|
|
اشتراكية الإنسان.. لا -رأسمالية الدولة- البيروقراطية
حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)
الحوار المتمدن-العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 02:03
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
رد على "هراء" اليمين المتطرف ومغالطات "تأريخ التوحش"
عندما يتحدث اليمين عن "توحش الأيديولوجيا"، فإنه يمارس نوعاً من الإسقاط النفسي الكبير، حيث يسعى لتحميل فكر هدفه الأساسي تحرير الإنسان أوزار النظام الرأسمالي العالمي وتاريخه الملطخ بالعنف والاستعمار والاستغلال. المقال المنشور في موقع "الحوار المتمدن" باسم (إيروس إيتيرنوس) وتحت عنوان "تأريخ التوحش الأيديولوجي: السيوف المسلولة باسم الرفاق ونفاق الأممية الحمراء"، لا يعدو كونه محاولة يائسة لخلق التباس وتشويش الرؤية بشأن مساعي الإنسانية نحو تحقيق العدالة. وذلك من خلال استحضار أمثلة لا تمت للاشتراكية بصلة، بل تتعلق بـ "رأسماليات دولتية" اتسمت بالوحشية.
العباقرة لا يخطئون البوصلة (أينشتاين والاشتراكية) يزعم التيار اليميني أن الاشتراكية مجرد "خديعة للبسطاء"، متجاهلاً حقيقة أن أبرز العقول في تاريخ البشرية تبنّت هذا الفكر ليس بدافع من "العاطفة"، بل انطلاقاً من "ضرورة إنسانية". في مقاله الشهير عام 1949 بعنوان "لماذا الاشتراكية؟"، أوضح العالم الكبير ألبرت أينشتاين أن "الفوضى الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي تشكل السبب الأساسي للمعاناة والشرور". لم يكن أينشتاين ينظر إلى الاشتراكية كمنظومة اقتصادية فحسب، بل اعتبرها السبيل الوحيد لتجاوز البشرية لما وصفه بـ "المرحلة المفترسة" من تطورها. كان يعتقد أن الرأسمالية تُقيّد الأفراد وتكبح إبداعهم لصالح تكديس الثروات، في حين أن الاشتراكية تحقق للإنسان شعوراً بكامل إنسانيته ومسؤوليته، وتمكنه من المساهمة في بناء مجتمع يحترم كرامته ويوفر له الحياة الكريمة من البداية إلى النهاية.
فرية "النظام الاشتراكي" في الصين والسوفييت الجريمة الكبرى التي يرتكبها كتاب اليمين وغالبية اليسار التقليدي هي إطلاق وصف الاشتراكية على الأنظمة الشمولية التي حكمت الاتحاد السوفيتي والصين وبلدان الكتلة الشرقية . الواقع التاريخي والمنهج الماركسي يتناقضان ويتنافسان مع هذا الوصف، فالنماذج التي سادت في تلك الدول لم تكن سوى رأسمالية دولة، حيث لم تُمارَس سلطة العمال، بل سيطرت "البيروقراطية" على وسائل الإنتاج وأدارتها بروح الشركات الكبرى. لقد تحولت الدولة إلى الرأسمالي الوحيد، بينما أصبح العامل مجرد أداة في آلة قمعية لا تختلف في جوهرها عن مصانع لندن أو نيويورك. الأوليغارشية الحالية تقدم دليلاً قاطعاً على زيف الادعاء بأن تلك الأنظمة كانت اشتراكية. فعند انهيار الغلاف السياسي، تحول قادة الحزب الشيوعي في روسيا والصين إلى نخبة رأسمالية مفرطة الثراء، مما يعكس بوضوح أن تلك الأنظمة لم تكن سوى رأسمالية مقنعة. هذا الانتقال غير المفاجئ يبرهن أن الأساس الذي استند إليه تفكيرهم كان دائماً تراكم رأس المال، وليس تحقيق رفاهية الإنسان. • النضال العمالي اليساري الاشتراكي هو صانع "الحضارة"
يبكي اليمينيون على ضحايا الثورات، لكنهم يلتزمون الصمت التام أمام ضحايا الرأسمالية: الملايين الذين فقدوا حياتهم في المناجم، والأطفال الذين سحقهم استغلال الثورة الصناعية، والشعوب التي تعرضت للإبادة ونهبت ثرواتها. يتجاهلون العبودية والمجازر التي ارتكبتها الرأسمالية الغربية في الكونغو وأفريقيا بشكل عام. ويبررون الحروب الرأسمالية وهلاك الملايين من الأبرياء بأنها ثمن لا بد منه لتقدم البشرية.
كما أنهم يغضّون الطرف عن الحقيقة الواضحة بأن الرفاهية التي ينعم بها جزء من البشر اليوم لم تكن هبة من السوق الحرة، بل تحققت بفضل نضالات العمال والحركات الاشتراكية. فلولا تضحيات اليسار، لما حصل العالم على مكاسب أساسية مثل:
1. تحديد ساعات العمل والحد الأدنى للأجور. 2. حقوق المرأة في العمل وتحقيق المساواة. 3. أنظمة التأمين الصحي والاجتماعي. 4. مجانية التعليم التي فتحت أبواب العلم للطبقات الفقيرة، ليصبح منها العلماء والمهندسون.
حقوق الإنسان.. القيمة والتوظيف يزعم الكاتب أن اليسار يستغل مفهوم حقوق الإنسان بوصفها "أداة للمنفعة"، بينما الواقع يشير إلى أن اليمين النيو ليبرالي هو الذي حول الإنسان إلى مجرد "سلعة". من وجهة نظر الشيوعي، لا معنى ل "حرية التعبير" لدى من يعاني من الجوع وهو غير قادر على توفير قوت يومه، إذ يرى أن الحرية الحقيقية تبدأ فقط بتحرير الإنسان من قيود الحاجة الاقتصادية. إن مساندة الشعوب المقهورة، كالشعب الإيراني وغيره، لا تتم من خلال الاعتماد على "الامبريالية"، بل عبر دعم نضالها ضد أنظمة القمع التي تُعد في جوهرها أنظمة رأسمالية وأمنية مسيطرة. أما السعي لتشويه صورة اليسار من خلال استدعاء إرث أنظمة "البيروقراطية الحمراء"، فهو ليس سوى محاولة لإجهاض أي إمكانية لبزوغ بديل إنساني في مواجهة قسوة الرأسمالية المتوحشة. الاشتراكية، كما تصورها ماركس وأينشتاين والمناضلون الحقيقيون، تهدف في جوهرها إلى "إحياء الروح البشرية" وإنقاذ الإنسان من حالة الاغتراب التي يعيشها. الفكر الاشتراكي اليساري الماركسي سيبقى بمثابة الضمير الإنساني الحي، لأنه الصوت الوحيد الذي يمتلك الشجاعة لقول الحقيقة: العالم يتسع للجميع، لكنه لا يتسع لطمع فئة قليلة من المستغلين.
"أنا مقتنع بأن هناك طريقاً واحداً فقط للقضاء على هذه الشرور الجسيمة، وهو إنشاء اقتصاد اشتراكي، يترافق مع نظام تعليمي موجه نحو أهداف اجتماعية." اينشتاين
"الأممية الحمراء" أم توسع قومي؟ (ثورات بودابست وبراغ) يزعم المقال اليميني أن غزو المجر (1956) وتشيكوسلوفاكيا (1968) كان "إمبريالية حمراء". والحقيقة أن هذه كانت صراعات جيوسياسية لتوسيع النفوذ القومي السوفيتي على حساب الشعوب. إن الشعوب التي انتفضت في بودابست وبراغ لم تثر ضد الاشتراكية، بل ثارت لأنها رأت نفسها تُستغل باسم "الأممية" الزائفة. لقد كانت شعاراتهم هي "اشتراكية ذات وجه إنساني"؛ أي أنهم أرادوا انتزاع الاشتراكية الحقيقية من يد "الدبابة البيروقراطية". الضحايا هناك كانوا "اشتراكيين وماركسيين" قتلتهم بيروقراطية موسكو التي خافت من الديمقراطية العمالية. أن الثوار في المجر وتشيكوسلوفاكيا (الذين يتباكى عليهم الكاتب) لم يطالبوا بعودة الملكية الخاصة أو الشركات العابرة للقارات، بل طالبوا بـ "المجالس العمالية" وبالديمقراطية داخل المصنع. الكاتب يحاول سرقة نضال هؤلاء الاشتراكيين الأحرار ليضعه في سلة "اليمين"، وهذا تزييف وقح للتاريخ. إن محاولة إيروس إيتيرنوس تصوير اليسار كعدو للحرية هي قمة الكوميديا السوداء؛ فالرأسمالية التي يروج لها لم تمنح العالم حرية، بل منحت "حرية الجوع" لمن لا يملك، و"حرية الاستغلال" لمن يملك. إن سقوط "رأسمالية الدولة" في الاتحاد السوفيتي لم يكن هزيمة للاشتراكية، بل كان انتصاراً للمنطق الماركسي نفسه الذي يقول إن البيروقراطية لا يمكن أن تقود تحرراً. واليوم، حين يصرخ العالم تحت وطأة التغير المناخي، والحروب من أجل النفط، واتساع الفجوة بين المليارديرات والمعدمين، يبرز الفكر الاشتراكي ليس كخيار "أيديولوجي" بل كـ ضرورة بيولوجية وحضارية لبقاء الجنس البشري.
كلمة أخيرة للكاتب ولمن هم على شاكلته:
يمكنكم نبش القبور كما شئتم، ويمكنكم خلط دماء الأحرار في بودابست وبراغ بجرائم جلاديهم في موسكو، لكنكم لن تستطيعوا محو الحقيقة: الاشتراكية هي التي جعلت من "العبد" عاملاً له حقوق، ومن "الرعية" مواطناً له كرامة. إنها الفكرة التي تجعلنا نشعر بآلام الجياع في أقصى الأرض، بينما رأسماليتكم لا تشعر إلا بحركة الأسهم في البورصة. الاشتراكية لم تفشل.. لأنها ببساطة لم تُطبق بعد في صورتها الإنسانية التي حلم بها أينشتاين، ولكنها تبقى البوصلة الوحيدة التي تمنع غرق سفينة البشرية في محيط الجشع.
مالمو 2026-02-27
#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)
Hamid_Koorachi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
وهم القطيعة مع الواقع
-
بعد أفول الإسلام السياسي- 2
-
بعد أفول الإسلام السياسي- 1
-
طيف القنب.. وابتسامة الزمان
-
حرية الإبداع بين مطرقة الاستبداد الحاكم وسلطة الشارع الثقافي
...
-
برزخ الكينونة
-
ديمومة الروح: الذاكرة والحواس بين تنظير برغسون وتجسيد بروست
-
من -لوليتا- نابوكوف إلى -لوليتا- إبستين
-
أوهام -التحضر- الليبرالي ومأزق اليسار العربي: رد على أطروحات
...
-
إيران 2026: الانفجار الكبير.. صراع -الديناصورات- وسراب الرمو
...
-
خريف الأيديولوجيا وبزوغ -المواطن الرقمي-
-
سيولة الهوية وفلسفة الهجانة
-
إيران بين مطرقة الاستبداد وسندان -الهندسة- الدولية-
-
من -بروسيا- إلى -وادي السيليكون-
-
بين -رطل اللحم- و-زرّ الموافقة-: هل تغيرت أنياب القانون؟
-
أوروبا العجوز: نهاية زمن التبعية
-
صنبور الطاقة وحق -الفيتو- العالمي
-
انسداد الاقتصاد الإيراني وآفاق انهياره
-
مسرحية: تراتيل الغبار والحرير
-
القومية أفيوناً
المزيد.....
-
علي خامنئي.. مرشد إيران الذي صالَح بين عبد الناصر وسيد قطب
-
الولايات المتحدة/إسرائيل، أوقفوا أي تدخل في إيران ! لا تحرير
...
-
اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي: الرفيق حميد مجيد موسى
...
-
الجبهة الشعبية تدين العدوان الغادر على إيران وتؤكد أنه يتجاو
...
-
الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى تغيير النظام في إيران
-
MAGA is the Avatar of a Fossil Fuel Industry Coup
-
What are the Prospects for Renewing Social Democratic Agency
...
-
Sleazy AfD – Germany’s Far Right Loots The State
-
The Iranian Left, the Right of Self-Determination, and the Q
...
-
21st Century Common Sense, Part 3
المزيد.....
-
كراسات شيوعية :صناعة الثقافة التنوير كخداع جماعي[Manual no74
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
النظرية الماركسية في الدولة
/ مراسلات أممية
-
البرنامج السياسي - 2026
/ الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
-
هل الصين دولة امبريالية؟
/ علي هانسن
-
كراسات شيوعية (الصراع الطبقي والدورة الاقتصادية) [Manual no:
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
موضوعات اللجنة المركزية المقدمة الى الموتمر 22 للحزب الشيوعي
...
/ الحزب الشيوعي اليوناني
-
الرأسمالية والاستبداد في فنزويلا مادورو
/ غابرييل هيتلاند
-
فنزويلا، استراتيجية الأمن القومي الأميركية، وأزمة الدولة الم
...
/ مايكل جون-هوبكنز
-
نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و
...
/ شادي الشماوي
-
روزا لوكسمبورغ: حول الحرية والديمقراطية الطبقية
/ إلين آغرسكوف
المزيد.....
|