عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 09:04
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أكاد أجزم أن فينا نحن العرب مشكلة، تخصنا وحدنا دون بني البشر. لا أزعم أن بمقدوري سبر غور هذه المشكلة، لكن تجلياتها أفقع من أن تكون موضع جدل أو خلاف. أنماط تفكيرنا ما تزال في الغالب الأعم مطبوعة بعقلية بدو الصحراء، أحادية النظرة. من هنا، فإن ثقافتنا لا تقبل الرأي المختلف، وتضيق ذرعًا بالاجتهاد خارج السرب !
ولعل من أسوأ تبديات ذلك في وعينا الجمعي المُوجِّه لسلوكاتنا، القابلية للانقسام والتخندق على أرضية وهم امتلاك الحقيقة المُطْلَقَة وصولًا إلى تخريب أوطاننا بأيدينا، كما حصل بالفعل في العديد من دولنا خلال العقدين الأخيرين. الحوار والتفاهم على القواسم المشتركة ليس جزءًا من ثقافتنا، والاقصاء إلى حد الإلغاء ملازم لممارستنا السياسة. أما استمراء "بعضنا" التحالف مع ألد أعداء أمتهم، فهذا بحاجة إلى مقاربات عِلم النفس التحليلي الفرويدي لتفكيك ألغازه.
لاحِظوا كيف تماسك الإيرانيون رُغم المباغتة، وتخطيهم بسلاسة نتائج الصدمة وأولها استهداف رأس السلطة وثمانية وأربعين مسؤولًا من مختلف المستويات. بينما في المقابل، نتذكر كيف انقسم أشقاؤنا العراقيون شذر مذر على أسس اثنية وقبلية وعشائرية ومذهبية، عندما تعرض وطنهم إلى تحدٍّ مصيري في آذار 2003. هذا مع العلم، أن إطار التنوع الاثني والمذهبي والطائفي في ايران أوسع بكثير مما في العراق.
دخل معتوه البيت الأبيض مغامرة العدوان على ايران بعقلية الكاوبوي، المنتشي بغطرسة ما فعل في فنزويلا، ولسان حاله يهذي: وما الضير في تكرار المحاولة؟
ليكن مساء اليوم الخاتم لشهر شباط ليلة فنزويلية تتكرر في طهران، نحقق ما نريد بضربات خاطفة، ثم نقرع كؤوس الاحتفاء بانتصارات رامبو الأميركي الذي لا يُقهر.
لكن العتمة فاجأت الحرامي الصهيوأميركي بما لم يكن في الحسبان. كان الهدف بناء على ما فعل الأميركي وذَنَبه الصهيوني، تصفية القيادة السياسية والعسكرية خلال سويعات، وتدمير مراكز القيادة والسيطرة، فتعم الفوضى وتتهيأ الأوضاع ليأتوا بدمية يُجلسونه على كرسي الحكم في طهران. لكن قُصر نظر الأميركي، وربما غباؤه، أعطيا نتائج عكسية.
بدل أن ينقض الايرانيون على النظام ويسقطوه ويضطر من بقي من رموزه على قيد الحياة للاختباء، حصل العكس. فقد التف الناس حول النظام، بما فيهم مبغضوه، كما تؤكد وسائل اعلام رصينة. وفي هذا دليل على أن العقلية الأميركية استسلمت لعنجهية القوة وعجرفتها، إلى حد أنها لم تعد تفهم معنى أن هناك شعوبًا عندها كرامة واحترام لذاتها. شعوب لديها ما تعتد به، أقله من زاوية أن جذورها في التاريخ ضاربة الأعماق منذ ثلاثة آلاف عام مقابل نشأة أميركا على جثث ملايين الهنود الحمر قبل 290 سنة. إذن، الهدف الرئيس وهو اسقاط النظام أخفق.
الهدف الثاني، تدمير البرنامج الصاروخي الإيراني. على هذا الصعيد، فاجأ الايرانيون الصهيوأميركي المتغطرس والعالم في سرعة الرد واتساع نطاقه، وقد شمل الكيان الشاذ اللقيط من شماله إلى جنوبه والقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة. وبدأت ايران تستخدم صواريخ انشطارية حديثة للمرة الأولى، أحدها كلَّف الكيان خسائر كثيرة بالأرواح والمباني كما حصل في موقع يسمونه بلغتهم الشاذة اللقيطة مثلهم "بيت شيمش". وهناك تأكيدات أن الايرانيين لم يستخدموا أحدث ما في ترسانتهم الصاروخية بعد.
باختصار، صمود ايران في وجه آلة الحرب الأميركية هو بحد ذاته فوز. وما دامت الصواريخ تدك الكيان الشاذ اللقيط، إذن الهدف الثاني للعدوان أخفق الصهيوأميركي في تحقيقه أيضًا.
وما إن بدأ الدم الأميركي يسيل وطائرات الإف- 15 تسقط ولو بأيدٍ غير ايرانية، بدأ البرتقالي المعتوه يبحث عن مخارج. أول الأدلة، تصريحاته هو نفسه في اليوم الثاني بعد العدوان عن "استعداده للكلام" مع القيادة الايرانية الجديدة. ولا نرى قيادة في ايران حتى اللحظة غير وجوه جديدة في النظام نفسه. وهل من تفسير لاستعداد البرتقالي للكلام مع القيادة الجديدة، غير البحث عن مخرج من ورطة بدأت ملامحها ترتسم في الأفق؟!
وكيف نفسر توسلاته للحرس الثوري كي يلقي السلاح، ودعوته الشعب الايراني للانتفاض؟!
من جهتنا، لا نرى تفسيرًا لذلك سوى وجود لوثة في دماغ البرتقالي، تعمي بصره عن رؤية النتائج العكسية لتهوره وحساباته الخاطئة. لم ينتفض الايرانيون لاسقاط النظام، بل تماسكوا كما سبق القول، وتأبّت عليهم كرامتهم مساعدة الصهيوأميركي في تحقيق أهدافه بتدمير وطنهم واسقاط دولتهم وتفكيك مؤسساتها، كما فعل غيرهم للأسى والأسف!
مقول القول، العدوان أخفق في تحقيق أهدافه والحرب تستعر. هنا، يفرض نفسه السؤال الأهم: ما السيناريوهات المتوقعة؟
السيناريو الأول، اطالة أمد الحرب، من منطلق ان أميركا لا تتهاون في استهداف قواعدها على هذا النحو. والكيان الشاذ اللقيط يجدها فرصة قد لا تتكرر، للتخلص مما يراه خطرًا وجوديًّا مهما كان الثمن. هذا السيناريو مفتوح على أكثر من احتمال، أخطرها اضطراب المنطقة وانتشار الفوضى في أرجائها. والخاسر الأول العرب طبعًا، كنتيجة لا يُتوقع سواها لقصر نظر أنظمتهم وحصر خياراتها باستمراء الجلوس في الحضن الأميركي.
السيناريو الثاني، تحول المواجهة إلى حرب استنزاف لأميركا قد تطول أيضًا مع كل ما يترتب على ذلك من تحولات في غير صالح راعي البقر الأميركي وذَنَبه الصهيوني. هذا السيناريو مشروط بأمرين، الأول، استمرار صمود الإيرانيين وتماسكهم. والثاني، دخول قوى دولية كبرى لها مصلحة بتوريط أميركا وانهاكها على خط المواجهة، ومد الإيرانيين بتكنولوجيا متقدمة تؤذي الصهيوأميركي. وأكثر ما يؤذيه ويفرض عليه إعادة حساباته، أن يسيل دمه وأن تنقص الدولارات في جيبه.
الشرط الأول لهذا السيناريو متوفر حتى الآن، فيما الثاني ما يزال قيد الاحتمال.
عدد من الأنظمة العربية في هذه الحالة، ستجد في انهاك "حليفها" وحاميها الصهيوأميركي خطرًا يهدد كراسيها. ولن تتردد بتسديد الفواتير المطلوبة، على حساب شعوبنا المقهورة والمغلوبة على أمرها.
السيناريو الثالث، وقف اطلاق النار فجأة وهو غير مستبعد بوجود رئيس أميركي نرجسي متقلب المزاج لا يمكن التنبؤ بقراراته وتصرفاته، كما أثبت علماء نفس أميركيون بأدلة قاطعة. وليس يفوتنا التذكير بأن العدوان على ايران يُواجَه بمعارضة داخلية أميركية رموزها شخصيات وازنة واعضاء كونغرس في الحزبين، الجمهوري والديمقراطي. ولا ننسى أيضًا انخفاض شعبية البرتقالي إلى 36%، وهي النسبة الأدنى منذ عودته إلى البيت الأبيض. هذا السيناريو مشروط بشكل رئيس، بقدرة ايران على إيذاء الكيان الشاذ اللقيط بضربات صاروخية موجعة.
لهذه الأسباب وغيرها مصحوبة بصمود ايران، فقد يشعر البرتقالي قصير النَّفَس بلا جدوى الاستمرار بالعدوان، فيضطر إلى التفاوض مع الايرانيين بشروطهم ويخرج بنو قومي بسواد الوجه!
يعزز هذه السيناريوهات حقيقة أن القوة دائمًا لها حدود، ونرجح أن دوائر القرار في الولايات المتحدة لا يمكن أن تفكر باحتلال دولة مساحتها مليون و600 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانها 93 مليون بني آدم. ببساطة، هذا خيار جنوني أقرب إلى الانتحار.
في السيناريوهات كلها، العرب في أوضاعهم القائمة خاسرون ولا يتوقع أصلًا غير خسارتهم. العرب يدفعون أثمان اخفاقاتهم في بناء دول حديثة يُسأل الحاكم فيها عمَّا يفعل. الضعف لم يسقط على العرب من السماء، رافده الرئيس الاستبداد سبب الشرور كلها. والاستبداد ليس منبت الجذور، بل يمتح من ثقافتنا المأزومة. لن تقوم للعرب قائمة ما داموا يرزحون تحت نير التسلط والاستبداد، وقِبْلة حكامهم واشنطن.
أسوأ السيناريوهات للعرب هزيمة إيران، وانزلاقها إلى صراعات مسلحة داخلية. وليت بعضنا يتأمل تعبير "زئير الأسد"، الاستعارة المُتَّخَذَة من الصهيوأميركي مُسَمَىً لعدوانه بما تحمله من دلالات الصياد والفريسة. دلالات تحيل إلى ما لا يخفونه، وهو إعادة رسم خرائط منطقتنا على مقاسات مصالحهم، بعد نشر الفوضى فيها وانهاكها بحيث لا تقوى على المقاومة وتستسلم لما يخططون له.
#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟