|
|
اسس القيادة في المجتمع العربي الاسلامي (الدين وقيادة الاستبداد )
وليد المسعودي
الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 22:40
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
اسس القيادة في المجتمع العربي الاسلامي
الدين وقيادة الاستبداد
اسقاط الماضي على الحاضر
دائما ما يتم استخدام الدين لإدامة القيادة السياسية في المجتمع العربي الاسلامي ، بسبب ثبوت الانظمة المعرفية والثقافية والاجتماعية في صورتها التي تتعامل مع الدين كمطلق قيمي ثابت لا يمكن ان يمسه الزلل او الخلل او التراجع لما يقدمه من معنى وجودي للإنسان من خلاله يستطيع مواجهة الظروف الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة كإسقاط نفسي ومعنوي مثالي ، حيث تمثل الثقافة الدينية احدى الطبقات الفكرية داخل الارضية الاجتماعية العربية الاسلامية ترسبت وترسخت عبر مئات السنين رغم تداخلها او تراجعها مع (خلف) الطبقات الفكرية للحداثة وبالتالي يمثل عملية التواصل السياسي معها غاية ومطمح كل سلطة سياسية عسكرية او مدنية ملكية او جمهورية ، وفكرة القيادة لم تذكرها النصوص الدينية بالمعنى الحديث ، حيث ذكر ما يقابلها من افكار ومصطلحات مرتبطة بالإمام والملك والخليفة وكلها " منتجات الهية " وليست بشرية اي ان المجتمعات لا تتدخل عبر الصراع فيما بينها فتنتج نماذج الحكم بل ان الله هو من يعطي الملك لمن يشاء وبالتالي تنتمي هكذا تصورات الى الطبقة الفكرية الخاصة بالثقافة الدينية ومن الصعوبة الخروج على الامام او الحاكم الا اذا خلع عنه الاطار العقائدي وقد تؤدي الاختلافات الفكرية الى طبيعة الخروج والثورة على ذلك الحاكم او ذاك في الازمنة القديمة والحديثة ضمن حدود النسبي وما يهمنا هنا هو ما يجري من اسقاط ماضوي لأساليب او مناهج او سلوكيات اجتماعية وسياسية قديمة على الحاضر بواسطة الدين دون الاخذ بنظر الاعتبار ان المجتمعات لم تعد تحدد من قبل قيادة شمولية مطلقة بل هي نتاج مجموعة من الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تنعكس عليها عبر انظمة معارف واساليب حكم جماعية وليست فردية متغيرة وليست ثابتة وكل ابداع وتطور يأتي من خلال مراعاة متغيرات الواقع وما يحدث فيه ونفسها الافكار المنتجة لأساليب الحكم المطلقة هي بنت ازمنتها الاولى وان تمثلت عبر نصوص او احداث او شخصيات دينية مقدسة ، ولو تتبعنا ما سقط مع مرور الزمن وتغير اشكال الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لوجدنا الكثير من المصطلحات الاسلامية او الصور والامثلة التي كانت بمثابة المطلق الديني السياسي المقدس الذي لا يمسه التغيير او التبديل قد سقط بعضها ولم يعد لها اثرا يذكر بينما البعض الاخر يمارس بشكل لا يتماشى مع العصر الحديث واحترام حقوق الانسان ، او يمارس بشكل نفعي ومصلحي لغايات دنيوية ، وهنا نشير الى مصطلحات " المؤلفة قلوبهم " و " والحرية والعبودية " و " الجهاد في سبيل الله " والعقوبات الاسلامية " وغيرها من المصطلحات و المفاهيم والصور المعبرة عن زمنية نشوء الحدث الاسلامي ، كل ذلك يؤكد الاثر البيئي ليس على سلطة النصوص فحسب بل على امكانية تطبيقها على ارض الواقع ايضا ، وسبب التراجع والانحسار مرتبط بدخول الحداثة الى المجتمعات العربية الاسلامية ، بالرغم من عدم ادراك الاصوليات بالدينية بأهمية الاثر الزمني وسلطته على انتاج الحقيقة والمعنى الاسلامي . ومحاولة فرضه اي المعنى الاسلامي على الناس كمطلق قيمي وجودي سلطوي لم يأتي دفعة واحدة بل له مداه التدريجي منذ السبعينيات وحتى الازمنة الراهنة ، ويدخل الاستخدام السياسي للدين من قبل الانظمة القومية الاستبدادية احد الاسباب في تعزيز قوة الاصوليات ، فإلى جانب السماح النسبي هناك المعارضة المطلقة والقمع المتواصل الامر الذي انتج بدوره ذاكرة سياسية مقدسة تعززت وتراكمت مع مرور الزمن حتى وصلت الى سلطتها الحاكمة بشكل واقعي عبر نشوء الدولة الاسلامية او النزعة الاسلامية المهيمنة سياسيا بشكل نسبي هنا وهناك وهذه الاخيرة تعتمد كثيرا على الماضي الذي ينقسم بدوره الى هويات طائفية متصارعة فيما بينها قديما وحديثا ايضا بعد الاستدعاء المتعمد للمكبوت الثقافي داخل الطبقات الارضية التي تكون العقل العربي الاسلامي ، وهذا الاستدعاء ان مورس بشكل شخصي او اجتماعي يمثل حقا وجوديا للناس ولكن ان يفرض على الجميع ذلك ما يجب الوقوف امامه ومسائلته ونقده خصوصا اذا جعل المجتمع ككل في حالة من الجمود والانغلاق بشكل نهائي وكان العالم فقط مشاهد ومرئي من قبل شاشة واحدة لا غير وهي شاشة التلفزيون الاسلامي والواقع بشير الى العكس والاختلاف والتنوع بشاشات معارف ومدركات مختلفة وهذا الامر اصبح غير مفكر فيه ما دامت سردية الماضي هي التي تغطي اي استدعاء سياسي واجتماعي طقوسي وهذه السردية ليست جامدة او ثابتة على نسختها الاولى بل يضاف لها نسخا وشروحات واضافات وطقوسا جديدة متزايدة مع مرور الزمن ، وبالتالي تكون المعرفة المسندة على الماضي متحيزة اكثر مما هي حيادية ان وجدت ، اسطورية اكثر مما هي عقلانية تعتمد دائما على الروايات وكل ما يحدث في الحاضر والمستقبل هو مكتوب في السجل الاثري للماضي نفسه ، يدخل في ذلك اساطير النهايات نهاية العالم والخلاص وظهور المنقذ والحرب مع اسرائيل وهيمنها وانتصارها ونهايتها الحتمية ايضا . ان اسقاط الماضي على الحاضر يوفر الطمأنينة والهدوء النفسي لدى الكثيرين ولكن سوف يعطل كثيرا الذهنية الاجتماعية ويجعل الايام والاعوام متساوية ومن ثم حضور الظلم والغبن بشكل غير مدرك وهذا ما ذكر في السردية الدينية نفسها حيث الذاكرة التي تقف ضد اعتدال الايام او استوائها ، نصيبها يجب ان يكون العمل والتطور والتنمية المتواصلة في هذه الحياة ونحن هنا لا نسقط سردية مساواة الايام على حاضرنا فكل رواية او نص له بيئته المنتجة له ولكن نفكر بشكل مختلف من حيث ثبات الافكار والانظمة الاجتماعية وكأنها اصل العالم ونهايته تقدم اجوبة لجميع مشاكلنا وهمومنا وحاجاتنا ذلك ما تمارسه وتفرضه الانساق الدينية على المجتمع وبالتالي على الاخير الركون الى الاستسلام والتسليم والقبول بما موجود دون تلازم الامكانية لسؤالها ومناقشتها ونقدها وتجاوزها باعتبار ان الحاضر ينبغي ان تكون له نصوصه وافكاره المختلفة تتماشى مع العصر ولا تتقاطع معه الا برفضها لشروط الهيمنة والوصاية ونسخ ما يفكر فيه الاخرين بشكل اعمى وهنا تكون عملية النقد مزدوجة للذات والاخر للماضي والحاضر وهي مهمة لم تمارس بشكل مؤسسي في مجتمعاتنا حتى الوقت الحاضر .
التلاعب السياسي بالدين
عندما يتغلغل الدين في اعماق المجتمع يصبح مع مرور الوقت سلطة جوهرية ذات تمثيل بشري خضوعي تسليمي يعجز الفرد من خلاله عن الخروج او جعله محل إشكاليات واسئلة وجودية حياتية مباشرة مرتبطة بالحاضر المعاش ذلك الامر فيما يخص الجوهر الديني الاجتماعي ، ولكن عندما يرتبط ذلك الجوهر الديني بالسياسة ، فان تمثيله سوف يكون اشد حضورا على وعي حامليه ، وهنا تنطلق التطرفات وترسيمة الحدود بين الذات والاخر ، بين الايمان والكفر ، بين الخير والشر من وجهة نظر التمثيلية الاجتماعية السياسية المغلقة للدين ، حيث يصبح كل انتصار سياسي هو تصعيد ديني ومباركة دينية ومحاسبة في نفس الوقت للذين يختلفون مع الدين وتوجهاته . هكذا يدعم الدين الاستبداد السياسي والقيادة السياسية المعززة وجوديا بواسطة الدين ، والامثلة كثيرة سواء كانت من الماضي السياسي الديني او من الحاضر اليوم حيث " جمهوريات " الاسلام السياسي ايران ، افغانستان ، او تلك التي تجعل من الدين احد الدساتير الاساسية في الدولة ، مثل الجزائر والبحرين ومصر وغيرها ، اذ تغلق حينها حدود العقل والمجتمع والمعرفة ، وكل خروج عن هذه الحدود هناك التهم الجاهزة ، ومن ثم السجن والعقاب ونهاية الكلام والجدل في امور الدين (1)
ولو قارنا بين السياسة المدعومة دينيا وبين السياسة المدعومة مدنيا ، نجد الاولى تنطلق من خلال التفضيل الاجتماعي على اساس المكونات الدينية والطائفية ، وتعمل ضمن مقاييس التمييز بين الشرعي وغير الشرعي ، فيما الثانية تنطلق من خلال معايير المواطنة والحرية المكفولة للجميع بغض النظر عن المكونات الدينية والطائفية فهي لا تحكم الدولة وتسيرها لمصلحتها بل ان الدولة هي من ترعى وتحمي الحريات الدينية للجميع فضلا عن بقية الحريات الاخرى المضادة للدين وصورته المطلقة ، والسياسة المدعومة دينيا دائما ما تكون مظللة للمجتمع من خلال وصايتها المطلقة عليه وتصديرها للناس على انها هي الحامية الوحيدة للدين والعقيدة ، وما تخفيه هو جانب المصلحة المادية التي تعود من خلال ركوب الدين الاجتماعي ، في حين ان السياسة المدنية بتخليها عن الوصاية الاجتماعية تجعل الناس احرارا في خياراتهم وقناعاتهم الفكرية ، وبالتالي يقل اثر التخدير والوصاية الاجتماعيتين بواسطة الدين ، وان وجدت المصلحة المادية فأنها معززة من خلال هيمنة الرأسمالية المتوحشة على المجتمع بالشكل الذي يزيد من حدود الاستبعاد والنبذ الاجتماعيين على اساس اقتصادي وليس على اساس اجتماعي وسياسي واقتصادي ايضا ، كما هو الحال مع السياسة المدعومة دينيا . والنماذج الموجودة اليوم من السياسات التي تتلاعب بالدين وتجعله غاية وجودها المادي والمعنوي ، لا تتحدد بالدول المسماة " اسلامية " ، او تلك التي تجعل الاسلام اساس سياستها القانونية والدستورية فحسب ، بل يصل الامر الى الدول المسماة " علمانية " وحديثة وبعيدة عن الاسلمة الاجتماعية والثقافية ضمن حدود الاستفادة المادية ، ومراجعة بسيطة في القرن العشرين تعطينا الاوليات التي تؤكد كيف دعمت بريطانيا عملية الفصل في القارة الهندية مؤسسة بذلك دولة باكستان ذات التوجه السياسي الاسلامي ، حيث الاستناد الى فكرة عبد الاعلى المودودي والحاكمية الالهية (2) وكذلك كيف دعمت وشكلت الاخوان المسلمين في مصر من اجل محاربة حزب الوفد الوطني العلماني ، وبالتالي لا يمكن زحزحة اي قوى جديدة حديثة الا من خلال استدعاء الماضي المترسب في الذهنية الاجتماعية ، كي تجعله مواجها صلدا لقوى التغيير والتقدم ، ذلك الامر نفسه مارسته الولايات المتحدة من خلال تشكيل حركة طالبان في باكستان وتهيئتها للجهاد في افغانستان من اجل محاربة الحكومة المدنية التي ساوت بين الذكور والاناث في التربية والتعليم والقوانين ، فبدلا من ان تتطور بشكل ديمقراطي ترجع الى الوراء مع خيارات الاسلام السياسي الذي يعيد تشكيل الهندسة الاجتماعية لأكثر بلدان الشرق الاوسط بمواجهة الحداثة والتغيير نراها ماثلة مع خيارات دعم الاسلمة في العراق وافغانستان وليبيا وتونس ومصر وغيرها من البلدان التي بدأت تنحسر فيها التنوعات والاختلافات لتهيمن الصور القالبية الواحدة بشكل عنفي راديكالي مغلق الى حد كبير . ان التلاعب السياسي بالدين 1- يعمل على تفريغ جوهر الدين نفسه باعتباره ظاهرة اجتماعية تخضع لتطورات آنية معاشة سواء من خلال التفاعل بين القادة السياسيين والمجتمع الديني او من خلال الانتصارات والهزائم التي تصيب الدولة او السلطة الدينية ، وجل ما يثبته هو ابقاء المجتمع على حاله طقوسي تقليدي اكثر مما هو معرفي عقلاني متساءل بخصوص الجوهر الديني نفسه ، ومن ثم اختزال التاريخ المنجز للظاهرة الاجتماعية وتثبيتها بشكل عاطفي سرعان ما يزول من وعي حامليه مع اول تغيير سياسي للأيديولوجيا الدينية 2- يثبت الكثير من المتناقضات لدى المجتمع المنقسم على نفسه طائفيا ، فمن جهة ان المجتمع المحكوم بالظاهرة السياسية الدينية يعترف ويقر بالفساد السياسي للسلطة الحاكمة بتشظيها وتنوعها ومن جهة اخرى يدافع عنها بشكل متحمس ، يدافع عن سلطتها العسكرية ، ومكمن ذلك الدفاع ماثل في خوف السلطة نفسها من المستقبل قبل خوف المجتمع المحكوم نفسه . 3- تأبيد الاختلاف والتناقض بين الاهداف والشعارات وامكانية تطبيقها على ارض الواقع ، فشعارات المظلومية الاجتماعية للناس في عهد السلطة السابقة تستغلها السلطة " الجديدة " لغايات ومنافع سلطوية شخصية لا يدركها او يحصل عليها المجتمع بشكل عام . 4- ادامة ما اسميه ب " سجل التعبويات " الذي تكتبه وتفرضه السلطة السياسية الدينية على الناس ، والتعبئة الاجتماعية ليست دائما موفقة في ترسيخ السلام الاجتماعي والتعايش بين الاخرين بل العكس حيث ترسيخ الانقسامات الاجتماعية بشكل عدائي يبعد الدولة من التطور والتغيير نحو الاختلاف والديمقراطية . وهكذا تبدأ وتنتهي السلطة السياسية المتلاعبة بالدين تحت سيطرة قيادة شمولية تقصي الاختلاف وتمحو التنوعات وان وجدت الاخيرة فهي خاضعة لنموذج الدولة الدينية ولا تملك حرية الكلام والنقد والمعارضة بشكل سلمي .
صورة القيادة السياسية للدين في القرن العشرين
انقسمت صورة القيادة السياسية للدين في بداية القرن العشرين الى صورتين ، الاولى تابعة الى السلطة العثمانية اداريا واقتصاديا وايديولوجيا ، وهذه الصورة تكاد تكون معممة على اكثر البلدان العربية الواقعة تحت سلطة العثمانيين ، والثانية منفصلة منذ قرون سابقة وغير مرتبطة اداريا بالحكومات العثمانية ولا توجد اية رواتب او اعتمادات مالية تقدم لرجال الدين المرتبطين بالوجود الشيعي في العراق ، حيث وارداتهم المالية مأخوذة من الناس من زكاة وخمس وهدايا وعطايا.. الخ وبالتالي جل تركيزهم منصب على المجتمع ، كيف يؤثرون عليهم ، كيف يزيدون عدد المقلدين والمؤيدين من اجل الديمومة والاستفادة المادية والمعنوية ، ومن اجل فرض الهيبة والوجود العقائدي ، المعرفي ، فضلا عن استمرارية نفوذ التأثير الاجتماعي هذا بالنسبة لجميع مدارس التقليد وزعمائها من رجال الدين قادة الاجتهاد . (3( وكلتا الصورتين ضمن حدود النسبي لم تقتربا سياسيا لنصرة التغيير الاجتماعي او مناهضة الاستبداد العثماني للبلدان العربية ولا توجد اية مواقف معلنة حول الجرائم الممارسة بحق المختلف الديني ، وهنا نذكر الجرائم التي وقعت في الزمن العثماني من اضطهادات ، مذابح الارمن نموذجا ، وفيما بعد في الزمن الملكي ، مذابح الاشوريين ، عام ١٩٣٣ ، وفرهود اليهود عام ١٩٤١ عقب سقوط حكومة رشيد عالي الكيلاني .(4) ولم تقترب القيادة السياسية للدين من السلطة ومواجهتها الا مع دخول الحداثة المسلحة الاجنبية ، وهذه الاخيرة ايضا استطاعت تحييد رجال الدين وابعادهم عن اية ادوار اجتماعية وسياسية (5) ولم يعود رجل الدين الى القيادة السياسية للمجتمع الا بعد انقضاء النصف الاول واكثر من القرن العشرين حيث ولادة حكومات جمهورية مأخوذة ببعض القوانين الغربية الحديثة بسبب وجود احزاب وتيارات علمانية اشتراكية وقومية ، وبالتالي شكلت الحداثة العربية هنا تهديدا حقيقيا للوجود الديني السياسي ، الذي هو بدوره بدأ التحرك نحو طرح البديل السياسي متمثلا بالحل المطلق للإسلام عبر احزاب وتيارات اسلامية متطرفة ترفض كل ما هو حديث وتدعو الى التمسك بالموروث الثقافي والسياسي الديني الماضوي ، والتسميات الظاهرة لهذه الاحزاب تعبيرا حقيقيا عن الدعوة الى الاصول والمحافظة على الماضي سياسيا وثقافيا واجتماعيا ، فكانت تسميات " الدعوة الاسلامية " الاخوان المسلمين " مثالا جوهريا لهذا التعلق السياسي الداخلي بالموروث الماضوي ، وكان التعامل معها من قبل الحكومات الجمهورية مزدوجا بين اللين والشدة ، الحرية والقمع ، وصولا الى اغلاق المجال الاجتماعي ومنعه من التواصل مع اي اشكال سياسية دينية ، وكل ذلك شكل ارتدادا اجتماعيا نحو الممنوع الاسلامي اكثر فاكثر . ومع ظهور ولاية الفقيه في ايران انفتحت الكثير من الآمال امام التوجهات الاصولية الاسلامية رغم الانغلاق الطائفي المذهبي ، حيث شكل وجود رجال الدين على هرم السلطة احتكارا سياسيا مطلقا ليس للسلطة والمجتمع فحسب بل للاقتصاد والسياسة والثقافة والتعليم .. الخ ، ضمن هرمية غير قابلة للتساوي بين قواعد الهرم التي تبدأ من الاعلى ( السلطة العليا ، سلطة المرشد) ولي الفقيه ورجال الدين المحافظين ذوو النفوذ السياسي ضمن مراكز قرار سلطوي مثل مجلس الخبراء وصيانة الدستور ، وتنزل شيئا فشيئا الى مراكز وسلطات اخرى مرتبطة بالأولى وتحافظ على بقاء كيانها مثل المؤسسات الأمنية والسياسية والادارية في "٣١" محافظة من محافظات ايران ، واول من يحمي الهرم بشكل عام مؤسس له في الدستور الايراني ألا وهو " الحرس الثوري " الذي يفصل بينه وبين القوات المسلحة النظامية حيث يؤكد الدستور على ان " تبقى قوات حرس الثورة الاسلامية التي تأسست في الايام الاولى لانتصار هذه الثورة ، راسخة ثابتة من اجل اداء دورها في حراسة الثورة ومكاسبها ويحدد القانون وظائف هذه القوات ونطاق مسؤوليتها بالمقارنة مع وظائف ومسؤوليات القوات المسلحة الاخرى مع التأكيد على التعاون والتنسيق الاخوي فيما بينهما (6) هذه الصورة السياسية لقيادة رجل الدين انعكست تأثيراتها سلبا على المجتمع العربي الاسلامي حيث زيادة الانغلاق الاصولي والنكوص نحو تصورات وهمية تسقط الماضي على الحاضر كما اسلفنا سابقا فضلا عن محاولاتها تغطية الجميع بإطارها الشمولي الذي لا ينفك سوف يعيد انتاج نفسه فيما بعد لينتقل من القومي الى الديني الاقسى استبدادا ومحاربة ليس للحريات السياسية فحسب بل الثقافية والاجتماعية المغايرة لأشكال التعامل والفهم الاسلامي للحاضر ، لينتهي بذلك القرن العشرين بوجود عدة اختناقات اقتصادية وسياسية واجتماعية مهدت لصورة ما نعانيه اليوم من اتجاهات مغلقة مؤثرة بواسطة حضور الاسلام السياسي واثره على المجتمع ، خصوصا بعد ان تم ادخاله ضمن لعبة الديمقراطية في بلدان غير محدثة داخليا ومفرغة من اية تراكمات تتعلق بحقوق الانسان واحترام الاختلاف والتنوع الثقافي والانساني ضمن حدود النسبي ، الامر الذي ادى الى فشل البعض منه كالإخوان المسلمين في مصر لارتباطات مصلحية دولية او وقوع البعض الاخر في فخ السلطة وفسادها وارهابها ومحاولة تعميم اثرها على المجتمع ككل كالأحزاب الاسلامية الاصولية في العراق .
صورة القيادة السياسية للدين اليوم
ان صورة القيادة السياسية للدين تتمثل اليوم في ترسيخها للوعي الجماعي بصفته شكلا منغلقا ثابتا وليس متغيرا ، عاطفيا وليس عقلانيا ، تاريخيا وليس معاصرا ، متضمنا في داخله الكثير من الاسئلة الوجودية التي لا يعاني منها المجتمع الخاضع لصورة واطار رجل الدين فحسب بل المجتمع الانساني بشكل عام . وازاء هذا الوعي الجماعي يقف الوعي الفرداني في غاية التراجع والانحسار ، وبالتالي كل نقد فردي للدين والمجتمع الديني يواجه بالرفض والمنع بشكل مادي او معنوي ، ليس لان الابنية الاجتماعية للمعرفة تمارس حضورها داخل اسيجة مغلقة فحسب بل لأنها مدعومة من قبل انظمة وقوى سياسية محلية او خارجية بحيث تغدو التبعية الشديدة للمجتمع ضمن اطر واشكال التعامل الديني خالية من كل عناصر الاثراء المعرفي ، وما موجود يمكن ان نطلق عليه " القشرة المعرفية " لصورة التقليد الديني المذهبي الموروث ليس غير ، وتبقى النخب الدينية نفسها ان وجدت تدور في فلك الماضي وما يحمل من تصورات ثابتة ليس لها علاقة بالحاضر الذي يقر بالتحولات الاجتماعية مراعية مفاهيم السببية واثر التدخلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية رغم تراجع دورها فيما يخص التطور في مجال حقوق الانسان والحريات كافة في عالمنا العربي . ان النخب المعرفية الدينية غير قادرة على زحزحة صورة القائد المطلق للدين الاجتماعي سواء كان هذا القائد مالكا للرمزية الدينية الاجتماعية او ذلك الذي يؤطرها بالسياسة اي تزاوج الدين والسياسة في بوتقة واحدة ، وربما يعود عجز النخب الدينية الى عدم فاعلية عنصري الجدل وقوة النقيض الديني ، الذي من شأنه ان يجعل المجتمع نفسه في حالة مؤثر ومؤثر عليه ، وغياب المتناقضات والاختلافات دليل على قوة الهيمنة الاجتماعية للوعي الديني السياسي ضمن اشكاله التقليدية وبالتالي لا توجد اية محركات سواء للعالم الخارجي المدرك للثقافة الدينية او لطبيعة وجود الاخر المختلف من يقرر مصير المستقبل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ضمن حدود النسبي ، الامر الذي يجعل من المعرفة السياسية والتقنية غير مؤثرتان الا في مجال السيرورة الاقتصادية للوعي الذي يديم الواقع ضمن ثباته ومعطياته التي لا تغير المجتمع نفسه على المدى البعيد ، ووسط كل هذا الثبات تقف المعرفة النقدية في حالة ابتسار وعدم نضج ما دام الوعي الاجتماعي دائما ما يشجع الانغلاق والتحجر واحتكار الحقيقة وخلف كل ذلك بالطبع احتكار المصلحة التي تديم هذا الواقع وتعمل على تأبيده .
المصادر : 1- من الماضي الديني السياسي نذكر كيف تعامل الخليفة عمر بن الخطاب مع صبيغ بن عسل العراقي الذي كان يسال عن المتشابه في القران ، حيث كان نصيبه التعذيب المتواصل بالضرب المبرح بعراجين النخيل لمرات ومرات متكررة كلما شفي اعيد عليه التعذيب والضرب ، حيث منع من مجالسة المسلمين فيما بعد حتى يتوب ويرجع الى رشده ، وفي هذا الصدد يقول عنه الغزالي " لقد سد باب الكلام والجدل وضرب صبيغا بالدرة لما اورد عليه سؤالا في تعارض آيتين في كتاب الله ، وهجره وامر الناس بهجره " . ابي حامد ، الغزالي / اصلاح علوم الدين / دار بن حزم / بيروت – لبنان / الطبعة الاولى 2005 ، ص 32 . 2- يقول الدكتور سمير امين ان التحفة الفقهية المنسوبة للمودودي والمتعلقة بالحاكمية الالهية انما وضعت من قبل مجموعة من المستشرقين الانكليز خدمة لصاحبة الجلالة ملكة بريطانيا ، وبذلك سقطت بشكل متعمد باكستان في شرك الاسلام السياسي . سمير امين / الاسلام السياسي في خدمة التوسع الامبريالي / ترجمة : انتصار العزيزي / مراجعة : نزار نيوز / 11/9/2008/ منشورات مركز القدس للدراسات السياسية
3- بعد ٢٠٠٣ تغير الوجود الشيعي واضيف اليه الجانب السلطوي واصبح مزدوجا بين السلطة والمجتمع اي ان المؤسسة الدينية الشيعية لأول مرة في تاريخها اصبحت " مشرعنه " سلطويا ضمن قانون الاوقاف ، وبالتالي اصبحت مزدوجة السلطة جذمورية الحضور والتأثير في تحديد معايير الحكم واختيار القادة ، واكتر رؤساء حكومات نظام المحاصصة العرق طائفية المقيتة كانوا تحت مؤثرات ومباركة المؤسسة الدينية الشيعية ، واخيرا هناك المدونة الجعفرية الخاصة بالاحوال المدنية حيث حضور واثر رجال الدين الواضح فيها . 4- نذكر فقط مواقف عبد الرحمن الكواكبي ونشاطه المستنير ضد الاستبداد وعالمه المتفرع بين الدين والمال والعلم حيث تعرض الى السجن وربما الموت مسموما كما يشاع 5- يقول علي الوردي ان الساحة الاجتماعية بعد عام ١٩٢٣ في العراق اصبحت فارغة للأفندية بعد ان كانوا يتصارعون مع الملائية من رجال الدين ، وهؤلاء كانت معارضتهم للسلطة اجتماعية فقط من اجل البقاء على مكانتهم في قلوب الناس وليست سلطوية مثلما يفعل الافندية لان رجال الدين اذا اتجهوا سلوك الافندية في السعي الى السلطة سرعان ما يفقدون مكانتهم بين الناس وبالتالي اتهامهم بانهم باعوا الدين بالدنيا ، هكذا كان الوردي يصفهم ولا يدري انه بعد ( ٢٠٠٣) سوف يجدون هذه المكانة على طبق من ذهب ولكن دون الفقدان الكلي حيث الحضور والبقاء على نفس الوتيرة من المكانة والتقديس وان قل الاعتبار بعد طول زمن الفساد ضمن حدود النسبي ، يراجع علي الوردي / لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث / الجزء السادس / ١٩٧٦ ص ٣١٦ . 6- الدستور الايراني ، المادة ، ١٥٠
#وليد_المسعودي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
اسس القيادة في المجتمع العربي الاسلامي ( السياسة وقيادة الاس
...
-
اسس القيادة في المجتمع العربي الاسلامي ( الثقافة وقيادة الاس
...
-
قراءة ونقد في ( عن الحرية) لجون ستيوارت ميل
-
نقد الدولة - دولة النقد (البحث عن دولة حديثة ناقدة ) الجزء ا
...
-
نقد الدولة - دولة النقد ( البحث عن دولة حديثة ناقدة ) الجزء
...
-
مختارات من نصوص الهايكو
-
نقد الدولة - دولة النقد ( البحث عن دولة حديثة ناقدة ) الجزء
...
-
نقد الدولة- دولة النقد ( البحث عن دولة حديثة ناقدة ) الفصل ا
...
-
نقد الدولة - دولة النقد ( البحث عن دولة حديثة ناقدة ) الفصل
...
-
نقد الدولة _ دولة النقد ( البحث عن دولة حديثة ناقدة) الفصل ا
...
-
حتى يكتمل الموت جيدا
-
مجتمع المعرفة ضمن ثنائية الابداع والخطر (١_٧)
-
نقد الدولة _ دولة النقد ( البحث عن دولة حديثة ناقدة ) (£
...
-
نقد الدولة _ دولة النقد ( البحث عن دولة حديثة ناقدة ) (£
...
-
مجتمع المعرفة ضمن ثنائية الابداع والخطر (1_6)
-
نقد الدولة _ دولة النقد ( البحث عن دولة حديثة ناقدة ) (£
...
-
مجتمع المعرفة ضمن ثنائية الابداع والخطر (١_٥)
-
نقد الدولة _ دولة النقد ( البحث عن دولة حديثة ناقدة ) (£
...
-
مجتمع المعرفة ضمن ثنائية الابداع والخطر (١_٤)
-
مجتمع المعرفة ضمن ثنائية الابداع والخطر (١_٣)
المزيد.....
-
مسؤول أمريكي: نشر مقاتلات إف-22 في إسرائيل وسط تصاعد التوتر
...
-
ترامب يكشف عما ترفضه إيران في الاتفاق النووي المحتمل
-
ما مدى خطورة وجود الجيش الإندونيسي في غزة؟
-
تجسس روسي يستهدف منظمات ألمانية تدعم علماء شرق أوروبا
-
أخبار اليوم: ترامب يهدد وطهران ترى -فرصة تاريخية- لاتفاق
-
واشنطن تتوسّط بين الهجري ودمشق لتبادل عشرات المحتجزين منذ أع
...
-
-السلاح المعجزة-.. روسيا تتهم الغرب بتنفيذ -مغامرة نووية- لص
...
-
حلف بغداد ومنظمة سنتو.. قصة التعاون على مواجهة المد السوفيات
...
-
أطباق من الذاكرة.. جذور شوربة الفريك والشخشوخة والدزيريات في
...
-
-ما وراء الخبر- يناقش مآلات الجولة الثالثة من محادثات واشنطن
...
المزيد.....
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
المزيد.....
|