أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 5. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي: الميليشيا، الخصخصة، ورأس المال العنيف














المزيد.....

5. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي: الميليشيا، الخصخصة، ورأس المال العنيف


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 09:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تتحول الدولة العربية المعاصرة من جهاز سياسي يحتكر العنف إلى فاعل اقتصادي مباشر يندمج في عملية التراكم ذاتها. لا يتعلق الأمر بفساد طارئ أو بسوء إدارة يمكن إصلاحه إداريًا، بل بإعادة صياغة العلاقة بين رأس المال والقوة المسلحة بحيث تصبح المؤسسة العسكرية-الأمنية مستثمرًا ومحتكرًا في آنٍ معًا. في هذا السياق يتبلور ما يمكن تسميته بـ"رأس المال العنيف"، وهو شكل من التراكم لا يعتمد على التنافس في السوق بقدر اعتماده على السيطرة على مفاصل الدولة لضمان الربح المحمي بالقوة.

الميليشيا، في هذا الإطار، ليست انحرافًا عن نموذج الدولة، بل تكثيفًا له في لحظة تفكك المركز. فعندما تضعف السلطة المركزية لا يختفي منطق الريع، بل يتشظى إلى تشكيلات مسلحة تعيد إنتاجه على نطاق محلي. في سوريا والعراق وليبيا واليمن تستولي التشكيلات المسلحة على موارد النفط والموانئ والمعابر، وتفرض جبايات غير رسمية، وتحتكر التجارة مقابل توزيع الولاءات عبر شبكات قبلية أو طائفية. العنف هنا أكثر مباشرة، لكنه يظل خاضعًا للمنطق ذاته: احتكار المورد مقابل احتكار السلاح.

أما الخصخصة التي جرت منذ التسعينيات فلم تكن تحريرًا للسوق بقدر ما كانت إعادة توزيع للملكية داخل الشبكة الحاكمة. بيعت شركات القطاع العام إلى رجال أعمال مرتبطين عضويًا بأجهزة الأمن والجيش، بعضهم ضباط سابقون أو مقاولون عسكريون. بهذا المعنى لم تُفتح الأسواق أمام تنافس مستقل، بل جرى تحويل الملكية العامة إلى ملكية خاصة لكتلة مترابطة من رأس المال المرتبط بالقوة. الخصخصة هنا كانت لحظة تأسيس لرأس المال العنيف لا قطيعة معه.

وتعمل الدولة الأمنية اقتصاديًا وفق منطق "الريع المحمي". لا يمر مشروع كبير دون موافقة أمنية، ولا ينجح استثمار أجنبي دون شراكة مع مراكز القوة، ولا يُمنح ترخيص إلا عبر قنوات رقابية سياسية. السوق يتحول بذلك إلى فضاء مشروط، حيث تصبح الميزة التنافسية الأساسية هي القرب من جهاز القمع. يخشى رأس المال العنيف فقدان الحماية السياسية أكثر مما يخشى تقلبات العرض والطلب، لأن مصدر قوته الحقيقي هو الامتياز السيادي لا الكفاءة الإنتاجية.

النتيجة الاجتماعية لهذا النمط من التراكم هي تحول المجتمع إلى مجموعات متباينة في الحقوق: فمن يمتلك القوة يحدد من يحق له الحياة بكرامة، ومن يُترك للإقصاء والموت البطيء. المدن الجديدة المغلقة للأثرياء تحرسها شركات أمنية خاصة تتبع لشبكة رأس المال العنيف نفسها، بينما الأحياء الشعبية تخضع لحملات أمنية دورية هدفها الظاهري "استعادة النظام" وجوهرها الحقيقي حماية مناطق النفوذ الاقتصادي من غضب المفقرين.

يقدم النموذج المصري بعد 2013 الصيغة الأكثر تنظيماً لهذه العلاقة، حيث تتحول المؤسسة العسكرية إلى تكتل احتكاري يسيطر على قطاعات البنية التحتية والعقارات والغذاء والوقود، مستندة في ذلك إلى سلطة سيادية تحميها من أي منافسة حقيقية. في السودان، قدمت قوات الدعم السريع نموذجًا مغايرًا: ميليشيا تتحول إلى إمبراطورية اقتصادية تمتلك مناجم الذهب والمزارع والمشاريع التجارية، ثم تستخدم هذه الثروة لتعزيز قوتها العسكرية، حيث يذوب الفرق بين الحرب والتجارة وبين السياسة والجريمة المنظمة.

تكشف هذه البنية لماذا أي نضال ديمقراطي حقيقي يجب أن يكون نضالاً ضد هذا التشابك بين الاقتصاد والعنف. فالمطالبة بإصلاح قطاع الأمن أو بمحاربة الفساد تبقى سطحية ما لم تستهدف التفكيك الجذري لعلاقة رأس المال بالعنف. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي لا يمكن إصلاحها، بل يجب تفكيكها عبر نزع ملكية شركاتها وإخضاعها للمساءلة الشعبية وكسر احتكارها للقوة والثروة معًا.

وكما كتبت روزا لوكسمبورغ: "الحرية هي دائماً حرية من يفكر بطريقة مختلفة". في ظل هيمنة رأس المال العنيف، تعني الحرية أولاً وقبل كل شيء حرية الفقراء من الابتزاز المزدوج: ابتزاز السوق الذي لا يوفر عملاً، وابتزاز الدولة التي تبيع الحماية لمن يدفع. إن كسر هذه الدائرة هو المهمة التاريخية للطبقات المسحوقة اليوم، وأي مشروع تحرري لا يضع تفكيك هذه العلاقة في صميم برنامجه سيبقى أسيرًا للأوهام الإصلاحية.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 4. الدولة البونابرتية الجديدة: من دولة التحديث إلى دولة الأم ...
- 3. البروليتاريا الرقمية والبطالة البنيوية: شباب المدن بين فا ...
- 2. من البرجوازية الوطنية إلى البرجوازية الريعية: إجهاض التصن ...
- في نقد الربيع العربي: نحو نظرية طبقية للانفجارات الاجتماعية ...
- 8. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الثاني
- 7. من حرب الفقراء إلى ثورة المنتجين - الجزء الأول
- 6. استراتيجية التحرر الطبقي العابرة للخطوط
- 5. تفكيك النظام لا إصلاح الأجزاء
- 4. الاغتراب المسلح والأيديولوجيا الزائفة
- 3. اقتصاد الحرب كنمط تراكم موحد
- 2. الآليات الموحدة لإنتاج الفقراء المسلحين
- البروليتاريا الرثة المسلحة في السودان – تشريح نظام التراكم ا ...
- 11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة
- 10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية
- 9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور
- 8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية الملي ...
- 7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية
- 6. تطبيع القسوة: تفكيك المجتمع وتحويل الفقر إلى سلاح
- 5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية
- 4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إل ...


المزيد.....




- الحكم ضد رسوم ترامب.. أهم النقاط بحكم المحكمة العليا وتداعيا ...
- حصري: بدلات جديدة مصممة خصيصا لعناصر الحماية بجهاز الخدمة ال ...
- سيناتور أمريكي عن الرسوم الجمركية: دونالد ترامب سرق أموال دا ...
- حصري.. الصين تحضر جيلا جديدا من الأسلحة النووية برأي استخبار ...
- وزير الخارجية الإيراني متفائل بإمكانية التوصل لاتفاق مع أمري ...
- هل خففت مصر عقوبة تعاطي المخدرات المخلقة؟
- هل هو الحظ العاثر؟.. ميركل تغادر قبل إعلان إعادة انتخاب ميرت ...
- افتتاح المعرض الدولي للفلاحة في باريس وسط مقاطعة مزارعين وغي ...
- السلطات القضائية في فنزويلا تصدر عفوا عن 379 سجينا سياسيا
- -لوف ستوري-: -لعنة آل كينيدي- نغصت قصة حب أسطوري انتهت بمأسا ...


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 5. الدولة الأمنية كفاعل اقتصادي: الميليشيا، الخصخصة، ورأس المال العنيف