رابح بنمنصور
الحوار المتمدن-العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 13:06
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
1. منعطف استراتيجي في الموقف الجزائري.
القبول الضمني بالإطار المغربي.
إن قرار الجزائر التوجه إلى مدريد، تحت ضغط أمريكي، لإقرار مخطط الحكم الذاتي المغربي بوصفه الإطار الحصري للتفاوض حول الصحراء الغربية، يمثل منعطفًا استراتيجيًا بالغ الأهمية. وخلف الخطاب الرسمي، ذهبت الجزائر عمليًا إلى كانوسا؛ إذ قبلت مسارًا كانت ترفضه حتى وقت قريب، من دون أن تحصل على أي تنازل سياسي في المقابل. ومن اللافت أن وزير الشؤون الخارجية الجزائري يتجنب عمدًا، في مداخلاته الإعلامية الأخيرة، الإشارة إلى الاستفتاء، بل وحتى إلى تقرير المصير. ويعكس هذا التحفظ تحولًا ملحوظًا في خطابه العلني، هدفه تجنب أي تعارض مع توجهات الإدارة الأمريكية. وعلاوة على ذلك، وفي سياق حرصها على عدم معارضة إدارة ترامب، لم تصطف الجزائر مع امتناع روسيا والصين، بل فضّلت التصويت لصالح القرار الأمريكي 2803، الذي ينص على إنشاء مجلس للسلام وقوة دولية للفصل في غزة.
ويمارس هذا المجلس تأثيرًا سياسيًا ملحوظًا خارج الهياكل التقليدية للأمم المتحدة، ما يجعل التصويت الجزائري المؤيد في حالة توتر مع عقيدتها التقليدية القائمة على أولوية الإطار الأممي والتعددية.
في المقابل، وبصفتها عضوًا مؤسسًا وبقرارها إرسال عسكريين وشرطة، اختارت المغرب لعب دور استباقي عبر دعم الأهداف الأمريكية دعمًا نشطًا. ومن شأن هذا الموقف أن يعزز علاقاتها بواشنطن، ويوفر لها مكاسب دبلوماسية (لا سيما بشأن قضية الصحراء الغربية) واقتصادية، مع ترسيخ قيادتها الإقليمية ودورها كحلقة وصل بين القوى الغربية والعالم العربي.
2. القرار 2797 كنقطة تحول معيارية.
تطور الإطار الأممي لتسوية النزاع.
لقد كرس قرار مجلس الأمن رقم 2797 هذا التحول. وللمرة الأولى يُعترف بمخطط الحكم الذاتي المغربي باعتباره الأساس الوحيد الموثوق للتسوية. والجزائر، رغم عضويتها في المجلس، لم تصوّت ضده ولم تجرؤ حتى على الامتناع، بل اختارت عدم المشاركة، وهو موقف فُسّر في نيويورك على أنه إقرار بالعجز. وبين لغة تقنية ملتبسة وتبريرات صادمة، قدّم الوزير عطاف، من حيث لا يدري، للعالم خلاصة بليغة عن الإخفاق الدبلوماسي الجزائري.
وأكمل اصطفاف الاتحاد الأوروبي لاحقًا مع هذا القرار مسار تهميش الجزائر، التي لم ترَ ضرورة للرد على هذه النكسة. كما أن امتناع روسيا عن استخدام حق النقض لمنع اعتماد القرار 2797 يُبرز الحدود البنيوية للشراكة الاستراتيجية المعمقة التي تربطها بالجزائر.
3. حدود الدعم الروسي.
عدم استخدام الفيتو كإشارة جيوسياسية.
في مواجهة هذا الهجوم الدبلوماسي المنسق، تجد الجزائر وجبهة البوليساريو صعوبة متزايدة في الحفاظ على مطلبهما التاريخي بإجراء استفتاء لتقرير المصير. ففي العواصم الكبرى يُنظر إلى هذا المطلب بوصفه بقايا من زمن آخر، لا ينسجم مع الجغرافيا السياسية الإقليمية الجديدة.
4. تآكل مركزية الاستفتاء.
إعادة تشكيل مبدأ تقرير المصير.
فواشنطن لا تسعى فقط إلى تسوية نزاع إقليمي، بل تهدف إلى إعادة تركيب استراتيجي لمنطقة المغرب العربي. وهي تريد تطبيع العلاقات بين الجزائر والمغرب، وإعادة فتح الحدود البرية المغلقة منذ عقود، وإحياء أنبوب الغاز المغاربي–الأوروبي، الضروري لأمن الطاقة في إسبانيا والاتحاد الأوروبي. وهكذا تصبح الصحراء الغربية مفتاحًا لتسوية إقليمية كبرى تمليها المصالح الغربية في مجالي الطاقة والأمن.
5. الاستراتيجية الأمريكية لإعادة التشكيل الإقليمي.
الطاقة والأمن وتطبيع العلاقات المغاربية.
في هذا السياق، دُفن وهم الاستفتاء. وستمرّ التسوية عبر حكم ذاتي صحراوي تحت السيادة المغربية، يُقدَّم باعتباره صيغة محدثة من تقرير المصير. وسيُدفع الصحراويون إليه تحت ضغط جزائري، لا عن اقتناع بل بحكم الأمر الواقع. أما المعركة الوحيدة الممكنة فتتعلق بالضمانات: صلاحيات فعلية، حقوق سياسية، عفو عام، وإشراف دولي.
6. ترسيخ نموذج الحكم الذاتي.
نحو تعريف عملي جديد لتقرير المصير.
إن الخلافات الراهنة حول تقرير المصير، التي ما تزال تتيح للجزائر وجبهة البوليساريو كسب الوقت في مواجهة الضغط الأمريكي، مرشحة للتجاوز بفعل المنطق الذي كرسته قرارات الأمم المتحدة: «حل سياسي مقبول للطرفين». وهذه الصيغة، التي تبدو محايدة في ظاهرها، حلت فعليًا محل خيار الاستفتاء، وأصبحت الإطار الحصري الذي تسعى القوى الكبرى إلى حصر المسار فيه.
7. الدور البنيوي لبعثة المينورسو.
بين الإبقاء على الوضع القائم والضغط نحو حل سياسي.
ويزداد هذا التحول إكراهًا لأن بقاء بعثة المينورسو بات مشروطًا بالدخول في هذا المخطط السياسي. فاختفاء البعثة الأممية أو شللها سيفتح المجال أمام المغرب دبلوماسيًا وأمنيًا، مع خطر تصاعد التوتر العسكري بين الجزائر والرباط. وبعبارة أخرى، فإن الاستمرار في تعطيل المسار باسم تقرير المصير يعرض الجزائر ليس فقط لعزلة دولية متزايدة، بل أيضًا لزعزعة إقليمية قد تُحمَّل جانبًا كبيرًا من مسؤوليتها في نظر المجتمع الدولي.
8. ملف الصحراء ضمن دينامية التراجع الدبلوماسي العام.
كاشف بنيوي.
إن الفشل في إدارة قضية الصحراء الغربية مؤشر على الهشاشة الاستراتيجية للسياسة الخارجية الجزائرية.
غير أن الصحراء ليست سبب هذا الفشل، بل كاشفه.
فهذا الإخفاق الصحراوي يندرج ضمن انهيار دبلوماسي أوسع.
ويعدّ تعثر ترشح الجزائر للانضمام إلى مجموعة بريكس من أبرز الدلائل على تراجع نفوذها، وعلى تآكل قدرتها على استشراف أهداف سياستها الخارجية وتحقيقها. كما أن الارتباك الذي أصاب الوفد الجزائري خلال أعمال لجنة اليونسكو في نيودلهي، التي أدرجت القفطان المغربي ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، يجسد بوضوح إخفاق الدبلوماسية الجزائرية وتهميشها.
9. تراجع النفوذ الجزائري في إفريقيا.
حلقة مجلس السلم والأمن للاتحاد الإفريقي.
بعد أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة على نكسة مدريد، تلقت الدبلوماسية الجزائرية صفعة جديدة بانتخاب المغرب من الجولة الأولى لعضوية مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، فيما اضطرت الجمهورية الصحراوية إلى سحب ترشحها لغياب الدعم الكافي، رغم جهود الضغط المكثفة التي بذلتها الجزائر. وهذه الانتكاسة الثانية خلال يومين تلخص تراكم الإخفاقات وتآكل النفوذ الدبلوماسي الجزائري في القارة.
10. إعادة تشكيل موازين القوى في الساحل.
التهميش التدريجي للجزائر.
في منطقة الساحل، جرى تجاوز الجزائر من قبل روسيا والصين وتركيا. وتهدف استراتيجية الجزائر إلى إحداث تصدعات داخل تحالف دول الساحل عبر تكثيف الانفتاح الدبلوماسي على الحكومة النيجرية، بغية عزل المجلس العسكري في مالي، الذي يُنظر إليه بوصفه الأكثر راديكالية داخل التكتل.
11. فقدان المبادرة في ليبيا والمغرب العربي.
اعتماد متزايد على وساطات أطراف ثالثة.
في ليبيا، أصبحت الجزائر مهمشة ومحصورة في دور ثانوي داعم للدبلوماسية المصرية ضمن صيغة ثلاثية (مع تونس).
وباستثناء الحالة الخاصة لتونس، حيث يعتمد الرئيس قيس سعيّد على الدعم المالي الجزائري لإسناد اقتصاد هش، يظل دور الجزائر في المغرب العربي محدودًا للغاية. ولم تحقق مبادرتها لإنشاء تكتل رباعي يهدف إلى تهميش المغرب نتائج تُذكر. أما ليبيا فهي غارقة في صراعاتها الداخلية، في حين اختارت موريتانيا، رغم الاستثمارات الجزائرية المهمة (مثل طريق تندوف–الزويرات)، النأي بنفسها عن هذا المسار، تفاديًا للاصطدام بجارها المغربي.
12. تدهور العلاقات الجزائرية–الأوروبية.
نزاعات قانونية وأزمة ثقة.
على المستوى الأوروبي، تتسم العلاقات مع الاتحاد الأوروبي بأزمة اتفاق الشراكة والتطبيق المتنازع عليه لبعض بنوده، ما يغذي حالة من عدم الثقة المستدامة.
13. الأزمة البنيوية في العلاقات الجزائرية–الفرنسية.
الذاكرة، الصحراء، وإعادة الاصطفاف الاستراتيجي.
بلغت العلاقات مع فرنسا أدنى مستوياتها منذ الاستقلال، بين مبادرات رمزية وخطوات متعلقة بالذاكرة وتعليق اتفاقيات. وقد حُسمت الأمور الأساسية، فيما راكم المغرب مكاسب ملموسة في علاقته بباريس، التي سيوقع معها قريبًا معاهدة صداقة وتعاون تُرسخ الإطار القانوني والسياسي والاقتصادي والمؤسسي للعلاقات الفرنسية–المغربية.
إن إصرار الجزائر على اعتبار تطور الموقف الفرنسي من الصحراء الغربية خطًا أحمر، إلى جانب مطالبتها الملحّة بتسليم بعض المعارضين الجزائريين المقيمين في فرنسا، فضلًا عن التصعيد المستمر في ملف الذاكرة، كلها عوامل قوضت على المدى الطويل أي أفق لإعادة إطلاق طموحة للعلاقات الثنائية.
وقد تمهد الزيارة المرتقبة لوزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر، في أفضل الأحوال، لتطبيع براغماتي ومشروط يتركز على إعادة قبول الأشخاص الصادرة بحقهم أوامر مغادرة، والإفراج عن الصحفي الفرنسي، واستئناف التعاون الأمني بشكل معلن. غير أن هذا الاستئناف الحذر سيتأثر سريعًا بظل فوز محتمل لليمين المتطرف في الانتخابات الرئاسية لعام 2027.
14. الخلاف المستمر مع إسبانيا.
بين الخطاب السياسي والواقع الدبلوماسي.
تعكس العلاقات مع إسبانيا هذا الإخفاق أيضًا. فمدريد لم تغيّر موقفها الداعم لمغربية الصحراء الغربية، ولم يقم وزير الخارجية الإسباني بزيارة الجزائر، ما يؤكد استمرار أزمة الثقة. أما التصريحات المتفائلة للسلطات الجزائرية فتندرج أكثر في إطار الخطاب الداخلي منها في سياق تطبيع حقيقي.
15. الاختلال الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.
قيود وردع غير مباشر.
أمام واشنطن، تبدو الجزائر مشلولة. وحتى اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الحليف للجزائر، لم يثر أي رد رسمي. وتُدار العلاقات مع إيران وكوبا في سرية خشية ردود فعل أمريكية.
وفي إطار إدارة استراتيجية لعلاقات غير متكافئة مع واشنطن، سعت الجزائر إلى تخفيف الضغوط الأمريكية المرتبطة، من جهة، باحتمال فرض عقوبات بسبب اقتنائها معدات عسكرية روسية، ومن جهة أخرى، بالمبادرات المطروحة داخل الكونغرس الأمريكي لإدراج جبهة البوليساريو على قائمة المنظمات الإرهابية. وفي هذا السياق، استخدمت السلطات الجزائرية الورقة الاقتصادية عبر منح مزايا تفضيلية لشركات أمريكية تنشط في قطاعي التعدين واستخراج الغاز الصخري. وبالتوازي، أبدت الجزائر استعدادها لاقتناء أسلحة أمريكية بهدف تنويع شراكاتها الاستراتيجية وإعادة التوازن تدريجيًا لعلاقة هيمنت عليها تاريخيًا الشراكة العسكرية مع روسيا. ويعكس هذا المسار المزدوج استراتيجية تحوّط تهدف إلى الحفاظ على هوامش المناورة الدبلوماسية مع الحد من مخاطر المواجهة المباشرة مع واشنطن.
16. تصاعد التوتر مع دولة الإمارات العربية المتحدة.
بإصراره على سياسة عقيمة ومضرة تقوم على معاداة شركائه الإقليميين، اختار الرئيس تبون التصعيد مع دولة الإمارات العربية المتحدة — وهو رهان محفوف بالمخاطر أمام فاعل يمتلك موارد مالية ضخمة وقدرة كبيرة على التأثير السياسي والاقتصادي والإعلامي. ورغم أن انزعاج الجزائر من الأنشطة الإماراتية المزعزعة في الساحل وليبيا والقرن الإفريقي واليمن له ما يبرره موضوعيًا، فإن التعبير العلني عن هذا الغضب يشكل خطأ استراتيجيًا. فهناك فاعلون إقليميون آخرون، مثل قطر ولا سيما المملكة العربية السعودية، لديهم تحفظات مماثلة لكنهم يديرونها عبر قنوات أكثر فاعلية.
وعلاوة على ذلك، انخرطت أبوظبي بقوة في الشأن الداخلي التونسي، ساعية إلى تهميش الحركة الإسلامية بقيادة راشد الغنوشي وإبعاد الرئيس قيس سعيّد عن الاصطفاف مع الجزائر، ما أضعف موقع الجزائر الإقليمي في شمال إفريقيا. وفي الوقت ذاته، يشكل التقارب المتزايد بين الإمارات ومحور المغرب–إسرائيل مصدر قلق أمني متنامٍ للجزائر، إذ اكتسب هذا التنسيق الثلاثي أبعادًا عسكرية واستخباراتية وجيوسياسية واضحة، تهدد العمق الاستراتيجي الجزائري والاستقرار الإقليمي.
17. مركزية القرار وإضعاف المؤسسات.
أزمة حوكمة السياسة الخارجية.
تضاف إلى هذه الهشاشة الخارجية حالة شلل داخلي. فالقرارات الدبلوماسية تُتخذ في قمة هرم الدولة، وغالبًا بشكل اندفاعي، بينما يُختزل دور وزارة الشؤون الخارجية في التنفيذ من دون تأثير استراتيجي حقيقي. لم تعد للجزائر دبلوماسية مهيكلة؛ بل باتت في حالة ردّ فعل دائم على مبادرات الآخرين.
18. الفجوة العقائدية.
دبلوماسية غير متكيفة مع تحولات النظام الدولي.
الحقيقة قاسية: تدفع الجزائر اليوم ثمن دبلوماسية بقيت أسيرة شعارات سبعينيات القرن الماضي، في عالم تحكمه المصالح والتحالفات وموازين القوة.
ر. بن منصور
جيوبوليتيكي
13 فبراير 2026
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟