|
|
أحجار الشطرنج الصفر: أجيال ماجنة
دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 00:16
المحور:
الادب والفن
1 المرحوم " شمسي آغا "، جدّ دلير لأبيه، عاشَ طوال حياته في واحدٍ من أكثر بيوت الحارة إتساعاً واقتداراً. البيتُ المكوّن من ثلاثة أقسام، والذي سكنته أجيالٌ ثلاثة على التوالي، كانَ يطلُ مباشرة على جادة أسد الدين، ولا يبعد سوى قليلاً عن مسجد سعيد باشا. ربما تعبيراً عن عظمة هذا البيت، صُمم له بابٌ حديديّ كأنه بوابة قصر، ذخرَ بالنقوش في أعلاه. ولو خطوتَ إلى الداخل، ستواجه عقبَ اجتياز العتبة حاجزاً خشبياً من درفتين، مهمّته حجب الصالة عن أعين الفضوليين لو كانَ بابُ الدار مفتوحاً أو موارباً. هذه الصالة، المستطيلة الشكل، جُعلت كحجرة سفرة بطاولةٍ ممتدة على جلّ مساحة المكان، انتصبت في مركزها آنية بلورية، تملأ يومياً بباقةٍ من أزهار الحديقة. فيما ثريا فاخرة، تدلت من السقف العالي، المزوّد بزخارف من مادّة الجص الأبيض والنيليّ. إلى يمين الصالة، إنزوت حجرة الضيافة ذات الرياش الزيتية اللون وستائر البروكار المذهّبة، تصدّرتها فترينا من خشبٍ ثمين مصقول قد اصطف خلف زجاجها آنية خزفية من شتّى الأنواع. جهاز التلفاز، المنبثق من قاعدة الفترينا السفلى، تراءى كعين مخلوق السيكلوب، الخرافيّ. أما لو عُدنا إلى الصالة، لإلقاء نظرة خِلَل بابٍ إلى يسارها، فإننا سنرى موجوداتِ مطبخٍ عصريّ، لعلها تتناقضُ قليلاً مع كلاسيكية حجرتيّ السفرة والضيافة. بابٌ داخليّ آخر، يُماثل حجمَ البابَ الخارجيّ إلا أنه خشبيّ، ينفتحُ على حديقة الدار، الفائقة الكبر. يُرتقى من ثمّ درجتين إلى باحةٍ رُصفت بالحجر النحّيت، تمتدّ بين بركة الحمّام القديم يميناً وحجرة المغاسل يساراً. ممشى عريض نوعاً ما، يبدأ من منتصف الباحة وحتى قاعدة الدرج، المؤدّي إلى القسم الأعلى من الدار. هذا الممشى، مظللٌ كله بدقران كرمة وارفة كريمة. الحديقة، بثت فيها أشجارٌ مثمرة، مُضاءة بثمار التفاح والبرتقال واليوسفي والكرز والخوخ وغيرها. فيما مساكب خضراء، تنفتحُ عن عيون أزهار من شتّى التلاوين. الجدارُ الأيمن للحديقة، شكّلَ حاجزاً مع البيت المجاور، الذي أختصّه لنفسه المرحومُ والد دلير، الرائد " فيّو "، ، وذلك عقبَ زواجه. الجدارُ المقابل، أظهرَ حظائرَ الطيور والحمام، بينما مساحة منه قد أترعت بجدعات الصبّار الضخمة ذات الألواح الداكنة الخضرة الصقيلة والأزهار الصفراء. شوكيات أخرى، منها " لسان الحماة "، توسّطُت دوائرَ الحديقة الأربع، الموزّعة على جانبيّ ذلك الممشى. سبعُ درجاتٍ من الرخام العاجيّ، تنقلُ المرءَ إلى القسم العلويّ من الدار. ثمّ باحة مستطيلة الشكل، فرشت أرضيتها برخام لؤلؤيّ، يتصدّرها إيوانٌ عالي السقف، خالٍ من النقوش. حجرتا نوم، وُجدت على كلّ جانب من الإيوان. لقد استخدم إحداها في حياته، شمسي آغا، فيما بقية الحجرات ذخرت بمتاع ومفروشاتٍ، شهدت حقباً قديمة، فما عادت تلائمُ ذوقَ العقدين الأخيرين من القرن العشرين. إنها سارة، عمّة دلير، مَن سمحت له بالإقامة في هذه الدار الكبيرة، وذلك عقبَ زواجه. أما شقيقته الوجيدة، " دلناز "، وكانت تدرسُ في الجامعة، فإنها استمرت بالعيش في منزل الخال سعد الدين. والدتهما، " بَسْني "، لاذت بمنزل رجلها الراحل، بعدما إنتهى إلى الفشل زواجها الثاني من طبيبٍ شاب، درعاويّ الأصل. استسلمت منذئذٍ لأعراض الكآبة، فلم تعُد تلك المرأة الخفيفة المَحْمل، التي كانت تغشى المجتمعَ بابتسامتها المشرقة ولذعاتها العابثة. ربما كانَ هذا من حُسن فأل كنّتها، " نسرين "، المتمتعة بشخصيةٍ راسخة وعنيدةٍ بعض الشيء. بكل الأحوال، فإننا نتكلّمُ عن خالتها، المرتبطة بعلاقة وثيقة مع الأم. وكانت نسرين محظوظة، فوقَ ذلك، بكون منزل أسرتها يقعُ بمقابل منزلها. ذلك أنّ بيتها في غاية الكبر، احتاج لجُهد مثابر من شقيقاتها الثلاث في تعزيز نظافته وإجلاء رونق أثاثه والإعتناء بحديقته. بدَورها، كانت والدتهم، " رَمّي "، قد جرّبت تغيير حياتها من خلال زوجٍ جديد، فأذعنت لشرطه أن تعيشَ معه لوحدهما في شقته، الكائنة بمنطقة العدوي. لقد عوّلت الأمُ على نسرين، بأمر الإهتمام بشقيقاتها؛ هيَ من لم تثق يوماً بالابن الوحيد، لزكَين، المعروف بعدم تحمّله أيّ مسئولية. بمحض الإتفاق، أنّ رَمّي وكبرى بناتها قد ضمّهما عش الزوجية في نفس الوقت تقريباً. ويُقال، أنّ ذلك لم يكن مصادفة بل بتدبير من الخال الأكبر، السيّد " جمال الدين "، وكانَ في ذهنه منع شقيقته من الزواج مجدداً. هذا الخال، في المقابل، دعمَ دلير مادياً من خلال توظيفه في مكتبه لحين أن يُنهي دراسته الجامعية.
2 حياة دلير لم تكن مرفّهة، ولكنها ميسورة بشكلٍ من الأشكال. الأم، استأثرت براتب أبيه التقاعديّ، عقبَ فشل زواجها الثاني، مدّعيةً أنه لا يكاد يكفي أودها وثمن أدويتها. لكن العمّة، الكريمة، خصّصت لابن شقيقها جزءاً من خيرات مزرعة جمرايا، أينَ إمتلك المرحومُ شمسي آغا أرضاً كبيرة خصبة، تملّصت من قانون الإصلاح الزراعيّ. كذلك أوصت زوجها، وهوَ من كبار تجار الدواجن، أن يحسبَ حساب أسرة دلير كلّ مرةٍ بقفص دجاج أو كرتونة بيض. ابنها الوحيد، " سلو "، كانَ قد سافرَ ذلك الخريف إلى موسكو بهدف دراسة الطب، بمنحةٍ من حزب الطبقة العاملة، دفعَ والده ثمنها بالدولار الأمريكي. الأب، غيْر ضمان مستقبل إبنه، فإنه كانَ بهذه الطريقة يُبعده عن علاقة نامية مع " شيرين "؛ ابنة رَمّي، التي يعدّها صورة عن أمّها شكلاً ومسلكاً. في وقتٍ من الأوقات، كانَ دلير منافسَ سلو في الاستئثار بتلك الفتاة الجميلة، إلا أنه صرفَ النظر عنها بخطبته لشقيقتها الكبيرة، وذلك بفعل ملابساتٍ أدهشته هوَ نفسه، بما أنه لم يسبر غورها بعدُ. وهيَ ذي نسرين، تتصلُ بزوجها في مكان عمله، معددةً طلباتٍ تحتاج لها وجبة الغداء. في فترة الظهيرة، التي يتعطّل فيها المكتبُ لثلاث ساعات، كانَ يؤوب للبيت غالباً في سيارة المهندس " بشار "؛ شقيق زوجة الخال وشريكه. كانَ دلير يُحرَج كلّ مرةٍ، آنَ طلبه منه التوقف عند فرن حديث في موقف البوابة، لكي يشتري خبزَ الطوست، الملائم لمعدة امرأته الرهيفة. أما بقية الطلبات، فإنّ فراشَ المكتب كانَ يجلبها له من السوق. وفي هذا اليوم، عاد دلير والمهندس أبكرَ من المعتاد وهما مُحَمّليْن بملفاتٍ، كانَ من المفترض السهر عليها في منزل هذا الأخير. بوصول دلير للبيت، فتحَ البابَ الخارجيّ ليتناهى لسمعه أصواتٌ أنثوية، صاخبة. فقدّرَ أن بنات خالته يلهونَ برش بعضهن البعضَ بالنربيش أثناء سقاية الحديقة. لما أرتقى الدرجة، ليفتحَ البابَ الداخليّ، المؤدي للحديقة، سمّره مشهدٌ دفعه لغض بصره والعودة أدراجه إلى صالة المعيشة: نسرين وشقيقاتها الثلاث، كنّ عاريات تماماً وهنّ في مصنع الحمّام القديم، يتعابثن بمياهه ويطلقن صرخاتٍ وهن يرتعشن من البرودة. هكذا مصنع، وُجدَ في بيوت سراة الحي؛ وهوَ غالباً مصنوعٌ من الإسمنت وملبّس بالسيراميك، بعمق متر واحد تقريباً. كانَ يُستعمل قديماً كحمّام في فصول الطقس الدافئ، وإلا فإنّ أهل البيت يتوجّهون إلى حمّام السوق، الكائن في حي الصالحية، المجاور. لا بدّ أنّ ذاكرة دلير قد استحضرت مشهداً مماثلاً، تكررَ أكثر من مرةٍ في طفولته. جدّه، كانَ قد اقترنَ سرّاً بفتاةٍ غجرية، إمتهنت بيعَ أوراق النصيب. " سُعدى " هذه، كانت ملامحها وتفاصيل جسدها توحي بأنها ما إنفكّت طفلة بعدُ. ربما أول مرة شعرَ فيها بالإنتعاظ، حينَ رآها عارية تماماً وكانَ قد نزل إلى حديقة الجدّ كي يستعيدَ كرةً كانَ يلهو بها. فيما بعد، تعمّدَ تسلق شجرة المشمش الكبيرة في داره، المطلة على تلك الحديقة. إذاك كانَ يقصّ لقريبيه، لزكَين وسلو، مشاهداته المشفوعة بكلامٍ ساذج: " فرجُ الفتاة مغطّى بزغب كثيف، بالرغم من أنها تبدو طفلة " " هل لمحتَ فرجها، حقاً؟ "، يسأله سلو وقد التمعت عيناه السوداوتان. عندئذٍ يقول لزكَين، بنبرته المستهترة: " الفتيات الريفيات لا يُزلن شَعرتهن، بينما نساء المدينة يفعلن ذلك بوساطة المعجون وأحياناً بالشفرة " " وكيفَ عرفتَ ذلك؟ " " هذا ما أرى أمّي تفعله، كلّ مرةٍ أكون معها بالحمّام "، يُجيب ببساطة. عند ذلك، كانَ دلير وسلو يتبادلان ابتسامة ساخرة ذاتَ معنى. فإنّ ابن الخالة، المماثل لهما بالسنّ، نُظرَ إليه دوماً من قبل الآخرين أنه خفيفُ العقل.
3 بالرغم من أنّ موسي، والد سلو، هوَ من نفس بلدة رأس العين، مسقط رأس رَمّي، فإنه كانَ أمام امرأته يُبدي سخطه من طريقة حياتها وتربية بناتها، المُفعَمَتين بالإنطلاق والحرية. في حقيقة الأمر، أن ألسنة السوء حاكت كلاماً عن علاقته هوَ بنفسه مع تلك المرأة، وذلك عقبَ وفاة زوجها الأول. إذ اعتاد على المرور كل مرةٍ في سيارته على بيتها نهاراً، لكي يسلّمها أشياءَ من تجارته، فيقبل دعوتها للدخول وشرب فنجان قهوة. عند ذلك، يتهامسُ جاران، أو بائعان، بأنّ الرجلَ يقضي وطره منها بغياب أبنائها في المدرسة. يقول أحدهما، عندئذٍ: " المرحوم الرائد، شكمها في حياته ثم ما لبثت بعد موته أن طاشَ سهمها هي وبناتها " " لا يُستبعد أنها من قتلته، وكان في أوج رجولته. فإنّ الريفيات يعرفنَ نباتات سامة، جرعاتها المميتة تسري ببطء في الجسم! "، يردّ الآخرُ. لا ريبَ أنّ أقاويلَ كهذه، كانت تصل لرَمّي، التي محضت كراهيتها لرجال الحارة جميعاً. كانوا أيضاً يذكّرونها بزوجها الراحل، لناحية صرامته وضيق أفقه. فإنها من بيئةٍ كردية شمالية، مُعرّفة بالتحرر والانفتاح، تكاد المرأة فيها هي المسيطرة على شئون الأسرة؛ تدخنُ علناً، وتستقبلُ الضيوفَ بغياب زوجها، وتمسكُ بأيدي الغرباء في حلقات الرقص أثناء الحفلات. مع ذلك، وعموماً، فإنها ارتاحت بالعيش مع زوجها، خصوصاً أنه كانَ ضابطاً مرموقاً ومن وسطٍ اجتماعيّ مُعتبر، فضلاً عن انتقالها للعيش معه في مدينةٍ كبيرة مثل دمشق. لقد قنعت بالخروج في ملابس محتشمة ورأسها مغطى بإيشارب خفيف، طالما أنه يصطحبها أحياناً لدور السينما والمسرح ولجولات الأسواق ولنزهات الريف. بعد رحيله، تحدّت رجالَ الحارة بظهورها كل مرةٍ بملابس حريرية لامعة، وقبعة إفرنجية على رأسها قد زيّنت بريشةٍ ملوّنة للأفراح أو بقطعة قماش شفافة سوداء للمآتم. لزكَين من ناحيته، عانى من قسوة الأب أكثر من الجميع. كونه الذكر الوحيد، كانَ الرائدُ الصارم يرغبُ بوضعه في قالبٍ عسكريّ، خصوصاً وقد لحظ طيشه واستهتاره. منزلهم من الجهة الخلفية، كانَ يطلُ على كرمٍ كبير؛ دُعيَ بالخرابة، لأنه أحيط بجدران طينية متداعية، كما أن مسارب الماء كانت قديماً ترفدُ آبارَ الحارة بمياه النهر. لقد جعله صبيَة الحارة مركزَ لهوهم، وذلك لأنّ النهرَ يمرّ بإزائه. بعدَ تقاعده، أنشأ الرائدُ جلسةً جميلة على سطح المنزل، مظللة بدقران كرمة عنب، فيما عريشتا مجنونة، بلونيّ النهديّ والزهريّ، أحدقتا بها من كلّ جهة. من هناك، كانَ في وسعه رؤية ابنه لو شارك باللهو مع لدّاته. عند ذلك كانَ يصرخُ عليه، مشيراً بيده كي يعود إلى الدار. في العاشرة من عُمره، مُنع لزكَين من الإستحمام مع والدته. ثلاثة أعوام على الأثر، وكانَ الأبُ المحافظ يستشيط غضباً لو دخل حجرة البنات وشاهد شقيقهن ثمة فيما هن بملابس النوم الرهيفة. كانَ يأمره حينئذٍ بالخروج، ولما ينفرد به كانَ ينعته، كمألوف العادة، ب " عديم الناموس ". على ذلك، تنفّسَ الابنُ الصعداءَ، بدَوره، غبّ وفاة والده على حين فجأة. في المقابل، لم يأبه بتحمّل أيّ أعباء ـ بصفته ذكر الأسرة، الوحيد. لزكَين ودلير، علاوة على سلو، كونهم أصدقاء الطفولة، دأبوا على مغافلة الأهل لأجل السباحة في النهر. وكانَ الكرمُ محظوراً على مَن يُدعون ب " أبناء البنايات "؛ وهم مَن يقطنون العماراتِ الحديثة، التي أنشئت على جانب كلٍّ من شارع ابن النفيس وشارع صلاح الدين. إلا أنّ بعضَ أولئك الصبيَة، كانوا أحياناً يُغامرون بالسباحة هناك. في هذه الحالة، كانَ أولاد الحارة، الأكبر سنّاً، يعمدون للحيلة كي يصطادونهم. فقد كانوا يكلّفون الأصغر سنّاً، بالإستيلاء على ملابس أولئك الصبيَة، ثم رميها إلى جهة الخرابة. فلو شاءَ هؤلاء الأخيرين، استرجاع ملابسهم، فإن عليهم توسّل أولئك الفتيان الأكبر عُمراً. وغالباً ما يُساق المعنيّ إلى المسراب، وهناك تهتك براءته. ذات ظهيرة من الخريف، كانَ دلير شاهداً على أحد تلك الكمائن؛ وكانَ ضحيتها صبيّ درسَ معه بنفس الفصل؛ اسمه " عماد ". كانَ غلاماً فائقَ الوسامة، والده الحلبيّ كانَ ضابطاً في الجيش. على ذلك، توثقت صُحبتهما. في ظهيرة الكمين، وبالرغم من شفقته على زميله، فإن دلير شعرَ بانتعاظٍ ملحوظ لما رأى مؤخرة الصبيّ العارية وهيَ تنتهك. على الأثر، رافقَ عماد إلى منزله، بطلبٍ منه. في خلال الطريق، قال له هذا الأخير باكياً: " أستحلفك بالله ألا تخبر أحداً في الفصل عما جرى ". فوعده دلير بذلك. ولكي يثبت له صدق وعده، فإنه في اليوم التالي أصطحبه إلى غيضة الحَوْر، ثمة أينَ عرّى مؤخرته من جديد، محاولاً تقليدَ الفتيان الكبار. في يومٍ آخر، لما كانَ مع عماد وهما خارجان من الغيضة، صُدمَ بهذا المنظر: على مرتفع هيّن، معشوشب، محاط بنباتات ذات سيقان عالية، شاهدَ غلاماً من أقاربه وهوَ تحت فتى من الحارة. هذا الأخير، بانتباهه لوجود دلير، فإنه تنحّى عن الغلام العاري المؤخرة، والذي بدَوره احتقنَ وجهه بالخجل والخزي.
4 صديقٌ آخر، ارتاحَ دلير لصُحبته في مبتدأ عمله في مكتب خاله. " سينو " هذا، كانَ يصغره بنحو عامين، وهوَ قريبه في الآن نفسه. فإنّ عمة الرائد " فيّو "، والد دلير، كانت جدّة الشاب لأمه. إنه ذلك الغلام، مَن ضبطه دلير في وضعيةٍ مشينة داخل غيضة الحَوْر. بعد ذلك اليوم، كانا يتجاهلان بعضهما البعض كلما إلتقيا في الشارع أو في مناسبةٍ ما. بيدَ أن للسنين يداً، تمحي آثار الماضي؛ ولو أنها تدعها في أعماق نفوس البشر. وكانَ سينو مقرّباً بشكلٍ خاص لوالدته، التي بالغت في تدليله، فأفسدت تربيته. لم يُكمل حتى المرحلة الإبتدائية، مثلما أنه لم يفلح بأي صنعة أمضى فيها شهراً أو حتى يوماً واحداً. لكنه كانَ شاباً ظريفاً، طبعه طريف، كذلك ظهرت عنده ميولٌ لاستدراك ما فاته من تعليم. لقد ساعده دلير بقدر المستطاع، ثم نصحه بالدوام في دورة محو أمية، مجانية، تعقد كل مساء في إحدى مدارس الحارة. على الأثر، صار بمقدور سينو ليسَ قراءة ترجمة الأفلام، حَسْب، بل وأيضاً مطالعة كتب أدبية وفلسفية. كون دلير مثله الأعلى، فما لبث أن غدا دستويفسكي معبوده أيضاً. كي يكتمل الثلاثيّ الجديد، انضمَ إليهما شابٌ ثلاثينيّ؛ إلا أنه ذو دماغ محدود بعض الشيء. فوقَ ذلك، كانَ الشابُ معرّفاً بنعتٍ مشنوع؛ " قربينة "؛ أي أنه شبيه البندقية القديمة. بحَسَب تقاليد ذلك الزمن، عُدّ عازباً مزمناً. كذلك، كانَ مرتبطاً بقرابة بعيدة مع دلير. كانت المرة الأولى، زاره فيها ببيت خاله سعد الدين. لقد دُهشَ عندئذٍ، كون المكتبة الضخمة لا تحتوي على روايات " أرسولبّين "؛ بحسَب تعبيره. وكانَ يعني سلسلة روايات بوليسية، تجارية، للكاتب الفرنسي موريس لبلان، التي كانَ بطلها لصٌ ظريف، اسمه " أرسين لوبين ". وكانَ قربينة، بوصفه سمّيعاً عريقاً لكوكب الشرق، يضجرُ بسرعة من أيّ نقاشٍ ذي طابع أدبيّ أو فكريّ. فحينما يتم التركيز على أديبٍ شهير أو مفكّرٍ معروف، كانَ ينفخُ تعبيراً عن ضيقه، قائلاً جملته المعتادة: " دعونا من سيرته، ياه، فهل هوَ أبونا؟ ". كانَ على الثلاثيّ القديم أن ينفرط عقده، وذلك عقبَ صُحبة دلير لكلّ من سينو وقربينة. هذا الأخير، أزعجَ لزكَين للغاية لما بلغت به الحماقة أن يخطبَ والدته؛ وكانت آنذاك آنذاك قد ترمّلت منذ بضعة أعوام. لما عاتبه دلير، إبّان توثّق صحبتهما، فإنّ قربينة قال بطريقته البدائية في التعبير: " أردتُ أن أسدي إليها معروفاً، كونها امرأة تحتاجُ للجنس. لو كانت هيَ تتمتّع بوضعٍ ماديّ أفضل مني، فإنني أتفوّقُ عليها كوني شاباً عازباً " " ولكنك عاطلٌ عن العمل، فكيف كنتَ ستصرفُ عليها؟ " " من راتب تقاعد زوجها الراحل! " " هل كنتَ آنذاك بكامل قواك العقلية، حقاً؟ " " شقيقها الكبير، كانَ من الممكن أن يدبّر لي عملاً مناسباً " " ولكنك بلا تعليم ولا خبرة بأيّ صنعة؟ " " غالبية مَن يعملون في دوائر الدولة، لا يتميّزون عنيّ سوى بكرت الوساطة "، قال ذلك ثم أضاف كأنه تذكّرَ شيئاً: " لِمَ لا تطلب منه الآنَ تعييني فرّاشاً في مكتبكم؟ ". ردّ دلير بالقول، ضاحكاً: " ذلك مُحال بعدما علِمَ الرجلُ بتصرّفك الجنونيّ " " هل أنا خطبتُ ملكة بريطانيا، لكي يُعدّ الأمر جنوناً؟ "، قالها باستياء. بشأن تردّي علاقة دلير وسلو، فإنّ ذلك أيضاً على خلفيّة واقعة لا تقلّ طرافة. هذا الأخير، هوَ مَن ذكر الواقعة بشيءٍ من التفصيل، مبدياً استغرابه من صداقة دلير للمعنيّ. ففي إحدى الأمسيات، مرّ على سينو كي يستفهمَ ما لو كانَ دلير عنده. بعدئذٍ اقترحَ أن يذهبا إلى المركز الثقافي السوفييتي، علّ صديقهما ثمة في قاعة المكتبة أو قاعة الشطرنج. هناك حينَ لم يكن دلير في أيّ من القاعتين، عبّرَ سلو عن رغبته بالنزول إلى قاعة السينما. هكذا رافقه الآخرُ بعد شيءٍ من التردد. حضرا على الأثر فيلماً سوفييتياً، موضوعه عن جاسوسٍ روسيّ يعمل لصالح النازيين في خلال الحرب. في أثناء العرض، كانَ سينو ينظرُ بشكل موارب إلى صاحبه. على حين بغتة، نهضَ وغادرَ القاعة بخطى عجولة. فظنّ سلو أنه ذهبَ إلى المغاسل، ليقضي حاجته. انتهى الفيلم، دونما أن يظهر سينو. فمرّ عليه مجدداً في بيته، بهدف معرفة جليّة الأمر. بمجرد أن ظهرَ سينو، خاطبَ سلو بصوتٍ مرتعش: " أغربْ عن وجهي، أيّها الجاسوس! ".
5 لو كانَ سينو ذا طبعٍ موسوس، فإنّ علّة ذلك تكمنُ في شقيقه؛ " تمّو ". كانَ فارقُ العُمر بينهما شاسعاً، بحيث أنّ هذا الأخير خدمَ الجيشَ في أوان حرب حزيران. بسبب دسائسٍ، كانَ ضليعاً بحبكها كي يرتقي لسدّة الزعامة، سبقَ أن طردَ من حزبٍ كرديّ ذي توجّهٍ ماركسيّ. مع أنه افتتحَ على الأثر متجراً لبيع المفروشات والالكترونيات، فإنه لم يُحبط تماماً فيما يتعلق يطموحه السياسيّ. ففي الآونة الأخيرة، شكّل مع عددٍ من المطرودين أمثاله، تنظيماً على يسار الجميع. ذات يوم، غبّ تعزز صداقة دلير به، أسمعه سينو شريطاً مسجّلاً تضمّنَ خطبة عصماء لشقيقه، موجّهة إلى لا أحد. كانَ عندئذٍ يبدو مستثاراً، كأنه مستلٌ سيفه ويعدو فوق حصانه. لكنّ الرجلَ كانَ يقضي عادةً النهارَ في فراشه، هرباً من دائنين أو ممَن قبضَ منهم ثمنَ حجرة نوم أو أيّ أحدٍ من هذا القبيل. فإذا جنّ المساءُ، وكانَ الطقسُ ملائماً، رأيته مع بعض أصدقائه قد تحلّق حول بحرة الدار، ليطلق النارَ في الهواء ما أن ثملَ ـ كما لو أنه، هذه المرّة، نجمُ كاوبوي في فيلم ويسترن. كون بعض أولئك الرهط هم ضباط في أجهزة الأمن، فإنّ الأمرَ لا يعدو عن إهتمامهم بصُحبته ـ كمهرّجٍ، يُجيد قصّ حكاياتٍ طريفة عن حارة أيام زمان. شتاءً، كانَ لا بدّ أن يعجبوا من مكتبته، المنزوية في أحد أركان حجرة الضيوف، والمزيّنة بصوَر ماركس ولينين علاوة على علمٍ غريب، تتوسّطه شمسٌ صفراء ذات أشعة شبيهة بإنفجارٍ كونيّ. آنذاك، كانَ قلّة من أصحاب المتاجر مَن يرفضون التعاون مع أجهزة الأمن، بخاصّة عقبَ إندلاع المواجهات مع تنظيم الطليعة المقاتلة، الأصوليّ. وكانت البلدُ قد تغيّرت على الأثر، فبدلاً من الغجرية البائسة، سُعدى، أضحى رجلُ أمن يجولُ في الحارات وبيده أوراق النصيب. واستبدلَ أمثالُ المدعو، " كَمارو "، شقيق قربينة الكبير، بعمال نظافة يتجولون ليلاً ثم ينهون خدمتهم صباحاً في أحد مقرات الأمن. " خجو "، زوجة شقيق قربينة، كانت قد افتتنت بدلير؛ وكأنما رأته لأول مرة وقد غدا شاباً، نبت سالفاه. أحياناً في أثناء وجوده لديهم في المنزل، الأشبه بالخرابة، كانت تتعمّدُ كشفَ مفاتنها لناظريه. كأن تنتهزُ فرصةَ غياب قربينة لشأنٍ ما، لتخرج ثديها الكبير وتدسّه في فم صغيرتها الرضيع. ثم بالغت بعدئذٍ بالجسارة، لما ذهبَ سلفها ذاتَ مرةٍ لشراء علبة سجائر، فاندفعت بخطى هيّنة إلى حجرته: " سأنتقي في غيابه عدداً من شرائط أم كلثوم "، قالتها وهيَ تنحني على كرتونة على الأرض. لقد كشفت بتلك الحركة، شقّ ردفيها من خلال ثوب النوم القصير. لحُسن الحظ، أنّ دلير بقيَ مُخضعاً غريزته. ففي الدقيقة التالية، ظهرت شقيقة قربينة، وهيَ إمرأة مطلّقة. كانت مخلوقة غريبة الأطوار، تتصرّفُ كمن يسيرُ في منامه. قالت لإمرأة أخيها، فيما تتناولُ وعاءً يُستعمل في الغسيل: " على الأقل، ضعي إزاراً على قميصكِ أمامَ الشاب " " أيّ شاب، وهوَ مثل ابني؟ "، ردّت خجو وهيَ تقهقه. كانت تكبر دلير بنحو ثلاثة أعوام، وقد سبقَ أن طلّقت من ابن عمها. وهيَ ذي ذهبت دونَ أن تمسّ شرائط كوكب الشرق، التي كانَ ابنُ حميها يحرصُ عليها مثل حرصه على روحه. في مناسبةٍ أخرى، مكّنته المرأة اللعوب من نفسها، وكأنما ليثبت لها أنه ابنٌ غير مفطوم. لكن ذات مرة، كادَ أن يُفضحَ سرّهما حينما أذعنَ لإحدى نزواتها. كانَ ساهراً في حجرة قريبنة، وإذا بصراخٍ ثاقب يعكّر هدوءَ الليل. كانَ ذلك صوتُ شقيقة الرجل، التي تعتريها أحياناً نوباتٌ عصبية. خرجا إلى صحن الدار، لما نادت الأمُ باكيةً: " شقيقتك هربت من الدار، فإلحق بها كيلا تفضحنا في الحارة ". قالت ذلك، واندفعت هيَ بنفسها خلف زوجها إلى ناحية الزقاق. عند ذلك، ظهرت خجو وأشارت له أن يدخل إلى غرفتها. لما امتنع عن الامتثال للفكرة الجنونية، فإنها خطت نحوه لتقول: " لقد لحقوا بالمعتوهة إلى أسفل الزقاق، كمألوف العادة. وعندما يعود صاحبك، سيعتقد أنك غادرتَ إلى بيتك ". راقته الفكرة بعد تفكير مبتسر، وكان إذاك جسدُها العارمُ ملتصقاً به. كانَ دوامُ زوجها ليلاً، وثمة حجراتٌ فيها مستأجرون من ريف الساحل. هكذا دخل حجرة نومها، ولبث معها في ترقّبٍ لعودة ذلك القطيع الهائج. بعد قليل، سمعا قربينة وهوَ يُبرطم: " دلير غادرَ إلى بيته، فإنه لا يحب شهودَ المشاكل! ".
#دلور_ميقري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أحجار الشطرنج الصفر: حكايات على الطريق
-
سكة حديدية حتى السماء: الخاتمة
-
سكة حديدية حتى السماء: مرآة جديدة
-
سكة حديدية حتى السماء: كرامة مُخبر
-
سكة حديدية حتى السماء: مكيدة غرام
-
سكة حديدية حتى السماء: بانثيون بشري
-
سكة حديدية حتى السماء: عالم آخر
-
سكة حديدية حتى السماء: القطار المشؤوم
-
سكة حديدية حتى السماء: طبيعة عارية
-
سكة حديدية حتى السماء: خرائب وصروح
-
سكة حديدية حتى السماء: خريطة ممزقة
-
تشريح الذات: الخاتمة
-
تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
-
خمسة أسابيع في دمشق 4
-
خمسة أسابيع في دمشق 3
-
خمسة أسابيع في دمشق 2
-
خمسة أسابيع في دمشق
-
المهاجران من المسرح إلى السينما
-
فيلم الطفولة الكردية، المغتالة
المزيد.....
-
لماذا علينا أن نهتم باللغة العربية؟
-
نظرة على شكل المنافسة في حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ 98 الم
...
-
ضغوط في هوليوود لمنع فيلم -صوت هند رجب- من الوصول إلى منصة ا
...
-
رواية -عقرون 94-.. حكايات المهمشين في حضرموت وجنوبي اليمن
-
رحلة في عالم -إحسان عبد القدوس-: أديب في بلاط الصحافة أم صحف
...
-
هجمات الاعداء الإرهابية تنتهك مبدأ -حظر استهداف المراكز العل
...
-
تفاصيل صغيرة تصنع هوية رمضان في لبنان
-
محيي الدين سعدية.. صدى المآذن القديمة ونبض البيوت بصيدا وجنو
...
-
16 رمضان.. يوم التخطيط العبقري في بدر وانكسار أحلام نابليون
...
-
ظلام وأزمة وقود.. 5 أفلام سينمائية تخيلت العالم بلا طاقة
المزيد.....
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
المزيد.....
|