أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - قراءة في توقعات جيانغ شيويه تشين لنهاية الهيمنة الأمريكية















المزيد.....



قراءة في توقعات جيانغ شيويه تشين لنهاية الهيمنة الأمريكية


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 09:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عندما يصبح التنبؤ علماً

والعالم يعيش على صفيح ساخن من الصراع المحتدم بين الولايات المتحدة وإيران منذ بداية مارس آذار الأخير ، تعود إلى الواجهة توقعات أطلقها قبل عامين مفكر كندي من أصل صيني، لترسم لوحة مستقبلية مثيرة للقلق والجدل في آن معاً. البروفيسور جيانغ شيويه تشين، صاحب قناة "التاريخ التنبؤي" الشهيرة على يوتيوب، لم يكن مجرد محلل سياسي عادي عندما جلس أمام الكاميرات في مايو 2024 ليطلق ثلاث توقعات اعتبرها الكثيرون ضرباً من الخيال .

لكن الأيام أثبتت أن خيال جيانغ كان أقرب إلى استشراف المستقبل منه إلى التكهن العابر. فقد فاز ترامب بالانتخابات كما توقع، ثم اندلعت الحرب مع إيران في فبراير 2026 كما تنبأ. والآن، يتجه العالم بأنظاره صوب التوقع الثالث والأكثر إثارة للجدل: أن الولايات المتحدة ستخسر هذه الحرب، وأن هزيمتها هذه المرة لن تكون مجرد نكسة عسكرية، بل بداية النهاية لإمبراطورية ظلت لعقود تتربع على عرش النظام العالمي الأحادي القطب .

ما يقدمه جيانغ ليس مجرد نبوءات عابرة، بل هو بناء نظري متكامل يستند إلى ما يسميه "التاريخ التنبؤي" (Predictive History)، وهو منهج يمزج بين دراسة أنماط التاريخ، ونظرية الألعاب (Game Theory)، والجغرافيا السياسية، ليقدم رؤية شاملة لمسارات الصراع الدولي. وفي هذه المادة الصحفية المعمقة، نسبر أغوار هذه التوقعات الثلاثة، ونحلل الأسس التي قامت عليها، ونتتبع خيوطها في الواقع المتأجج الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط في مارس 2026.



الرجل ومنهجه – نظرية التاريخ التنبؤي

من ييل إلى طهران: مسار غير تقليدي

ولد جيانغ شيويه تشين في الصين، ودرس الأدب الإنجليزي في جامعة ييل المرموقة، قبل أن يعمل مدرساً في مدارس مرموقة مثل مدرسة شنتشن الثانوية ومدرسة بكين الثامنة . لكن شغفه الحقيقي كان دوماً بالتاريخ والسياسة الدولية. هذا المزيج غير التقليدي بين الخلفية الأدبية والتحليل السياسي ربما هو ما منحه تلك العدسة المختلفة التي يرى من خلالها الأحداث.

لم يقتصر نشاطه على الأكاديميا، بل امتد إلى إنشاء قناة "التاريخ التنبؤي" على يوتيوب، التي تجاوز عدد متابعيه مؤخراً المليون ونصف المليون متابع . في هذه القناة، يقدم تحليلاته المستندة إلى نظريته الخاصة التي تستلهم فكرة "التاريخ النفسي" (Psychohistory) من روايات الخيال العلمي لإسحاق أزيموف، لكنه يصبها في قالب علمي جاد يعتمد على دراسة الأنماط التاريخية المتكررة.

أسس النظرية: التاريخ يعيد نفسه لكن بشكل حلزوني

يرى جيانغ أن التاريخ لا يعيد نفسه بشكل آلي، بل في نمط حلزوني، حيث تتكرر الظواهر الكبرى لكن في سياقات مختلفة. الإمبراطوريات تصعد وتنهار وفق قوانين شبه ثابتة، وأهمها قانون "الغطرسة" (Hubris) الذي تحدث عنه الإغريق القدماء: عندما تصل إمبراطورية إلى ذروة قوتها، يدفعها الغرور إلى تجاوز حدودها الطبيعية، فتدخل في صراعات تستنزفها وتؤدي في النهاية إلى انهيارها .

في مقابلة مع برنامج "Breaking Points" الأمريكي، شرح جيانغ كيف استخدم هذه العدسة لتحليل الوضع الأمريكي الإيراني، واصفاً الحرب الحالية بأنها "فخ استراتيجي" وقعت فيه واشنطن دون أن تدري . لكن ما هي هذه التوقعات الثلاثة التي أحدثت كل هذه الضجة؟



التوقعات الثلاثة – من النظرية إلى الواقع

التوقع الأول: عودة ترامب

في مايو 2024، كان المشهد السياسي الأمريكي لا يزال ملتبساً. الرئيس السابق دونالد ترامب كان يواجه سيلاً من القضايا القانونية، وكثير من المحللين استبعدوا عودته إلى البيت الأبيض. لكن جيانغ رأى غير ذلك. استناداً إلى تحليله لأنماط التصويت، واستياء الناخب الأبيض من الطبقة الحاكمة، ورغبة النخب في قائد قوي يدير الصراعات المقبلة، توقع جيانغ فوز ترامب في انتخابات نوفمبر .

وعندما تحقق هذا التوقع في الخامس من نوفمبر 2024، بدأ كثيرون ينظرون إلى الرجل بجدية مختلفة. لم يعد مجرد "يوتيوبر" يقدم محتوى ترفيهياً، بل أصبح محللاً استراتيجياً يستحق المتابعة.

التوقع الثاني: حتمية الحرب مع إيران

بعد فوز ترامب، توقع جيانغ أن الرئيس العائد سيندفع نحو الحرب مع إيران. لم يكن هذا التوقع مجرد تخمين، بل استند إلى تحليل مصالح اللاعبين الرئيسيين :

· إسرائيل كانت تسعى منذ سنوات لضرب البرنامج النووي الإيراني وتصفية نفوذ طهران الإقليمي.
· السعودية ودول الخليج رأت في إيران تهديداً وجودياً يستدعي تدخلاً حاسماً.
· ترامب نفسه كان بحاجة إلى انتصار خارجي يعزز شعبيته الداخلية ويحول الأنظار عن مشاكله القانونية.

في يونيو 2025، بدأت الأحداث تتسارع. فشلت مفاوضات عمان حول الملف النووي، ثم شنت إسرائيل هجمات على منشآت إيرانية، لترد إيران بصواريخ باليستية في "حرب الاثني عشر يوماً" . ثم جاءت اللحظة الفاصلة في 28 فبراير 2026، عندما شنت القوات الأمريكية والإسرائيلية عملية "الغضب الملحمي" (Epic Fury) التي اغتالت المرشد الأعلى علي خامنئي وعدداً من القادة العسكريين .

التوقع الثالث: الخسارة الأمريكية

وهذا هو التوقع الأكثر إثارة للجدل، والأكثر تفصيلاً في تحليلات جيانغ. في نظره، الولايات المتحدة قد تنتصر في المعارك التكتيكية، لكنها ستخسر الحرب استراتيجياً . فما هي الأسس التي بنى عليها هذه القناعة؟



تشريح الهزيمة – لماذا ستخسر أمريكا الحرب؟

أولاً: جغرافية الموت – التضاريس الإيرانية كحليف استراتيجي

إيران ليست صحراء عراقية منبسطة، ولا سهولاً أفغانية مكشوفة. إنها هضبة شاسعة تخترقها سلاسل جبلية وعرة، وعلى رأسها جبال زاغروس التي تمتد كحاجز طبيعي من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي. في هذه التضاريس الوعرة، يفقد الجيش الأمريكي أهم أسلحته: القدرة على الحركة السريعة، والتفوق الجوي الحاسم، وسلاسل الإمداد الآمنة .

يقول جيانغ في تحليله: "القوات الأمريكية في الجبال الإيرانية ستصبح رهائن وليسوا جنوداً". ففي الحرب الجبلية، يعرف المدافع المحلي كل درب وممر، ويستطيع الاختباء في الكهوف والمغارات، بينما يظل الجيش المهاجم مكشوفاً عرضة للكمائن ونيران القناصة. وإذا كان احتلال العراق تطلب 150 ألف جندي، فإن احتلال إيران، بمساحتها الشاسعة وتضاريسها الوعرة وسكانها البالغين نحو 85 مليون نسمة، قد يتطلب 3 إلى 4 ملايين جندي . وهذا رقم لا تستطيع الولايات المتحدة توفيره، خاصة مع تراجع أعداد المجندين واعتمادها على معدات عسكرية يتم تصنيع أجزاء منها في الخارج.

ثانياً: حرب الاستنزاف – معادلة التكلفة المستحيلة

هنا يكمن جوهر التحليل الذي يقدمه جيانغ. الحرب التي يخوضها الطرفان ليست متكافئة في التكاليف. فالولايات المتحدة تعتمد على تكنولوجيا باهظة الثمن: صواريخ اعتراضية من نوع "باتريوت" أو "ستاندرد" قد تصل تكلفة الواحد منها إلى 3 ملايين دولار. في المقابل، تستخدم إيران طائرات مسيرة من نوع "شاهد 136" لا يتجاوز سعر الواحدة 50 ألف دولار .

النتيجة الحسابية صادمة: مقابل كل صاروخ إيراني رخيص، تضطر أمريكا لاستنفاد صواريخها الباهظة. وفي حرب استنزاف طويلة، هذا الفارق في التكلفة يعني أن المخزون الأمريكي سينضب قبل المخزون الإيراني، مهما كان التفوق التكنولوجي .

لكن المشكلة الأكبر ليست في الجبهة العسكرية المباشرة، بل في الجبهات الأخرى التي يفتحها الإيرانيون وحلفاؤهم. فالحوثيون في اليمن يطلقون طائرات مسيرة باتجاه السعودية والإمارات، وحزب الله يهدد إسرائيل، والميليشيات الشيعية في العراق وسوريا تنخرط في معركة الاستنزاف. إنها حرب من نوع جديد: لا جبهات محددة، ولا خطوط تماس واضحة، فقط ضربات مؤلمة هنا وهناك، تستنزف العدو وتستنفد صبره .

ثالثاً: استهداف شرايين الحياة والنفط

في تحليله الأكثر إثارة للجدل، يشير جيانغ إلى أن إيران لا تحتاج بالضرورة إلى هزيمة الجيش الأمريكي في ساحة المعركة. يكفيها أن توجه ضرباتها إلى نقاط الضعف القاتلة لحلفاء أمريكا في المنطقة. وهذه النقاط هي: محطات تحلية المياه، ومنشآت النفط .

ورقة المياه:
تعتمد دول الخليج العربي اعتماداً شبه كامل على محطات تحلية مياه البحر لتوفير مياه الشرب. ففي السعودية والإمارات والكويت وقطر، توفر هذه المحطات حوالي 60% من المياه العذبة . ضربة واحدة ناجحة من طائرة مسيرة إيرانية على محطة تحلية كبرى كافية لحرمان مدينة بأكملها من المياه خلال 24 ساعة. وفي منطقة ترتفع فيها حرارة الصيف إلى خمسين درجة مئوية، فإن انقطاع المياه يعني استحالة الحياة، وتهجيراً قسرياً لملايين البشر، وانهياراً كاملاً للنظام الاجتماعي .

ورقة النفط:
مضيق هرمز هو أحد أهم الممرات المائية في العالم، يمر عبره حوالي خمس إنتاج النفط العالمي. تهديد إيران بإغلاق المضيق، أو استهداف ناقلات النفط، أو ضرب منشآت التصدير في الخليج، كفيل برفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية. التقديرات تشير إلى أن برميل النفط قد يصل إلى 150 دولاراً في حال اندلاع حرب شاملة .



المعركة الاقتصادية – استهداف شريان "البترودولار"

هنا يصل تحليل جيانغ إلى أعقد مستوياته، وأكثرها إثارة للجدل. فهو يربط بين الحرب في الخليج واستقرار الاقتصاد الأمريكي نفسه.

حلقة الوصل: من النفط إلى الذكاء الاصطناعي

يرسم جيانغ صورة معقدة للعلاقة بين دول الخليج والاقتصاد الأمريكي. فالدول الخليجية لا تبيع النفط فقط، بل تعيد استثمار فوائضها المالية (البترودولار) في الأسواق الأمريكية. هذه الاستثمارات تتجه بشكل متزايد إلى قطاع التكنولوجيا، وخاصة شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة مثل إنفيديا ومايكروسوفت، التي تعتمد على تدفق رؤوس الأموال لتمويل أبحاثها وتطويرها .

في السنوات الأخيرة، كان قطاع الذكاء الاصطناعي المحرك الرئيسي لسوق الأسهم الأمريكية، وخاصة مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الذي وصل إلى مستويات قياسية. هذا النمو كان مدعوماً بشكل كبير بالاستثمارات الخليجية. فإذا تعطل تدفق البترودولار بسبب الحرب، فإن فقاعة الذكاء الاصطناعي قد تنفجر، وتنهار معها أسواق المال .

نقد التوقع: آراء مغايرة

لكن تحليل جيانغ واجه نقداً من خبراء اقتصاديين يرون أن الصورة أكثر تعقيداً. بحسب تحليل نشره الباحث "شي تشان" في منصة سوهو الصينية، فإن نسبة استثمارات البترودولار في قطاع الذكاء الاصطناعي لا تتجاوز 10% من إجمالي تمويل هذا القطاع. المصادر الرئيسية للتمويل هي التدفقات النقدية لشركات التكنولوجيا العملاقة (40-50%) والأسواق المالية الأمريكية (30-40%) .

هذا الناقد يرى أن تأثير الحرب قد يأتي من طريق آخر: ارتفاع أسعار النفط سيؤدي إلى زيادة التضخم، مما سيجبر الفدرالي الأمريكي على رفع أسعار الفائدة بدلاً من خفضها. ارتفاع الفائدة سيجعل تمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي أكثر كلفة، وقد يؤدي إلى تباطؤ النمو في هذا القطاع الحيوي. لكن هذا يختلف عن سيناريو الانهيار الكامل الذي يرسمه جيانغ .

رغم ذلك، يبقى تحليل جيانغ مثيراً للاهتمام، لأنه يربط بين ساحة المعركة البعيدة في الخليج والاقتصاد الأمريكي بطريقة غير تقليدية، ويكشف عن هشاشة محتملة في النظام المالي العالمي لم تكن واضحة من قبل.



الداخل الإيراني – نقطة الضعف الأكبر؟

لكن تحليل جيانغ لا يغفل عن نقاط الضعف الإيرانية. فإيران ليست كتلة صلبة متماسكة، بل هي فسيفساء عرقية وقومية معقدة قد تنفجر في أي لحظة.

الفسيفساء الإيرانية: القوميات المهمشة

التركيبة السكانية الإيرانية معقدة: الفرس يشكلون حوالي 61% من السكان، ويتركزون في الهضبة الوسطى. لكن الأطراف مأهولة بأقليات كبيرة: الأذربيجانيون (16%) في الشمال الغربي، الأكراد (10%) في الغرب، العرب (2%) في خوزستان، البلوش (2%) في الجنوب الشرقي، وغيرهم من اللور والتركمان .

هذه المناطق تعيش تهميشاً مزمناً، وتواجه أزمات بيئية حادة. فبحيرة أرومية، التي كانت سادس أكبر بحيرة مالحة في العالم، تقلصت مساحتها بنسبة 90% عما كانت عليه في 1984، بسبب بناء السدود والآبار الجوفية . وفي خوزستان العربية، يعاني السكان من تلوث شديد وندرة المياه. وفي سيستان بلوشستان، الجفاف يهدد وجود المجتمعات المحلية.

احتجاجات مارس 2026: الغضب الشعبي يتصاعد

مع اشتعال الحرب، وتصاعد القصف، وتدهور الأوضاع المعيشية، عاد الغضب الشعبي إلى الظهور. تقارير غير مؤكدة تشير إلى اندلاع احتجاجات في عدة مدن إيرانية، قمعتها القوات الأمنية بعنف. بعض التقديرات تتحدث عن سقوط 7000 إلى 30 ألف قتيل في الأسابيع الأخيرة .

هذه الاحتجاجات تمثل نقطة الضعف الأكبر في المعادلة الإيرانية. فالنظام الذي يواجه عدواً خارجياً شرساً، يجد نفسه في مواجهة غضب شعبي داخلي قد يكون أكثر خطورة. إذا تمكنت الولايات المتحدة وحلفاؤها من استغلال هذه الاحتجاجات، ودعم المعارضة الداخلية، فقد يتحقق ما فشلت فيه القنابل: إسقاط النظام من الداخل.

لكن جيانغ يحذر من قراءة متسرعة لهذا المشهد. ففي تاريخ إيران الطويل، تكرر نمط "الالتفاف حول العلم" عندما تواجه البلاد عدواناً خارجياً. الغضب الداخلي قد يتحول بسرعة إلى وحدة وطنية إذا شعر الإيرانيون أن وجود دولتهم ذاته مهدد.



التاريخ يستشهد – دروس الماضي في حرب الحاضر

في تحليلاته، يستخدم جيانغ التاريخ ليس كزينة بلاغية، بل كأداة تحليلية لفهم الحاضر وتوقع المستقبل. وهو يستشهد بحادثتين تاريخيتين رئيسيتين.

صقلية 415 ق.م: غطرسة أثينا

في خضم الحرب البيلوبونيسية، قررت أثينا إرسال حملة ضخمة لغزو صقلية. كان الأثينيون في أوج قوتهم، واثقين من قدراتهم البحرية ومن تفوقهم الحضاري. لكن الحملة انتهت بكارثة مطلقة: تدمير الأسطول الأثيني، وقتل أو أسر عشرات الآلاف من الجنود، وانهيار القوة الأثينية التي لم تتعاف أبداً .

يرى جيانغ أن الولايات المتحدة اليوم تشبه أثينا الأمس. هي في أوج قوتها العسكرية والتكنولوجية، تظن أنها قادرة على فرض إرادتها على أي خصم. لكن الحرب مع إيران قد تكون "صقلية" القرن الحادي والعشرين: مغامرة استراتيجية تنهي الهيمنة الأمريكية كما نعرفها.

فيتنام وأفغانستان: شبح حرب العصابات

لا يمكن فهم التحذيرات الجيوسياسية اليوم دون استحضار شبحي فيتنام وأفغانستان. في فيتنام، هزم جيش عصابات صغير مجهز تسليحاً بسيطاً أقوى قوة عسكرية في العالم. في أفغانستان، أنفقت أمريكا تريليوني دولار وعشرين عاماً من القتال، لتنسحب في النهاية تحت ضغط حركة طالبان.

جيانغ يرى أن إيران ستحول أي غزو بري إلى مستنقع فيتنامي جديد. قوات الاحتلال ستواجه مقاومة شعبية في كل قرية ومدينة، وعمليات نوعية تستهدف خطوط الإمداد والقواعد الخلفية، واستنزافاً متواصلاً للروح المعنوية والموارد المادية.



النظام العالمي الجديد – ملامح ما بعد الحرب

إذا تحققت توقعات جيانغ، فما هو شكل العالم بعد هزيمة أمريكا؟

نهاية الأحادية القطبية

منذ سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991، عاش العالم في ظل نظام أحادي القطب تهيمن عليه الولايات المتحدة. هذه الهيمنة لم تكن عسكرية فقط، بل اقتصادية وثقافية وتكنولوجية. لكن الحرب مع إيران قد تكون نهاية هذا النظام .

في عالم ما بعد الحرب، سيتشكل نظام متعدد الأقطاب، تتصدره قوى كبرى مثل الصين وروسيا. الصين، التي تتبع استراتيجية طويلة المدى منذ عقود، ستجد نفسها في وضع مثالي: أمريكا منهكة ومنشغلة بجراحها، والصين تتقدم اقتصادياً وتكنولوجياً وتوسع نفوذها في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

نهاية البترودولار؟

الدولار الأمريكي ظل لعقود العملة الاحتياطية الأولى في العالم، مدعوماً باتفاق غير مكتوب: الدول المصدرة للنفط تبيع نفطها بالدولار، وتستثمر فوائضها في سندات الخزانة الأمريكية. هذا النظام، المعروف باسم "البترودولار"، كان ركيزة أساسية للهيمنة المالية الأمريكية.

لكن الحرب مع إيران قد تكسر هذا النظام. إذا شعرت دول الخليج أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على حمايتها، أو أن استمرار تحالفها مع واشنطن يكلفها ثمناً باهظاً، فقد تبدأ بالتفكير في تنويع عملات مبيعاتها النفطية، والتحول نحو اليوان أو اليورو أو سلة من العملات. هذا التحول سيكون ضربة قاصمة للاقتصاد الأمريكي، وبداية النهاية لعصر الهيمنة المالية الأمريكية .

إسرائيل: نصر كلف أكثر من ثمنه

حليفة أمريكا الأولى في المنطقة، إسرائيل، قد تجد نفسها في موقف صعب بعد الحرب. فإذا خرجت أمريكا منهكة أو مهزومة، فإن الردع الإسرائيلي سيتآكل. حزب الله في لبنان، وحماس في فلسطين، والمقاومة الوطنية في سوريا والعراق، كلها قوى ستشعر بأن الفرصة مواتية لتصفية حسابات قديمة.

صحيح أن إيران ستخرج من الحرب ضعيفة هي الأخرى، لكن الفرق أن الخسارة الأمريكية ستكون مدوية ومعلنة، بينما الخسارة الإيرانية ستكون جزءاً من ثمن الصمود الذي اعتادت دفعه.



السيناريوهات المحتملة – كيف ستبدو نهاية الحرب؟

بينما لا يزال الصراع دائرا في مارس 2026، يمكن التمييز بين عدة سيناريوهات محتملة لنهاية الحرب، وفقاً لتحليل جيانغ ومناقشيه.

السيناريو الأول: حرب استنزاف طويلة (المرجح)

في هذا السيناريو، تستمر الحرب لأشهر أو حتى سنوات، دون تحقيق أي طرف نصراً حاسماً. أمريكا تواصل ضرباتها الجوية، وإيران تواصل ردودها عبر وكلائها. الخسائر تتزايد، والاقتصاد العالمي يترنح، والمنطقة تعيش في حالة "لا حرب ولا سلام". هذا هو السيناريو الذي يراه جيانغ الأكثر ترجيحاً .

السيناريو الثاني: انسحاب أمريكي تحت غطاء سياسي

مع تصاعد التكاليف، قد تقرر إدارة ترامب البحث عن مخرج مشرف. ربما عبر اتفاق مع إيران يضمن عدم تطويرها للسلاح النووي مقابل رفع العقوبات، وانسحاب أمريكي تدريجي. هذا السيناريو سيعتبر هزيمة استراتيجية لأمريكا، لكنها ستكون أقل إيلاماً من الانهيار الكامل.

السيناريو الثالث: التصعيد إلى حرب إقليمية شاملة

وهو السيناريو الأخطر. إذا شعرت أمريكا أنها تخسر، قد تلجأ إلى تصعيد غير مسبوق: ضرب البنية التحتية الإيرانية بشكل مكثف، أو استخدام القوات البرية، أو حتى تهديد إيران باستخدام الأسلحة النووية . لكن هذا التصعيد قد يأتي بنتائج عكسية، ويدفع إيران وحلفاءها إلى ردود متطرفة، ويجذب قوى كبرى مثل روسيا إلى المعركة.

السيناريو الرابع: انهيار النظام الإيراني

الاحتمال المعاكس: الضربات العسكرية المتواصلة، والاستهداف الدقيق للقيادات، والاستغلال الذكي للاحتجاجات الداخلية، قد تؤدي إلى انهيار النظام الإيراني. في هذا السيناريو، تنتصر أمريكا عسكرياً، لكنها تواجه تحدياً جديداً: إدارة إيران ما بعد النظام، وهي مهمة قد تكون أكثر صعوبة وتكلفة من الحرب نفسها.



جيانغ بين النبوءة والتحليل – قراءة نقدية

لكن هل توقعات جيانغ معصومة عن الخطأ؟ وهل يجب التعامل معها كنبوءات مقدسة أم كمجرد تحليلات قابلة للنقاش؟

نقاط القوة في منهجه

ما يميز تحليلات جيانغ هو قدرته على الربط بين متغيرات متعددة لا تخطر على بال المحللين التقليديين: الجغرافيا، التكنولوجيا، الاقتصاد، التاريخ، وحتى علم النفس الجماعي. نظريته عن "تضخم النخب" تقدم تفسيراً مقنعاً لكيفية اتخاذ الدول الكبرى لقرارات غير عقلانية تؤدي إلى تدميرها. كما أن تركيزه على "حرب الاستنزاف" يكشف عن نقطة ضعف حقيقية في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية التي اعتادت الحروب السريعة منخفضة التكلفة .

نقاط الضعف والانتقادات

لكن توقعاته ليست خالية من النقاط القابلة للنقد:

أولاً، تحليله للبعد الاقتصادي يقلل من مرونة الاقتصاد الأمريكي. فرغم أهمية البترودولار، إلا أن الاقتصاد الأمريكي أوسع وأعمق من أن ينهار بسهولة بسبب حرب في الخليج .

ثانياً، توقعاته تقلل من أهمية العامل الداخلي الإيراني. فالاحتجاجات الشعبية، والأزمات البيئية، والانقسامات العرقية، كلها عوامل قد تؤدي إلى انهيار إيراني من الداخل قبل أن تتمكن من استنزاف أمريكا .

ثالثاً، تحليله يفترض أن كل اللاعبين سيتصرفون بعقلانية وفق حساباتهم الخاصة، متجاهلاً احتمال حدوث أخطاء فادحة أو قرارات غير متوقعة تغير مسار الأحداث.

رابعاً، بعض النقاد يرون أن جيانغ يخلط أحياناً بين التحليل العلمي ونظريات المؤامرة، خاصة عندما يتحدث عن أدوار "الجمعيات السرية" أو "الماسونية" في صنع القرار الدولي .

المعلقون والمنتديات: آراء متباينة

على منتديات النقاش، تتباين الآراء حول مصداقية جيانغ. بعض المعلقين يرون تحليلاته "ثاقبة" و"دقيقة"، بينما يحذر آخرون من التعامل معها كـ"نصوص مقدسة". أحد المعلقين على منتدى صومالي wrote: "لا تتعامل مع كلماته وكأنها وحي. هو بالتأكيد له زاوية رؤية معينة. بينما يقدم تحليلاً مثيراً للاهتمام، هو مجرد تحليل، وليس مسيحاً" .

معلق آخر يشير إلى أن جيانغ كان قد توقع غزواً أمريكياً برياً لإيران قبل انتخابات التجديد النصفي لعام 2025، وهو ما لم يحدث، مما يشير إلى أن توقعاته ليست دائماً دقيقة .



الإمبراطورية في مفترق الطرق

في مارس 2026، تقف الولايات المتحدة عند مفترق طرق حاسم. الحرب مع إيران، التي بدأت كعملية محدودة لضرب المنشآت النووية والرد على اغتيال القادة، تحولت إلى حرب استنزاف مفتوحة تهدد بابتلاع المنطقة بأكملها. ترامب، الذي وعد بإنهاء الحروب وإعادة الجنود إلى ديارهم، يجد نفسه غارقاً في مستنقع جديد قد يكون أكثر فتكاً من فيتنام وأفغانستان.

توقعات جيانغ الثلاثة، التي بدت قبل عامين مجرد تكهنات مثيرة للجدل، أصبحت اليوم محور نقاش عالمي. فوز ترامب تحقق. الحرب مع إيران اندلعت. والآن، يترقب العالم تحقق التوقع الثالث: هزيمة أمريكا وخروجها من المنطقة منهكة، لتبدأ مرحلة جديدة من النظام العالمي المتعدد الأقطاب.

لكن التاريخ لا يكرر نفسه بشكل آلي. وما حدث في أثينا وفيتنام قد لا يتكرر بالضرورة في إيران القرن الحادي والعشرين. أمريكا اليوم ليست أثينا القديمة، وإيران ليست فيتنام الستينات. التكنولوجيا تغيرت، والاقتصاد العالمي تحول، واللاعبون الجدد مثل الصين وروسيا يغيرون موازين القوى.

ربما يكون الأهم في تحليلات جيانغ ليس دقة توقعاته، بل الأسئلة التي يثيرها: هل بلغت الإمبراطورية الأمريكية ذروة غطرستها؟ هل تتجه نحو الانحدار مثل كل الإمبراطوريات التي سبقتها؟ وهل ستكون إيران هي الشوكة التي تنهي أسطورة الهيمنة الأحادية؟

تبقى الإجابة رهن الأيام والشهور القادمة. ما نعرفه يقيناً هو أن المنطقة تعيش لحظة تاريخية فارقة، وأن ما سيحدث في الأسابيع المقبلة سيعيد تشكيل غرب آسيا والعالم لعقود قادمة. وبينما تستمر الصواريخ في التحليق، والمدن في الاهتزاز، والاقتصادات في التذبذب، تبقى كلمات جيانغ تتردد في أذهان المتابعين: "الإمبراطوريات لا تسقط لأن أعداءها أقوياء، بل لأنها تصدق أسطورتها الخاصة عن الخلود".



هوامش ومصادر

هذه المادة الصحفية تستند إلى مجموعة من المصادر المتنوعة التي غطت توقعات جيانغ وتحليلاته، أبرزها:

· تقارير وكالة Geo News الباكستانية حول المقابلة الأخيرة مع جيانغ في مارس 2026
· تقارير صحيفة Daily Ausaf حول التوقعات الثلاثة
· منصة سوهو الصينية التي نشرت تحليلاً نقدياً لتوقعات جيانغ بقلم الباحث شي تشان
· تقرير مفصل من منصة Victory Gathering حول خلفية جيانغ وتحليل حرب الاستنزاف
· تحليل BusinessMirror الفلبيني حول الأبعاد الجيوسياسية للتوقعات
· تقرير Free Press Journal الهندي حول أزمة المياه في الخليج وإيران
· مناقشات المنتديات التي عكست آراء المتابعين العاديين حول مصداقية جيانغ
· منصة Bilibili الصينية التي تضم محتوى متنوعاً حول التطورات الجارية






………..


المادة الساخرة :


الإمبراطورية العرجاء: مسرحية حمقى في فصلين

أو
عندما قرر أغبى رجلين في الشرق الأوسط تقسيم العالم على تلة


مقدمة: نبوءة الضحك الأخير

في ربيع عام 2026، والعالم يتابع بلهفة مسرحية هزلية كبرى تمثل على مسرح غرب اسيا، يطل علينا البروفيسور جيانغ شيويه تشين من خلف كاميراته ليذكرنا بأنه كان قد تنبأ بكل هذا العبث قبل عامين. لكنه هذه المرة يضحك، ليس لأنه سعيد، بل لأنه أدرك أن التاريخ لا يكرر نفسه فقط، بل يكرر نفسه على طريقة مسرحيات موليير: تراجيديا في البداية، ثم كوميديا في النهاية.

ثلاث توقعات أطلقها الرجل، ثلاثة سهام أصابت أهدافها: ترامب في البيت الأبيض، وحرب مع إيران، ثم هزيمة أمريكية لن يعترف بها أحد لكن الجميع سيرونها. لكن اللافت هذه المرة ليس دقة التوقعات، بل عبقرية الحمقى الذين حققوها. وكما يقول المثل الإيطالي: "يصنع الله الفطور، لكن الحمقى يصنعون التاريخ". وفي حالتنا هذه، فإن ترامب ونتنياهو لم يصنعا التاريخ فحسب، بل أصرا على صناعته بأيديهما، وكأنهما يريدان تسليم العالم على طبق من فشل ذريع.

في هذه المادة الصحفية الساخرة، نسير على خطى هذين البطلين التراجيكوميين، ونرى كيف تحولت إمبراطورية الـ 11 حاملة طائرات إلى ديك رومي ينفش ريشه في وجه عاصفة إيرانية، وكيف تحول جيش "غير قابل للهزيمة" إلى مجموعة من الجنود يركضون صعوداً إلى تلة ليهربوا من بضع مئات من مقاتلي المقاومة. إنها قصة الغرور الأعظم، أو كيف تعلمنا إيران أن الحجم لا يهم عندما تكون على حق (أو عندما تكون مستعداً للموت من أجل قضيتك، بينما الطرف الآخر مستعد فقط للموت من أجل أسهمه في البورصة).


ترامب – العبقرية التي لا تعرف أنها غبية

نظرية المعرفة عند رئيس لا يقرأ

لنكن صادقين: دونالد ترامب هو الظاهرة الأكثر إرباكاً في تاريخ العلاقات الدولية. إنه رجل استطاع أن يحول البيت الأبيض إلى فرع من فروع مسابقات ملكة الجمال، وأن يحول السياسة الخارجية إلى تغريدة لا تتجاوز 280 حرفاً. لكن السؤال الذي حير الفلاسفة: هل ترامب غبي فعلاً، أم أنه عبقري يتظاهر بالغباء؟ الإجابة، كما كشفها جيانغ في إحدى محاضراته، هي: لا هذا ولا ذاك. ترامب ببساطة يعيش في "فقاعة إبستيمية" خاصة به، عالم من صنع خياله حيث كل شيء ممكن طالما أن قناة فوكس نيوز تقوله.

الوعي الإبستيمي، أيها السادة، هو الطريقة التي نعرف بها العالم. معظم الناس يعرفون العالم عبر التجربة والخطأ والقراءة والاستماع للخبراء. أما ترامب، فيعرف العالم عبر شعره البرتقالي: إذا كان شعره لا يزال واقفاً، فكل شيء على ما يرام. وإذا سقطت خصلة واحدة، فهذا يعني أن هناك مؤامرة ديمقراطية لسرقة النصر.

في مقابلة مع برنامج "Breaking Points" بعد اندلاع الحرب، شرح جيانغ كيف أن ترامب وقع في الفخ الإيراني دون أن يدري. يقول جيانغ: "ترامب يعتقد أن القوة هي حجم الجيش، لكنه لا يفهم أن القوة الحقيقية هي قدرتك على تحمل الألم. أمريكا لا تتحمل الألم، أمريكا تتحمل فقط مشاهدة نتفلكس. إيران تتحمل كل شيء."

ترامب وجغرافيا المنطقة: أين تقع إيران أصلاً؟

قبل أن يقرر ترامب قصف إيران، كان عليه أن يعرف أين تقع. وهنا تكمن المشكلة. في اجتماع سري في البنتاغون قبل الحرب، سأل ترامب مستشاريه: "هل إيران تلك الجزيرة القريبة من أستراليا؟" أجابه أحد الجنرالات: "سيدي، إيران ليست جزيرة، وهي ليست قريبة من أستراليا. إنها في الشرق الأوسط." نظر ترامب إليه بعينين حائرتين: "أليس الشرق الأوسط في أوروبا؟"

هذه اللحظة، كما يرويها أحد الحاضرين (الذي فضل عدم الكشف عن اسمه لأنه لا يزال يبحث عن عمل)، كانت اللحظة الفاصلة. قرر ترامب حينها أن يشن الحرب ليس لأنه يعرف أهمية إيران، بل لأنه سئم من أسئلته الجغرافية المحرجة.

لكن عبقرية ترامب الحقيقية تتجلى في قدرته على تحويل أي هزيمة إلى انتصار. عندما سُئل عن تدمير منظومتي "ثاد" الأمريكيتين في قاعدة الظفرة بالإمارات، رد بتغريدة: "لقد قمنا باختبار جديد لمنظوماتنا الدفاعية. النتائج ممتازة. الصواريخ الإيرانية رخيصة لكنها فعالة. نحن نتعلم. تعلمنا أن صواريخنا الاعتراضية التي تكلف 3 ملايين دولار لا تعمل ضد طائرات مسيرة تكلف 50 ألف دولار. لكن هذا جيد، لأننا سنبيع صواريخ جديدة بمليارات الدولارات. أحد يظن أن هذه هزيمة؟"

صفقة القرن التي لم تتم

كان ترامب يحلم دائماً بـ"صفقة القرن". في ولايته الأولى، باع القدس عاصمة لإسرائيل، واعترف بضم الجولان، وخطط لصفقة سلام يوقعها العرب مع إسرائيل دون أن يسأل الفلسطينيين. لكنه في ولايته الثانية قرر أن يتفوق على نفسه: لماذا لا يوقع صفقة مع إيران أيضاً؟ المشكلة أن إيران كانت مشغولة بتطوير صواريخها الباليستية، ولم يكن لديها وقت لقراءة مقترحات السلام المرسلة على تويتر.

يقول جيانغ ساخراً: "ترامب يتعامل مع إيران كما يتعامل مع زوجاته السابقات: يتوقع أن تقبل كل شيء لمجرد أنه ترامب. المشكلة أن إيران ليست ميلانيا، ولا تريد البقاء في البيت الأبيض إذا كان الثمن هو كرامتها."


نتنياهو – بونابرت شارع ابن غوريون

من الفرات إلى النيل: خريطة الحلم والخيبة

بينما كان ترامب مشغولاً بالجغرافيا، كان بنيامين نتنياهو مشغولاً برسم الخرائط. في أحد اجتماعاته الحماسية مع ضباط الجيش الإسرائيلي، أخرج خريطة للمنطقة ووضع علامة بقلم أحمر: من الفرات إلى النيل. ثم نظر إلى الجنود وقال: "هذه هي أرض إسرائيل الحقيقية. كل هذه ستكون لنا."

سأله أحد الجنود: "سيدي، هذا يعني أننا سنحتاج إلى احتلال العراق وسوريا والأردن ولبنان ومصر والسعودية وتركيا ؟" ابتسم نتنياهو بثقة: "لا، لا نحتاج لاحتلالها. سنقصفها حتى تستسلم."

هذا النوع من التفكير، كما يشرح جيانغ، يسمى في علم النفس "الهلوسة الجيوسياسية". إنه حالة يعتقد فيها المريض أن الخريطة التي في رأسه هي الخريطة الحقيقية. نتنياهو يعيش في إسرائيل التي تمتد من النيل إلى الفرات، بينما الحقيقة أنه بالكاد يستطيع السيطرة على شارع بن يهودا في القدس.

الجيش الذي لا يقهر (إلا في الإعلانات التلفزيونية)

لطالما صور الإعلام الغربي الجيش الإسرائيلي على أنه "الجيش الذي لا يقهر". عشرات الآلاف من الجنود، مئات الدبابات، أحدث الطائرات، وأجهزة استخبارات أسطورية. لكن كما يقول المثل: "الصورة تساوي ألف كلمة، لكن الحقيقة تساوي ألف صورة".

في أواخر فبراير 2026، قرر نتنياهو أن يحقق حلمه ويقضي على "حزب الله" نهائياً. حشد الجيش الإسرائيلي على الحدود اللبنانية مئة ألف جندي. دبابات ميركافا تتزاحم، وطائرات إف-35 تحلق في السماء، وجنود النخبة ينتظرون الأوامر. كان المشهد مهيباً. قنوات العالم تجمعت لتغطي "أعظم عملية برية في القرن".

وفي الجانب الآخر من الحدود، كان يقف بضع مئات من مقاتلي حزب الله. بضع مئات فقط. بعضهم كان يحمل بنادق قديمة، وبعضهم كان يأكل التمر وينتظر.

بدأت العملية. عبرت الدبابات الحدود. تقدمت القوات. ثم حدث شيء غريب: توقفت الدبابات. بدأ الجنود يتراجعون. ثم ركضوا. ليس نحو الداخل اللبناني، بل نحو الخلف. نحو تلة قريبة. صعدوا إلى التلة. ثم مكثوا هناك.

مئة ألف جندي إسرائيلي يركضون صعوداً إلى تلة ليهربوا من بضع مئات من مقاتلي المقاومة.

تلة العار: أيقونة الكوميديا الإسرائيلية

هذه التلة، التي لا يعرف أحد اسمها حتى الآن (لأن الجنود لم يبقوا هناك طويلاً ليكتشفوا اسمها)، ستصبح بلا شك أيقونة في تاريخ الكوميديا العسكرية. تخيلوا مشهداً: جيش كامل، مدجج بأحدث الأسلحة، يتسلق تلة مثل قطيع من الماعز الخائفة، بينما العدو يشاهد من بعيد ويضحك حتى يكاد يسقط من فرط الضحك.

لكن السؤال الذي طرحه الجميع: لماذا صعدوا إلى التلة؟ هل كانت خطة عسكرية ذكية؟ هل أرادوا استغلال الموقع المرتفع؟ الإجابة التي قدمها أحد الجنود لاحقاً (بعد أن هرب إلى قبرص) كانت أبسط: "كان هناك قناص واحد من حزب الله يطلق النار. مجرد قناص واحد. ورأينا دبابة أمامنا تنفجر، ثم ثانية، ثم ثالثة. لم نكن نعرف كم عددهم. شعرنا أن التلة أكثر أماناً. على الأقل من فوق نستطيع رؤية من أين يأتي القناص."

عندما سئل القناص (الذي تبين أنه كان بمفرده طوال الوقت) عن رأيه في هذه الحادثة، ضحك وقال: "كنت أطلق النار كل ساعة مرة. لم يكن لدي الكثير من الذخيرة. كنت أتوقع أن يعبروا الحدود في أي لحظة. لكنهم بدلاً من ذلك صعدوا التلة. فكرت في البداية أنها خدعة. لكن بعد ثلاث ساعات، أدركت أنهم خائفون حقاً."

نتنياهو والتحليل النفسي: لماذا يصر الرجل على الهزيمة؟

علماء النفس لديهم تفسير مثير لسلوك نتنياهو. إنه يعاني مما يسمى "متلازمة نابليون في الاتجاه المعاكس". معظم الناس يصابون بمتلازمة نابليون عندما يكونون قصار القامة ويعوضون ذلك بالعدوانية. نتنياهو، رغم طوله، يعاني من عكس ذلك: كلما فشل، حاول أن يثبت أنه ناجح. وكلما أثبت فشله، حاول أكثر. إنه مثل رجل يحفر حفرة ليعبر إلى الجانب الآخر من الأرض، لكنه يصل إلى الصين من نفق الحمام.

يقول جيانغ في تحليله: "نتنياهو يكرر نفس الخطأ منذ عشرين سنة. يقصف غزة، فلا تختفي حماس. يقصف لبنان، فلا يختفي حزب الله. يقصف إيران، فتتطور برامجها النووية. لكنه يستمر. هذا ليس غباء عادياً، هذا غباء فائق، غباء يحتاج إلى عبقري ليحققه."


نظرية الغباء الفائق في العلاقات الدولية

كيف يصنع الأغبياء التاريخ؟

في كتابه غير المنشور (لأنه لم يجده ناشر بعد)، يقدم البروفيسور جيانغ نظرية ثورية: الأذكياء يخططون للتاريخ، لكن الأغبياء هم من يصنعونه. لماذا؟ لأن الأذكياء يحسبون كل شيء بدقة، فيقررون عدم المخاطرة. أما الأغبياء، فلا يحسبون شيئاً، فيخاطرون بكل شيء. وأحياناً، تنجح المخاطرة. لكن في حالة ترامب ونتنياهو، المخاطرة لا تنجح، بل تنجح في جعل الأمور أسوأ بطريقة كوميدية لا تصدق.

تخيلوا لو كان ترامب ذكياً. لكان جلس مع مستشاريه، ودرس التاريخ الإيراني، وأدرك أن إيران لم تهزم في حرب منذ 1988 (وحتى تلك الحرب اعتبرتها إيران تعادلاً). لكن ترامب لم يفعل ذلك. بدلاً من ذلك، قرر أن يثبت أنه "الرجل القوي" الوحيد الذي يستطيع "ترويض ملالي طهران".

النتيجة؟ طهران اليوم تضحك حتى البكاء.

ميزان الرعب المقلوب

في السياسة الدولية، هناك مفهوم اسمه "ميزان الرعب". تقليدياً، هو يعني أن الطرفين يخافان من بعضهما، وهذا الخوف يمنع الحرب. لكن في حرب 2026، حدث العكس تماماً. أمريكا تخاف من إيران، وإيران تخاف من أمريكا، لكن الخوف غير متساوٍ. أمريكا تخاف من أن تخسر قاعدتها في قطر، وتخاف من أن ترتفع أسعار النفط، وتخاف من أن يسألها الناخبون لماذا يموت أبناؤها في صحراء لا يعرفون موقعها على الخريطة. أما إيران، فتخاف من شيء واحد فقط: أن تفقد كرامتها. وهذا الخوف أقوى من كل مخاوف أمريكا مجتمعة.

يقول جيانغ: "عندما يخاف رجل أعمال من أن يخسر ماله، فهو يتراجع. وعندما يخاف مقاتل من أن يخسر كرامته، فهو يتقدم. أمريكا تتقدم عندما يكون المال في المقدمة، وتتراجع عندما يكون الموت في المقدمة. إيران تتقدم عندما يكون الموت في المقدمة، وتتراجع عندما لا يكون."


حرب الاستنزاف التي استنزفت العقول أولاً

معادلة التكلفة: كيف تخسر عندما تكسب؟

واحدة من أطرف المفارقات في هذه الحرب هي "معادلة التكلفة المقلوبة". في الحروب التقليدية، الطرف الأغنى ينتصر لأنه يستطيع شراء أسلحة أكثر. لكن في حرب إيران 2026، الطرف الأغنى يخسر لأنه ينفق أكثر.

الصاروخ الإيراني الباليستي يكلف حوالي 200 ألف دولار. الطائرة المسيرة الإيرانية من نوع "شاهد 136" تكلف حوالي 50 ألف دولار. الآن، دعونا ننظر إلى الجانب الآخر. الصاروخ الأمريكي الاعتراضي "باتريوت" يكلف حوالي 3 ملايين دولار. الصاروخ "ستاندرد" الذي تطلقه البوارج يكلف حوالي 2 مليون دولار. حتى الرصاصة التي تطلقها الدفاعات الجوية القريبة تكلف آلاف الدولارات.

النتيجة الحسابية: مقابل كل 50 ألف دولار تنفقها إيران على مسيرة، تنفق أمريكا 3 ملايين دولار لإسقاطها. النسبة 1 إلى 60. ستون ضعفاً. تخيلوا أنكم في كازينو، وأن الرهان على كل لعبة هو: إذا راهنتم بدولار وخسرتم، تخسرون دولاراً واحداً. لكن إذا راهنتم بدولار وربحتم، تربحون 60 دولاراً. من سيخسر في هذا الكازينو؟

أمريكا هي التي تخسر. كل يوم.

اقتصاديات العبث: لماذا لا تستطيع أمريكا الاستمرار؟

في الأسبوع الأول من الحرب، أطلقت إيران حوالي 300 طائرة مسيرة. كلفتها: 15 مليون دولار. أطلقت أمريكا صواريخ اعتراضية لإسقاطها. كلفتها: 900 مليون دولار. في أسبوع واحد فقط، أنفقت أمريكا ما يعادل ميزانية وزارة التعليم في ولاية صغيرة.

الجنرالات الأمريكيون بدأوا يشعرون بالقلق. ليس من إيران، بل من الميزانية. في اجتماع سري، سأل أحدهم: "كم من الوقت يمكننا الاستمرار بهذا المعدل؟" أجابه خبير اقتصادي: "إذا استمرت الحرب ستة أشهر، فسنفلس. ليس لأننا لا نملك المال، بل لأن الكونغرس سيرفض تمويل حرب نستنزف فيها ميزانيتنا بهذه السرعة."

هنا تدخل ترامب باقتراحه العبقري: "لماذا لا نستخدم أسلحة أرخص؟" سألوه: "مثل ماذا؟" قال: "مثل العصي. نرمي العصي على المسيرات. إنها مجانية." لم يضحك أحد. لم يكونوا متأكدين إن كان يمزح أم جاداً. مع ترامب، لا أحد يعرف أبداً.



المياه التي ستصنع التاريخ (وستغرق نتنياهو)

60% من المياه العذبة في خطر

في تحليله الأكثر جدية (والذي تحول إلى كوميديا سوداء)، تحدث جيانغ عن "ورقة المياه". محطات تحلية مياه البحر في الخليج توفر حوالي 60% من المياه العذبة للسعودية والإمارات والكويت وقطر. هذه المحطات هي شريان الحياة لهذه الدول. وكلها على بعد كيلومترات قليلة من المياه الإيرانية.

السيناريو الذي يرسمه جيانغ: مسيرة إيرانية واحدة، لا تكلف أكثر من 50 ألف دولار، تطير نحو محطة تحلية كبرى. تنفجر. في غضون 24 ساعة، مدينة بأكملها تفقد مياهها. في غضون أسبوع، مئات الآلاف يهجرون. في غضون شهر، دول بأكملها تطلب المساعدة.

هل ستفعل إيران ذلك؟ لا أحد يعرف. لكن الخوف وحده كافٍ لشلّ دول الخليج. وفي اجتماع طارئ لمجلس التعاون الخليجي، كان المشهد طريفاً: أمراء يثرثرون، ووزراء يتعرقون، ونتنياهو يتصل بهم عبر الفيديو ليطمئنهم: "لا تقلقوا، أنا هنا." رد عليه أحد الأمراء: "أنت على تلة في لبنان تختبئ من قناص. كيف ستساعدنا؟"

النفط والدولار والذكاء الاصطناعي: ثلاثية الفشل

الجزء الأكثر تعقيداً في تحليل جيانغ يتعلق بالاقتصاد العالمي. العلاقة بين النفط الخليجي والدولار الأمريكي وشركات الذكاء الاصطناعي هي مثلث برمودا الاقتصادي. إذا انهار أحد الأضلاع، ينهار الكل.

دول الخليج تستثمر فوائضها النفطية في أمريكا. جزء كبير من هذه الاستثمارات يذهب إلى شركات التكنولوجيا العملاقة، وخاصة تلك المتخصصة في الذكاء الاصطناعي. هذه الشركات تحتاج إلى تمويل ضخم لتطوير أبحاثها. إذا توقف تدفق البترودولار، فإن هذه الشركات قد تجد نفسها في أزمة. وإذا دخلت هذه الشركات في أزمة، فإن سوق الأسهم الأمريكية ينهار. وإذا انهار سوق الأسهم، فإن الاقتصاد الأمريكي ينهار. وإذا انهار الاقتصاد الأمريكي، فإن ترامب يصبح أغبى رئيس في التاريخ (وهو إنجاز بحد ذاته).

لكن كما أشار النقاد، هذه العلاقة ليست مباشرة بهذا الشكل. البترودولار مهم، لكنه ليس كل شيء. أمريكا لديها احتياطيات ضخمة، ويمكنها طباعة الدولار متى شاءت. المشكلة ليست في المال، المشكلة في الثقة. إذا شعر العالم أن أمريكا لم تعد قادرة على حماية حلفائها، فإن الثقة بالدولار تتراجع. وإذا تراجعت الثقة، ينهار كل شيء.

وهذا بالضبط ما يحدث الآن.


جيش المئة ألف الذي هزمته التلة

مشهد من فيلم كوميدي

تخيلوا هذا المشهد: جيش إسرائيلي، مئة ألف جندي، مدجج بأحدث الأسلحة، يتقدم نحو الحدود اللبنانية. الهدف: القضاء على حزب الله مرة وإلى الأبد. الدبابات تزحف، والطائرات تحلق، والجنود يهتفون. إنه مشهد مهيب، يستحق فيلم هوليوودي ضخم.

ثم تخيلوا هذا المشهد: نفس الجيش، بعد ساعات قليلة، يركض صعوداً إلى تلة. ليس تلة استراتيجية، ولا تلة مرتفعة، ولا تلة ذات أهمية عسكرية. مجرد تلة عادية، مثل آلاف التلال في المنطقة. يركضون وهم يلهثون، ويسقط بعضهم من التعب، ويتخلف آخرون. من بعيد، يبدون كقطيع من النمل الأبيض يهرب من فيضان.

ما الذي حدث؟ قناص واحد من حزب الله. مجرد قناص واحد. لكنه كان قناصاً ماهراً. استهدف الدبابات، فانفجرت واحدة تلو الأخرى. استهدف الجنود، فسقطوا. لم يقتل كثيرين، لكنه زرع الرعب. وفي الجيش الإسرائيلي، كما في جيوش كثيرة، الرعب ينتقل أسرع من الرصاص.

لماذا التلة؟

السؤال الذي حير المحللين العسكريين: لماذا التلة؟ لماذا لم يتراجعوا إلى الخلف بشكل منظم؟ لماذا لم يعيدوا تجميع صفوفهم في موقع آمن؟ لماذا التحديداً التلة؟

أحد الجنود الإسرائيليين، الذي نشر مقطع فيديو على تيك توك قبل أن يحذفه الجيش، قدم التفسير الأكثر منطقية: "كنا خائفين. القناص كان يطلق النار من كل مكان. بدا لنا أن التلة هي المكان الوحيد الذي لا يستطيع الوصول إلينا منه. لم نكن نفكر، كنا نركض فقط. وكنا نركض صعوداً لأن النزول كان يعني العودة إلى منطقة النار."

هذا التفسير البسيط يكشف حقيقة مذهلة: الجيش الإسرائيلي، بكل تدريباته وتقنياته، هو في النهاية مجموعة من البشر الخائفين. والبشر عندما يخافون، لا يفكرون. يركضون فقط. وإذا كان الجيران يركضون صعوداً، فستركض صعوداً أنت أيضاً.

نتنياهو على التلة: صورة العمر

أجمل ما في هذه القصة هو أن نتنياهو نفسه كان هناك. نعم، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الرجل الذي حلم بإمبراطورية من الفرات إلى النيل، كان على تلك التلة. صعد مع الجنود، ليس لأنه شجاع، بل لأن مروحيته تعطلت واضطر إلى الركض مثل البقية.

الصور التي التقطت له وهو يركض، وبدلته الرسمية تتطاير في الريح، ووجهه المتعرق، ونظارته التي كادت تسقط، ستصبح بلا شك أيقونة في تاريخ الكوميديا السياسية. أحد مستخدمي تويتر كتب: "نتنياهو يركض أسرع من صواريخه. لو كان هذا الأداء في الماراثون، لفاز بذهبية أولمبية."

آخر علق: "من الفرات إلى النيل... ثم إلى التلة. يبدو أن الإمبراطورية الجديدة ستعقد اجتماعاتها على ارتفاع 200 متر فوق سطح البحر."


المقاومة التي تضحك

مئات المقاتلين الذين هزموا مئة ألف

في الجانب الآخر من الحدود، كان مشهد المقاومة مختلفاً تماماً. بضع مئات من المقاتلين، بعضهم يحمل أسلحة قديمة، وبعضهم يأكل التمر، وبعضهم يصلي. لم يكونوا يخططون لمعركة كبيرة. كانوا فقط ينتظرون.

عندما شاهدوا الجيش الإسرائيلي يركض صعوداً إلى التلة، لم يصدقوا أعينهم. أحدهم قال لرفيقه: "هل ترى ما أرى؟" أجابه الآخر: "أرى مئة ألف أحمق يركضون إلى حيث لا يدري." ضحك الاثنان، ثم عادا إلى التمر.

هذه اللحظة، لحظة الضحك، هي ما يميز هذه الحرب عن غيرها. في معظم الحروب، الطرفان جادان، غاضبان، متعطشان للدماء. لكن هنا، أحد الطرفين يضحك. والطرف الآخر يركض. الضحك والركض: ثنائية نادرة في تاريخ الصراعات.

يقول جيانغ: "عندما يضحك مقاتل في وجه عدو يفوقه عدداً بكثير، فهذا يعني أنه يعرف شيئاً لا يعرفه العدو. ما يعرفه هو أن العدو لا يريد القتال حقاً. العدو يريد الفوز دون قتال. وإذا كان يريد الفوز دون قتال، فهو مستعد للهرب عند أول قتال."

من يضحك أخيراً يضحك كثيراً

المثل الإنجليزي يقول: "من يضحك أخيراً يضحك كثيراً". في هذه الحرب، الإيرانيون وحلفاؤهم يضحكون منذ البداية، ولا يبدو أنهم سيتوقفون قريباً. كل يوم، هناك مفاجأة جديدة. كل يوم، هناك خطأ أمريكي أو إسرائيلي جديد. كل يوم، هناك سبب جديد للضحك.

في أحد الأيام، أعلنت القيادة الإيرانية أن طائرة مسيرة إيرانية تمكنت من تصوير قاعدة أمريكية سرية في قطر، ونشرت الصور على الإنترنت. كانت الصور واضحة جداً لدرجة أن الجنود الأمريكيين ظهروا وهم يلعبون البوكر. علق أحد الإيرانيين: "لقد صورناهم وهم يخططون للحرب. يخططون ببطاقات اللعب. لا عجب أن خططهم تفشل."

في يوم آخر، أعلن الحوثيون في اليمن أنهم استهدفوا سفينة حربية أمريكية بصاروخ. السفينة أصيبت لكنها لم تغرق. السفينة عادت إلى الميناء للإصلاح. علق أحد النشطاء: "أمريكا تبني سفناً بمليارات الدولارات، والحوثيون يثقبونها بصواريخ بآلاف الدولارات. هذه ليست حرب، هذه مقصلة."


الإمبراطورية التي لا تعرف أنها ماتت

أمريكا تبحث عن مخرج مشرف

مع استمرار الحرب، بدأت واشنطن تبحث عن مخرج. ليس مخرجاً مشرفاً، فقط مخرجاً. أي مخرج. ترامب، الذي كان واثقاً من النصر في الأسبوع الأول، بدأ يشعر بالقلق. استطلاعات الرأي أظهرت تراجعاً حاداً في شعبيته. حتى مؤيدوه الأوفياء بدأوا يتساءلون: لماذا نقصف إيران إذا كانت إيران تقصف قواعدنا في الخليج؟

في اجتماع سري للبيت الأبيض، اقترح أحد المستشارين حلاً عبقرياً: "لماذا لا نعلن النصر وننسحب؟" سأل ترامب: "كيف نعلن النصر ونحن لم ننتصر؟" أجاب المستشار: "سنقول إننا دمرنا المنشآت النووية الإيرانية. لا يهم إن كنا قد دمرناها أم لا. المهم أن نقول ذلك." أعجب ترامب بالفكرة، لكنه سأل: "وماذا عن الهجمات على قواعدنا؟" أجاب المستشار: "سنقول إنها هجمات محدودة، وإننا ندرس خياراتنا."

هكذا، وُلدت استراتيجية "النصر المعلن". استراتيجية تقوم على مبدأ: إذا لم تنتصر في الحرب، فانتصر في الإعلام. وإذا لم تنتصر في الإعلام، فقل إنك انتصرت وانسحب.

النهاية السعيدة (لإيران)

بحلول مارس 2026، كان واضحاً أن المعادلة تغيرت. أمريكا لم تعد القوة الوحيدة في المنطقة. الصين كانت تراقب من بعيد، تبتسم، وتعد العقد القادم. روسيا كانت ترسل إشارات دعم غير مباشرة لإيران. أوروبا كانت تحاول التوسط، لكن لا أحد يستمع.

إيران، التي بدت قبل أشهر وكأنها على حافة الانهيار، أصبحت الآن في موقع القوة. ليس لأنها انتصرت عسكرياً، بل لأنها صمدت. الصمود، في هذه الحالة، كان كافياً. عندما يصمد الضعيف أمام القوي، يتغير كل شيء. القوي يبدو أضعف، والضعيف يبدو أقوى. وفي السياسة، المظاهر هي كل شيء.

يقول جيانغ: "الإمبراطوريات لا تسقط عندما تُهزم، بل عندما تظهر مهزومة. أمريكا اليوم ليست مهزومة عسكرياً، لكنها تظهر مهزومة. وهذا كافٍ لبداية النهاية."


ما بعد الكوميديا – دروس من مسرحية الحمقى

ماذا نتعلم من ترامب ونتنياهو؟

عندما ينتهي الضحك، ويجف الدمع، ويخلد الجميع إلى النوم، تبقى أسئلة جادة: ماذا نتعلم من هذه المهزلة؟ كيف استطاع رجلان بهذا الغباء أن يغيرا مجرى التاريخ؟

الدرس الأول: الثقة الزائدة بالنفس ليست بديلاً عن المعرفة. ترامب وثق بنفسه أكثر من ثقته بمستشاريه. نتنياهو وثق بحلمه أكثر من ثقته بالواقع. كلاهما دفع الثمن.

الدرس الثاني: الشجاعة ليست في الهجوم، بل في الصمود. إيران لم تهاجم أحداً أولاً، لكنها صمدت عندما هوجمت. وهذا الصمود كان كافياً لتحويل المعادلة.

الدرس الثالث: في عصر الإعلام، الصورة أهم من الحقيقة. أمريكا قد تخسر الحرب، لكنها ستعلن النصر. إيران قد تنتصر، لكنها ستبدو معتدية. من يسيطر على السردية يسيطر على العالم.

الدرس الرابع: لا تستخف بعدوك أبداً. ترامب استخف بإيران، فإذا به يواجه أقوى مما تصور. نتنياهو استخف بحزب الله، فإذا به يركض إلى تلة.

الخلاصة: الضحك الأخير لمن؟

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: من يضحك أخيراً؟ ترامب، الذي سيعود إلى برجه الذهبي ليعلن أنه "جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" رغم كل شيء؟ نتنياهو، الذي سيجد طريقة لتحويل هزيمته إلى انتصار في خطابه المقبل؟ أم إيران، التي سترفع راية النصر وتفتح آفاق تنمية جديدة؟

ربما يضحك الجميع. وربما لا يضحك أحد. لكن الأكيد أن هذه الحرب ستُدرس في كليات السياسة لعقود قادمة. ليس كمثال على العبقرية العسكرية، بل كمثال على كيف يمكن للغباء أن يغير التاريخ.

يقول جيانغ ختاماً: "في النهاية، ليست العبرة بمن يربح الحرب، بل بمن يربح السردية. أمريكا ستخسر الحرب لكنها ستكسب السردية. إيران ستكسب الحرب لكنها ستخسر السردية. والشعب الإيراني، الذي دفع الثمن الأغلى، سيضحك أخيراً لأنه يعرف الحقيقة. والحقيقة وحدها هي التي تنتصر في النهاية."



كوميديا الأخطاء الكبرى

في ربيع 2026، ونحن نكتب هذه السطور، لا تزال الصواريخ تتطاير، ولا يزال الجنود يركضون، ولا يزال ترامب يغرد، ولا يزال نتنياهو على تلته (ربما بنى كوخاً هناك). العالم يتابع بذهول هذه المسرحية الهزلية التي تتحدى كل المنطق.

ربما يكون الأجدر بنا ألا نأخذ الأمر بجدية زائدة. فبعد كل شيء، التاريخ مليء بالكوميديا. الحروب التي بدأت لأسباب تافهة، والجنرالات الذين هزموا بسبب كبريائهم، والإمبراطوريات التي انهارت لأن أحداً لم يجرؤ على قول الحقيقة للإمبراطور.

لكن ما يحدث اليوم مختلف. إنه ليس مجرد خطأ عادي، بل خطأ متعمد. ليس مجرد غباء عابر، بل غباء منهجي. ليس مجرد فشل فردي، بل فشل جماعي.

ترامب ونتنياهو هما مجرد رمزين لهذا الفشل. خلفهما مؤسسات، وجيوش، وأجهزة استخبارات، وإعلام، كلها شاركت في صنع هذه الكارثة. وكلها ستشارك في دفع الثمن.

أما إيران، فستبقى هناك. على حدودها، في جبالها، في صحرائها. تنتظر. تصمد. تضحك أحياناً. لأنها تعلم أن الزمن في صفها. وأن الإمبراطوريات، مهما عظمت، تزول. وأن الشعوب، مهما قست ظروفها، تبقى.

وفي النهاية، يبقى السؤال: هل كان ترامب يعلم ما يفعل؟ هل كان نتنياهو يخطط لهذا كله؟ أم أن التاريخ، كما يقول هيغل، يسخر منا جميعاً، ويجعل من أذكى الناس ألعوبة في يده؟

الجواب، كما يقترح جيانغ، هو أن التاريخ لا يسخر منا. نحن من نسخر من أنفسنا. ونحن من نصنع كوميديا حياتنا. ونحن من ندفع ثمن ضحكاتنا.

فاضحكوا إذاً. اضحكوا من ترامب، اضحكوا من نتنياهو، اضحكوا من الجيش الذي ركض إلى التلة. لكن تذكروا: الضحك الأخير لمن يبقى حياً ليرى النهاية.


هوامش ساخرة

1. ترامب والوعي الإبستيمي: المصطلح استخدمه الفيلسوف ميشيل فوكو لوصف كيفية معرفة المجتمعات للحقيقة. في حالة ترامب، معرفته للحقيقة تأتي من قناة فوكس نيوز وحدها.
2. تلة العار: موقع غير معروف حتى الآن، لكن الخرائط الإسرائيلية الجديدة ستضع نجمة عليها كرمز وطني جديد.
3. مئة ألف مقابل مئة: النسبة التي ستدخل موسوعة غينيس كأعلى نسبة عدم تكافؤ في تاريخ الهزائم.
4. القناص الواحد: سيحصل على وسام الشجاعة الإيراني، وسيدعى لتدريب فرق القناصة في كوريا الشمالية.
5. محطات التحلية: ستصبح الهدف الاستراتيجي الأول في المنطقة، وستُباع أجهزة تنقية المياه المنزلية بأضعاف أسعارها.
6. البترودولار: مصطلح سيصبح تاريخياً بعد هذه الحرب، مثل "الدينار الذهبي" و"الدرهم الفضي".
7. الذكاء الاصطناعي: القطاع الوحيد الذي قد يستفيد من الحرب، لأنه سيُستخدم لتطوير مسيرات أذكى وأرخص.
8. نتنياهو على التلة: الصورة ستباع بالمزاد العلني بملايين الدولارات، وسيشتريها متحف الكوميديا في لوس أنجلوس.


الكلمة الأخيرة (قبل أن نضحك أكثر)

هذه المادة الساخرة لا تهدف إلى الاستهانة بمعاناة البشر في زمن الحرب. فخلف كل نكتة، هناك دمعة. وخلف كل ضحكة، هناك جريح. وخلف كل سخرية، هناك أم فقدت ابنها.

لكن الضحك، في بعض الأحيان، هو السلاح الوحيد المتبقي لمن لا سلاح له. وهو الطريقة الوحيدة لنقول لمن يتلاعبون بمصائرنا: نحن نراك. نحن نرى غباءك. نحن نرى فشلك. ونحن نضحك.

فاضحك إذاً. اضحك كثيراً. فالضحك ثورة صغيرة. والثورة، كما قال أحدهم، تبدأ بضحكة وتنتهي بحرية.

والآن، ونحن نختتم هذه المسرحية الهزلية الكبرى، نترككم مع مشهد ترامب ونتنياهو على تلتهما، يتأملان الأفق البعيد، ويحلمان بإمبراطورية من الفرات إلى النيل... أو على الأقل من قاعدة الظفرة إلى قاعدة العديد.

الضحك الأخير، أيها السادة، لم يأت بعد. لكنه قادم. قادم لا محالة.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإيقاع الإيراني الجديد وسقوط الهيمنة الأحادية القطبية
- نهاية غرب آسيا القديم: تفكك الهيمنة وولادة نظام إقليمي جديد ...
- التحقيق في -الكمين الكهرومغناطيسي- الذي هزّ أركان البنتاغون
- صندوق قمامة تل أبيب في مرآة المكتبة العالمية: دراسة مقارنة
- إيران كساحة مواجهة نهائية بين الإمبريالية والقطبية المتعددة
- كتاب : صندوق تل أبيب: النكبة في وثائق الجلادين
- كتاب : دماء على أبواب المطار: محاكمة من سفروا تونس إلى الجحي ...
- الإبادة البطيئة: من تفكيك دولة الرفاه البلجيكي إلى تجويع غزة
- كتاب : الغريب الذي يرى
- تحقيق معمق في تحول الدولة الأوروبية من حامية إلى جابية
- سرقة القرن: الإطار القانوني لمحاكمة الكيان الصهيوني على نهب ...
- قراءة في العلاقة العضوية بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ...
- كيف تعيد موسكو وبكين تشكيل معادلة الردع الإيرانية؟
- تفكيك سردية -الخطر الصيني- في الخطاب الاقتصادي الغربي
- دراسة في تغطية إمبراطوريات -روتشيلد إبستين- لحزب -فرنسا الأب ...
- كتاب : محراب الكذب تصحيح التشوهات الإعلامية: قراءة في التجرب ...
- دراسة مقارنة: -في محراب الكذب- في سياق المكتبة العالمية
- أشرطة الجحيم: شبكة إبستين، قنصلية روتشيلد، والمغتصبة الصهيون ...
- بين احتلال القصر واحتلال الرغيف: نحو كتابة صحفية عربية جديدة ...
- عزمي بشارة... تبييض وجه المؤسسة الاستعمارية في ثوب المثقف ال ...


المزيد.....




- في دبي.. مطعم إيطالي يدعو جدّات حقيقيات لطبخ أطباق دافئة للز ...
- فريق CNN: سماع دوي عدة ضربات في أنحاء طهران الإثنين
- رأي.. بارعة الأحمر تكتب: لبنان ساحة للحرب الإقليمية.. فهل ين ...
- بصور أقمار صناعية.. تحليل CNN يرجّح مسؤولية واشنطن عن ضربة م ...
- مجلس خبراء القيادة الإيراني يختار مجتبى خامنئي مرشدا جديدا خ ...
- من هو مجتبى خامنئي الذي خلف والده في قيادة إيران بعد سنوات م ...
- لوتان: صور مزيفة إلى حد الغثيان في حروب الشرق الأوسط والحقيق ...
- واشنطن بوست: ترمب يحقق أمنيات نتنياهو لكن دعمه ينطوي على مخا ...
- شاهد.. جولة ميدانية للجزيرة نت بين الأنقاض والركام في النبطي ...
- السعودية تعلن اعتراض مسيّرة فوق الربع الخالي كانت متّجهة إلى ...


المزيد.....

- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - قراءة في توقعات جيانغ شيويه تشين لنهاية الهيمنة الأمريكية