شينوار ابراهيم
الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 03:25
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تصرّ كثير من الحكومات العربية والإسلامية على تكرار العبارة نفسها: تنظيم داعش لا يمثل الإسلام. صحيح من حيث المبدأ، لكن هذا مجرد شعار فارغ إذا لم يُترجم إلى إصلاحات فعلية تعالج جذور الظاهرة، لا مظاهرها فقط.
السؤال الحقيقي ليس لماذا ظهرت داعش، بل لماذا كانت الأرض خصبة لها منذ البداية. التنظيم لم يسقط من السماء... ولم يظهر فجأة من فراغ. بل نشأ في بيئات مزقتها الحروب الأهلية... وأضعفتها دول هشة وتركت منابر الكراهية والطائفية تنتشر لعقود دون مساءلة.
الحقيقة التي يغض الكثيرون الطرف عنها أن الحرب العسكرية على التنظيمات المتطرفة ضرورية لكنها غير كافية. السلاح قادر على تدمير الجماعات المسلحة، لكنه عاجز عن قتل الأفكار التي أنتجتها. الأفكار المتطرفة تعيش في الكتب... في المنابر... في المناهج وفي الخطاب الذي يقسم البشر إلى مؤمن وكافر... أو تابع وعدو.
لم تعتمد داعش على السلاح فقط، بل صممت استراتيجية نفسية دقيقة تستهدف الشباب. لقد استغلت الإحباط ... الغضب والشعور بالظلم ... وزرعت في عقولهم أوهامًا دينية مشوّهة، تصوّر الموت على أنه طريق مباشر للجنة... وتصوّر القتل كرسالة مقدسة، مع وعد بالحور والنعيم الأبدي. هؤلاء الشباب، الباحثون عن معنى لحياتهم أو شعور بالقيمة، يجدون في هذا التضليل ملاذًا كاذبًا، تتحول فيه الإيمان إلى أداة قتل والدين إلى مشروع موت.
الأخطر أن بعض الأنظمة تخشى مواجهة الخطاب الديني المتشدد أكثر من خشيتها من التنظيمات المسلحة نفسها. إصلاح الخطاب الحقيقي يعني طرح أسئلة محرجة: من يفسر الدين؟ من يستخدمه لتثبيت السلطة؟ ولماذا يُسمح بخطاب الكراهية طالما يخدم توازنات سياسية؟
ولا يمكن تجاهل أن الظلم ... الفساد والقمع يشكلون الوقود الأساسي للتطرف. الإنسان الذي يُحرم من كرامته ويُغلق في وجهه باب العدالة، يصبح عرضة لتصديق أي خطاب يقدّم له شعورًا بالانتماء والبطولة، حتى لو كان طريقه مليئًا بالدم.
القضاء الحقيقي على داعش يبدأ قبل المعركة العسكرية، في المدارس... في الإعلام ... في المساجد وفي المحاكم. يبدأ عندما تصبح العدالة اليومية حقيقة، لا شعارًا ويُحاسب دعاة الكراهية بنفس صرامة محاسبة العنف المسلح.
الخلاصة صادمة:
داعش ليست مجرد تنظيم مسلح، بل مشروع تضليل فكري كامل، يعكس فشلًا سياسيًا وفكريًا عميقًا. وما لم يتم كسر هذه الحلقة، فإن سقوط تنظيم واحد لن يعني نهاية التطرف، بل مجرد انتظار لظهوره من جديد باسم آخر، وبعنف أشد.
#شينوار_ابراهيم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟