران وقيود التضامن والتعبير بسلاسل الع ...
- المغرب: عندما يتحوّل رجال الأمن إلى قتلة داخل مخافر التعذيب
- المغرب: الخماسية المترابطة الأطراف التي يبتزّ بها الحكم العل ...
- ضريبة الحرية في هولندا: حين يُموَّل الخوف من جيوب الجائعين
- الهجوم الصهيوني الأمريكي على إيران مسألة وقت لا أكثر
- المغرب كندا : ترحيل واختطاف المناضل المغربي الجمهوري محمد هش ...
- المغرب وإفريقيا: نفاق الانتماء القاري حين تتحول الهزيمة إلى ...
- المغرب: مكناس مدينة الخوف والظل
- صرخة مناضل في مغرب بلا أمل
- مرورُ رُبعِ قرنٍ على منفايَ الاضطراري
- المسافة بين الهروب والمواجهة
- قرار مجلس الأمن حول الصحراء الغربية: توصية سياسية منزوعة الإ ...
- جمهورية الريف بين الأمس و اليوم
- المغرب : قتل الطفل الراعي وتعليقه، كيف يغتال الفساد الأبرياء ...
- المغرب والخطاب الملكي من البرج العاجي: حين يخاطب الديكتاتور ...
- المغرب: حين يلعب المثقفون دور رجال الإطفاء في خدمة الملكية و ...
- من وراء دعوات الحوار بين المغرب والجزائر؟
- مظاهرات جيل -زد - بالمغرب وديكتاتورية محمد السادس، حين يتحوّ ...
- هولندا تحقق في قضية تجسس المغاربة وتستدعي مدير الاستخبارات ا ...
- هل سيكسر - الأمير- هشام العلوي طاجين المخابرات المغربية بعدم ...


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-حريق في حقول أرامكو بعد هجوم إيراني-.. ما حق ...
- مباشر: حزب الله يقول إنه -يتصدى- لقوات إسرائيلية شرقي لبنان ...
- حزب الله يعلن التصدي لإنزال إسرائيلي شاركت فيه 15 مروحية
- رئيس الكنيست الإسرائيلي يهدد باغتيال المرشد الجديد
- خسائر وإصابات جراء استمرار القصف الإيراني لعدد من دول الخليج ...
- لاريجاني و-خاتم الأنبياء- يشيدان والحرس الثوري يبايع المرشد ...
- ترامب بعد قفزة أسعار النفط: -ثمن زهيد- للحرب مع إيران
- اتصالات دولية تدعم قطر.. تضامن بريطاني وإسباني وإدانة لاعتدا ...
- رئيس وزراء قطر: هجمات إيران على الدوحة تُشعرنا بـ-خيانة كبير ...
- عاجل | مستشفيات غزة: 6 شهداء جراء غارات إسرائيلية على مدينة ...


المزيد.....

- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي لهروشي - هل يرضى الأكراد أن يكونوا وقودًا لنيران الصهيونية ومرتزقة لمواجهة إيران؟