أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - جعفر حيدر - الاقتصاد العراقي المعاصر














المزيد.....

الاقتصاد العراقي المعاصر


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 03:48
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


بقلم / جعفر حيدر
إنّ الاقتصاد العراقي المعاصر يعاني من مجموعة تعقيدات متراكمة جعلت بنيته الريعية غير قادرة على الانتقال إلى اقتصاد منتج ومستقر، ويظهر ذلك بوضوح في تعاطي الدولة مع مواردها الطبيعية، ولا سيما الطاقة، حيث تتجسد مفارقات عديدة تكشف عن عدم انسجام السياسات الاقتصادية مع الإمكانات المتاحة، فالعراق يمتلك واحداً من أكبر الاحتياطات النفطية والغازية في المنطقة، ومع ذلك يبقى جزء مهم من موارده الطبيعية لا يُستثمر بالشكل الذي يعكس حجم البلد وقدرته، بل يظهر في صور غير فعّالة تجعل المشهد الاقتصادي مشوشاً؛ إذ يمكن للمرء أن يلاحظ مثلاً أن أحد أهم الموارد المصاحبة لإنتاج النفط، وهو الغاز المصاحب، ما يزال يتعرض لمعاملات لا تتناسب مع قيمته الاستراتيجية، فيُترك قسم كبير منه في حالة فقدان متكرر رغم الحاجة المحلية، الأمر الذي يُنتج سلسلة من المفارقات، من بينها اعتماد العراق على مصادر خارجية لتأمين احتياجاته من الطاقة، رغم أن ما يُهدر داخلياً يكفي لسد جزء كبير من الطلب لو تمت معالجته وإدارته بصورة مختلفة، وبذلك تظهر الازدواجية بين وفرة الإمكانات وضعف الاستفادة الفعلية، وهذا ليس بعيداً عن طبيعة الإدارة الاقتصادية العامة التي غالباً ما تتعامل مع الثروة النفطية بوصفها ريعاً سياسياً أكثر من كونها مشروعاً تنموياً، مما جعل موارد الطاقة تتحول إلى أداة تُستهلك في إطار شبكات معقدة تستفيد منها أطراف متعددة داخل البنية السياسية، فتتآكل العوائد الحقيقية في بيئة لا تُسهم فيها القرارات باكتشاف الأثر التنموي أو بقياس كفاءة التوزيع، بل يلاحظ المراقب أن الاستهلاك المحلي للنفط ومشتقاته يرتفع بصورة غير منضبطة، وأن جزءاً منه يتسرب عبر استخدامات غير منتجة ترتبط ببنى سلطوية أكثر مما ترتبط ببنى اقتصادية، فيتحول النفط من ثروة عامة إلى مادة تُستهلك في اتجاهات سياسية واجتماعية لا تنعكس نتائجها بوضوح على المواطن العادي، ومع أن الدولة تمتلك موارد مالية كافية لإطلاق مشاريع تنموية واستثمارية ضخمة، إلا أن البيئة الاقتصادية تشهد في كل مرحلة ضبابية في تحديد مسارات تلك الموارد؛ فالعوائد تدخل ضمن منظومة إنفاق ضخمة، لكن مخرجاتها على الأرض تبقى أقل بكثير من حجم الدخل، ما يولّد شعوراً عاماً بأن المال العام يتعرض لمسارات غير واضحة المعالم، فتضيع الفرص التنموية، وتبقى المشاريع قيد التخطيط أو غير مكتملة، بينما تستمر الدورة الاقتصادية في الدوران حول نفسها من دون تحقيق قفزات إنتاجية، ويظهر هذا بجلاء في ملف البيئة، حيث تُسجَّل خساراتٍ متكررة في الموارد الطبيعية بسبب سوء الإدارة، إذ تتعرض الثروات البيئية – من مياه، وتربة، ومعادن، وغازات – إلى عمليات استنزاف أو حرق أو فقدان دون تحديد واضح لجهة القرار أو المسؤول عن تلك الممارسات، وتبقى ملفات البيئة عالقة بين المؤسسات، كل جهة ترمي المسؤولية على الأخرى، فيما يُفقد البلد فرصاً كان يمكن أن تضيف إلى اقتصاده أبعاداً جديدة، ومع أنّ هناك محاولات حكومية لإصلاح هذه المسارات، إلا أن النتائج تبقى محدودة بسبب عدم وضوح الرؤية الاقتصادية وانقسام القرار بين اعتبارات مختلفة، فالموارد تُصرف، والخطط تُعلن، لكن المواطن لا يرى نتائج تراكمية واضحة تعكس حجم الإنفاق، فيبقى الاقتصاد محصوراً في دائرة ريعية تعتمد على النفط، فيما تظل بقية القطاعات الإنتاجية ضعيفة، والزراعة والصناعة في حالة شبه غياب، والبنى التحتية في حالة تأخر مزمن، ومن هنا يمكن القول إن الاقتصاد العراقي يعيش حالة ديناميكية معقدة تجعل موارده الوفيرة غير قادرة على التحول إلى مشاريع حقيقية، لأن إدارة الثروة ليست مبنية على رؤية إنتاجية، بل على شبكة مصالح تُهدر فيها الطاقة، ويضيع فيها الغاز، وتتبدد فيها الموارد البيئية، وتُصرف فيها العوائد دون أن يظهر أثرها التنموي بالشكل الذي يعكس قدرات البلد الحقيقية، ليبقى الاقتصاد في حاجة إلى إصلاح جذري يحرره من دورات الهدر والإنفاق غير المنتج، ويجعله قادراً على الاستفادة من إمكاناته الهائلة لبناء دولة مستقرة واقتصاد متنوع يخرج أخيراً من أسر الريع إلى فضاء التنمية الفعلية.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السلطة والشعب: معادلة القوة في السياسة
- الحياة المركبة
- العراق: والثلاث مراحل
- نقد الادب العربي للماركسية
- حين يكون الشعب وطناً
- حين يمر الضوء على هيئة امرأة
- حين تصبح المرأه قصيدةً لا تُنسى
- حرب الظلال بين إسرائيل وإيران: والضحايا الذين يسقطون بصمت في ...
- إيران والتنظيمات المتطرفة: جدل المصالح والتناقضات
- الورم الخبيث: علاقة ايران بتدمير الاستقرار
- العراق اولاً: حقيقة الدم التي لايمكن انكارها
- فلاديمير لينين: حين تتحول الفكرة الى قوة تغير مسار السياسة ا ...
- التعددية الفردية: حين يتحول الاختلاف الى طاقة للحياة
- العدالة: الميزان الذي تقوم عليه حياة الناس
- المواطنة: الشراكة التي تصنع وطناً لا مجرد أرض
- السلام: من شعور فردي إلى نظام مجتمع
- حادثة يوم الشهيد: جدل التفتيش والذاكرة في مقر الحزب الشيوعي ...
- من السلام نبدأ: كيف يصنع الشباب أمةً عراقيةً واحدة
- التوترات المدنية: بين الدعوة والشيوعية
- في نقد أروع قصائد شاعر الوطن: مظفر النواب


المزيد.....




- صدى الحرب يتردد في أسواق النفط فما بدائل هرمز؟
- زلزال اقتصادي عالمي: قفزة في أسعار السكر والطاقة مع استمرار ...
- زلزال أسعار النفط يضرب آسيا: إجراءات طارئة وإغلاق للمدارس لم ...
- اليوم الـ 10 من الحرب: غارات على لبنان وإيران ورشقة صواريخ ع ...
- مع ارتفاع أسعار النفط إلى 120 دولارًا.. إيران تنقل كميات كبي ...
- المزيد من الأطفال يتأثرون بالضغط الاقتصادي والعنف داخل المنز ...
- -بابكو- البحرينية تعلن حالة القوة القاهرة على عملياتها
- بدأت بالبنزين وقد تمتد لغيره.. حرب إيران تشعل جيوب الأمريكيي ...
- أربعة أسباب في محبة الضريبة العقارية: المبادرة المصرية توصي ...
- ارتفاع أسعار النفط.. ماذا ينتظر الاقتصاد العالمي؟


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - جعفر حيدر - الاقتصاد العراقي المعاصر