أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - من هندسة الضبط إلى هندسة الشراكة من خلال التحول الخطابي في اتفاقيات المياه بين تركيا والعراق في حوضي نهر دجلة ونهر الفرات.؟














المزيد.....

من هندسة الضبط إلى هندسة الشراكة من خلال التحول الخطابي في اتفاقيات المياه بين تركيا والعراق في حوضي نهر دجلة ونهر الفرات.؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 16:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تعد اتفاقيات المياه الدولية العابرة للحدود مجرد نصوص قانونية لتنظيم التدفقات المائية، بل تحوّلت إلى فضاءات خطابية تُعيد تشكيل الهويات، وتُعيد تعريف المصالح، وتُنتج توازنات القوة بين الدول. وفي حالة تركيا والعراق، تكشف القراءة الخطابية المتعاقبة للاتفاقيات الثنائية منذ 1946 حتى 2024 عن تحوّل عميق من مقاربة هندسية تقنية تركز على الضبط والسيطرة، إلى خطاب تنموي–اقتصادي يُؤطّر المياه ضمن منطق الشراكة والاستثمار والترابط الجيوسياسي. إن تحليل الخطاب هنا لا يسأل هل نُفّذت الاتفاقيات؟ بل كيف صاغت هذه الاتفاقيات شروط إمكانية التعاون؟ وكيف بنت صورة “الذات” و” الآخر”؟ وما الذي جعل أنماطًا معينة من التعاون ممكنة ومشروعة؟
اتفاقية العام 1946 – كانت المياه كمسألة ضبط هندسي وسيادة جغرافية وشكّلت معاهدة الصداقة وحسن الجوار لعام 1946 نقطة الانطلاق الرسمية للعلاقة المائية الثنائية. الخطاب السائد آنذاك كان خطاب “المهمة الهيدروليكية”؛ حيث تُختزل المياه في كونها موردًا يجب تنظيمه تقنيًا لتفادي الفيضانات وتحقيق الري. ان السمات الخطابية المركزية كان التركيز على “الضبط”، “الصيانة”، “محطات الرصد”. مع غياب شبه كامل لمفاهيم التنمية المستدامة أو العدالة أو البيئة. وتموضع جغرافي واضح حيث تركيا كدولة منبع تملك المجال المكاني، والعراق كدولة مصب ذات مصلحة وجودية في انتظام التدفق. في هذا السياق، تُبنى “الذات” التركية بوصفها دولة جارة تُتيح الوصول الجغرافي وتنفذ أعمال الصيانة، بينما يُصوّر العراق كفاعل تقني– مالي يرسل خبراء ويموّل مشاريع. العلاقة هنا تكاملية لكنها غير متوازنة مكانيًا، إذ تظل الجغرافيا هي المحدد المركزي للسلطة.
مع مذكرتي التفاهم لعامي 2009 و2014، يتبدّل الحقل الدلالي جذريًا. يرتفع تكرار مفهوم “التعاون” بصورة لافتة، وتظهر مفاهيم جديدة مثل الإدارة المستدامة للمياه، تحديث أنظمة الري، تبادل البيانات، تغير المناخ، الاستخدام الأمثل، ويتحوّل الخطاب من إدارة “العرض” (التحكم في التدفق) إلى إدارة “الطلب” (الكفاءة، التحديث، الاستخدام الرشيد).
أما التحول الأبرز فكان في العام 2024 وإدخال مبدأ “الإطلاق العادل والمعقول”، وهو تعبير يستدعي ضمنيًا مبادئ القانون الدولي للمجاري المائية، ويؤسس لخطاب إنصافي لم يكن حاضرًا صراحة في 2009.وتم إعادة تشكيل الأدوار حيث تركيا مزود للخبرة، ناقل للتكنولوجيا، فاعل تقني متقدم. بينما العراق شريك منفّذ، مستفيد من التحديث، طرف يسعى لتعزيز قدراته المؤسسية. الخطاب هنا يُعيد إنتاج علاقة تكامل “خبير–مستفيد”، لكنه يلبسه لباس “المساواة” و” المعاملة بالمثل”. هكذا يصبح التعاون ممكنًا ضمن افتراض مسبق بأن التنمية المشتركة هي المسار الطبيعي للعلاقة.
العام 2024 المياه دخلت معادلة النفط والاستثمار حيث يمثل الاتفاق الإطاري لعام 2024 قفزة نوعية في البناء الخطابي. فالماء لم يعد فقط موردًا بيئيًا أو تقنيًا، بل أصبح جزءًا من معادلة اقتصادية – استراتيجية أوسع. وظهرت مفاهيم جديدة بقوة منها الاستثمار، العلاقات الاقتصادية، المناقصات، التمويل، آلية النفط مقابل المشاريع. المادة المتعلقة بتمويل المشاريع عبر مشتريات النفط من العراق تُجسد خطاب “التبادلية الاقتصادية”: والنفط مقابل البنية التحتية المائية. وهنا يتم إعادة تعريف الهويات فدولة تركيا اصبحت مستثمر استراتيجي، فاعل إقليمي يمتلك التكنولوجيا. بينما العراق اخذ دور شريك تنموي، يعبّئ موارده النفطية لتأمين تحديث بنيته المائية.
في هذا الطور، تُبنى العلاقة ليس فقط على الجوار أو التعاون الفني، بل على الترابط البنيوي، أمن طاقة، مقابل أمن مائي. وهنا تم العمل على بناء “الذات” و” الآخر” – من الجار إلى الشريك المتكامل باستخدام أدوات تحليل الخطاب (الافتراض المسبق، الإسناد، تحديد الموقع العلائقي)، يمكن رصد التحولات التالية من حيث طبيعة العلاقة في المراحل المختلفة، ففي العام 1946 كانت طبيعة العلاقة تكامل جغرافي – تقني كون العراق دولة مصب تعتمد على تنظيم الجريان المائي، ولكن بين العام 2009-2014 أصبحت الشراكة تنموية - تقنية والعراق اصبح شريك تحديث وتنفيذ وموقع تركيا اصبح مزود للخبرة التكنولوجيا للعراق، وفي العام 2024 العلاقة بين العراق وتركيا اصبح بترابط اقتصادي – جيوسياسي والعراق اصبح شريك تنموي واقتصادي وتركيا اصبح المستثمر الاستراتيجي. المثير هنا أن الخطاب لا يُنتج ثنائية صراعية “منبع–مصب”، بل يُعيد صياغتها في قالب تكاملي. لا يظهر “الآخر” بوصفه تهديدًا، بل بوصفه مكملًا وظيفيًا. وهذا ما يظهر تغير الحالة من صراع محتمل إلى شراكة مُؤطَّرة رغم أن أدبيات “حروب المياه” توقعت لعقود صراعًا في حوض دجلة – الفرات، فإن النصوص الثنائية بين تركيا والعراق تُنتج خطابًا مختلفًا المياه مورد مشترك لا يمكن إدارته منفردًا. التعاون ليس خيارًا بل ضرورة مفترضة. التنمية المستدامة إطار معياري جامع. الاقتصاد أداة لتعميق الدبلوماسية المائية. بهذا المعنى، تتحول الاتفاقيات من أدوات تنظيم قانوني إلى أدوات “إنتاج واقع” فهي لا تعكس التعاون فقط، بل تُنشئ شروطه الرمزية والعملية.
اذن دبلوماسية المياه كإعادة هندسة للعلاقة الإقليمية تكشف القراءات الخطابية المتعاقبة لاتفاقيات المياه بين تركيا والعراق. أن الدبلوماسية المائية لم تعد تدور حول “تقاسم حصص”، بل حول إعادة تعريف العلاقة ذاتها في 1946، الماء موضوع ضبط هندسي. في 2009 و2014: الماء منصة شراكة تنموية. في 2024: الماء جزء من هندسة ترابط اقتصادي – استراتيجي. إن هذا التحول يعكس انتقالًا من “سياسة السيطرة على المورد” إلى “سياسة إدارة الترابط”. وهو مسار يُظهر كيف يمكن للاتفاقيات الثنائية، في الأحواض الحساسة سياسيًا، أن تتحول إلى أدوات خطابية تُعيد تشكيل السلطة والهوية والمصلحة، وتفتح أفقًا لدبلوماسية مياه أكثر شمولًا، قائمة على الشراكة لا على المواجهة. وفي سياق إقليمي يتسم بالهشاشة، تبقى اللغة – قبل التدفق – هي أول مجرى للمياه.



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق من فيض الحضارات إلى شحّ السياسات وبلد مهدد بالعجز الم ...
- العراق من الوفرة المائية التاريخية إلى نقص المياه والشحة الم ...
- أهمية استخدام المنهجية التحليلية NOISE في استشراف واقع القطا ...
- قراءة استراتيجية لمستقبل البلاد المائي
- أزمة المياه في العراق هل هي “فشل إدارة” أم “هندسة عطش”.؟
- نحو عقد اجتماعي مائي جديد في العراق.؟
- دول المنبع حولت مفهوم نهري دجلة والفرات من “موارد طبيعية” ال ...
- خارطة طريق لتعزيز الأمن المائي في العراق
- قد لا يقتل نهري دجلة والفرات بالجفاف… بل بخطاب العجز.؟
- العراق والمنعطف الهيدرولوجي الجديد يعيدُ هندسة النفوذ في حوض ...
- كيف يفقد العراق روح انهارها بجفاف مياهها قبل أن يفقد البلاد ...
- من تحالف مرونة المياه لعام 2026 في دافوس هل يمكن بناء مرونة ...
- إدارة موارد العراق المائية باستنساخ الطقوس بدل فهم الأسباب.؟
- من نُدرة المياه إلى نُدرة السيادة: العراق والاختلال البنيوي ...
- مقارنة تحليلية في دول الهشاشة السيادية والبيئية - العراق أنم ...
- أمطار لا تنقذ السيادة: لماذا لا يزال العراق غارقًا في أزمة م ...
- الإفلاس المائي في العراق: هل يقود إلى فتح بنوك المياه؟
- عندما تُدار المياه بلا مجتمع: كيف يُقصي العراق نصف خبرته في ...
- البيئة الإقليمية الجديدة… حين تتحول المياه إلى سلاح صامت.؟
- إفلاس بلا إعلان: كيف تكشف الفجوة المائية عن أزمة الدولة في ا ...


المزيد.....




- البيت الأبيض ينشر صورًا لترامب وفريق الأمن القومي خلال الضرب ...
- كيف اتُخذ القرار وأين يقف القانون؟ هجوم ترامب على إيران يثير ...
- شاهد.. هتافات واحتفالات في طهران عقب أنباء عن مقتل خامنئي
- ترامب يعلن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي
- بالدلائل العلمية.. فوائد الصيام وتأثيره الإيجابي على الجسم و ...
- ترامب يعلن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي
- 200 طائرة و500 هدف.. صور أقمار صناعية تكشف حجم الضربات داخل ...
- أيام الله.. في رحاب قِصار السور
- عاجل| أمير قطر يتلقى اتصالا من ترمب استعرضا فيه المستجدات ال ...
- الاتحاد الأوروبي يدين هجمات إيران ويعقد اجتماعا طارئا


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - من هندسة الضبط إلى هندسة الشراكة من خلال التحول الخطابي في اتفاقيات المياه بين تركيا والعراق في حوضي نهر دجلة ونهر الفرات.؟