أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوري حمدان - مقال يكسر أول أقفال المحاصصة















المزيد.....

مقال يكسر أول أقفال المحاصصة


نوري حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 17:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن مقال رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان مجرد مداخلة قانونية في نقاش دستوري قديم، بل كان في جوهره فتحاً لواحد من أكثر الملفات حساسية في التجربة السياسية العراقية منذ عام 2003، وهو ملف تفسير المادة (76) من الدستور المتعلقة بالكتلة النيابية الأكثر عدداً. والواقع أن ما طرحه زيدان أعاد إلى السطح سؤالاً ظل يرافق كل عملية تشكيل حكومة في العراق: هل تحكم البلاد نتائج الانتخابات أم تحكمها التحالفات التي تُصنع بعد إعلان النتائج؟
هذا السؤال ليس نظرياً، بل هو جوهر الأزمة التي أنتجت نظام المحاصصة بصيغته الحالية. فالمادة (76) من دستور 2005 جاءت واضحة في ظاهرها حين نصت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء. غير أن قرار المحكمة الاتحادية الصادر عام 2010 فتح الباب أمام تفسير مختلف، حين اعتبر أن الكتلة الأكبر قد تكون الكتلة التي فازت بالانتخابات أو الكتلة التي تتشكل بعد الانتخابات من خلال تحالف عدة كتل داخل البرلمان. بهذه الجملة التفسيرية القصيرة، جرى تغيير المعادلة السياسية في العراق بالكامل>
لم يعد الفوز في الانتخابات يعني بالضرورة تشكيل الحكومة، بل أصبح الأمر خاضعاً لقدرة القوى السياسية على إعادة تركيب الأغلبية داخل البرلمان بعد إعلان النتائج. وهنا بدأت اللحظة التي انتقل فيها مركز السلطة من صناديق الاقتراع إلى غرف التفاوض السياسي، ومن إرادة الناخب إلى ميزان القوى بين الكتل.
ما حدث في انتخابات عام 2010 كان المثال الأكثر وضوحاً على ذلك. فقد فازت قائمة "العراقية" بزعامة إياد علاوي بأكبر عدد من المقاعد، لكن هذا الفوز لم يترجم إلى حق تشكيل الحكومة، بعدما جرى تشكيل كتلة أكبر داخل البرلمان عبر تحالفات لاحقة. كانت تلك اللحظة أول اختبار عملي للتفسير الجديد للمحكمة الاتحادية، وأول إشارة إلى أن الانتخابات في العراق قد لا تكون هي التي تحدد من يحكم.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت عملية تشكيل الحكومات تمر بالسيناريو نفسه: انتخابات تعلن نتائجها، ثم تبدأ مفاوضات طويلة لإعادة تشكيل الكتلة الأكبر داخل البرلمان. في كثير من الأحيان تستمر هذه المفاوضات أشهراً طويلة، وأحياناً تتحول إلى أزمات سياسية حادة كما حدث بعد انتخابات 2018 ثم بعد انتخابات 2021، حين دخل التيار الصدري في صراع سياسي طويل حول مفهوم الكتلة الأكبر، قبل أن تنتهي الأزمة بانسحابه من البرلمان.
اليوم يعود الجدل نفسه في سياق الأزمة الحالية التي تعيشها البلاد مع تعثر تشكيل الحكومة الجديدة. فالانقسام داخل القوى السياسية، والتجاذبات حول مرشح رئاسة الوزراء، أعادا إلى الواجهة السؤال القديم نفسه: من يملك الحق الدستوري في تشكيل الحكومة؟ وهل ما زال تفسير عام 2010 صالحاً بعد كل ما كشفته التجربة السياسية من أزمات متكررة؟
ما قاله القاضي فائق زيدان في مقاله لم يكن مجرد نقد أكاديمي لذلك التفسير، بل كان وصفاً واضحاً لما سماه "خطيئة التفسير الخاطئ للدستور". وهو توصيف ثقيل في لغة القضاء الدستوري، لأنه يشير إلى أن الاجتهاد التفسيري تجاوز حدود قراءة النص إلى إعادة صياغته. فالتفسير الذي يسمح بتشكيل الكتلة الأكبر بعد الانتخابات يفتح الباب عملياً لتغيير النتائج التي عبّر عنها الناخبون في صناديق الاقتراع، ويحوّل العملية الانتخابية إلى مجرد خطوة أولى في لعبة سياسية تُحسم لاحقاً داخل البرلمان.
النتيجة التي أنتجها هذا الواقع لم تكن فقط إطالة أمد تشكيل الحكومات، بل تكريس نظام المحاصصة بصيغته الأوسع. فحين يصبح تشكيل الحكومة قائماً على تحالفات ما بعد الانتخابات، فإن كل كتلة تدخل المفاوضات وهي تبحث عن حصتها في السلطة، وليس عن برنامج حكومي أو رؤية سياسية. وهكذا تتحول الحكومة إلى تسوية بين القوى المتنافسة بدلاً من أن تكون نتيجة طبيعية لنتائج الانتخابات.
بهذا المعنى، فإن الجدل حول المادة (76) ليس جدلاً قانونياً مجرداً، بل هو في الحقيقة نقاش حول طبيعة النظام السياسي نفسه. هل العراق دولة برلمانية تحكمها نتائج الانتخابات، أم نظام توافقات سياسية تُعاد فيه صياغة الإرادة الشعبية بعد كل اقتراع؟
الذين دافعوا طوال السنوات الماضية عن تفسير المحكمة الاتحادية كانوا يرون أنه ينسجم مع طبيعة النظام البرلماني الذي يقوم على التحالفات. لكن التجربة العراقية أثبتت أن هذا التفسير لم يؤدِ إلى استقرار سياسي، بل على العكس فتح الباب أمام أزمات متكررة. فكل انتخابات أصبحت بداية أزمة جديدة حول من هي الكتلة الأكبر، وكل عملية تشكيل حكومة تحولت إلى مفاوضات طويلة قد تمتد أشهراً، فيما تبقى الدولة في حالة شلل سياسي وإداري.
من هنا تكتسب إعادة فتح هذا الملف أهميتها. فحين يتحدث رئيس مجلس القضاء الأعلى عن خطأ في تفسير أحد أهم النصوص الدستورية، فإن ذلك يعني أن هناك اعترافاً ضمنياً بأن التجربة الماضية لم تكن ناجحة. كما يعني أن الوقت قد حان لإعادة التفكير في القواعد التي تحكم عملية تشكيل السلطة التنفيذية في البلاد.
لكن النقاش الحقيقي يجب أن يتجاوز حدود التفسير القضائي إلى معالجة أوسع للمشكلة. فالأزمة التي كشفتها المادة (76) ليست سوى جزء من خلل أعمق في البنية الدستورية والقانونية للعملية السياسية. والدليل على ذلك أن المحكمة الاتحادية نفسها ما تزال تعمل حتى اليوم بقانون قديم يعود إلى عام 2005، رغم أن الدستور نص صراحة على تشريع قانون جديد ينظم تشكيلها وصلاحياتها. هذا القانون ظل معلقاً لسنوات بسبب الخلافات السياسية، ولا سيما في ما يتعلق بمشاركة الفقهاء والخبراء في عضوية المحكمة، وهو خلاف يعكس بدوره طبيعة الصراع حول تفسير الدستور نفسه.
إذا كانت الطبقة السياسية جادة فعلاً في معالجة أزمة الانسداد المتكررة، فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون استكمال البناء الدستوري للدولة، بدءاً من تشريع قانون المحكمة الاتحادية العليا بما يضمن استقلالها ويحدد بوضوح آليات عملها. والخطوة الثانية هي وضع حد للغموض الذي يحيط بمفهوم الكتلة الأكبر، سواء عبر تعديل دستوري صريح أو عبر تشريع قانوني يحدد آلية تسجيلها بشكل نهائي في الجلسة الأولى للبرلمان.
الأهم من ذلك كله هو إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة لكنها أساسية في أي نظام ديمقراطي، وهي أن الانتخابات يجب أن تكون هي التي تحدد من يحكم. فحين يفقد الناخب ثقته بأن صوته سيترجم إلى سلطة سياسية حقيقية، فإن العملية الديمقراطية نفسها تصبح موضع شك.
بعد أكثر من عشرين عاماً على التجربة السياسية العراقية، بات واضحاً أن كثيراً من القواعد التي حكمت هذه التجربة تحتاج إلى مراجعة. وما طرحه القاضي فائق زيدان قد يكون بداية هذا النقاش. لكنه لن يكون كافياً ما لم تتحول هذه المراجعة إلى خطوات عملية تعيد التوازن بين النص الدستوري وإرادة الناخب.
فإذا كان نظام المحاصصة قد وجد في تفسير الكتلة الأكبر أحد أبوابه الواسعة، فإن إعادة النظر في هذا التفسير قد تكون بالفعل الخطوة الأولى نحو إغلاق هذا الباب. وربما يكون هذا المقال الذي أثار الجدل اليوم أكثر من مجرد رأي قانوني، بل محاولة لفتح الطريق أمام كسر أول أقفال المحاصصة التي كبّلت الدولة العراقية لسنوات طويلة.



#نوري_حمدان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيادة العراق بين عجز الداخل وضغوط الخارج
- العراق على خط الزلازل الإقليمية: تصعيد أميركي - إيراني واختب ...
- العراق حين تُدار الدولة بالخارج نهاية منظومة وبداية اختبار ا ...
- الانسحاب المحسوب والعودة الثقيلة
- البرلمان السادس: حين يغيب حُرّاس الحقوق وتُشرَّع السلطة بلا ...
- فنزويلا والاختبار الفاضح لشرعية النظام الدولي: السيادة في زم ...
- حصر السلاح في العراق: لحظة الدولة بين منطق الشرعية وحدود الق ...
- الاحتجاجات الإيرانية: حين يهتز الداخل وتتقاطع خرائط النفوذ ف ...
- بين الدستور والتوافق.. العراق يودّع 2025 على عتبة اختبار الد ...
- حراك اقتصادي غير مسبوق: إعادة تشكيل المالية الريعية العراقية
- إقليم البصرة.. سؤال الثروة والدولة في لحظة عراقية حرجة
- كهرباء العراق.. حين يتحول الغاز الإيراني إلى مفتاح العتمة
- الدولة أولاً.. والسلاح أخيراً
- بعد نكسة 2025: هل يمتلك التيار الديمقراطي العراقي شجاعة المب ...
- العراق بعد إسدال ستار التفويضات
- هل يحتاج العراق إلى مزيد من الأحزاب؟
- صراع المناصب يضع العراق أمام معادلة حاسمة
- بعثة الأمم المتحدة في العراق.. ماذا أنجزت فعليًا؟
- العلاقات الأميركية - العراقية بين اختبار السيادة وحدود الشرا ...
- اقتصادٌ مُنهك يبحث عن إدارة رشيدة: قراءة في أزمات العراق الم ...


المزيد.....




- الكويت: مقتل ضابطين أثناء تأدية واجبهما
- كلامٌ أسيئ تفسيره.. الرئيس الإيراني يتهم -العدو- بتحريف تصري ...
- -مطرٌ أسود- فوق طهران.. سماء العاصمة الإيرانية تهطل نفطاً بع ...
- أنباء عن توصل مجلس خبراء القيادة الإيراني إلى توافق بين الأغ ...
- بعد إعلان إيران قصفها مرتين.. أين تقف حاملة الطائرات أبراهام ...
- رواية طفلة من تحت الأنقاض.. ماذا حدث بقصف مدرسة -شجرة طيبة- ...
- هل أصبحت الساحة اللبنانية جبهة رئيسية في الحرب؟
- معركة -الأعلى مشاهدة- في دراما رمضان.. من يحسمها حقا؟
- مدير أوبن إيه آي: لا نتحكم في استخدام البنتاغون للذكاء الاصط ...
- لقطات لإعصار يدمر مبان في ميشيغان الأمريكية.. وسائق يوثق الم ...


المزيد.....

- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوري حمدان - مقال يكسر أول أقفال المحاصصة