أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جهاد حمدان - من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972















المزيد.....



من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972


جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي

(Jihad Hamdan)


الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 02:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الجزء الأول
(1) توطئة: السفر عبر الزمن
قبل يومين، أي الثالث من أيار 2018، زارتني في مكتبي في قسم اللغة الإنجليزية وآدابها في الجامعة الأردنية زميلة لاستشارتي في مسألة أكاديمية. وقد أجبتها بما علمْت فشكرتني. وبينما كانت تهم بالمغادرة نظرت إليّ وعيناها تشعّان بريقاً تجاوز زمكاننا وقالت "جميلة ربطتك الحمراء يا جهاد، فقد مضى زمن طويل لم أر فيه رجلا في بلادنا تحيط عنقه وتزين صدره ربطة حمراء". بل خلتها تخفض صوتها وتعيد العبارة مغيّرةً إحدى كلماتها. ثم تمتمت بكلمات لم أفهمها تماما وغادرت المكان.
لا أدري كيف جعلتني عباراتها أسافر ما يزيد على ستة وأربعين عاما في التاريخ لأعود إلى تلك المجموعة الصغيرة من برّاكيّات الزينكو شرق مدارس وكالة الغوث في مخيم الوحدات للاجئين الفلسطينيين حيث أقمت ردحا من الزمن مع والدتي وأخي سمير. عدتُ إلى جغرافيا الطين والوحل والظلام الدامس فلا كهرباء في التخاشيب ولا شوارع معبّدة تنزرع على حوّافها أعمدة تعلوها مصابيح إنارة خافتة.
خلْفنا على السطر نفسه تخشيبة "أبو وحيد" الذي هاجرت عائلته مرّتين الأولى من النعاني إلى غزة عام 1948 بعد قيام دولة إسرائيل الصهيونية والثانية من غزة إلى هذه الفسحة الخالية من الأرض عام 1967 بعد اكتمال اغتصاب هذه الإسرائيل لفلسطين. وإلى يسارنا تخشيبة "أبو سامي" الذي شاطر أبا وحيد مسار رحلتيه. وفي حين كان أبو وحيد يعتاش من بسطة خضار بسيطة على عربة خشبية متنقلة، اختار أبو سامي الانضمام إلى إحدى المنظمات الفدائية. وبعد اقتتال الأخوة في أيلول عام 1970 وجد أبو سامي نفسه في معتقل الجفْر الصحراوي حيث قضى سنوات قبل الإفراج عنه.
كانت تخاشيبنا هي الأقرب إلى بيوت مخيم الوحدات وأزقته. كان دكان "أبو راتب"، المهاجر من دير طريف، يؤنس وحشة المكان بعد هبوط الظلام لا أدري كيف استحضر حديث زميلتي عن الربطة الحمراء حياة كاملة مليئة بالنشاط الممزوج بقوة الشباب وعنفوانه ورغبته الجامحة بتغيير الواقع الاجتماعي السياسي وبناء عالم تسوده قيم الحرية والعدالة الاجتماعية والاشتراكية.
(2) رحم المعاناة
لا شيء في الحياة يماثل شبيهَه فحتى التوائم المتشابهة تتمايز عن بعضها في سمات معينة وكذلك الأيام والأعوام. ويصّح هذا عندي عن أعوام معدودة عشتها طولا وعرضا ومنها عام 1972. فهو عام الثانوية العامة (التوجيهي) في مدرسة حسن البرقاوي الثانوية الثانية التي كانت تقع تحت "جامع أبو درويش" في جبل الأشرفية. مهام جسام ضمّتها قائمة خطتي لمواجهة الحياة، بعضها وضعتها وحدي وبعضها شاركني غيري ليس في وضعها وصياغتها فحسب بل وفي الرقابة الدورية الصارمة على تنفيذها. تسنّم قائمة أهدافي الخاصة النجاح في التوجيهي بمعدّل مرتفع تقرّ به عيني وتفرح به أمي حميدة أم يوسف، المرأة السمراء الممشوقة، الأنيقة والقوية. لم يكن هذا حلما جميلا صعب المنال. فتاريخي المدرسي وتفوّقي لا يؤشران إلى نتيجة مغايرة في عام الثانوية.
ولكنّ الأمور تبدّلت داخل عائلتي منذ حين. فمحمد ظاهر حمدان، والدي الذي لم يترك مهنة إلا ومارسها ليعيلنا، قد رحل بعد أنْ عشّش غبار مطحنة "الشرايط"، التي هدرت يوما في مخيم الوحدات قرب صيدلية يارد، في صدره ورئتيه. كان يمضي يومه يحشو جوفها بالشرايط (ملابس قديمة من جاكيتات ومعاطف وغيرها) فتطحنها محولة إياها إلى "قطن" يصنع منه الفقراء فرشاتهم ولُحُفهم. مات في مستشفى لوزميلا دون ضجيج. وصار أبو أمجد، فؤاد حمدان، شقيقي الشاب الأسمر الجميل، معلّم القصارة وصاحب "الكوكو" والعضلات القوية يساعد في إعالتنا إلى جانب زوجته الحامل غالية أبو علي وأبنائه الثلاثة أمجد وفيصل وجمال وابنته سميرة. ولكنّ فؤاد رحل قبل أنْ يحتفل بعيد ميلاده السابع والعشرين. وصارت عائلته بحاجة إلى معيل.
كان أيلول 1970 لأسباب يختلف العامّة والخاصّة في توصيفها قاسيا علينا وعلى بلادنا. ولا تنفع المكابرة هنا. لم ينتصر أحد على أحد وإنْ ادّعى ذلك خمسين سنة. فقد خسر الوطن بكل مناحيه وجميع مكوّناته أجمل أبنائه وبناته، وبهَتت أزهى صور لحمته واحتاج سنين طويلة ليضمد جراحه. لم يكن فؤاد مقاتلا في هذا الجانب أو ذاك. لم يتزنّر بحزام من الرصاص ولم يحمل على كتفه بندقية. رحل كمن "أسلم في الليل"، رصاصة رشاش 500 في العنق. لم يتبناه أحد ولم يتكفل عائلته فصيل أو حكومة. فاضت روحه هكذا قُبيل ظهر يوم الأحد العشرين من أيلول. لم يبكه أحد غير زوجته الشابّة المكلومة وغيرنا. هو وأمثاله "الشهداء القتلى" لم تُقَم لهم مراسم دفن. جُمعوا من البيوت والأزقة ومن بين الركام، حُمّلوا في شاحنات وكأنهم أكياس قمامة تعفّن جوفها، ودُفنوا في حفرة كبيرة صنعتها الجرافات على عجل قرب البوابة الرئيسة لمستشفى الأشرفية (البشير لاحقا).
هل عرفتم لماذا كانت تلك السنة مختلفة عن سابقاتها؟ كان عليّ وعلى شقيقي سمير الذي يصغرني بثلاث سنوات أنْ نقبل التحدي ونعمل وندرس في الآن ذاته، وقد فعلنا. وكان على حميدة أبو زينة "أم يوسف" أنْ تقبل التحدي أيضا وتشمّر عن ساعدها. لم نشكُ ولم نتسوّل. العمل ولا شيء غيره طريقنا. كنت أعرف أنّ لهذه السنة هيبتها في الوجدان الشعبي. فمن يرسب في مادة يعيد دراسة جميع المواد وينتظر سنة كاملة. ومن لا يفلح في اقتناص معدل عالٍ، عليه أنْ يعيد الكرّة أو يبحث عن عمل أو وظيفة متواضعة. لم يكن في البلاد إلا جامعة واحدة هي الجامعة الأردنية ومعهد للمعلمين والمعلمات تديره وكالة الغوث الدولية في المقابلين، ومعهدان تديرهما وزارة التربية والتعليم واحد في عمّان وآخر في حوّارة- إربد، بالإضافة إلى معهد الآداب للمعلمين، وهو أول مؤسسة للتعليم العالي في البلاد يديرها القطاع الخاص. وعُرف هذا المعهد باسم معهد علي صبري حتى بعد أنْ غادر هذا التربوي إدارته.
أدركت مبكرا أنّ خلاصي الفردي ممكن ولكنه مؤقت ولابد من الخلاص العام. فمن يعيشون مثلنا ليسوا عشرات ولا مئات. هم ألوف مؤلفّة، عمال وفلاحون وكادحون وفقراء وموظفون وكسَبَة وطلبة ومعلمون رجال ونساء، في المدن والأرياف والبوادي. عليّ أنْ أكون جزءا من تيار كبير ينشد التغيير ولديه برنامج لذلك. وبحثت عن قوى التغيير مستنيرا بما قرأته وعرفته عمّا شهدته البلاد من نضالات لكنس النفوذ الأجنبي من بلادنا وبناء أردن وطني مستقل، حرّ وديمقراطي يعيش مواطنوه بكرامة. وبدأت أتلمس طريقي في ربيع 1970 وكنت آنذاك طالبا في الصف الأول الثانوي (العاشر حاليا). وما هي إلا شهور قليلة وتقدمت بطلب لعضوية حزب العمال والفلاحين والكادحين والمثقفين الثوريين، وصرت على رأي أمي واحدا من "البلشفيك".
عودة على أهدافي العامة. لم يكن المشاركون لي في وضعها من عائلة حمدان ولا من قريتي الخيمة ، من أعمال الرملة، التي كانت معشوقة أبي حتى رحيله في الأيام العشرة الأخيرة من آب 1970. كان بعضهم من مخيمي ومن مدرستي. وتقتضي دقة الحكاية وموضوعيتها أن أشير إلى أنّ بعضهم أيضاً لم يضمّهم يوما أي من مخيمات اللاجئين في الأردن وإن كانوا يعرفونها كما يعرفون قراهم ومضاربهم وحواري مدنهم. وقد جمعتهم مع رفاق لهم في هذه المخيمات غايات وطنية عظيمة وأهداف نضالية كبيرة كلّفهم العمل على تحقيقها سنين عزيزة من التخّفي والحرمان والسجن والاعتقال. لم أكن وحدي، كنا منظمة حزبية صغيرة عدد رفاقها أربعة. قلنا لم نأتِ لهذا الدرب إلا لنصبح مناضلين لا يُخلي أيّنا مكانه في المدرسة دون أنْ ينظّم رفيقا واحدا على الأقل يخلفه. مدرسة حسن البرقاوي لنا وستظل لنا. العار لمن تنتهي رحلته فيها وينقطع حبلُه. وأقسمنا أنّ الغار يليق بن. وكان لنا ما أردنا.
(3) بدايات العمل الحزبي
كانت منظمتنا تجتمع مرة واحدة في الأسبوع على الأقل. لم يكن من السهل أنْ نجتمع في بيوت رفاقي لأسباب كثيرة منها أنّ بعضهم كان واحداً من أفراد عائلة كثيرة العدد ضيّقة المسكن بالكاد يجد له حيّزا فيه، فما بالك بثلاثة آخرين وقائد المنظمة؟ ومنها أنّ بعض رفاقي كان يسكن في عمق المخيّم في منطقة شديدة الحساسية الأمنية قريبا من المكان الذي كانت تحتجز فيه الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (جورج حبش) الركاب الأجانب الذين كانوا على متن الطائرات التي اختطفوها وحطّت في مطار "الثورة" في المفرق، حيث طالبوا بتحرير أسرى فلسطينيين في السجون الإسرائيلية مقابل إطلاق سراح الرهائن. ومع أنّ الجيش الأردني قد حرر المختطفين في الأيام الأولى من الاقتتال في أيلول 1970، إلا انّ دوريات راجلة وأخرى محمولة ظلت تجوب المخيم وبخاصة بعد غروب الشمس. وكانت أي تجمعات وبخاصة إنْ ضمّت أفرادا من خارج "الحارة" تثير الشبهات. ومن أهم الأسباب أنّ قائد منظمتنا كان من خارج المخيم ولا يعرف أزقته ودهاليزه وأي خطأ أو انتباه زائد إليه قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. أضف إلى ذلك انّ بعض الرفاق الذين خصصهم الحزب لإعطائنا دروسا ثقافية في الفلسفة الماركسية والاقتصاد السياسي كانوا في أوائل الأربعينات ولم يكن من السهل تسويقهم عند عائلات فيها رجال حُشَرِيّون من جيلهم.
في هذا السياق الاجتماعي والأمني بدت تخشيبتنا المكان الأنسب لمعظم الاجتماعات. فهي تقع على حافّة المخيم ولا يستغرق الوصول إليها من نقطة انطلاق الحافلات وعودتها أكثر من خمس دقائق. ويمكن الوصول إليها عبر أكثر من مسار ... من طرف المدارس إلى مولّد الكهرباء فبقالة البسيومي ثم انعطافة إلي اليسار نزولا إلى دكان "أبو راتب" فبيتنا ...أو من طرف المدارس فدكان "أبو مخلوف" والزقاق المحاذي وصولا إلى دكان "أبو راتب" فبرّاكيتنا. ويمكن تعديل هذه المسارات مع تراكم خبرات زوّارنا. كانت أسرتي صغيرة وغير مزعجة لا يسكن معنا رجل يكبرني فأنا "سيّد" الدار، ووالدتي تعرف زوارّي ... هم بلشفيك طيبون وهذا يكفي. أسماؤهم ليست مهمة. المهم أنهم يحاولون أنْ يصنعوا شيئا للوطن. أمنهم في غاية الأهمية. عموما لم يكن جيراننا في التخاشيب يعرفون تاريخ بعضهم فرواية من مثل هؤلاء "ولاد صف جهاد وأساتذتهم" بدت لهم مقبولة أو أننا ظننّاها كذلك. فمعظمهم لم يتجاوروا منذ سنين طويلة كما هو حال سكان المخيم الذين تجاوروا منذ عقدين ونيّف. فمخيم الوحدات نشأ برعاية وكالة الغوث الدولية بعيد النكبة الفلسطينية بسنتين أي في بداية الخمسينات من القرن العشرين. والوحدات جمْع وٍحْدة وهي السكن الذي خصصته الوكالة لكل عائلة مهاجرة بمساحة مئة متر تقريبا.
في شباط 1972 زارنا رفيق شرح لنا التطورات السياسية. وكانت العادة أنْ يبدأ المتحدث بتحليل الوضع السياسي على المستوى الدولي فيؤكد على حسم المعركة لصالح المنظومة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفياتي. ومما قاله الرفيق "لقد فقدت الرأسمالية المبادرة التاريخية ولم تعد الإمبريالية قادرة أنْ تعود بالتاريخ إلى الوراء". وبعد ذلك انتقل إلى الوضع العربي ثم إلى الوضع المحلي. وهنا تحدث الرفيق عن تعافي الحركة الوطنية في الأردن بعد الضربة التي تلقتها قبل عامين. وعرّج على بعض النضالات النقابية والجماهيرية لحزبنا. وأكّد على أهمية قيام جبهة وطنية عريضة تضم جميع القوى التي لها مصلحة في الدفاع عن استقلال الأردن والعمل على إلغاء الأحكام العرفية وإشاعة الحريات العامة والديمقراطية والنضال من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية قادرة على حشد الجهود الوطنية في إطار التضامن العربي والتأييد الدولي لإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في عدوان 1967 ومنها الضفة الغربية التي كانت آنذاك جزءا من الأردن. وبدأ الرفيق في استنهاض هممنا مشيدا بتضحيات الرفاق الذين تحملوا جميع صنوف التعذيب والاضطهاد علاوة على السنين الطويلة من السجن والاعتقال دفاعا عن استقلال بلادنا ولتظل راية حزبنا عالية خفاقة، ومن ذلك نضالات رفاقنا في الضفة الغربية ومنهم الرفيق نعيم الأشهب.
وقال: أيها الرفاق! في هذا الشهر نحتفي بالذكرى العاشرة لاستشهاد رفيقنا البطل عبد الفتاح تولستان الأردني الأصيل الذي قضى في أقبية التعذيب مساء الرابع والعشرين من شباط 1962 بإشراف الخبير الألماني النازي (أمريكي الجنسية) الذي استقدِم في إطار العمل بقانون مكافحة الشيوعية. وعرفنا يومها انّ عبد الفتاح الشركسي الوطني الأممي الجميل كان أول معتقل سياسي يفقد حياته تحت التعذيب في الأردن. وعرفت فيما بعد أنّ أهله نجحوا في الذكرى الأولى لاستشهاده في نشر خبر حول مأثرته الخالدة.
(4) بعد عبدالفتاح، أضاء حسن حمزة مشعلا أخرعلى الطريق
حدث كل ذلك في يوم واحد. كما يفعل كل يوم، غادر المعلم عبد الفتاح تولستان بيته وعائلته إلى عمله في مدرسة الأمير محمد التي تقع في وادي سرور ليس بعيدا عن نهاية الدرج الطويل الذي يصل جبل الأشرفية بوسط البلد (عمان) وجسر الحمّام. علّم الحصص الثلاث الأولى وذهب لقضاء الاستراحة مع زملائه في غرفة المعلمين. كان يوما ماطرا. ربما تحدثوا عن فصل ربيع تنشر فيه الزهور عبقها على جنبات الطرقات، وعن موسم حصاد خصيب يكافيء عرق الفلاحين وسهرهم. ولكنّ جرس انتهاء الاستراحة باغتهم. وما هي إلا دقائق وكان عبد الفتاح مع تلاميذه باسما متفائلا يقدّم لهم العلم والمعرفة. جاؤوه وظهره إلى طلبته. كان يكتب على اللوح. انتبه إلى تلك الجلَبة، قيّدوه أمام تلاميذه. لم يعطوه فرصة ليودعهم بكلمة، ليُهدّئ من روعهم، ليلوّح لهم بيده. كانت الساعة تشير إلى العاشرة. ساقوه عنوة من المدرسة إلى دائرة المخابرات العامة. دقائق معدودات وكانوا هناك، فشوارع عمّان لم تكن مزدحمة لا بالمارة ولا بالسيارات. لكنها كانت نقلة فظيعة، فمن الأقلام إلى السياط والصدمات الكهربائية. لم يبح عبد الفتاح إلا بما تحويه بطاقته الشخصية من معلومات. دخل في العاشرة صباحا على قدميه وفي العاشرة مساء كان قد رحل. تحوّل إلى شهيد شيوعي يلهم صموده رفاقه الذين عرفوه أو عاصروه أو الذين التحقوا بالحزب بعد رحيله. وقد تكون قصته ألهمت شبابا وشابات أردنيين متحمسين فانضموا إلى الحزب للدفاع عن حرية وطنهم واستقلاله. هذا كلّه رواه لنا رفيقنا وشعرنا بالزهو والفخار أنّنا من الحزب الذي أسهمت تضحية عبد الفتاح بروحه في سبيله، وقبله صمود مئات من الرفاق في سجن الجفر الصحراوي لمدة ثماني سنوات بعد الانقلاب على حكومة سليمان النابلسي المنتخبة عام 1957، في بقائه قائدا طليعيا ننضوي تحت لوائه.
لم يكن عام 1972 عاما عاديا في حياتي. جاء المراسل إلى صفّنا وهمس شيئا ومضى إلى معلم التاريخ، أحمد عقل الذي أبعدته سلطات الاحتلال الصهيوني من بلدته حلحول في الضفة الغربية. نظر المعلم إليّ وقال "جهاد المدير بدّو اياك". نهضت ومشيت باتجاه الباب وأنا أنظر باتجاه زميلي محمد الخطيب أحد المواظبين على قراءة جريدة الحزب في المدرسة. وعندما مررت بجانبه ضغطتُ على كتفه وتابعت سيري إلى غرفة الإدارة. كنا نعرف انّ زميلا لنا اعتقل بعد استدعاء مشابه. على باب الإدارة، وقف مدير المدرسة حسن حمزة (أبو حسام) باشّاً فاطمأننتُ. دخلت لأجد زميلين آخرين. رحّب بنا أبو حسام وقال: كما تعلمون لمدرستنا تاريخ مجيد في الجدّ والتفوق وأنتم كما يشير سجل علاماتكم أوائل صفوف التوجيهي في مدرستنا. وأتوقع منكم أنْ تسيروا على نهج زملائكم. فعلي التلاحمة حصل على المرتبة العاشرة في المملكة العام الماضي، ونحن نعتز به ونفخر، وهو الآن مبعوث على نفقة وزارة التربية والتعليم يتخصص في اللغة الإنجليزية في جامعة الكويت. وأنتم لا تقّلون عن زميلكم اجتهادا. سأتابع أمور دراستكم مع المعلمين وسنلتقي مرة على الأقل كل شهر لأسمع عن حصادكم. لأول مرة أسمع مديرا يتحدث معي وزملائي مشجعا. جاء الشاي واحتسيناه معا. تحدثنا باقتضاب شاكرين له اهتمامه بنا ووعدناه بأن نكون عند حسن ظنّه. عدنا إلى صفوفنا تملؤنا النشوة.
من يومها أصبح لي مكانة مميزة في المدرسة وزاد اهتمام أساتذتي بي. لقد ساعدني هذا اللقاء في توسيع صلاتي بطلبة الصفوف الأخرى وانعكس ذلك في زيادة توزيع أعداد جريدة الحزب السرية في المدرسة وزيادة حجم التبرعات التي أسلمها للحزب نهاية كل شهر. قبل لقاء المدير بنا لم أفكّر بما بعد التوجيهي. المهم أنْ تمضي السنة بخير. عليّ أنْ أواظب على الدرس فأتغلب على عدم وصول الكهرباء إلى التخشيبة بالذهاب إلى شارع مادبا المحاذي للمخيم وأدرس تحت أعمدة الكهرباء دون أي كلفة ماديّة. ومن باب التغيير أقبل أحيانا دعوة زملائي خضر الكوز ووليد الخطيب وفايز درويش، الذين كانوا يسكنون بيوتا عرفت أسلاك الكهرباء طريقها إليها غير بعيد عن هذا الشارع، فأدرس معهم وأبيت عندهم. ما زلت أشعر أني مدين لهم ولعائلاتهم وبخاصة إلى خالتي أم وليد وخالتي أم فايز، بجانب مما حققته من نجاح في التوجيهي.
فتح اللقاء مع المدير آفاقا جديدة أمامي، فقد أحصل على معدل مرتفع وقد أكون مثل علي التلاحمة من أوائل المملكة فأحوز على بعثة دراسية وأتعلّم على نفقة الدولة بل وأفيد من الجراية الشهرية في إعالة والدتي وأخي، وربما أستغني عن العمل الإضافي في سوق الخضار المركزي في تحميل وتنزيل البكبات أو في تحميل وتنزيل أكياس الإسمنت وقضبان الحديد من وإلى محلات شريف وغيرها في سوق الوحدات. لله درّك يا أبا حسام فقد فتحت عيوني المغمضة على كنز مغطّى بقشّ يعلوه شيء من التراب.
(5) بين لوكس الكاز ومقاهي المخيم: دراسة وكفاح وترفيه
وضعت لنفسي برنامجا أسبوعيا صارما له محددات واضحة مع مرونة في حركة مكوّناته. مكونات البرنامج: الدراسة الأكاديمية، المطالعة والتثقيف الذاتي، العمل لتأمين مصروف معقول، النشاط الحزبي وحضور الاجتماعات، بالإضافة إلى النشاط الاجتماعي والترفيه. بالنسبة للدراسة، فساعاتها يجب أنْ لا تقل في المتوسط عن ثلاثين في الأسبوع على أنْ يكون معظمها بعد الغروب داخل البيت على ضوء لوكس الكاز (فانوس) الذي يضيء بواسطة شنبر خاص لا تقل قوة إنارته عن لمبة 75 واط. ولكنّ مشكلته الرئيسة هي أنْ يهوي بعد التاسعة مساء مع عدم توفّر شنبر احتياط. فأبو راتب يغلق دكانه بحدود هذا الوقت. وعندها يظل الخيار الوحيد شارع مادبا عدا الأيام الباردة والماطرة. واخترت أنْ أرتب دراستي بحيث أراجع الدروس الماضية ثمّ أحضّر برنامج دروس اليوم الآتي.
أمّا المطالعة والثقافة الذاتية فتركّز معظمها على قراءة الروايات والشعر وما ينصحنا به الحزب من قراءات. ومن الروايات التي قرأتها "كيف سقينا الفولاذ" لنيكولاي اوستروفسكي، "الأم" لمكسيم جوركي، "الدون ا الهادئ" لميخائيل شولوخوف، "البؤساء" لفكتور هيغو، وغيرها. ومن الشعر قرأت ما تيسّر من أشعار توفيق زيّاد وسميح القاسم ومحمود درويش. فتوفيق وسميح كانا شيوعييْن بارزيْن ظلّا منزرعيْن في أرض الآباء والأجداد. أما محمود فكان قد ترك الحزب الشيوعي- راكاح وغادر البلاد. تعلمت كثيرا من هذه الأشعار لكن مسؤول منظمتنا آنذاك الرفيق نبيل عمرو كان ينتقد محمود لمغادرته وطنه والتحاقه بمنظمة فتح. حدّثنا مرة فقال: تعرّفت على محمود في مؤتمر الشباب الديمقراطي العالمي في براغ عام 1968 إذ شارك محمود فيه ضمن وفد شبيبة الحزب الشيوعي الإسرائيلي- راكاح. وبعد سنتين غادر محمود إلى القاهرة بترتيب مع فتح ثم انتقل إلى بيروت. ولا أخفي عليكم أنني تأثرت بما قصّه رفيقنا فخفّ حماسي لقراءة أشعار درويش، ولو إلى حين. لم أفصل آنذاك بين الشيوعي والوطني عند درويش ولم أدرك أنّ اختلاف الشاعر مع الحزب واستقالته منه أو مغادرته بهدوء ودون ضغوط الأجهزة الأمنية هو حق شخصي لا يجوز تجريم من يمارسه. ومن الشعر الإنساني العالمي جذبتني أشعار الشعراء الشيوعيين: الإسباني فيدريكو لوركا والتركي ناظم حكمت والتشيلي بابلو نيرودا.
وبالنسبة لبرنامج العمل، كان مرنا جدا. فبالإضافة إلى فرص العمل في السوق المركزي وسوق الوحدات، توفرت مجالات أخرى للحصول على دخل متواضع مثل "رفع" الطوب ومواد البناء الأخرى كالناعمة والعدسية وحتى الإسمنت إلى الطوابق العليا أو تحميل الطمم بل وحفر الأساسات في قطع البناء غير الصخرية. حددّت ساحات النشاط الحزبي ومجالاته. فساحته الرئيسية ثانوية حسن البرقاوي الثانوية الثانية ومخيم الوحدات على اتساعه. أما هدفه فتمثّل في تقديم مثال شخصي في السلوك العام يُعلي من قيَم الصدق والنزاهة والشجاعة وجذب أصدقائي للحديث في السياسة ومتابعة التطورات السياسية وبخاصة داخل البلاد بالإضافة إلى التركيز على واقعهم الطبقي والصعوبات التي يواجهها العمال والفلاحون وصغار الكسبة في تأمين دخل يلبي متطلباتهم المعيشية الأساسية. ويظل الهدف الأسمى زيادة توزيع جريدة الحزب وضمّ رفاق جدد إلى عضويته.
الإنسان ليس آلة تعمل بلا كلل أو ملل. فالنفوس تتعب والقلوب تصدأ، ومن هنا تأتي أهمية الترفيه. وفي حالتي اتّخذ ذلك أشكالا محدودة منها المشاركة في الرحلات المدرسية الموسمية. وفي الواقع لم تنظّم المدرسة أي رحلة في ذلك العام. وما أتذكره أنّنا نظّمنا رحلة على مسؤوليتنا إلى البحر الميت، وكنت من المجموعة التي دارت على شركات الباصات لحجز باص صغير. ولكنّ الباص لم يأتِ في الموعد المحدد مع أننا دفعنا عربونا وما من سبيل للاتصال بالشركة فالهواتف الأرضية محدودة جدا وإنْ وُجدت ففي منازل ومحلات قليلة. وربما لم يتخيّل أوسعنا خيالاً آنذاك انّ هاتفا نقالا سيكون في جيب كل منا بعد قرابة ثلاثة عقود من تاريخ تلك الرحلة. ولمواجهة حراجة الموقف اقترح أحد الطلبة أنْ نستأجر بيك أب من تلك التي تمر بقربنا وتم ذلك. وعلاوة على الرحلات كانت المقاهي الشعبية في المخيم متنفسا معقولا. ومن أشهر تلك المقاهي مقهى مشمش مقابل موقف الباصات على مدخل السوق ومقهى الدّش غير بعيد منه ثم مقهى "أبو جعفر" ومقهى "أبو طلال". في هذه الأماكن مارسنا لعب الشّدّة (الورق) وبخاصة لعبة الَهَند والبناكل والتريكس. وبعيدا عن مركز المخيم وقريبا من الورش الصناعية التي نشأت على أطراف المخيم بمحاذاة شارع مادبا أدار شاب وسيم من جيلنا هو جمال الجلّيس مقهى صغيرا يخدم الورش في النهار ويوفّر فرصة في المساء للهو ولعب الشّدّة.
(6) أغنيات على هوامش الكتب ودراسة وسياسة في بيئة صعبة
للقارئ أن يتخيل أنّ "منزلا" لا يتصل بسلك مع عمود الكهرباء الذي تسافر من أعلى رأسه الأسلاك حاملة الضوء إلى المنازل الإسمنتية المجاورة لا يمكن أنْ يكون فيه تلفاز. فأقصى الطموح وجود راديو ترانزيستور يعمل بالبطاريات الجافة يصلنا بما حولنا من أخبار ويرفّه عنا بما يبثّه من موسيقى وأغانٍ ومسلسلات وبرامج مسابقات. نسمع ولا نرى، فالأذن تترفّه قبل العين أحيانا. كنت أحفظ أوقات البرامج والمحطات التي تبثّها، فأجد طريقي إلى فيروز وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وليلى مراد ومحمد عبد المطلب واسمهان وأخيها فريد الأطرش. وإنْ بلغ الطرب مني مداه في جوف الليل، أبدأ بكتابة ما يصدح به المذياع من غناء على حواشي الكتاب الذي كنت أراه يرمقني طالبا استراحة ولو قصيرة. فعلى هوامش كتاب التاريخ العربي تسللت أغانٍ لفيروز منها: لو أنّ قلبي معي ما اخترتُ غيركمُ ولا رضيت سواكمْ في الهوى بدلا لكنّهُ راغبٌ فيمن يعذّبهُ وليس يقبلُ لا لوماً ولا عدلا
في الواقع تزيّنت صفحات جميع كتبي بالأغاني والأشعار ولم يكن هناك استثناءات. وأذكر مرة أنّ هذه العادة كادت تحرجني عندما طلب مني معلّم الدين جمال عطاري وهو يقف بجانب مقعدي في نهاية الصف أنْ أقرأ آية من الكتاب فحاولت ما استطعت إخفاء هوامش الصفحة الموشّحة بأبيات من قصيدة الحصري القيرواني التي مطلعها:
يا ليلُ الصبّ متى غدهُ** أقيام الساعة موعدهُ
رقدَ السمّارُ وأرّقهُ * أسَفٌ للبين يرددهُ
أحسستُ يومها أنّ عين المعلّم وقعت على ما خطّته يداي ولكنّه "اختصر الشرّ"، وربما أحسّ بذلك أيضا شريكي في المقعد محمد الخبّاص الذي رسمت عيناه خطّا بين يدي التي تخفي الهامش وعين المعلم التي تتابع حركتها المشبوهة. ومن المفيد الإشارة إلى أنّ كتاباتي على الهوامش انطوت على فوائد غير منظورة. فمن جهة كانت تبعث فيّ التفاؤل وأنا أرى عيوني تبدأ بها عندما أفتح الكتاب وتشرد إليها عندما أملّه أو يملّني. أمّا الفائدة الكبرى فتمثّلت في ما كنت أقيمه من علاقة بين موقع كل أغنية أو قصيدة على الكتاب وموضوع الصفحة التي كُتبت عليها مما ساعد في تنمية ذاكرتي التصويرية في حفظ صور ذهنية لمحتوى الصفحات فتمرّ أمامي كشريط سينمائي ملوّن عند إعادة استذكارها ومراجعتها.
بشكل عام سار العام الدراسي على ما يرام وظلّت عيون مديرنا تتابع إنجازاتنا. وجاءت نتائج النصف الأول مشجعة جدا. فقد تجاوزت التسعين من مئة في معظم المواد بل إنني تفوّقت على نفسي في بعضها، فحصلت في التاريخ العربي والقضية الفلسطينية على 99. وفي هذا السياق أرى من الإنصاف أنْ أشيد بمعلم التاريخ أحمد عقل الذي جاءنا من حلحول في الضفة الغربية ليس منقولا من مدرسة إلى أخرى بل مبعدٌ من سلطات الاحتلال الإسرائيلي عقابا له على موقفه المعادي للاحتلال. درّبنا كيف نقرأ التاريخ وفتح عيوننا على عدم وجود قراءة واحدة لأحداثه وبخاصة المهمة منها. فما نمرّ عليه في الكتب المدرسية أو المسموح تداولها في بلداننا أملاه المنتصرون وكتبه مؤلفون من أنصارهم أو مستكينون لمشيئتهم. كنت قبل ذلك أرى في مادة التاريخ عبئا ثقيلا تتطلب صمّ السنوات والأسماء والأحداث وبعد تدريب المعلم عقل لنا صار التاريخ متعتي وطريقي لتعزيز السردية التاريخية التي أراها معقولة ولكن دون إهمال السنوات والأسماء. وبدأت أدرك أهمية إعادة قراءة التاريخ وكتابته وتحويله إلى سلاح في معركة التغيير الاجتماعي الاقتصادي. ولا شك أنّ دروس الفلسفة الماركسية وبخاصة المتصلة بالمادية الجدلية (الديالكتيك) والمادية التاريخية بالإضافة إلى التحليلات السياسية التي كنّا نتلقاها من رفاقنا الذين لم أكن أعرف أسماءهم جميعهم آنذاك، ومنهم فتحي الحلو وفرج اطميزة ونبيل عمرو ومحمد مشرف ومحمد صالح ملحس (أبو فتّاح) وآمال نفاع (أبو خلدون) ووليد العطيوي (أبو علي) قد ساعدتني كثيرا في التجاوب مع دروس التاريخ والفلسفة في المدرسة.
لم يكن لمعلم الفلسفة محمد عيد خلفية سياسية واضحة. كان هادئا يشرح لنا مادة الكتاب دون توسّع. في الحقيقة، كانت تلك مرحلة سياسية حرجة في بلادنا. فأيلول بجراحاته وعذاباته بل وشروخاته يمسك بذيول معاطفنا وأثوابنا وعباءاتنا. وتطورات الأحداث تجرّنا إلى ما هو أسود خلفنا. فلم تمضِ ثلاثة شهور على بداية العام الدراسي حتى وقع يوم 28 تشرين الثاني 1971 حادث اغتيال وصفي التل رئيس الوزراء الأردني في فندق الشيراتون في القاهرة التي وصلها للمشاركة في اجتماع مهم. وأعلنت منظمة أيلول الأسود بغباء مسؤوليتها عن العملية. وإثر ذلك عادت أجواء التوتر إلى البلاد. وظهر ذلك جليّا في تكثيف الدوريات الراجلة في مخيم الوحدات. وانعكست كل هذه الأجواء وما سبقها على مناخات التعليم وأجوائه. وبدأ الإخوان المسلمون يملؤون الفراغ الذي تركته هزيمة المنظمات الفدائية وحلفائها في الحركة الوطنية الأردنية الذين تخلوا عن دورهم وسلّموا أمرهم لياسر عرفات زعيم حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية. في ظل هذه الأجواء الأمنية زحف الإخوان على وزارة التربية والتعليم وأصبح أحد زعمائهم، الدكتور إسحق الفرحان، وزيرا لها.
في تلك الفترة لم تشهد مدرستنا وربما غيرها من المدارس أية نشاطات أو احتفالات ذات صبغة سياسية، باستثناء ذكرى معركة الكرامة. فلا فعالية للتنديد بوعد بلفور المشؤوم ولا حتى إحياء ذكرى تعريب الجيش وطرد قائد الجيش جلوب باشا "أبو حنيك". آنذاك لم يكن للإخوان المسلمين ولا منافسهم حزب التحرير نشاط ملحوظ بين طلبة المدارس الثانوية ومعلميها. لم يكن بين طلبة التوجيهي في مدرستنا أي عضو في الإخوان ولم ألحظ وجودهم بين المعلمين. ولم تكن موجة اللحى الطويلة والشوارب المحفوفة والأثواب القصيرة "الدشاديش" والشباشب والصنادل المصاحبة لها قد شقت طريقها إلى المدارس والصفوف. وهذا كله كان مفهوما، فالمنظمات الفلسطينية وحلفاؤها الأردنيون حملوا السلاح ضد إسرائيل ورفعوا شعار تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، وتبعهم في ذلك الحزب الشيوعي الأردني فأطلق منظمة قوات الأنصار. وتماهت أحزاب الحركة الوطنية الأردنية إلى حد بعيد مع شعارات منظمة التحرير وفصائلها مما جذب أعدادا هائلة من الشباب لتأييد هذه الحركة الكفاحية العامة والانضمام إلى إحدى تنظيماتها. أما الإخوان وما شابههم فعادوا هذه الحركة العامة، فتراجع دورهم في الحياة العامة.
(7) التوجيهي بين زمنين
تقدمنا لامتحان الثانوية العامة في بداية صيف 1972. ترتيبات الامتحان وبرنامجه لم يميّزها الترف الذي حظيت به الأجيال اللاحقة من الطلبة، فلا تتجاوز أيامه أسبوعا، بل شهدت بعض الأيام امتحاناً صباحياً وآخر بعد الظهر. والامتحان دورة واحدة، فلا دورة صيفية ولا شتوية، وفي جميع المادة الدراسية من الجلدة إلى الجلدة. والنجاح يعني حصول الطالب على علامة الحدّ الأدنى في جميع المواد المقررة. ومن يخفق في مادة واحدة، يتوجب عليه إعادة جميع المواد ليس في دورة تكميلية، بل في الموعد إيّاه من السنة القادمة. لم تكن الأحكام العرفية سيّدة الحياة العامة في السياسة فحسْب، بل في التعليم أيضا. فلم تشهد تلك الفترة أيّة نقاشات عامة جديّة في الصحافة أو الإذاعة والتلفزيون حول امتحان التوجيهي من حيث المحتوى وعدد المواد المشمولة والترتيبات. فذلك بدا من التابوهات التي لم يقترب منها لا الراسخون في العلم ولا الواقفون على أطرافه.
+1
استضافني زميلي وليد خالد الخطيب (المحامي اللامع لاحقاً) في منزلهم معظم أيام الامتحان. وكان خضر الكوز (إداري مخضرم في نادي الوحدات وعضو المجلس الوطني الفلسطيني لاحقا) ينضم إلينا بين حين وآخر. نعود متعبين وبخاصة بعد التقدّم لامتحانين في يوم واحد فتستقبلنا الخالة أم وليد هاشّة باشّة ولسانها يلهج بالدعاء لنا بالنجاح. ويمرّ علينا أبو وليد (الذي كان معلما للفن في مدرسة عبد الرحمن بن عوف) مشجعاً ومستفسراً بلطف عن أدائنا. نتغدّى ونرتاح قليلاً ونتابع الدرس لامتحان الغد. وقد يأخذ بعضنا "تعسيلة" يلتحق بعدها برفاقه. التعب الممزوج بالقلق والأرق والأمل والطموح فعل فعله أيضا. كنّا نصحو ورؤوسنا "مقلوبة" احياناً. وهذا ما حدث معي مرة بعد غفوة أخذتها عصراً استعداداً لامتحان التاريخ العربي والقضية الفلسطينية في اليوم الآتي. صحوت ولم تكن الشمس قد غابت فتهيّا لي انّ يوماً جديداً قد بدأ وفاتني الامتحان. فتوترت وبدأت بالصراخ وسمعتني أم وليد فدخلت محاولة تهدئة روعي وأنا أوجّه لها اللوم "لماذا تركتموني نائما فضاع الامتحان؟ ماذا فعلت لكم؟ وكيف ستستقبل والدتي رسوبي؟" وهي تمسح على رأسي وأدعيتها تملأ الغرفة باذلة جهدها لطمأنتي أنّ اليوم الجديد لم يبدأ وأنّ وليدا وصل مشواراً قصيرا ويعود في الحال. وأنا أقول "لا هو في الامتحان الآن". ودخل وليد وبدأ يضحك ويقول "والله إنك ضيّعت". ولم يعُد عقلي إلى رأسي إلا بعد حلول الظلام. وعُدنا إلى الضحك والدراسة وظل وليد وأهله وأصدقائي الذين وصلهم الخبر يتندّرون عليّ ردحاً من الزمن.
انتهت الامتحانات ومضى كلّ منّا إلى شأنه منتظرا إعلان النتائج أواسط تموز. ومع اقتراب الموعد تتسارع دقات قلوبنا وتقفز أمامنا خططنا وأحلامنا. لم تكن فرص التعليم بعد التوجيهي كثيرة ومتنوعة كما هي هذه الأيام. ففي البلاد جامعة واحدة هي الجامعة الأردنية التي مضى على تأسيسها آنذاك عقد من الزمان، وطاقتها الاستيعابية محدودة ويلتحق بها أصحاب المعدلات القادرون على المنافسة. لم يكن حينها حصص (كوتات) ولا مكرمات. وإلى جانب الأردنية، كما بيّنت سابقا، معهدان حكوميّان للذكور واحد في عمّان قرب مدرسة رغدان الثانوية المشهورة والثاني في حوّارة في إربد، بالإضافة إلى معهد الأميرة عالية للمعلمات في عمّان. وهناك معهد بجناحين للذكور والإناث في المقابلين تديره وكالة الغوث الدولية والقبول فيه محصور تقريبا بأبناء اللاجئين الفلسطينيين. وفي عجلون معهد معلمات حكومي. ويساند هذه المعاهد معهد العلوم والآداب الخاص. هذه هي فرص التعليم الداخلية المتاحة بعد الثانوي.
امّا الفرص الخارجية فمحدودة منها جامعة دمشق حيث المنح التي يوفرها حزب البعث العربي الاشتراكي (جناح سوريا) ويقصدها الطلبة الباحثون عن التعليم المجاني. وهناك بعض الجامعات العربية التي يذهب إليها الطلبة كمبعوثين من وزارة التربية والتعليم أو المنظمات الفدائية التي حافظت على وجود سرّي محدود في المخيمات، وحزب البعث العربي الاشتراكي (جناح العراق) ومنها جامعة بغداد والكويت والجامعة الأمريكية وغيرها. أمّا الشيوعيون فلم ينقطعوا عن توفير تعليم عال لرفاقهم وأصدقائهم في الاتحاد السوفياتي وبقية البلدان الاشتراكية. وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة كان من المألوف أنْ يلتحق عدد غير قليل بسوق العمل مباشرة وينتسبون في الوقت نفسه لبعض الجامعات اللبنانية وأهمها جامعة بيروت العربية. وفي سياق هذه الفرص كان كثير من الطلبة يتجهون إلى معاهد المعلمين التي تديرها الحكومة أو الوكالة، فالدراسة فيها سنتان ومجانية تقريبا وشهادتها محترمة جدّاً. ومن يحصل على دبلوم المعهد يجد عملا مباشرة داخل البلاد وفي الخليج وبخاصة في السعودية. وليد كان يفكر بالانتساب إلى جامعة بيروت العربية وخضر الكوز يحلم بمعهد الوكالة ومثله حسن مصطفى ومحمد مطاوع. أما أنا فظل صدى كلام مديرنا حسن حمزة يحاصرني، فقد أبليت بلاء حسنا في الامتحان وأتطلع إلى الحصول على منحة من وزارة التربية والتعليم لإكمال تعليمي الجامعي. لم يساورني شك في ذلك. فالحلم على مرمى حجر وسيتحقق.


(8) يوم 14 تموز 1972 يوم مشهود في اللوح المحفوظ
جاء اليوم الموعود وأكدته نشرات الأخبار في الراديو والتلفزيون. وجميع طلبة التوجيهي يحبسون أنفاسهم بانتظار إعلان النتائج، حيث تبدأ المراسم بمؤتمر صحفي يعقده وزير التربية والتعليم يعلن فيه نسب النجاح في كل فرع من فروع الثانوية وأسماء العشرة الأوائل في المملكة. وبعد ذلك يتناوب المذيعون على مدى أيام في قراءة أسماء الناجحين لتصل إلى جميع المدن والقرى والمخيمات والأرياف إذ لم يكن إيصال النتائج ورقيا من خلال الوزارة أو عبر الصحف أمرا يسيرا. ولم يتخيل أحد أنّ الإنترنت سيصبح متاحا في بلادنا بعد عقدين تقريبا.
كانت الولاية السياسية للمملكة آنذاك تشمل الضفة الغربية التي نجت من سيطرة العصابات الصهيونية عام 1948 إثر إقامة دولة الصهاينة على 78% من مساحة فلسطين. وفي عام 1950 أصبحت رسميا جزءا من الأردن وكان ذلك بعد قرارات مؤتمر أريحا الذي عقد في 1 كانون الأول عام 1949. وبدأت كلمة فلسطين تختفي من المطبوعات وأصبح سكان الضفة الغربية ومن هاجر إليها قسراً من أهلهم بفعل الاغتصاب الصهيوني أردنيين يتمتعون بحقوق دستورية متساوية مع أهلهم شرقي النهر. لم أفكر بالذهاب إلى المدرسة لاستلام نتيجتي ولم تحثّني والدتي على ذلك. فكلمات مدير المدرسة أبي حسام تسكن رأسي وصداها يتردد في أركان التخشيبة، فقد غرستُ أجمل الزرع فلماذا لا أجني أغلّ الحصاد.
وبدأ المؤتمر بكلمة الدكتور إسحق الفرحان، وزير التربية والتعليم. الدقائق تمرّ بطيئة وأنا أستحثّه أنْ يسرع، فنِسَبُ النجاح على أهميتها لا تعنيني. أريده أنْ يصل إلى الأسماء وها قد فعل. ألأول على المملكة في الفرع الأدبي هاشم عوض حسين المومني من مدرسة ذكور النعيمة الثانوية. الثاني على المملكة جهاد محمد ظاهر حمدان من مدرسة حسن البرقاوي الثانوية الثانية. وتوالت الأسماء. وبدأت زغاريد أم يوسف تملأ المكان وتجذب الجارات والجيران. ولم تعد حميدة لوحدها فصارت قائدة سرب المزغردات. وتحوّلت التخشيبة وساحتها المتواضعة التي ملأتها كراسي القش البسيطة ذات الأرجل القصيرة المستأجرة من إحدى المقاهي في المخيم إلى مزار أمّه المهنّئون على مدى أيام. جاء للمباركة والمشاركة جيران وأقارب وأصدقاء وزملاء. وقدِم شباب من مخيم الوحدات لم ألقهم من قبل. سمعوا بقصة نجاحٍ شابّ يشبههم فحضروا للاحتفاء به وبها. وربما كان هؤلاء أكثر من فرحت بهم. كان الناس يأتون بلا موعد ... على البركة والتساهيل. ومن الذين أتوا محمود حسن أبو الرز، طالبٌ مثلي ممن خبروا السكن في البرّاكيات ولكن في مخيم البقعة وقهروا الفقر وكانوا من الفوّازين.
فقد فاتني القول إنني لم أغلق المذياع بعد قراءة الوزير لاسمي، فقد تابع... الثالث في المملكة محمود حسن مصطفى أبو الرز من مدرسة ذكور البقعة الثانوية. رأيت أمي تقبله وهو يبارك لها ويقبل رأسها وهي تبارك وتزغرد له. شاب طويل منتصب القامة، جهوري الصوت، جميل المحيّا، تشعّ عيونه ذكاء. تعانقنا وهو يقول لقد سبقتني بأربعة أعشار. ذهب إلى جامعة الكويت وتخصص في اللغة الإنجليزية وآدابها وصال وجال بعد ذلك في جامعة هارفارد وغيرها وتسنّم أعلى المناصب. وظل الدكتور أبو أنس صديقا وفيا وأخا حبيبا. وفي كل مرة نلتقي يناكف أم المؤيد ويمازحها: كلهن أربع أعشار. أما معدّلي فكان 88.7 فقط لاغير.
صحيح أنني توقعت نتيجة الامتحان وسرح خيالي بعيدا يرسم خطتي الدراسية بعدها. أألحق بعلي التلاحمة ابن مدرستي العاشر في المملكة العام الفائت فأراني طالبا في قسم اللغة الإنجليزية وآدابها في جامعة الكويت أم أنّ للحزب رأيا آخر لا بدّ من احترامه؟ ولكن الصحيح أيضا أنني لم أفكر بكيفية التعامل مع النتيجة اجتماعيا. لم أفكر بكيفية استقبال المباركين ولا بأباريق الشاي والقهوة وكاسات العصير ولا ببعض الأقارب الذين يأتون من أماكن بعيدة وبحاجة إلى غداء أو عشاء بل مبيت أيضا. ربما لم أجرؤ على التفكير بذلك، فقد كفاني وضعنا الاقتصادي "الميسور" محنة الانشغال بالأمر وتركته للتساهيل. ولكني لم أكن أدري انّ حميدة سبقتني وأعدّت للمناسبة عدّتها.
ففي صباح اليوم الثاني طرق الجزّار أبو محمد النمروطي الباب ومعه ذِبْحٌ سمين. وكانت مناسف لذيذة تليق بالمناسبة. شكرت والدتي على حسْن صنيعها ولم أسألها كيف تدبّرت أمرها ولكنني كنت متأكدا أنها رتّبت دفع ثمنه على عدة أشهر وربما تبرّع أبو محمد الذي كان صديقا لوالدي من أيام مخيم عقبة جبر بجانب من تكاليف الوليمة. مناسبة كهذه تستجلب بعض الهدايا. تغيّر محتوى هدايا المباركين مع الزمن ولكنّ معناها وأهميتها لم يتغيّرا. الهدايا ونقوط العرس في كثير من الأحيان مثل الديون والقروض، يسدّدها مقدموها عندما يحين أوانها. وهناك دائما هدايا تؤسس لما بعدها ولا تكون "سداداً" لهدية سابقة.
من النوع الأول تلقينا أعدادا كبيرة من باكيتات السكر والأرز التي لايزيد وزن معظمها عن ثلاثة كيلو غرام، إذ لم تكن أكياس البلاستيك قد عرفت طريقها إلى بلادنا. وفي حالات محدودة أحضر بعض الأقارب الموسرين شوالات من وزن خمسين كيلوغراما قمنا بعد انتهاء المناسبة ببيعها لأبي راتب صاحب البقالة الأشهر في الجوار. وتلقينا أدوات منزلية لم أتابع كيف تعاملت معها والدتي. وهناك هدايا أفرحتني جاءت على هيئة قمصان أو كَنْزات. وهذه كلها على أهميتها مرّت دون أنْ تترك عندي بصمة مميزة أو أثراً كبيراً إلّا واحدة ما طوتها السنون ولا لفّها النسيان.
الجزء الثاني
(9) ربطة العنق الحمراء… هدية رمزية ظلِمتها المرحلة
كان رفاقي في المدرسة وفي المخيم في مقدمة المباركين لي ولكنّ أيا منهم لم يأتِ بهدية. لقد أبدوا ابتهاجهم بنتيجتي وأسمعوني كلمات وعبارات جميلة ولم يبخلوا عليّ بالعناق والقبل، وساهموا معي في استقبال المباركين والترحيب بهم. وكان ذلك موضع تقديري واحترامي. فهم من طينتي الطبقية ويبدو أنهم كانوا يتمثّلون قول المتنبي في ظل العُسْر وضيق ذات اليد. "لا خيلَ عندك تُهديها ولا مالُ فلْيُسعدِ النطقُ إنْ لم تُسعدِ الحالُ".
أمّا رفاقي القياديّون، فلا وسيلة لإبلاغهم النتيجة. فلا يوجد جهاز هاتف واحد في حيّنا لأستخدمه. وحتى لو وُجد، فلا أعرف لرفاقي رقم هاتف لأتصل به، هذا إنْ كان لديهم هاتف. وربما علِم بعضهم بالنتيجة التي أعلنها الوزير في مؤتمره الصحفي مباشرة أو عبر رفاق آخرين، وربما لم يتابعوا الموضوع أصلاً، ولكنهم في جميع الأحوال لم يكونوا من بين أوائل المهنئين. وهذا مفهوم تماما حتى لو علموا بالنتيجة لحظة إذاعتها. فحضور أشخاص من خارج المخيم ليسوا من عمري ولا من أقاربي بين المهنئين القادمين دون موعد قد يلفت انتباه المخبرين الذين يذرعون شوارع المخيم وأزقته وهذا ما دأبْنا على تحاشيه ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
جاء قائد المنظمة في موعد اجتماع منظمتنا الحزبية وقد عرف نتيجتي وبارك لي. وقال: "الآن طريقك إلى الجامعة الأردنية أصبحت سالكة". نعم، فقد حسمنا هذا الأمر في نقاشاتنا السابقة. فتنظيم الحزب هناك بحاجة إلى تعزيز وسأنضم إلى رفاقي. وهذا ما حصل في تشرين الأول من عام 1972. لكن من المفيد لاستكمال الصورة أنْ أقول إنّ رئيس قسم البعثات في وزارة التربية والتعليم، عزّت جرادات، كان قد استدعى الخمسة الأوائل في الفرع الأدبي، وعرض علينا الجامعات الآتية: الجامعة الأمريكية في بيروت، والجامعة الأمريكية في القاهرة، وجامعة السوربون لدراسة اللغة الفرنسية استعدادا لإدخالها ضمن المنهاج المدرسي، وجامعة الكويت، والجامعة الأردنية. لم يختر أحد السوربون، واختار هاشم المومني ومحمود أبو الرز جامعة الكويت، واختار الباقون الأردنية. في داخلي سمنت رغبة جامحة للدراسة في لبنان، وها هي الأمريكية أقرب إلي من حبل الوريد. لكنها إرادة الحزب وصدعت للأمر. ظلّ أمرٌ واحد لابدّ من التنويه إليه، وهو اختيار التخصص. عندما تفحص جرادات كشف علاماتي اقترح أنْ ألتحق بكلية الشريعة. قال: "ما شاء الله 97 في التربية الدينية". لكنني قلت إنني أريد التخصص في اللغة الأنجليزية، وكان لي ما أردت.
كنا نجتمع مرة كل أسبوع، يتناوب على قيادتنا الرفيقان فرج اطميزة الذي أصبح بعد أربعة عقود الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني والرفيق نبيل عمرو. وأحيانا يأتي الرفيقان معا. لست أدري إن كان هذا مردّه اهتمام الحزب بمنظمتنا والتعويل على دورها في بناء تنظيم طلابي في الثانويات وفي مخيم الوحدات. أم أنّ الحزب الذي تعرضت قواعده لضربة شديدة في أيلول 1970 وعانت من اشتداد القبضة الأمنية بعد ذلك وما رافق ذلك من انسحابات وتراجعات هنا وهناك، بالإضافة إلى ما شهده الحزب من انقسام حاد وخطير في كانون الأول 1970 قد وفّر فائضا في بعض مستويات الكوادر القيادية المجرّبة فنالنا نصيبنا. مع أنني أعرف أنّ إمكانيات الحزب محدودة، لكنّ تقديم هدية رمزية لي ظلّ متوقعا بل إنّ أحد الرفاق سألني مازحا " ماذا تتوقع أنْ يهديك الحزب؟" قلت "ربما كتابا". ولكنّ اجتماعنا الأسبوعي حمل المفاجأة. ففي بداية الاجتماع أخرج الرفيق فرج شيئا ملفوفا وقال: "الحزب يبارك لك بالنتيجة الباهرة وهذه هديته لك". وفتح الهدية، فكانت ربطة عنق حمراء فاخرة. تحسستها وتبادلت النظرات مع رفاقي. يا لهول المفاجأة! أجبت: "شكرا جزيلا". لقد خرجت عبارتي ثقيلة وبصوت منخفض. تناولت "القربطّة" ووضعتها جانبنا وتابعنا جدول أعمالنا. لم ينطلق لساني كعادته، ورحْتُ أفكر.
فالهدية ليست قميصا ألبسه غدا أو بعد أسبوع فأفرح به، ويوفر عليّ دريهمات هناك مائة باب لإنفاقها. وهي ليست رواية لتوليستوي أو ديستوفسكي أستمتع بقراءتها وأتعلّم منها. ولا هي كتاب في الفلسفة الماركسية يثقفني فأزداد تمسكا بأيديولوجيتي. إنها ربطة عنق جميلة وحمراء والأحمر لوننا ورمزنا. ومن أجمل ما أحفظ رائعة القائد الشيوعي البارز توفيق زيّاد، رئيس بلدية الناصرة، "شيوعيون" التي يمجّد فيها الحُمر. لست وحدي من كان يحفظها ويرددها.
شيوعيون ‏
قلتُ: أجلّهم
حُمراً بعزمهم الشعوب تُحرّرُ
قالوا :شيوعيّون
قلت:ُ منيّةٌ موقوتةٌ للظالمين تُقدّرُ
قالوا: شيوعيّون
قلت: أزاهرٌ بأريجها هَذي الدّنا تتعطّرُ
قالوا: وهم عملاءُ
قلت: تأمركت لُسُنٌ
وأضحت للدّولارِ تُؤجّرُ
يا سائلي…لا تستتبُّ أمورُنا
حتّى يظلّلَنا اللواءُ الأحمرُ
يا واهنَ القدمين دربُك هيّنٌ
أمّا أنا دربي أشقُّ وأعسرُ
شتّانَ بينهما…فدربٌ عامرٌ
ترنو له الدّنيا ودربٌ مُقفرُ
أفديه من دربٍ نقصّرُ طوله
بالبذلِ والعزمِ الذي يتسعّرُ
تمشي و امشي والليالي بيننا
ستُريكَ من يهوي ومن سيظفرُ

وسرحت قريبا فوصلت حقيبة الملابس التي أصبحت مع الزمن لي بعد أنْ كانت لي ولاثنين آخرين، والدتي وأخي، إذ لم تحوِ التخشيبة خزانة للملابس. فتشت فيها عن قميص يليق بهذه الربطة الفخمة فلم أجد. ثم لو وجدت قميصا مناسبا، أوَ لست بحاجة إلى جاكيت معقولة أو بدلة حتى لو كانت من البالة "سكند هاند". ومن نافلة القول الإشارة إلى أنّ حقيبتي كانت ستسعد لو ضمّت هكذا ملابس. بعد الاجتماع وضعت الربطة في الحقيبة على أمل أنْ ينضم إليها في المستقبل غير البعيد قميص أنيق وبدلة أو جاكيت مناسبة. حصًلتُ على الرّسن وبقي عليّ انْ أحصل على الحصان، كما علق أحد الرفاق بعد الاجتماع محاولا إغاظتي. أما السؤال الذي ظلّ يلّح طالبا جوابا فهو من الذي اقترح هذه الهدية التي لا تخفى معانيها ودلالاتها الرمزية، ولكنّها تعتبر في الواقع ترفا بالنسبة لي؟ هل هو رفيقنا قائد المنظمة أم الرفيق الآخر المناوب أم رفيق آخر أو رفيقة لا يعرف أو تعرف عني شيئا؟ لم أبحث عن إجابة طوال وجودي في التنظيم على مدى عقدين كاملين. لم أشأ أنْ أعرف. فذلك، رغم تقديري لرمزية الهدية، لم يكن سيسّرني. فمن المؤكد أنّ الذي اقترحها لم تخطر بباله حاجاتي الحقيقية ولا خطر بباله أنني لن أفيد منها. فليس من الحكمة السؤال عن أمور إنْ بدت لصاحبها قد تكدرّه.
بقي أنْ أقول إنّ تاريخ أول بدلة فصّلتها بالتقسيط كان عام 1975 بعد تخرّجي في الجامعة الأردنية وعملي في مدرسة الأردن الثانوية الخاصة بعد منعي من العمل لأسباب أمنية في وزارة التربية والتعليم والمؤسسات الحكومية مع أنني كنت ملتزما بالخدمة مع الوزارة لقاء بعثتي الدراسية. واقترح لون البدلة الرفيق فارس الصناع الذي دلّني على المخيطة التي يتعامل معها بجانب سينما الحسين قرب سرفيس اللويبدة آنذاك. وعندما جهزت البدلة الزيتية ولبستها أمام والدتي تبيّن أنّها لا تتماشى مع الربطة الحمراء التي طالت إقامتها في الحقيبة. وفي الواقع، لم تزين تلك الربطة لا عنقي ولا صدري في يوم من الأيام. ولكنني حظيت فيما بعد بعدة ربطات حمراء أنيقة زيّنْتُ صدري بها ربما احتراما لتلك الهدية الرمز التي ظَلَمَتْها المرحلة وتخليداً لذكراها.
(10) التهيؤ لساحة جديدة
اقتربنا رويدا رويدا من بداية العام الجامعي. لم نحدد موعدا لاجتماعنا القادم. قال الرفيق نبيل عمرو، قائد منظمتنا الحزبية، سيبدأ كل منكم قريباً حياة حزبية جديدة وفق خياراتكم الدراسية والعملية: راغب سيذهب إلى معهد الآداب، وجهاد إلى الجامعة الأردنية، ومحمد إلى معهد المعلمين التابع لوكالة الغوث، أما فايز فقد حصل على دبلوم لغة إنجليزية من معهد الآداب، وخطته أن يلتحق بسلك التعليم. لا تقلقوا، سيتواصل الحزب معكم ويرتب لكل منكم وضعه التنظيمي. تعانقنا وافترقنا.
في الواقع، رتب الرفيق نبيل في دقائق مع كل منا على حدة موعد ومكان التواصل معه. في حالتي اتفقنا أنْ نلتقي في تخشيبتنا في الموعد نفسه بعد أسبوع. جاء ومعه الرفيق فرج اطميزة الذي أبلغني بأنني سأكون صلة فردية معه إلى أنْ يرتب انتقالي إلى تنظيم الحزب الطلابي في الجامعة. وتناوب الرفيقان في شرح سياقات العمل الحزبي الجامعي، حيث تلتقي أعداد كبيرة من الطلبة في الحرم الجامعي ضمن التعليم المختلط، وأهمية أنْ ابدأ بتكوين صداقات في قسم اللغة الإنجليزية وآدابها وفي كلية الآداب وأتوسع تدريجياً إلى الكليات الأخرى. وجرى التأكيد على أنّ مهمتي الأولى رفد التظيم برفاق جدد ولكن دون أنْ أندفع كثيراً فتنكشف هويتي الحزبية قبل أنْ أسجل إنجازات أعتد بها. وفهمت أنني سأنضم إلى منظمة حزبية تتكون من رفاق سبقوني في الالتحاق بالجامعة. سرّني ذلك كثيرا ولكني لم أسأل عن تخصصاتهم ولم أستفسر إنْ كان التنظيم مختلطا كما التعليم الجامعي. توالت لقاءاتي مع الرفيق فرج وطلب مني أنْ أستمر في توزيع جريدة الحزب على أصدقائي الذين ما زالوا على مقاعد الدراسة في مدرسة حسن البرقاوي الثانوية الثانية إلى أنْ نتفق على شكل التواصل معهم لاحقا.
(11) على عتبات الجامعة
بعد قراري الالتحاق بالجامعة الأردنية، بدأتُ أتابع أخبارها في الصحافة المحلية. وقرأت أنّ إدارة الجامعة قررت اعتبارا من بداية العام الجامعي 1972-1973 التحول في التدريس من نظام السنوات إلى نظام الفصول الأمريكي، وبموجبه تتألف السنة من فصلين دراسيين بالإضافة إلى فصل صيفي. ويختار كل طالب الموّاد التي يريد تسجيلها من جدول المواد المطروحة. كما قرأت أنّ الرسوم الفصلية تبلغ خمسة وعشرين دينارا. لم أتوقف كثيراً عند الرسوم باعتباري طالبا مبتعثا للدراسة من وزارة التربية والتعليم، ولا يترتب علي دفع أية رسوم. لم أتحدث مع الرفيق فرج حول ما قرأت، ربما لأنني التقيت مع الصديق ابن مخيم الوحدات، عبد عفانة، الذي كان في سنته الرابعة في قسم التاريخ حيث شرح لي الفرق بين نظام السنوات ونظام الفصول. وفي نهاية حديثه، حمد الله أنّ هذا التحوّل جاء وهو على أبواب التخرج وإلا لاضطر لتأجيل الدراسة أو الوقوع في براثن الديون. فقد رفعت إدارة الجامعة الرسوم من عشرة دنانير سنويا إلى خمسين، أي 500%.
جاء اليوم المحدد لبدء الدراسة. كان الفصل خريفا، وطقس تشرين الأول طريّ، لا يلزمه ملابس ثقيلة. اخترت قميصاً مخططا له قبّة طويلة، وهو هدية النجاح في التوجيهي من عمتي نزهة حمدان، أم شفيق، وأم سميرة أبو زينة التي صارت أم المؤيد، السيدة الأولى في حياتي. وساعدتني أم يوسف في "تلبيق" بنطال عليه. طبعا لم تأخذ عملية المواءمة وقتا طويلاً فلا يوجد في التخشيبة خزانة ملابس لي فيها "درفة" لنتصفح أو نتفحّص موجوداتها. فكل ما عندي لا يزيد عن أربعة بنطلونات محفوظة مع قطع ملابس أخرى في حقيبة من الكرتون المقوّى. اختارت والدتي واحداً منها وقالت هذا مناسب. في الواقع إنّ ما اختارته كان أحدثها وقد فصّلته عند بكر باكير، أبو زياد، رفيقنا الخياط في شارع اللداوي بجانب مخيطة العلّان. أبو زياد شيوعي بسيط، يحب رفاقه و"يراعينا" نحن الطلبة في السعر، فالقماش من عنده أيضا. وتتحوّل مخيطته مساء إلى تجمع للدردشة والحديث في السياسة وأحوال العباد والبلاد. خرجت والدتي لدقائق لتعطيني فرصة لارتداء ملابسي. لم يكن عندنا مرآة حائط أو ما يشبهها لأرى نفسي، فأم يوسف كانت مرآتي الناطقة. دخلت هاشة باشّة وقالت: "ما شاء الله بتجنن يا جهاد، القالب غالب". ثمّ دسّت في جيب بنطالي نصف دينار. لم يكن عندي محفظة لأضعه فيها، ببساطة لأنها لا تلزمني. فالناس تشتري الفرس قبل الرسن، فما فائدة المحفظة إن لم يكن معك دراهم تضعها فيها. بالمناسبة، كان لبنطالي جيبة صغيرة على اليمين تحت الكمَر مباشرة تتسع لقرابة دينار فراطة. ودّعتني وقبّلتها على جبينها وخرجت أسابق الريح إلى موقف الباصات.
(12) من ساحة المخيم إلى حرم الجامعة: وحي البدايات
الحافلة الرابضة في الساحة الرئيسة للمخيم أمام النادي تستعد للمغادرة. صعدت لأجد محمد الخطيب قد سبقني وجلس في المقعد الثاني علي اليمين. حيّيته وجاورته. محمد زميل دراسة وصديق عزيز، أكملنا المترك في الوحدات معا في التاسع ج في المدرسة الزعرة (الوحيدة التي تتألف من طابق واحد بين جاراتها) برعاية مديرها محمد الرابي. وتابعنا دراسة المرحلة الثانوية في حسن البرقاوي الثانوية الثانية. الذهاب إلى المدرسة والإياب منها كان مشياً على الأقدام، وغالبا ما ترافقنا في الذهاب، أما الإياب فكان موّقتا، فما أنْ يقرع الجرس حتى نغادر زرافات معظم الوقت ووحدانا أحيانا باتجاه الوحدات، محمد وجهاد وعبد الرحمن الحوراني وحسن سلامة ووليد الخطيب وخضر الكوز وفايز درويش ومحمد طه مطاوع وغيرهم. من بين جميع أبناء صف التوجيهي لم يلتحق بالجامعة الأردنية إلا محمد الخطيب الذي قرر أنْ يتخصص في الجغرافيا. وهذا اختياره للأردنية عزز صداقتنا وأعطاها مسارا جديدا.
كنا متشوقين جدا للوصول. هبطنا من الحافلة وشقينا طريقنا نحو باص الجامعة قرب فندق صلاح الدين وسط البلد، أي وسط عمّان. هذا كان زمن العز حيث خصصت الجامعة بعض باصاتها لنقل الطلبة مقابل أجرة مقدارها قرشان ذهابا ومثلها إيابا. أما الأجرة من الوحدات إلى البلد فكانت قرشا للكبار ونصف قرش للطلبة. لم يطلب أحد إثباتا لصفتنا الطالبية. يأتي الكونترول فنُشهر في وجهه تعريفة، أي نصف قرش، مصحوبة بكلمة طالب. شرّقنا وغرّبنا، سألته ما خططك يا إدريسي، فردّ بسرعة: مش بس أتعلم رسم خارطة المخيم. ثم عاجلني وأنت يا شكسبير، فقلت: أحلم بأن أصير لغويا بارعاً وأستخدم لغة شكسبير لفضح الخرائط التي رسمتها بريطانيا لاستعمار المنطقة وإقامة كيان للصهاينة في فلسطين. ضحكنا وواصلنا رحلة الحديث والطريق. عبرنا البوابة الرئيسة ولفت انتباهنا وجود عدد كبير من الحرّاس المتأهبين، ومنهم حارس أسمر طويل عرفنا فيما بعد أنه يُكنّى أبو عبدالله"، ولاحظنا أنّ الحرّاس يحيلون الطلبة الداخلين إلى مكتب علي يمين البوابة لتدقيق هوياتهم قبل السماح لهم بالدخول. دخلنا وما أنْ تجاوزنا مكتبة الجامعة حتى وصلتنا هتافات صاخبة لم نميز بالضبط كلماتها.
(13) تظاهرة خريف 1972
غذينا الخطى باتجاه مصدر الهتافات. سألني محمد: ما الخطب؟ فأجبت: لا أعرف، وسرعان ما وجدنا أنفسنا نلامس محيط تجمع هائل للطلبة. وبسرعة عرفنا أنّ الطلبة يحتجون على الرفع الجنوني للرسوم وعلى التحوّل إلى نظام الفصول الأمريكي. تفحصت وجوه الطلبة وأشكالهم، وراقبت تواصلهم مع بعضهم، فبدوا كأنهم في السنوات الأخيرة من الدراسة، فهم أكبر مني، وينادون بعضهم بالاسم الأول وأحيانا باسم العائلة، تعال هون عماد، أيوا شمايلة، وهكذا. وهذا لا يفعله طلبة مستجدون. وكان بعضهم يحمل لافتات مكتوبة على عجل، يحمل بعضها عبارات مثل لا لرفع الرسوم، لا لنظام الفصول. محمد وصل إلى استنتاج مشابه، فهو ليس غِرا وسبق أنْ احتفلت مدرستنا بذكرى معركة الكرامة، وكان من بين من ألقوا كلمة في المناسبة، كما نزل كثير من طلبتها، ونحن منهم إلى وسط البلد. ووصلنا مرة إلى أطراف السفارة الأمريكية في جبل عمان مقابل فندق الإنتركونتيننتال قبل أنْ تفرقنا الشرطة، ونعود أدراجنا عبر درج وادي سرور، صعودا إلى الأشرفية وصولا إلى الوحدات، بعد استراحة بسيطة لالتهام ساندويشة فلافل من مطعم فؤاد في الدخلة إياها قرب سوق الوحدات.
قال لي: يبدو أنّ هذه المظاهرة لا تضم طلاب سنة أولى، دعنا نغادر المكان. أجبت: ولكن إنْ نجحوا في تحقيق أهدافهم فقد لا يضطر والدك لدفع رسوم مرتفعة لقاء دراستك. ردّ عليّ كمان هون بدّك تنظّر عليّ، واستمرينا في المتابعة الصامتة. كانت هذه التظاهرة أمام رئاسة الجامعة القريبة من مدرج سمير الرفاعي، بل ربما تجمع الطلبة هناك وتابعوا سيرهم صعودا نحو رئاسة الجامعة. كانوا يُعلّون الصوت علّ الرئيس يطل عليهم ويحاورهم أو ينهرهم مع تدخل الأمن الجامعي. أثناء تضامننا الصامت رحت أفكر. لماذا لم يخبرني الرفيق فرج بهذا التحرك أو النية للتحرّك ضد رفع الرسوم؟ فهذه قضية طلابية عادلة؟ هل أراد تجنيبي الانخراط المبكر في نضال طلابي حفاظا على سرية هويتي الحزبية؟ لكنني انخرطت دون توجيه من أحد، وها أنا بينهم. هل لنا رفاق بين هؤلاء الطلبة؟ هذا مؤكد وما عليّ إلا أن أحافظ على هدوئي وأصف قادة الاحتجاج لرفيقي وسيعرفهم. فهو أصلا خريج جديد من قسم الجغرافيا، ولا بدّ أنه زامل بعضهم أو وزع عليهم جريدة الحزب أو حتى نظمهم أو هم الآن تحت قيادته. ويظل هناك احتمال أنْ تكون التظاهرة عفوية، فالطلبة كانوا في عطلة الصيف وعرفوا بما فعلته إدارة الجامعة، وعادوا إلى الجامعة يحملون غضبهم على هذا السلوك العُرفي. وربما حملوا معهم أيضا هموم عائلاتهم وقلة الحيلة وضيق ذات اليد لتدبّر أمر الرسوم الجديدة.
استمريت في متابعة التظاهرة الطلابية واشتعل فيّ الحماس، ونسيت أنّي مبعوث من وزارة التربية، ولا أدفع رسوما ورحتُ، بعد أن صرت قريباً من بؤرة الحدث، أردد مع الجموع هتاف قادة التظاهرة. وقد نبّهني صديقي فارعويتُ. لكنّ قربي من قلب الحدث أتاح لي رصد تفاصيل مهمة. أربعة طلاب وطالبة واحدة شكّلوا رأس الحربة، وبعض الأربعة رأيتهم وقد حملهم زملاؤهم على الأكتاف. أكثرهم اندفاعا شاب مربوع، مفتول العضلات، يرتدي قميصاً مخططا "نص كم". لم يكفّ عن الهتاف، وعندما يستريح، رأيته يعود إلى الخلف قليلا يتهامس مع طالبة ممشوقة القامة، شعرها قصير وتلبس بلوزة ملونة وبنطالا أبيض. ويليه في النشاط والحركة طالب مسدول الشعر متوسط القامة. سمعت طالبا يوجه الكلام نحوه ويقول عاشت الزرقاء، ففهمت أنه ليس من عمان. وهناك طالب نشيط أيضا ربما من كلية الشريعة حيث كان يلوّن هتافاته بمسحة دينية كأن يقول "اللهم اجعل كيدهم في نحورهم". كنت أنتظر أنْ يناديهم أحد حتى أعرف اسماءهم وحصل وعرفت منهم عماد وموفق وعبدالله وسامية وزهير. ولكني لم أعرف أسماء عائلاتهم وتخصصاتهم وشيئا من سيَرهم إلا بعد حين.
(14) تسجيل المواد
اكتفيت وصديقي محمد بهذا الجزء من المشهدية، وغادرنا المكان نبحث عن طلبة من دفعتنا ونتابع جدول المواد الدراسية علّنا نفهم إجراءات التسجيل. افترقنا وراح كلٌّ منا يقلع شوكه بيديه، ولكننا اتفقنا أنْ نلتقي على باب المكتبة في ساعة محددة. حاولت تسجيل مادة أو مادتين من أربع مواد تؤهلني للالتحاق بقسم اللغة الإنجليزية وآدابها في السنة الثانية إنْ حصلت فيهما على علامات تنافسية ضمن عدد الطلبة الذي ينوي القسم قبولهم في تلك السنة، وهما المسرحية الإنجليزية وتدرسها الآنسة سيرسا حكمت، ومدخل إلى اللغة الإنجليزية ويدرسها الدكتور محمد حسن إبراهيم، ولكني لم أتوفّق إذ كانتا مغلقتين.
وجدت مادة القصة القصيرة مفتوحة ومدرّسها الدكتور عصام الصفدي، لكنّ طالبا يقف بجانبي نصحني أنْ لا أفعل، وأضاف نقلا عن طلبة قدامى أنّ هذا الأستاذ صعب ويسأل الطلبة دون أنْ يرفعوا أياديهم. قلت: لا بأس، ننتظر حتى الفصل الثاني. ولم يكن ذاك الطالب إلا شحدة فارع، زميلي في قسم اللغة الإنجليزية طوال فترة الدراسة، وزميلي وصديقي وشريكي البحثي ورفيق كابينة الترجمة الفورية لسنوات طويلة ومؤلف رئيس لسلسلة كتب اللغة الإنجليزية المعروفة ب Better English Now التي تشاركنا مع زملاء آخرين في تأليفها بعد أنْ دار الزمان دورته وحصلنا على درجة الدكتوراة في اللغويات، هو من جامعة كانساس في أمريكا وأنا من جامعة ريدينغ في بريطانيا. وتزاملنا أيضا كأعضاء هيئة تدريس في القسم قبل أنْ يغادرنا إلى جامعة الشارقة في الإمارات عام 2001. سجلت مواد أخرى تحت مسمى متطلبات كلية وهي مدخل إلى علم النفس، ومدخل إلى علم الاجتماع، وتاريخ الشرق القديم، وتاريخ اليونان والرومان، وقضايا في الفكر العربي. بعد يوم مجهد ومفتاحي في الحياة الجامعية، التقيت مع محمد أمام المكتبة وأخبر كلّ منا صاحبه بما فعل، وقفلنا عائدين إلى المخيم بهامات مرفوعة، فقد وضعنا أقدامنا على الطريق فرحلة البكالوريوس تبدأ بتسجيل مواد الفصل الأول. وقد فعلنا.
(15) مصير التظاهرة وقادتها
أما مصير التظاهرة ومطالبها وقادتها، فسأعرفه مما سيشيع في حرم الجامعة ويصُلني. وربما عليّ أنْ أنتظر اللقاء مع الرفيق فرج. وقد يتصل بي قبل موعد الاجتماع ليخبرني إن كان للعجلة ما يبررها. عرفت بعد أربعة أيام أنّ الطلبة شكلوا لجنة مصغرة للحديث مع إدارة الجامعة، وتمكنت من معرفة أسماء بعضهم من صديقي طالب التاريخ وأصدقائه. فقد حدثَ أنْ قصدت كافتيريا كلية الآداب لاحتساء كوب من الشاي. وبينما أتفحص المكان بحثا عن طاولة صغيرة أجلس إليها، وقعت عيناي على عبد عفانة وعدد من زملائه، لوّحت له مرحباً، فدعاني للجلوس، وعرّفني عليهم: بركات رابعة جغرافيا، خليل ثالثة تاريخ، عبد الفتاح رابعة إنجليزي وساكن قرب مقبرة الشهداء على شارع مادبا، ويمكن أنْ تستفيد منه كثيرا، وهذه شهرزاد رابعة تجارة. كنت أحني رأسي، وأقول بعد كل اسم: أهلاً وسهلاً. ثم قال هذا جهاد حمدان من الوحدات، سنة أولى إنجليزي، حصل على ترتيب الثاني في المملكة في الفرع الأدبي. سمعت عبارات ترحيب مختلفة: أهلا جهاد، براڤو ما شاء الله. عبد الفتاح قال: أهلاً وسهلا بالزميل جهاد، لازم أشوفك ونحكي. يمكن أكون شفتك قبل هذه المرّة. شهرزاد رحبت: أهلا بالوحدات.
بعد هذا التعارف، تابعوا حديثهم. والله بدّعوا، لكنهم لم يعودوا للجامعة، يبدو أنهم ما زالوا رهن الاعتقال أو الاختفاء. عماد قسوس، كلكم تعرفونه، شجاع، بس إنْ شاء الله تعدّي على خير. هذا ما قاله عبد الفتاح، وأضاف موجها حديثه إليّ، أكيد رح تتعرف عليه جهاد. أجبت بسرعة إنْ شاء الله. والتقطت شهرزاد الحديث: وكمان التجارة بدّعت، مين ما بعرف موفق محادين. يبدو كان مستعد كويس. وهنا سمحت لنفسي بأخذ الحديث: كمان شفت صبية نشيطة جدا. فتابعت شهرزاد: آه هاي سامية نفّاع، كمان من كلية التجارة. طالبة مثقفة. يبدو وضع عيلتها منيح، بتيجي بسيارة بيجو أحيانا، بس دايما بتحكي عن العمال وحقوقهم. عبد عفانة قال: أنا صاحبي الشيخ عبدالله الشمايلة وهو من شجٌعني على المشاركة. فضولي السياسي كان يلّح عليّ أنْ استمر، لكنّ محاضرة مادة تاريخ اليونان والرومان أزِفت. فنهضت مستأذنا ومضيت أسابق بندول الثواني حتى أصل على الوقت.
بعد انتهاء محاضرتي، عدت أفكر بما قاله عبد عفانة وزملاؤه. لو أسرعوا في الحديث قليلا، ربما عرفت معلومات تساعدني في استيعاب هذه البيئة الجديدة بسرعة، لكنْ لمَ العجلة، فقد خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام. الشيء المهم أنّ أحدا لم ينتبه إلى ما ينطوي عليه سؤالي وهو مشاركتي في التظاهرة، فلم أحتج إلى تبرير وجودي كطالب سنة أولى في فاعلية من المفترض أنْ لا تهمني كطالب مبعوث. جاء يوم السبت الذي انتظرته على جمر الحدث الكبير في الجامعة، فأنا مقطوع عن نشرة الأخبار الحزبية، والرفيق فرج هو قارؤها ومفسّرها، والذي ينتظر مني أنْ أحدّثه عن انطباعاتي عن أسبوعي الأول في الجامعة. قلت في نفسي، لن أقبل أسبوعاً آخر من الصلة الفردية، سأطالب بضمّي إلى منظمة حزبية جامعية أستمد منها بعض قوّتي، فالعمل ضمن جماعة يجدّد الطاقة ويشعل الحماس.
ما أنْ بدأ الاجتماع حتى أمطرْتُ رفيقي بوابل من الأسئلة منها: لماذا لم تخبرني عن التظاهرة ضد رفع الرسوم؟ هل كان للحزب دور في تنظيمها؟ ما نتيجة الاحتجاج؟ هل صارت الرسوم الجديدة واقعا؟ هل انتصر الطلبة أم بدؤوا عامهم بمعركة خاسرة؟ هل أُفرج عن قادة الاحتجاج؟ استمع إلي رفيقي باهتمام وقابل غضبي بهدوء، ثم انطلق: إعلان الانتقال من نظام السنوات إلى نظام الفصول والساعات المعتمدة سرّبته إدارة الجامعة قبل بداية الفصل الثاني من العام الفائت، وعملت له دعاية تبيّن مزاياه ومنها أنّ الطالب لا يُعيد سنة دراسية كاملة إن رسب في مادة أو أكثر، وأنّ الطالب المجتهد يمكن أن يتخرّج في ثلاث سنوات. وسرّبت قرارها برفع الرسوم مبررة ذلك بأنّ كلفة التعليم الجامعي عالية جدا، والدولة محدودة الموارد ولا بدّ أنْ يتحمل المواطنون وأهالي الطلبة حصّة من هذه الكُلف. ولامتصاص غضب الطلبة المتوقع تخرّجهم، روّجت لفكرة وجود صندوق لدعم الطلبة الفقراء وتقديم قروض لهم يسددونها بعد التخرج والعمل.
حاولتُ أنْ أقاطعه لكنه طلب مني أنْ أسجل ملاحظاتي إنْ أردت حتى يُكمل عرض الصورة. في الواقع شمل تدريبنا في الحزب مهارة الاستماع وطلب الإذن لمقاطعة المتحدث أو عمل مداخلة. فتابعت الاستماع، وتابع الحديث: ناقشنا هذا كله في الحزب وشكّلنا موقفا واضحا من خطة إدارة الجامعة وتبنتْ محليّة طلبة الجامعة، أي قيادة منظمة الجامعة، هذا الموقف وشرحته لرفاق المنظمات القاعدية. ويتلخص بالآتي: نحن لا نغمض عيوننا عمّا يجري في التعليم العالي حولنا في المنطقة والعالم. إنّ التحوّل إلى نظام الساعات المعتمدة وطرح خيارات أوسع أمام الطلبة لتسجيل ما يرغبون من مواد، على أهميته، لا يجوز ربطه بالرفع الجنوني للرسوم الجامعية، فهذا بالتدريج سيقصر التعليم العالي على الأغنياء وأصحاب الملاءات المالية. وبلدنا يعاني من ظروف اقتصادية صعبة في ظل إصرار النظام على عدم فكّ التبعية السياسية والاقصادية مع الدول الرأسمالية وعلى رأسها أمريكا. والحل لأزمات البلاد ببدأ من هنا، أي إعادة بناء الاقتصاد وإعادة الاعتبار للزراعة والصناعات التحويلية والمنجمية وتشجيع التعاونيات. وها هي جارتنا سوريا تقدم تعليما جامعيا مجانيا ليس فقط للسوريين بل لجميع الطلبة العرب الدارسين فيها. لقد انخرط رفاقنا في المعركة التي قررت إدارة الجامعة خوضها. وكنا نعرف أنّ نتائجها لا تحسم بالجدل والنقاش بل بتعبئة الطلبة وتعزيز العمل المشترك مع القوى والأحزاب والمنظمات الموجودة في الجامعة.
(16) لكل معركة ثمن
شكرت الرفيق فرج على الإيجاز، وأخبرته أنني سمعت هتافات الطلبة فالتحقت بتجمعهم كمراقب علّني أفهم ما يجري، وعاتبته لأنه لم يعْلمني مسبقا ولم يهيئني لهكذا حدث. كما أطلعته على كيفية معرفتي بأسماء بعض قادة الفعالية. وختمت بطلب ضمّي إلى منظمة حزبية ضمن تنظيم الجامعة في أقرب وقت ممكن. كان يصغي باهتمام، ثم قال: لا خوف عليك، نحن نعرف سيماءك السياسي وحسّك الأمني العالي. جميل أنك عرفت حدودك حتى لا يلحق بك أوبالحزب أي أذى دون داعٍ. هذه جولة لم نخطط لها جيدا. كان الطلبة في عطلة الصيف بعضهم في عمان وكثير منهم في محافظات أخرى، ولا تنسى أيضا أنّ نصف الطلبة تقريباً من الضفة الغربية والتواصل، معهم لم يكن سهلا. وقد فهمنا أنّ قادة الطلبة، ومنهم رفاقنا تواصلوا بسرعة مع بعضهم وقرروا تنظيم الاحتجاج. وبعض الأسماء التي ذكرتها شيوعيون وبالتحديد عماد قسوس وسامية نفاع. وقد بطشت بهم إدارة الجامعة ومن وراءها من أجهزة أمنية وإدارية.
فقد شكّل الطلبة لجنة للتفاوض مع إدارة الجامعة، وبدل أنْ تستمع إليهم أصدرت عقوبات صارمة بحقهم فقد فصلت وبشكل نهائي الطالبين عماد قسوس وعبدالله الشمايلة أما موفق محادين وسامية نفاع والفنان زهير النوباني ففصلت كلا منهم لمدة فصل دراسي واحد. وعلينا أن نراجع ما جرى ونستخلص الدروس والعبر. في جميع الأحوال، كان ميزان القوى مختلا لصالح إدارة الجامعة ونحن والقوى الأخرى لم نتعافَ تماما من تداعيات أيلول. المهم أنْ نحافظ على وحدة الجسم الطلابي وأنْ ندافع عن حق الطلبة المفصولين نهائياً بالعودة إلى مقاعد الدراسة ونشيد ببسالة الطلبة الذين تصدوا لرفع الرسوم، ونبرز جسارة رفاقنا وبقية قادة التظاهرة. فهم لم يدافعوا عن مصالح ضيقة تخصهم، بل عن مصلحة جميع الطلبة القدامى والجدد وحق أبناء وبنات الأردن في تعليم جامعي لا يثقل كواهل معيليهم. سألته ماذا سيفعل الرفيق عماد فالعقوبة قاسية جدا ولا يوجد جامعة أخرى في البلاد ينتقل إليها. أجاب بهدوء لا أعرف بالضبط، والنضال له ضريبة وكلنا مستعدون لدفعها إنْ فُرِضت علينا.
الآن وضحت الصورة لدي إلى حدّ بعيد. فعمل كبير كالتصدي لرفع الرسوم يحتاج إلى تخطيط وإلى تقييم لإمكانيات النجاح والفشل. ولكنّ معارك الطلبة تظل محطات في النضال العام لإحداث التغيير الاجتماعي والسياسي على مستوى البلاد. ربما خسر الطلبة هذه الجولة، لكنّ الدرب طويل وأنا لم أخطُ بعد إلا خطوة واحدة فيه، وها أنا صرت جزءا من السائرين عليه. وقبل أنْ ننهي اللقاء اتفقنا على إنهاء الصلة الفردية. السبت القادم الساعة الرابعة نلتقي أمام سينما زهران، ومن هناك نتابع رحلتنا إلى مكان الاجتماع. هذه أخر عبارة قالها رفيقي قبل أنْ نفترق.
(17) متابعة تسجيل المواد
في الفصل الثاني من السنة الأولى، سجلت مادة المسرحية الإنجليزية، وما أدراك ما المسرحية. كانت المحاضرة الأولى صادمة. عرضت المدرّسة علينا خطة المساق التي تتضمن دراسة أربع مسرحيات، والجلوس لامتحانين وزن كلّ منهما خمسة وعشرون علامة، بالإضافة إلى الامتحان النهائي ووزنه خمسون علامة. في صف التوجيهي كناّ ندرس في مادة اللغة الإنجليزية طوال السنة كتابا نسمّيه الكورس لا يتعدى ثمانين صفحة وقصة عنوانها القلعة بلغة مبسّطة مع المعلم عبد المجيد أبو جاجة، والآن في أربعة أشهر سندرس أربع مسرحيات بلغة مؤلفيها ودون تبسيط وحجم كلّ منها يزيد عن كامل منهاج مادة اللغة الإنجليزية الذي فرغنا منه للتوّ. هل سأحافظ على تفوّقي، انا ابن مدارس وكالة الغوث والحكومة وأنا أحتاج أنْ أفكر في كل جملة قبل إطلاقها. بل لابد أنْ أرى الجملة على شريط وهمي قبل نطقها؟
تحدثت أستاذتنا طوال الوقت باللغة الإنجليزية ولم أفهم جملا كاملة لاحتواء الواحدة منها على أكثر من كلمة جديدة عليّ. قاطعتها طالبة يبدو أنها من مدرسة حكومية مثلي: ما في عربي دكتورة؟ ردت الآنسة سيرسا بالإنجليزية بما معناه: لا ما فيه بالعربي. وأعطتنا درساً حول آداب السؤال وطلب الإذن برفع اليد. وطلبت منا أنْ نحضّر مسرحية الملك أوديب Oedipus the King لسوفيكليس. غذيت الخطى بحماس شديد نحو مخزن الكتب القريب من بوابة العلوم، اشتريت المسرحيات وركضت إلي الباص قافلاً إلى وسط البلد ثم إلى الوحدات. ربما أفرد فصلا للحديث عن ما واجهته من صعوبات لتحسين مهارتيْ الكلام والاستماع باللغة الإنجليزية، فمهارتي في الكتابة معقولة جدا. كان هذا الفصل الدراسي معركة وجود واستمرار في التخصص أو تراجع وانكفاء وتقديم طلب إلى جهة الابتعاث لتغيير التخصص. سأصمد، ولن أخذل معلمي عبد المجيد خريج جامعة دمشق. شدّ على يدي بعد إعلان النتائج وقال، بعد أنْ أخبرته بقراري التخصص في اللغة الإنجليزية: "ستبدع في الجامعة كما أبدعت في المدرسة".
يتبع ....



#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)       Jihad_Hamdan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في مديح الأحمر شيخ الألوان
- طوفان الأقصى وإعادة تشكيل الوعي العالمي
- قراءة سياسية نفسية في روايتي عبد الرحمن منيف -شرق المتوسط- ( ...
- هل ستكون الصين الرابح الأكبر من سياسات ترامب؟ ميلفين أ. غودم ...
- الاستيطان الصهيوني يتمدد إلى الأغوار


المزيد.....




- -قضية أندرو-.. كيف يتعامل الملك تشارلز مع -أكبر أزمة- تواجه ...
- تحقيق فرنسي: -إخفاقات منهجية- سهّلت سرقة اللوفر بـ100 مليون ...
- تفاصيل مساهمات الدول الأعضاء في -مجلس السلام-
- المحادثات الإيرانية الأمريكية في جنيف.. دبلوماسية على وقع ال ...
- قيادي في حماس: مهام مجلس السلام ضبابية ولغة التهديد لن ترهبن ...
- 7 مليارات دولار لغزة.. هل تكفي لبناء السلام؟
- 3 سيناريوهات لمستقبل السلطة الفلسطينية.. أيها الأرجح؟
- في ظل الهجمة الإسرائيلية.. ما المصير الذي ينتظر السلطة الفلس ...
- 3 قادة في الدعم السريع تحت العقوبات الأمريكية.. من هم؟
- وول ستريت جورنال: ترامب يدرس ضربة محدودة لإيران


المزيد.....

- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جهاد حمدان - من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972