عادل محمود
محامِ مصري
(Adel Mahmoud)
الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 09:52
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
عقد مؤتمر لاهاي الأول عام 1899، ثم الثاني عام 1907 لوضع قواعد "إنسانية" للحرب. في العام ذاته، كانت القوات البريطانية تحرق قرى جنوب أفريقيا وتحشر النساء والأطفال في معسكرات احتجاز حتى مات في هذه المعسكرات نحو 28 ألفا من البوير، إضافة إلى ما يقارب 20 ألف أفريقي أسود، غالبيتهم من الأطفال الذين فتكت بهم الأمراض والجوع. المؤتمر واصل أعماله، والمعسكرات واصلت وظيفتها. التناقض لم يزعج أحدا بما يكفي للإفصاح عنه بصوت عال.
هذا المقال لا يدين الغرب بوصفه كتلة متجانسة من الشر، فذلك تبسيط يعيد إنتاج المنطق ذاته الذي يفكّكه. ما يفعله هو شيء أصعب: يسأل كيف يمكن لمنظومة حضارية أنتجت حقوق الإنسان، أن تنتج في الوقت نفسه أوشفيتز وهيروشيما وفيتنام وغزة؟ وهل هذا تناقض يكشف فشل الحضارة، أم هو بنيتها العميقة التي تعمل بانتظام؟
يحب الخطاب الغربي الرسمي تقديم جرائمه التاريخية بوصفها انحرافات عن المسار، أخطاء علمت الدروس، حوادث تجاوزها التطور الأخلاقي. الأدلة التاريخية لا تسند هذه الرواية.
الاستعمار لم يكن مغامرة تجارية ذهبت بعيدا عن الخطة. كان مشروعا منظما بإدارات متخصصة، وشركات مساهمة ومدرجة في البورصات، وأكاديميين يقدمون الأطر المعرفية التي تبرر الاحتلال. الأنثروبولوجيا نشأت شريكة للاستعمار لا ناقدة له. دراسة الأجناس البشرية في القرن التاسع عشر كانت في معظمها مشروعا علميا لتصنيف الشعوب تصنيفا هرميا يحدد من يستحق الحكم الذاتي ومن يحتاج "الوصاية".
الأرقام لا تقبل الجدل: قدر عدد ضحايا الإبادة الجماعية للسكان الأصليين في الأمريكتين بما يتراوح بين 50 و100 مليون شخص بحسب دراسات ديموغرافية موثقة، منها دراسة نشرها ديفيد ستانارد في كتابه "الهولوكوست الأمريكي" عام 1992. تجارة الرقيق عبر الأطلسي نقلت ما يزيد على 12 مليون أفريقي قسرا بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر. المجاعة البنغالية عام 1943 قتلت ثلاثة ملايين شخص في ظل إدارة بريطانية رفضت توجيه الإمدادات الغذائية إلى المنطقة، وهو ما وثقته دراسات المؤرخ مادهوسري موخيرجي بالوثائق الأرشيفية البريطانية ذاتها.
ما يميز هذه الجرائم عن همجيات تاريخية أخرى ليس فداحتها فحسب، بل نوع الهياكل التي رافقتها: برلمانات، وصحف، وجامعات، وكنائس، ومحاكم. الهمجية هنا لم تحدث رغم المؤسسات، بل في بعض الأحيان بسببها ومن خلالها.
يعمل الغرب بمنطق قانوني مزدوج يطبق بدقة في الداخل ويعلق بسهولة في الخارج. هذا التمييز ليس انتهازية عارضة، بل بنية نظرية وصفها الفيلسوف الإيطالي جورجيو أجامبين في مفهوم "حالة الاستثناء": القانون يتضمن داخله آلية لتعليق نفسه حين تقرر السلطة أن الأمن يقتضي ذلك.
التطبيق العملي حاضر في كل مرحلة: القانون الدولي الإنساني يطبق بصرامة على الخصوم ويفسر بمرونة حين يتعلق الأمر بالحلفاء أو القوى الغربية ذاتها. محكمة الجنايات الدولية وجهت اتهامات لقادة أفارقة وأوروبيين شرقيين وعرب، ولم تجر تحقيقا جديا واحدا في قصف مستشفيات أفغانستان أو العراق من قبل التحالفات الغربية. البرازيلي رافائيل بروتشي، المسؤول السابق في المحكمة، أقر عام 2021 بأن نظام الاتهام يخضع لاعتبارات سياسية واضحة.
غوانتانامو هو النموذج الأكثر صراحة: معسكر احتجاز أنشأته أكبر ديمقراطية في العالم خارج أراضيها تحديدا لتجنب تطبيق قانونها عليه. المعتقلون فيه لا يخضعون للقانون العسكري ولا للقانون المدني. الجسد محتجز والقانون معلق. الوصف الذي كتبه كاتب بلا مبالغة.
الطيران الحربي غير معادلة الهمجية ليس في حجمها بل في شعور الفاعل بها. قبل الطائرات، كان الجندي يرى وجه من يقتله. الطائرة رفعت المسافة الجغرافية وخفضت الكلفة النفسية. الطائرة بدون طيار أضافت مسافة إضافية: قائد الطائرة في نيفادا يطلق صاروخا على هدف في اليمن ثم يذهب لتناول الغداء مع عائلته.
دراسة نشرتها مجلة ستانفورد للقانون الدولي عام 2012، استقصت الضربات الأمريكية بالطائرات المسيرة في باكستان بين 2004 و2012، ووجدت أن الضربات أودت بحياة ما بين 474 و881 مدنيا، مع نسبة خطأ في تحديد الهدف وصلت في حالات موثقة إلى حضور جنازات أو تجمعات عائلية. التكنولوجيا لم تقلل الأذى الإنساني، رفعت فقط الكفاءة في الإنكار.
الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة ثالثة من المسافة: بعض منظومات الاستهداف في حروب مستمرة تعمل بقرارات تستند جزئيا إلى خوارزميات. حين يقتل مدنيون، يصبح توزيع المسؤولية الأخلاقية بين المبرمج والقائد والخوارزمية والسياسي فلسفة بلا عواقب عملية.
صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كلاهما مؤسستان غربيتا المنشأ والسيطرة إلى حد كبير، فرضا على دول الجنوب العالمي ما عرف بـ"برامج التكيف الهيكلي" بين ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. مضمون البرامج: خصخصة الخدمات العامة، وخفض دعم الغذاء والدواء، وتحرير أسعار السلع الأساسية، مقابل الحصول على قروض إنقاذ طارئة. النتائج الموثقة في أجزاء من أفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية: ارتفاع حاد في وفيات الأطفال، وانهيار أنظمة التعليم والصحة، وتعمق الفجوة بين الفقراء والأغنياء.
المفارقة المنظمة: الدول ذاتها التي نصحت بهذه البرامج طبقت في داخلها نقيضها تماما. الولايات المتحدة ضخت في نظامها المصرفي عام 2008 أكثر من 700 مليار دولار دعما حكوميا مباشرا. أوروبا تبقي دعمها الزراعي الضخم قائما عبر السياسة الزراعية المشتركة، بينما تضغط على دول أفريقية لإلغاء دعمها الزراعي المحدود.
"فيتنام 1965-1975" أسقطت الولايات المتحدة على فيتنام وكمبوديا ولاوس ما يزيد على سبعة ملايين طن من القنابل، أي أكثر مما استخدم في الحرب العالمية الثانية بأسرها. برنامج "العامل البرتقالي" رش 72 مليون لتر من مبيدات التشويه الوراثي على أراض زراعية وغابات. الأطفال الذين يولدون حتى اليوم بتشوهات خلقية في المناطق المتضررة يحمل جسدهم أثر قرار اتّخذه مسؤولون رحلوا منذ عقود. الرئيس نيكسون وكيسنجر أصدرا أوامر القصف السري لكمبوديا دون علم الكونغرس، مما أسهم في زعزعة الاستقرار الذي مهّد لوصول الخمير الحمر. الهمجية هنا لم تكن فشل تخطيط، كانت القرار ذاته.
"العراق 2003" غزو مبني على معلومات استخباراتية، ثبت لاحقا أن كبار المسؤولين كانوا يعرفون عدم صحتها. وزير الخارجية كولن باول عرض في مجلس الأمن صور أقمار صناعية وصفها لاحقا بأنها "وصمة عار" في سيرته المهنية. الحرب قتلت ما بين 100,000 وأكثر من 600,000 مدني بحسب الدراسات المختلفة، أبرزها دراسة نشرتها مجلة لانسيت عام 2006. منظومة الدولة انهارت بقرار متعجل حل الجيش والأجهزة الأمنية دفعة واحدة، وهو ما خلق الفراغ الذي ملأه تنظيم داعش لاحقا. البنية التحتية للتطرف لم تكن موجودة قبل الغزو، خلقت بعده من بقايا دولة مفككة.
"غزة 2023-2024" وثقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان وعشرات المنظمات المستقلة مجازر منهجية استهدفت مستشفيات ومدارس ومنظمات إغاثة. ما يضيفه السياق الغربي إلى هذه الصورة هو الدعم المستمر: الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول أوروبية مستمرة في توريد الأسلحة وتقديم الغطاء الدبلوماسي في مجلس الأمن خلال الفترة التي توثق فيها هذه الانتهاكات. النص القانوني لاتفاقية الإبادة الجماعية يلزم الموقعين عليها بالتدخل لمنع الإبادة، لا بتسليح أطراف يجري التحقيق فيها. معظم الدول الغربية وقعت الاتفاقية. مسافة التناقض هنا قابلة للقياس بكيلومترات الأسلحة المشحونة.
الهمجية لا تتوقف عند الحدود. المنطق ذاته الذي يبرر التعذيب في غوانتانامو يجد طريقه داخل السجون الأمريكية. الولايات المتحدة تحتجز 2.3 مليون شخص، أعلى نسبة سجناء في العالم، وتشغل نظام سجون خاصة تربح من استمرار العقوبة لا من إعادة التأهيل. العقوبات الأشد قسوة تقع باستمرار على السكان السود والهسبانيين، وهو ما وثقه التقرير الأمريكي للحقوق المدنية مرارا.
في أوروبا، تموت سنويا في البحر المتوسط آلاف الأشخاص يحاولون الوصول إلى القارة. وكالة فرونتكس، المكلفة بحراسة الحدود الأوروبية، واجهت تحقيقات موثقة بشأن عمليات "دفع" قوارب اللاجئين عكسا إلى المياه الليبية حيث تنتظرهم مراكز احتجاز وصفت في تقارير أممية بأنها تحتوي على مستويات تعذيب واستعباد. أوروبا التي ترفع شعارات حقوق الإنسان تدفع جزءا من الثمن لحكومة ليبية للاحتفاظ بالمهاجرين خارج أراضيها.
إغراء تفسير كل ما سبق بـ"النفاق" كبير ومريح، لكنه يقصر عن التشخيص الدقيق. النفاق يفترض أن صاحبه يعرف الصواب ويفعل العكس طوعا وهو واع بالتناقض. ما تظهره الدراسة التاريخية أعقد: كثير من منفذي الجرائم الكبرى كانوا يؤمنون بأنهم يمارسون الفضيلة. المسؤولون الاستعماريون كانوا مقتنعين بمنطق "عبء الرجل الأبيض". مخططو غزو العراق كانوا يتحدثون عن "الديمقراطية" بجدية يصعب تزويرها بالكامل.
المشكلة أعمق: البنية المعرفية الغربية بنت فئات أخلاقية متفاوتة الكثافة. الألم الأوروبي موثق بأسماء وتواريخ، ألم الشعوب الأخرى كثيرا ما يوصف بالإحصاء. ضحايا المحرقة أفراد معرفون في المتاحف والروايات والأفلام، ضحايا كونغو الملك ليوبولد الثاني يذكرون بالمليون: ثمانية ملايين، عشرة ملايين. الرقم الكبير يشل التعاطف الذي ينشطه الاسم المفرد.
عالمة الاجتماع أرلي هوكشيلد وصفت هذه الظاهرة في إطار مختلف بمفهوم "قواعد الشعور"، أي أن المجتمعات تعلم أفرادها من يستحق منهم الحزن ومن لا يستحق. هذه القواعد ليست فردية، بل هي منتج مؤسسي: الإعلام، والمناهج التعليمية، والذاكرة الوطنية المنتقاة.
الغرب لا ينتج همجيته رغم حضارته، بل ينتجها جزئيا من أدواتها: من البيروقراطية التي توزع المسؤولية حتى لا يشعر أحد بها كاملة، ومن التكنولوجيا التي ترفع كفاءة الإيذاء وتخفض كلفته النفسية، ومن القانون الذي يتقن حماية نفسه من نفسه.
هذا ما جعل مفكرا من أصول مارتينيكية، هو إيميه سيزير، يكتب عام 1950 في كتابه "خطاب عن الاستعمار" أن ما أزعج الأوروبيين في النازية لم يكن الجريمة في حد ذاتها، بل أنها طبقت على أوروبيين، وأن أساليبها كانت مستخدمة قبلها في المستعمرات دون أن يصدر أحد عنها بيانات استنكار مماثلة.
الغرب أنتج أجمل ما في الحداثة وأكثرها رحمة: الطب الحديث، والديمقراطية التشاركية، والحقوق المدنية، وفلسفة التنوير. هذا حقيقي ولا يختزل. لكنه أنتج أيضا، بالأدوات ذاتها أحيانا وبالأشخاص ذاتهم في أحيان أخرى، ماكينات إبادة منظمة، وأُطرا قانونية تبرر الاحتلال، وإعلاما يعلم القارئ من يستحق بكاءه.
المشكلة أن الغرب طور قدرة نقد ذاتية حقيقية، موجودة في كتبه وجامعاته ومحاكمه، لكنه حتى الآن لم يوصل هذه القدرة النقدية بشكل منهجي إلى سياساته الخارجية. النقد الذاتي ظل أكاديميا ترفيا في معظمه، لا يغير من قرارات الاستثمار في أسلحة، ولا من تصويت في مجلس أمن، ولا من تمرير صفقة تجارية.
التحدي الحقيقي أمام الغرب اليوم هو ما كان دائما: أن يطبق على نفسه المعايير التي يصدرها. لا بوصفها فضيلة، بل بوصفها اتساقا. أن يسمح للمحاكم الدولية بالعمل بمعزل عن حسابات التحالفات. أن يعترف بأن التاريخ لا يبدأ من النقطة المريحة. أن يقرأ الأرقام الكبيرة بالحساسية ذاتها التي يقرأ بها الأسماء الفردية.
الحضارة التي لا ترى كل نفسها ليست حضارة مكتملة. الغرب أعطى العالم أدوات رؤية استثنائية، المهمة الباقية هي أن يستخدمها على نفسه بالشجاعة الكافية وبالعواقب السياسية الكافية، لا في الكتب والمحاضرات وحسب.
هذا ليس حكما ختاميا على الغرب. هو وصف للمسافة بين ما يدعيه وما يفعله، وهي مسافة قابلة للقياس، وتستحق القياس، لأن في قياسها إمكانية تضيقها.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟