أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - حين تعكس أخلاقُنا صورةَ الإله الذي نعبده














المزيد.....

حين تعكس أخلاقُنا صورةَ الإله الذي نعبده


خالد الياس رفو

الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 03:25
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


انطلاقًا من مفهوم فلسفي شائع مفاده: "أن أخلاق الإنسان تكشف نوع الإله الذي يعبده"، يمكن القول إن صورة الإله في وعي الإنسان، كما يفسرها الحكماء منذ أقدم العصور، ليست فكرة لاهوتية مجردة، بل نواة نفسية وأخلاقية تعيد تشكيل نظرته إلى ذاته وإلى الآخرين وإلى العالم.
من هذا المنظور لا تكون العقيدة شأنًا غيبيًا معزولًا، بل منظومة قيمية وجدانية حية وفلسفية تتجلى في السلوك اليومي ... في طبيعة العلاقات الاجتماعية وفي تعريف الخير والشر داخل أي مجتمع.
إن العبارة القائلة إن أخلاق الإنسان تكشف نوع الإله الذي يعبده لا تُفهم بوصفها حكمًا غيبيًا على حقيقة الإله نفسه، بل بوصفها تشخيصًا إنسانيًا لطبيعة التصور الديني وتعريف "الإله المقدس" كما يتشكل في الوعي الجمعي.
فالإله كما يُتصوَّر مجتمعيًا، لا كما هو في حقيقته العقائدية، يتحول إلى معيار أخلاقي أعلى تستمد منه أتباعه تبريراتها للسلوك وحدودها للعدل ومفهومها للكرامة الإنسانية.
تُعد صورة الإله المتخيلة مصدرًا رمزيًا للقيم في علم اجتماع الدين وفلسفته.
فحين يُتصوَّر الإله بوصفه رحيمًا، عادلًا ومحبًا للإنسان، فإن هذه الصفات لا تبقى لاهوتًا نظريًا، بل تتحول إلى نموذج يُحتذى به، فتصبح الرحمة فضيلة والعدل واجبًا وصون الكرامة الإنسانية التزامًا أخلاقيًا.
وعلى العكس، إذا أُعيد تشكيل صورة الإله في الخيال الجمعي بوصفه منتقمًا، إقصائيًا، لا يرى في الآخر إلا خصمًا، فإن هذا التصور يغدو تربة خصبة لتبرير القسوة ... العنف والاستعلاء.
ليست المشكلة وفق هذا الفهم، في وجود التدين أو غيابه، بل في طبيعة التدين:
هل هو تدين أخلاقي يرتقي بالإنسان، أم تدين شكلي يوظف المقدس لتبرير الأهواء والصراعات؟!
فالإيمان حين يُفرغ من بُعده الأخلاقي يتحول إلى أداة لفرض هوية مغلقة، لا إلى قوة تهذيب روحي.
عند النظر في العلاقة بين العقيدة والسلوك الاجتماعي يتضح أن السلوك الجمعي لا ينشأ من النصوص وحدها، بل من تفسير النصوص ومن البنية الثقافية التي تحتضنها.
هنا تظهر خطورة الصورة التي يحملها الإنسان عن الإله، لأنها تشبه العدسة التي ينظر من خلالها إلى التعاليم الدينية.
فإذا كانت هذه العدسة مليئة بالخوف والكراهية، فسيفهم النص بطريقة تولد الخوف والكراهية.
أما إذا كانت مليئة بالتعاطف والعدالة، فسيرى في النص ما يعزز التعاطف والعدالة.
لهذا يمكن القول إن الدين في الواقع الاجتماعي هو حصيلة التفاعل بين النص ... التفسير والضمير الأخلاقي للجماعة.
عندما يسود العنف باسم المقدس، فإن ذلك يكشف خللًا في هذا التفاعل، إذ يُعاد تشكيل الإله على صورة الغضب البشري وتلبس النزعات البشرية صبغة ولباسًا سماويًا.
إذا انتقلنا إلى مفهوم القداسة، فإنها في جوهرها يُفترض أن تكون قوة ارتقاء تمنح القيم وزنًا يتجاوز المصلحة الآنية وتربط السلوك الإنساني بمعنى أعلى.
غير أن القداسة، حين تختطفها أيديولوجيات ضيقة، تتحول إلى درع يحمي الانحطاط الأخلاقي من النقد، لأن ما يُنسب إلى الإله يُمنح حصانة مطلقة.
وعند هذه النقطة لا يعود العنف انحرافًا عن الدين في وعي ممارسيه، بل يصبح طاعة ولا يعود الظلم ظلمًا، بل تنفيذًا للإرادة الإلهية كما يتخيلونها.
هنا تظهر المفارقة المأساوية حين يُستدعى الإله لتبرير ما يناقض أسمى المعاني التي يُفترض أن يمثلها.
إذا كان الإله في الفهم الفلسفي والأخلاقي هو الكمال المطلق، فإن أقرب طريق للاقتراب من هذا الكمال هو الارتقاء الأخلاقي وتوسيع دائرة التعاطف وتعميق معنى العدالة وصون حرمة الإنسان لكونه إنسانًا.
ومن ثم فإن أي تصور ديني يقود إلى تحقير الإنسان، أو إهدار حياته، أو كرامته، يكشف عن خلل في التصور ولا يمكن اعتباره سموًا في التدين.
بهذا المعنى يصبح السؤال الأخلاقي معيارًا نقديًا للتدين: هل يقود الإيمان إلى مزيد من الإنسانية، أم إلى مزيد من القسوة؟!
والجواب هو: حين يرتقي بالإنسان يمكن القول إن صورة الإله في وعيه صورة منقاة من الأهواء وحين ينحدر به فثمة إله متخيل صيغ على مقاس الأهواء والرغبات والصراعات البشرية.
من كل ما سبق نستنتج أن سلوك أتباع أي عقيدة ليس برهانًا على حقيقة الإله في ذاته، لكنه مؤشر بالغ الدلالة على الصورة التي يحملونها عنه.
هذه الصورة، حين تتشكل في الوعي الجمعي، تصبح قوة أخلاقية فاعلة، إما أن تبني إنسانًا أكثر عدلًا ورحمة، أو تنتج مجتمعًا يبرر العنف باسم السماء.
من هنا تبرز المسؤولية الأخلاقية الكبرى للتأويل الديني وللتربية الروحية.
فتنقية صورة الإله في الضمير الإنساني ليست مسألة لاهوتية فحسب، بل شرط أساسي لسلام الإنسان مع أخيه الإنسان ولتحرير "الإله المقدس" من أن يكون غطاءً للانحطاط، وإعادته ليكون مصدرًا للسمو.



#خالد_الياس_رفو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأيزيديين بين التشويه والحقيقة
- سوريا بين الدم والذاكرة والأقليات تحت تهديد الوجود
- الحق بين سطوة الجهل وجرأة الوعي
- قلام تباع وأخرى تكتب للتاريخ
- تحالف القضية الأيزيدية من الأمل إلى واقع سياسي ملموس
- الهوية الأيزيدية استعادة الذاكرة الرافدينية بين الأسطورة وال ...
- الجذور التاريخية والهوية الرافدينية للشعب الأيزيدي
- معبد لالش النوراني روح وحضارة تتحدى الزمن
- لالش بين القداسة والصفقات
- التطرف الديني.. طاعون العصر الذي يحصد الأبرياء
- إحدى عشرة سنة من الصمت...
- جرائم متكررة بحق الأقليات ... كنيسة مار إلياس جرس إنذار للعا ...
- إزالة تمثال الراوندوزي.. أول خطوة نحو التعايش الحقيقي
- مؤتمر الحوار الإيزيدي - الإيزيدي و الاصلاح
- مصير الأيزيديين بين الاعتراف بالإبادة وخطر الترحيل
- الإبادة مستمرة ماذا فعل قادتنا؟-
- القضية الإيزيدية وموقف المؤسسات العراقية (التشريعية، التنفيذ ...
- مجلس النواب العراقي وتقسيم الغنائم
- زيارة دمشق وتناقضات العدالة
- قانون الإبادة الجماعية الإيزيدية - خطوة ضرورية لتحقيق العدال ...


المزيد.....




- مدينة بأكملها تحت الأرض في كندا.. سكان تورونتو يهربون إليها ...
- مذيعة CNN تضغط على مستشار نتنياهو بشأن مزاعم أن -خطأ- إيراني ...
- سريلانكا تعلن مقتل ما لا يقل عن 80 بحاراً إيرانياً بضربة أمر ...
- المساعدة السكنية في فرنسا: معاقبة الطلاب غير الأوروبيين بحجة ...
- اليوم السادس للحرب: إيران تنفي تسلل مسلحين.. والقصف الإسرائي ...
- في المكتب البيضاوي.. ترامب يشتم ويهدد إسبانيا وميرتس يستمع! ...
- عاجل | عراقجي: الولايات المتحدة ارتكبت فظاعة في البحر بهجومه ...
- ديان كروغر بفستان ذهبي يحاكي الهندسة المعمارية في متحف اللوف ...
- مصور يوثق -مجرّة- في قلب الشعاب المرجانية بمياه إندونيسيا
- -لا أحد يريد القتال لصالح إسرائيل-.. متظاهر يُقاطع جلسة استم ...


المزيد.....

- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - حين تعكس أخلاقُنا صورةَ الإله الذي نعبده