زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 16:54
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حرب بعل: قراءة رمزية في الصراع المعاصر
في بعض القراءات الفلسفية واللاهوتية للتاريخ، لا تُفهم الأحداث الكبرى بوصفها صدامات سياسية فحسب، بل بإعتبارها أيضًا إنعكاسًا لصراع أعمق يدور في المجال الروحي والرمزي. ومن هذا المنظور يقدّم الفيلسوف والمفكر الروسي ألكسندر دوغين قراءة مبتكرة لما يجري في الشرق الأوسط، مستخدمًا لغة الرموز الدينية والتقاليد المسيحية القديمة.
في التقليد المسيحي، يُنظر إلى التاريخ الديني على أنه إنتقال من مرحلة العهد القديم إلى مرحلة العهد الجديد. ففي المرحلة الأولى كان هناك شعب حمل الوعد الإلهي وإنتظر مجيء المخلّص. وعندما ظهر المسيح، أعتبر الإيمان به بداية عهد جديد لم يعد مرتبطًا بقوم أو عرق محدد، بل أصبح مفتوحًا أمام جميع الشعوب. ومن هنا نشأت الكنيسة بإعتبارها جماعة روحية عابرة للحدود والقوميات.
ومع إنتشار المسيحية عبر القرون، تباينت مسارات الشعوب التي إعتنقتها. فبينما إبتعدت بعض المجتمعات تدريجيًا عن تقاليدها الروحية، حافظت أخرى – في نظر التيار الأرثوذكسي – على قدر أكبر من هذا الإرث. وفي الوعي الديني الروسي، الذي تشكّل بعد سقوط القسطنطينية عام 1453، برزت فكرة أن العالم الأرثوذكسي، وروسيا خصوصًا، يحمل مسؤولية تاريخية في صون هذا التقليد الروحي.
ضمن هذا الإطار يستخدم دوغين سلسلة من الرموز المستمدة من التراث الديني. ومن أبرزها شخصية أغاسفر، المعروفة في الأساطير الأوروبية باسم «اليهودي التائه». في الحكاية الرمزية، يُقال إن هذا الرجل رفض التوقف أمام المسيح وهو في طريقه إلى الصلب، فقيل له إن عليه أن يظل يسير في الأرض بلا إستقرار حتى نهاية الزمن. ولذلك تحولت هذه الشخصية إلى رمز للإنسان الذي يحاول فرض مصيره بإرادته الخاصة، بعيدًا عن الهداية الإلهية.
كما يستدعي دوغين رمزًا دينيًا أقدم هو بعل، الإله الكنعاني القديم الذي ظهر في النصوص التوراتية بوصفه تجسيدًا لعبادة القوة والخصوبة الدنيوية في مواجهة التوحيد. في الإستخدام الرمزي المعاصر، لا يشير هذا الاسم إلى عبادة دينية حقيقية، بل إلى منظومة قيم تقوم على السلطة والمال والنفوذ، وتغري البشر بالتخلي عن المعايير الروحية.
بهذه اللغة الرمزية، يصبح الصراع السياسي – في قراءة دوغين – أكثر من مجرد نزاع بين دول أو تحالفات. إنه صراع بين تصورين للعالم:
أحدهما يرى التاريخ مجالًا لتحقيق الإرادة البشرية المطلقة، حيث تُستخدم القوة والنفوذ لتحقيق الغايات.
والآخر ينظر إلى التاريخ بوصفه مسارًا أخلاقيًا وروحيًا ينبغي أن يظل مرتبطًا بالقيم الدينية والتقاليد الحضارية.
هذه القراءة بطبيعة الحال ليست تحليلًا سياسيًا تقليديًا، بل محاولة لفهم الأحداث الجارية من خلال رموز وأساطير راسخة في المخيال الديني الأوروبي والروسي. وفي هذا الإطار، يتحول الشرق الأوسط في نظر دوغين إلى ساحة يتقاطع فيها السياسي بالميتافيزيقي، حيث تتداخل الحسابات الجيوسياسية مع سرديات أعمق عن معنى التاريخ ومصير الحضارات..
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟