أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - دعاء حسن - الاستحمار وإغراق العقل...قراءة معاصرة في فكر علي شريعتي














المزيد.....

الاستحمار وإغراق العقل...قراءة معاصرة في فكر علي شريعتي


دعاء حسن
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 04:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قدّم علي شريعتي في كتابه" النباهة والاستحمار" واحدًا من أكثر مفاهيمه جدلًا وعمقًا في نفس الوقت. لم يكن منشغلًا بابتكار مصطلح صادم بقدر ما كان يسعى إلى تفكيك آلية عميقة من آليات السيطرة على الوعي. لم يقصد إهانة الإنسان، بل أراد تفسير الكيفية التي يمكن أن تُعطل بها وعيه، ويظن في نفس الوقت أنه يمارس حياته بصورة طبيعية. الاستحمار في جوهره ليس غيابًا للعقل، بل يمثل إزاحة العقل عن موقعه الفاعل؛ ليس قهرًا مباشرًا، بل إعادة ترتيب لأولويات الإدراك بحيث ينشغل الفرد بما لا يمس جوهر واقعه.
تبدو أطروحة شريعتي اليوم أكثر التصاقًا بواقعنا المعاصر مما كانت عليه في سياقها التاريخي. لقد انتقل العالم من مرحلة حجب المعلومة إلى مرحلة إغراقها. يتعرض الفرد المعاصر يوميًا لسيل متدفق من الأخبار، والتحليلات، والمقاطع القصيرة، والتعليقات المتناقضة. ضمن إيقاع زمني يضغط على الانتباه ويكافيء السرعة على حساب التأمل. ومع هذا التدفق لا تتراجع القدرة فقط على بناء صورة كلية للواقع، بل تتناثر الوقائع دون سياق، تتحول القضايا البنيوية إلى عناوين عابرة تخضع لمنطق الجذب اللحظي. هنا يتجلى شكل جديد من الاستحمار، لا يمنع الإنسان من المعرفة، بل يُغرق في جزيئات تحرمه من الفهم.
تحولت السياسة في هذا المناخ إلى عرض بصري سريع الاستهلاك. تُختزل القرارات الكبرى في تصريحات مقتطعة، ويُعاد إنتاج النقاش العام في صورة سجالات تتغذى على الإثارة أكثر مما تستند إلى التحليل. المشهد يطغي على المضمون، والانفعال يتقدم على التفكير. وبدل أن يكون المجال العام فضاء لتداول الرؤى، يصبح ساحة تنافس على جذب الانتباه. هذا التحول ينسجم مع ما قصده شريعتي حين تحدث عن إشغال الناس بما هو ثانوي أو شكلي، ينصرف الاهتمام عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة ببنية السلطة وتوزيع الثروة وطبيعة العدالة. ووفق تصور علي شريعتي يحدث الاستحمار عندما يُعاد توجيه الوعي بعيدًا عن البنى العميقة للصراع نحو مظاهره السطحية، فيتحول المواطن من ناقد يحلل البنى إلى مشاهد الأحداث دون مساءلة.
لا يقف الأمر عند السياسة. فثقافة الأستهلاك المعاصرة تعيد تعريف الإنسان من كونه مواطنًا إلى كونه مستهلكًا. تُقاس القيمة بالقدرة على الشراء، ويختزل النجاح في المظهر، وتستبدل الطموحات الجماعية بتحسينات فردية محدودة. في هذا السياق؛ يتراجع المصلحة الجماعية لصالح انشغالات شخصية متلاحقة لا تنتهي. الاستحمار هنا لا يأخذ شكل الحرمان، بل شكل الإغراء الدائم، وتحول الثقافة الاستهلاكية وعي الفرد من متابعة التوزيع الهيكلي للثروة والسلطة إلى الإنشغال بالمكانة الشخصية والخيارات الاستهلاكية. فيظن الفرد أنه حر، وتضعف قدرته على إدراك التفاوتات البنوية المحيطة به.
أما في المجال الديني؛ فالمفارقة التي أشار إليها شريعتي ما زالت واضحة اليوم. عند فصل الدين عن مشروع العدالة، ويُختزل في تفاصيل هامشية، يفقد طاقته التحررية ويتحول إلى أداة انضباط اجتماعي. لا تكمن الخطورة في التدين ذاته، بل في توظيفه لإعادة إنتاج السكون. يمنح الفرد شعورًا زائفًا بالرضا الأخلاقي وأيضًا حالة من الذعر تمنع الفرد من إعمال عقله، بينما هو في الحقيقة غارق في استهلاك محتوى يُخدر إرادته ويجعله أداة طيعة لمنظومات القوة والرهبة، بينما تبقى القضايا الأخلاقية الكبرى- كالفساد والظلم – خارج المساءلة الجدية. هكذا يتحول الخطاب الدينى من قوة مقاومة إلى خطاب يطلب الامتثال. وهو جوهر ثقافة الاستحمار عند شريعتي؛ تحويل الدين من أداة للتحرر إلى أداة للخوف.هنا تتجسد إحدى أخطر صور الاستحمار المعاصر: تسطيح الإدراك عبر تسريع الزمن.
يتضح من ذلك أن شريعتي ليس مفكرًا من زمن مضى، بل شاهد مبكر على تحولات لم تكن قد اكتملت في زمنه. فالاستحمار الذي تحدث عنه ليس حدثًا عابرًا، بل بنية قابلة للتجدد بأدوات مختلفة. والسؤال الذي يبقى معلقًا أمام مجتمعاتنا، هل نملك القدرة على التفكير فيما نقوله ولماذا نقوله؟



#دعاء_حسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثقافة الاستبداد النمطي
- شبح العوز المادي
- الأناركية..والسلطة


المزيد.....




- مصدر لـCNN: ترامب تلقى إحاطة حول الخيارات العسكرية المحتملة ...
- مسؤول أمني إسرائيلي يحذر -الحريديم- من التجسس لصالح إيران
- ميزة جديدة من -إنستغرام- لحماية المراهقين من الانتحار
- أول تصريحات لهيلاري كلينتون بعد جلسة استجواب مغلقة في الكونغ ...
- فايننشال تايمز: هكذا فقدت الحروب فاعليتها؟
- مقتل 5 مصلين بهجوم على مسجد أثناء التراويح في نيجيريا
- هيلاري كلينتون تدلي بشهادتها في قضية إبستين.. ماذا قالت؟
- فانس: خيار الضربات العسكرية ضد إيران لا يزال قيد الدراسة
- أفغانستان تهاجم مواقع باكستانية -رداً على غارات-، وإسلام آبا ...
- عراقجي: تقدم في مباحثات جنيف بشأن الملف النووي ورفع العقوبات ...


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - دعاء حسن - الاستحمار وإغراق العقل...قراءة معاصرة في فكر علي شريعتي