أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرم نعمة - هل بقاء نظام خامنئي قدر لا يُمسّ؟















المزيد.....

هل بقاء نظام خامنئي قدر لا يُمسّ؟


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 00:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا أحد في هذه المنطقة، ممن خبر معنى الاحتلال على جلده، يمكن أن يرحّب باحتلال إيران. الذاكرة العراقية وحدها كافية لتجعل أي حديث عن دبابات أجنبية تعبر الحدود نوعاً من الكابوس المتجدّد. التجربة المريرة لاحتلال العراق وتدمير دولته لم تكن حادثة عابرة في تاريخ المنطقة، بل جرحاً مفتوحاً في ذاكرة العالم المعاصر، وفضيحة سياسية وأخلاقية في سجل القوى التي ادّعت أنها جاءت لتحرير العراقيين، فإذا بها تحرّر كلّ الشياطين من بالوعة الفوضى. كان يفترض أن تكون تلك التجربة درساً لا يُنسى لحكومات المنطقة، وبالأخص الحكومات العربية التي ساهمت، بالصمت أو بالتسهيل أو بالتواطؤ، في تمرير عدوان 2003.
الشعوب لم تكن هناك؛ لم يكن هناك شارع عربي يصفّق للاحتلال، بل كانت هناك أنظمة تحسب أرباحها وخسائرها في غرف مغلقة، ثم تترك الشعوب تدفع الفاتورة وحدها.
ومن هنا يصبح من العبث البحث عن «رأي عام» عربي يرحّب باحتلال إيران، حتى لو كان النظام في طهران خصماً سياسياً أو عدواً معلناً. الاحتلال شيء، وسقوط النظام شيء آخر تماماً.
الولايات المتحدة نفسها لم تعد قادرة على تكرار مغامرة العراق، لا سياسياً ولا أخلاقياً ولا حتى عسكرياً. الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصف احتلال العراق بأنه «أكبر خطأ» و«حرب بُنيت على أكاذيب»، في اعتراف متأخر بأن المغامرة لم تجلب سوى الفشل الباهظ الكلفة.
هذا الإدراك لم يعد حكراً على المعارضين التقليديين للحرب، بل أصبح جزءاً من سردية المؤسسة الأميركية نفسها، التي باتت تبحث عن أدوات أخرى غير الاحتلال المباشر لإدارة صراعاتها. لذلك لا توجد اليوم مزاعم أميركية جدية عن نية احتلال إيران، ولا توجد حتى البيئة الدولية التي تسمح بتسويق مثل هذا المشروع.
العالم تغيّر، والولايات المتحدة نفسها تغيّرت، والمنطقة التي احترقت بنار العراق لن تقبل بسهولة أن تُلقى في أتون مغامرة مشابهة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كان الاحتلال مرفوضاً، فهل يعني ذلك أن بقاء النظام في طهران قدر لا يُمسّ؟ وهل يصبح أي حديث عن سقوطه نوعاً من التواطؤ مع «مشروع خارجي»؟ هنا بالضبط يجب أن نفصل بين سقوط النظام من الداخل، وبين احتلال البلد من الخارج.
ما يجري في إيران منذ سنوات ليس «مؤامرة» تُدار من غرف استخباراتية بعيدة، بل حراك اجتماعي وسياسي متراكم، دفع ثمنه عشرات الآلاف من الضحايا والمعتقلين والمطاردين. الإيرانيون أنفسهم هم الذين يطالبون بسقوط النظام، وهم الذين يخرجون إلى الشوارع، وهم الذين يواجهون الرصاص والسجون والمحاكم الثورية. الاحتجاجات المتكررة، من «الحركة الخضراء» إلى انتفاضات الوقود، وصولاً إلى موجة الغضب التي فجّرها مقتل مهسا أميني، كشفت أن النظام لم يعد قادراً على إعادة إنتاج شرعيته القديمة، وأن «الثورة الإسلامية» التي وُلدت عام 1979 قد تحوّلت إلى سلطة ثيوقراطية مغلقة، تعيش على القمع في الداخل والمغامرة في الخارج.
كثير من التحليلات الغربية تتحدث اليوم عن أن النظام في طهران يعيش «أزمة شرعية بنيوية» وأن أدواته التقليدية في التخويف لم تعد تعمل بالفعالية نفسها أمام جيل جديد لا يخاف من الشارع ولا من السجن.
لم يخفِ كبار المسؤولين في النظام الإيراني يوماً طموحهم في الهيمنة الإقليمية. من شعار «تصدير الثورة» إلى الحديث الصريح عن السيطرة على «أربع عواصم عربية»، كان الخطاب الرسمي يتباهى بما يعتبره «إنجازاً استراتيجياً» في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. هذا المشروع لم يكن مجرد خطاب، بل سياسة متكاملة اعتمدت على بناء شبكات من الميليشيات والولاءات العابرة للحدود، تمزج بين السلاح والعقيدة والاقتصاد.
يصف علي صوفان، المدير التنفيذي لأكاديمية قطر الدولية للدراسات الأمنية، في تحليلاته عن قاسم سليماني واستراتيجية إيران الإقليمية، كيف نجحت طهران في «مزج القوة الميليشياوية بالقوة الرسمية للدولة» لتصميم نموذج نفوذ يمتد من لبنان إلى العراق واليمن، ويحوّل العواصم العربية إلى ساحات نفوذ مباشر أو غير مباشر.
هذا النموذج، الذي سُوِّق في طهران باعتباره «حزاماً واقياً» للأمن القومي الإيراني، كان يعني عملياً تحويل دول عربية إلى ساحات تصفية حسابات، وإلى مختبر دائم للحروب بالوكالة.
منذ 1979، لم تمرّ على المنطقة مرحلة لم يكن فيها للسياسة الإيرانية أثر مباشر في تعميق الانقسامات الطائفية وإعادة إنتاج الهويات المسلّحة. العراق بعد 2003 تحوّل إلى ساحة مفتوحة للميليشيات المرتبطة بالحرس الثوري، وسوريا تحوّلت إلى نموذج صارخ لتدخّل عسكري مباشر يربط بقاء النظام في دمشق ببقاء النظام في طهران، ولبنان يعيش منذ عقود تحت معادلة سلاح «حزب الله» الذي يعلو على الدولة، واليمن غارق في حرب طويلة الأمد تغذّيها حسابات إقليمية تتصدرها طهران. كثير من المحللين الغربيين يتحدثون اليوم عن أن «النفوذ الإيراني في المنطقة بلغ ذروته وبدأ في التراجع»، لكن هذا التراجع لا يلغي الكلفة التي دفعتها الشعوب العربية من دمها واستقرارها واقتصادها. ما يعنيه هذا عملياً هو أن سقوط النظام في طهران لن يكون مجرد حدث داخلي، بل نقطة تحوّل في بنية الأمن الإقليمي، وفرصة لإعادة بناء دول عربية استُنزفت لعقود في حروب بالوكالة.
من المهم هنا أن نُبقي على خيط دقيق في اللغة: شعوب المنطقة لا تتعاطف مع السياسات الأميركية، ولا تثق في مشاريع «التغيير» التي تأتي على ظهر الطائرات والصواريخ. هذه الشعوب خبرت جيداً معنى أن تتحوّل بلدانها إلى خرائط في غرف العمليات، وإلى أرقام في تقارير الخسائر الجانبية. لذلك فإن أي محاولة لربط سقوط النظام في طهران بمشروع أميركي جديد ستُقابل بالرفض والريبة. لكن هذا شيء، والقول إن بقاء النظام الإيراني «ضرورة» لمواجهة الولايات المتحدة شيء آخر.
لا أحد في الشارع العربي اليوم يرى في نظام ثيوقراطي قمعي، يرسل الميليشيات إلى العواصم العربية، نموذجاً للتحرر أو «قلعة للمقاومة». على العكس، كثير من الأصوات في الغرب نفسه باتت تقول إن النظام الإيراني فقد «أخطر أسلحته: القدرة على تخويف الداخل والخارج معاً»، وإنه يعيش أزمة استراتيجية تتجاوز العقوبات إلى عمق بنيته السياسية.
بهذا المعنى، يمكن أن نصل إلى معادلة واضحة: رفض الاحتلال لا يعني الدفاع عن النظام، ورفض السياسات الأميركية لا يعني القبول بسياسات طهران. الشعوب العربية، مثل الشعوب الإيرانية، تريد شيئاً أبسط بكثير: دولة طبيعية، لا ثورية ولا ثيوقراطية، لا تُدار من السفارات ولا من غرف الحرس الثوري.
سقوط النظام في طهران، إذا حدث بفعل ديناميات داخلية، سيكون أولاً فرصة للإيرانيين أنفسهم لاستعادة حياتهم الطبيعية التي صودرت باسم الثورة والدين والأمن القومي. سيكون فرصة لاقتصاد مخنوق بالعقوبات والحروب بالوكالة، ولشباب يريد أن يعيش في القرن الحادي والعشرين لا في خطاب تعبوي مجمّد في 1979. وفي الوقت نفسه، سيكون ذلك فرصة لشعوب المنطقة كي تعيد بناء توازناتها بعيداً عن منطق المحاور والميليشيات. لن تُحلّ كل الأزمات بسقوط النظام الإيراني، لكن واحدة من أكبر مصادر التوتر والتقسيم الطائفي ستفقد غطاءها الأيديولوجي والعسكري.
وهنا يصبح ضرورياً أن نضع المقارنة في مكانها الصحيح: ما جرى في العراق عام 2003 لم يكن «سقوط نظام»، بل كان استبدالاً قسرياً لنظام بآخر صنعته الولايات المتحدة على عجل، نظاماً طائفياً مشوّهاً فتح أبواب الجحيم على البلاد، ودمّر مؤسساتها، وشرّد نخبها العلمية، وبدّد ثرواتها. أما سقوط النظام في طهران، إذا جاء من الداخل، فسيكون فعلاً مختلفاً تماماً: الإيرانيون سيحكمون أنفسهم بأنفسهم، لا عبر سلطة مفروضة من الخارج، ولا عبر هندسة سياسية تصنعها الجيوش الأجنبية.
سيكون ذلك لحظة استعادة، لا لحظة استبدال؛ لحظة تصحيح لمسار تاريخي انحرف منذ 1979، لا لحظة إعادة إنتاج لكارثة شبيهة بما حدث في بغداد. الفارق بين التجربتين هو الفارق بين بلد يُعاد تشكيله على يد قوة غازية، وبلد يستعيد روحه بيد شعبه. وهذا وحده كفيل بأن يجعل سقوط النظام في طهران، إذا جاء بقرار الإيرانيين، بداية جديدة للمنطقة كلها، لا تكراراً لخطايا الماضي.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تُسحق الصحافة.. يبتسم الفاسدون
- قتل سيف الإسلام لم يكن مفاجأة، بل نجاته تلك السنوات هي المفا ...
- العقلية أم الموهبة؟ سؤال العصر في كرة القدم
- العراق بين مبعوثَين أم حقيقتين؟ نهاية الوهم وبداية الصفعات
- الوردي أم ترامب: من يملك ضحكة العالم؟
- نوري المالكي: النسخة القديمة من الكارثة نفسها
- حين يُعاد تدوير الأساطير حول إيران وإسرائيل
- التخيّل آلة موسيقية عند القبانجي والساهر
- مبتكر وصفات تدمير العراق
- إعلام التفجير اللفظي
- العراق ينتظر حكومة بلا سياسة وقاضٍ فوق الدولة
- هل سيخذل الغرب مرة أخرى الشعوب الإيرانية؟
- العراق يدور داخل صندوق مغلق
- ريان شرقي يربك فلسفة غوارديولا
- هيبت الحلبوسي ليس حلا.. بل تتمّة للمشهد الرث
- أصدقائي الموتى في رأس العام
- العبث الميليشياوي بكلام الكاردينال ساكو
- جرح عميق في ذاكرة العراق
- لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لاتستحق
- حين تُفتي الآلة ويصمت الفقيه


المزيد.....




- هل تنجح الهند في كسر احتكار الكبار للذكاء الاصطناعي؟
- تلك هي تجربتنا مع الأكراد
- زيلينسكي يوافق على هدنة أمريكية ويحذر من ضربات روسية للطاقة ...
- عراقجي إلى جنيف بـ-أفكار عملية-.. ما حدود تنازلات طهران في ا ...
- إعادة 34 أسترالياً إلى مخيم سوري بعد الإفراج عنهم بسبب -سوء ...
- في كرنفال -اثنين الورود- .. رسائل ساخرة تطال بوتين وترامب
- حزب أيرلندي يثير تفاعلا بعد رفضه حضور مناسبة دينية بالبيت ال ...
- مصادر للجزيرة نت: قوات الأمن السوري تقترب من دخول السويداء
- قبيل جولة جنيف.. الخارجية الإيرانية: واشنطن باتت -أكثر واقعي ...
- -هجوم متعمد-.. الرئيس الأذربيجاني يتهم موسكو باستهداف سفارة ...


المزيد.....

- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرم نعمة - هل بقاء نظام خامنئي قدر لا يُمسّ؟