أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر حيدر - السلطة والشعب: معادلة القوة في السياسة














المزيد.....

السلطة والشعب: معادلة القوة في السياسة


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 11:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم /جعفر حيدر علي
القوة السياسية ليست مجرد قدرة على إصدار الأوامر أو السيطرة على مؤسسات الدولة، بل هي في جوهرها علاقة معقدة بين السلطة والشعب، علاقة تقوم على التوازن الدقيق بين من يملك القرار ومن يمنح الشرعية. فكل سلطة في التاريخ، مهما بلغت قوتها وسطوتها، لم تكن في حقيقتها إلا انعكاسًا لإرادة اجتماعية ما، سواء كانت إرادة حرة نابعة من وعي الشعب، أو إرادة مصادرة بفعل الخوف والقهر. إن السلطة حين تنفصل عن الشعب تتحول إلى مجرد آلة حكم باردة، بينما تتحول القوة السياسية الحقيقية إلى شيء مختلف تمامًا، إلى حالة من التفاعل المستمر بين المجتمع والدولة، حيث يصبح القرار السياسي امتدادًا لنبض الناس وتطلعاتهم، لا مجرد تعليمات تصدر من قمة هرم الحكم.
لقد علمتنا التجارب التاريخية أن السلطة التي تستند فقط إلى القوة المادية أو إلى أجهزة القمع قد تستطيع أن تفرض النظام لفترة، لكنها تبقى سلطة قلقة، تخشى الشارع وتخاف من كلمة صادقة أو فكرة حرة. أما السلطة التي تتكئ على شرعية شعبية حقيقية، فإنها تمتلك نوعًا آخر من القوة، قوة هادئة لكنها راسخة، لأن مصدرها ليس الخوف بل الثقة. فالشعب ليس مجرد كتلة بشرية تُدار، بل هو الوعي الجمعي الذي يمنح السياسة معناها، وهو الحقل الذي تنمو فيه الأفكار والقرارات والمشاريع الكبرى. ومن دون هذا الحقل تتحول السياسة إلى لعبة ضيقة بين النخب، تنفصل تدريجيًا عن الواقع حتى تفقد قدرتها على التأثير الحقيقي.
إن العلاقة بين الشعب والسلطة ليست علاقة ثابتة، بل علاقة تتغير مع الزمن تبعًا لمستوى الوعي السياسي والاجتماعي. فكلما ارتفع وعي الناس بحقوقهم ومسؤولياتهم، أصبحت السلطة أكثر خضوعًا للمساءلة وأكثر التزامًا بخدمة الصالح العام. وفي المقابل، عندما يضعف هذا الوعي أو تُقمع حرية التعبير، تميل السلطة إلى الانغلاق على نفسها، وتتحول القوة السياسية إلى وسيلة للحفاظ على النفوذ بدل أن تكون وسيلة لإدارة المجتمع. ولهذا فإن المجتمعات التي تحافظ على حيويتها السياسية هي تلك التي تفتح المجال للنقاش العام، وتسمح بتعدد الآراء، وتدرك أن الاختلاف ليس تهديدًا للدولة بل شرطًا من شروط صحتها.
وفي كثير من الأحيان تظهر الأزمات السياسية عندما يختل هذا التوازن بين الشعب والسلطة. فعندما يشعر الناس بأن القرارات الكبرى تُتخذ بعيدًا عنهم، أو أن السلطة لم تعد تمثلهم، يبدأ التوتر بالتراكم داخل المجتمع، وقد يتحول في لحظة ما إلى احتجاج أو رفض واسع. وهذه ليست ظاهرة جديدة، بل هي جزء من طبيعة السياسة نفسها، لأن السلطة التي لا تُراجع نفسها ولا تسمع صوت المجتمع تفقد تدريجيًا قدرتها على فهم الواقع الذي تحكمه.
إن القوة السياسية الحقيقية لا تُقاس بعدد الجنود أو حجم النفوذ الاقتصادي فقط، بل تُقاس قبل ذلك بقدرة السلطة على بناء عقد اجتماعي عادل مع شعبها، عقد يقوم على الثقة المتبادلة والاحترام المتبادل. فالشعب الذي يشعر بأن دولته تمثله وتحمي مصالحه يتحول تلقائيًا إلى قوة داعمة للاستقرار والتقدم، بينما الشعب الذي يشعر بالتهميش أو الإقصاء يصبح مصدر قلق دائم لأي سلطة مهما بدت قوية في ظاهرها.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأساسية في السياسة أن السلطة من دون الشعب مجرد شكل فارغ، وأن الشعب من دون نظام سياسي عادل يبقى قوة مشتتة. وبين هذين الطرفين تتشكل المعادلة التي تحدد مصير الدول: سلطة تفهم أن قوتها تأتي من الناس، وشعب يدرك أن مشاركته ووعيه هما الضمانة الوحيدة لكي تبقى هذه السلطة في خدمة المجتمع لا فوقه. هكذا فقط تتحول السياسة من صراع على الحكم إلى مشروع لبناء مجتمع أكثر عدلاً وكرامة.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحياة المركبة
- العراق: والثلاث مراحل
- نقد الادب العربي للماركسية
- حين يكون الشعب وطناً
- حين يمر الضوء على هيئة امرأة
- حين تصبح المرأه قصيدةً لا تُنسى
- حرب الظلال بين إسرائيل وإيران: والضحايا الذين يسقطون بصمت في ...
- إيران والتنظيمات المتطرفة: جدل المصالح والتناقضات
- الورم الخبيث: علاقة ايران بتدمير الاستقرار
- العراق اولاً: حقيقة الدم التي لايمكن انكارها
- فلاديمير لينين: حين تتحول الفكرة الى قوة تغير مسار السياسة ا ...
- التعددية الفردية: حين يتحول الاختلاف الى طاقة للحياة
- العدالة: الميزان الذي تقوم عليه حياة الناس
- المواطنة: الشراكة التي تصنع وطناً لا مجرد أرض
- السلام: من شعور فردي إلى نظام مجتمع
- حادثة يوم الشهيد: جدل التفتيش والذاكرة في مقر الحزب الشيوعي ...
- من السلام نبدأ: كيف يصنع الشباب أمةً عراقيةً واحدة
- التوترات المدنية: بين الدعوة والشيوعية
- في نقد أروع قصائد شاعر الوطن: مظفر النواب
- بائع الوطن ودافع الثمن


المزيد.....




- ما دور المسيَّرات في الحرب الحالية؟
- استفيقوا قبل فوات الأوان: لا للحرب الظالمة على إيران
- خيارنا حسن الجوار بيد أن طهران قابلت ذلك بالصواريخ
- واشنطن بوست: فريق ترمب هاجم أوروبا عاما كاملا والآن ينشد دعم ...
- إسرائيل تستهدف قادة بارزين تابعين للحرس الثوري في بيروت
- تصدعات بالقيادة الإيرانية تحت وطأة القصف الأميركي الإسرائيلي ...
- البديوي: استهداف البنى التحتية بالكويت والبحرين -عمل عدواني- ...
- ترامب يلمح إلى احتمال نشر قوات برية في إيران لمراقبة اليوران ...
- حزب الله يهاجم مواقع إسرائيلية والقصف الإسرائيلي يشتد على لب ...
- نتنياهو: نخوض -حرب القيامة- ولدينا خطة للقضاء على النظام الإ ...


المزيد.....

- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر حيدر - السلطة والشعب: معادلة القوة في السياسة