أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - إيران بين عقيدة الهجوم ومنطق المناورة: قراءة تحليلية في تحوّل الفكر العسكري الإيراني (2026)














المزيد.....

إيران بين عقيدة الهجوم ومنطق المناورة: قراءة تحليلية في تحوّل الفكر العسكري الإيراني (2026)


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 00:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

16 شباط فبراير 2026

في لحظة إقليمية شديدة الإضطراب، وفي ظل تصاعد غير مسبوق لمستويات التوتر في الشرق الأوسط، تطرح الباحثة الروسية يفدوكيا دوبريفا من مركز دراسات الشرق الأوسط التابع لأكاديمية العلوم الروسية ، في مقال لها نشر في 8 شباط/فبراير الجاري، سؤالاً يبدو للوهلة الأولى عسكرياً بحتاً، لكنه في جوهره سياسي-إستراتيجي عميق: هل إنتقلت إيران فعلاً إلى عقيدة هجومية، أم أنها ترفع سقف القوة لتهيئة إنسحاب تفاوضي محسوب؟

هذا السؤال لا يقتصر على قراءة تغيير في خطاب الجيش الإيراني، بل يمس تحوّلاً أوسع في طريقة تفكير الدولة الإيرانية حول مفهوم الأمن القومي ذاته. فالمسألة، كما تبيّن الباحثة، لا تتعلق بمجرد إمتلاك إيران لقدرات هجومية — فهي تمتلكها منذ سنوات — بل بكون القيادة الإيرانية بدأت للمرة الأولى منذ عقود تتحدث علناً عن شرعية إستخدامها بشكل إستباقي، وهو تحول ذو دلالة إستراتيجية عميقة.

على مدى أكثر من أربعين عاماً، إستندت العقيدة العسكرية الإيرانية إلى قاعدة شبه ثابتة مفادها أن طهران لا تبدأ الحروب، لكنها تجعل كلفتها مدمرة لمن يشعلها. وقد تشكل هذا المبدأ أساساً من تجربة الحرب العراقية-الإيرانية، التي رسخت في الوعي الإيراني ثلاث حقائق لا تزال تحكم التفكير العسكري حتى اليوم: أولها أن بقاء النظام أهم من الإنتصار العسكري التقليدي، وثانيها أن تعبئة المجتمع تمثل قوة إستراتيجية بحد ذاتها، وثالثها أن مواجهة خصم متفوق تكنولوجياً لا تكون بالمواجهة المباشرة، بل بالحرب غير المتكافئة.

ومن هنا نشأت منظومة الردع الإيرانية المعروفة: صواريخ باليستية، طائرات مسيّرة، حرب سيبرانية، وشبكة واسعة من الحلفاء الإقليميين الذين يشكلون ما يسمى “الدفاع المتقدم”، أي نقل ساحة القتال بعيداً عن الحدود الإيرانية. لقد كان هذا النموذج، طوال عقود، حجر الأساس في الإستراتيجية الإيرانية، لأنه مكّن طهران من خوض صراعات طويلة دون الدخول في حرب مباشرة شاملة.

غير أن أحداث العام الماضي، كما تشير دوبريفا، أحدثت صدمة عميقة في هذه المعادلة. فالمواجهة المباشرة مع إسرائيل، وتراجع فاعلية بعض أذرع “محور المقاومة”، إضافة إلى التحولات السريعة في طبيعة الحروب الحديثة، كلها عوامل دفعت النخبة العسكرية الإيرانية إلى مراجعة جوهرية لفلسفة “الصبر الإستراتيجي”. فقد بات واضحاً أن الرد المتأخر لم يعد يحقق الردع كما في السابق، بل قد يُفسَّر أحياناً بوصفه ضعفاً أو عجزاً.

ومن هنا بدأ يظهر التحول المفاهيمي الأخطر: الإنتقال من الردع الدفاعي إلى الردع الهجومي. ففي الخطاب العسكري الجديد، لم تعد الضربة الإستباقية فكرة محرّمة، بل أصبحت خياراً مشروعاً إذا رأت القيادة أن المواجهة حتمية. وهذا التغيير وحده يكفي لإعتباره إنقلابًا في الفكر العسكري الإيراني، لأنه يعني أن طهران لم تعد تكتفي برد الفعل، بل قد تبادر بالفعل نفسه.

ويترافق ذلك مع تحول آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تقليص الإعتماد الحصري على الحروب بالوكالة. فالعقيدة الجديدة تفتح الباب أمام إمكانية توجيه ضربات مباشرة من الأراضي الإيرانية إلى أهداف خارجها، وهو ما يشير إلى إنتقال تدريجي من سياسة “الإنكار القابل للتصديق” إلى سياسة الإعلان الصريح للقوة.

وفي الوقت نفسه، يشير التغيير المؤسسي داخل بنية صنع القرار الأمني إلى أن المسألة ليست مجرد تعديل نظري. فقد أُنشئت هياكل تنسيقية جديدة بين مؤسسات الأمن والسياسة الخارجية، كما جرى إدخال شخصيات سياسية بارزة إلى مواقع أمنية حساسة بهدف ضمان تماسك القرار في ظروف الأزمات. وهذه الخطوات تعكس إدراكاً إيرانياً بأن التحول في العقيدة يتطلب أيضاً تحولاً في آليات إدارة الدولة نفسها.

غير أن اللحظة الأكثر دلالة جاءت مع الإعلان عن الصاروخ الباليستي الجديد، القادر نظرياً على ضرب أهداف بعيدة في زمن قياسي. فالتوقيت، كما تؤكد الباحثة، لم يكن عسكرياً بقدر ما كان سياسياً بإمتياز. فقد تزامن الكشف عنه مع محادثات غير مباشرة مع الولايات المتحدة، ما يشير إلى أن الرسالة لم تكن موجهة إلى ساحة الحرب بقدر ما كانت موجهة إلى طاولة التفاوض.

وهنا تصل قراءة دوبريفا إلى إستنتاجها الأكثر إثارة: إن التحول إلى عقيدة هجومية لا يعني بالضرورة أن إيران تستعد لحرب وشيكة، بل قد يعني العكس تماماً. فرفع مستوى التهديد، في كثير من الأحيان، هو وسيلة لخلق هامش أكبر للمساومة. وكلما بدا أن إيران مستعدة لإستخدام القوة، إزدادت قدرتها على التراجع بشروط أفضل.

بهذا المعنى، لا تبدو العقيدة الجديدة إعلاناً للحرب بقدر ما تبدو إعلاناً لتغيير قواعد اللعبة التفاوضية. إنها محاولة لإعادة صياغة ميزان الردع بحيث تصبح طهران قادرة ليس فقط على منع الحرب، بل أيضاً على فرض شروطها إذا إقتربت تلك الحرب من حدودها.

وهكذا يمكن القول إن إيران لا تتحول ببساطة من الدفاع إلى الهجوم، بل تنتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً: مرحلة الردع الهجومي، حيث يصبح التهديد بإستخدام القوة أداة سياسية بقدر ما هو خيار عسكري. وفي هذا التحول تحديداً تكمن خطورته الحقيقية، لأنه يعكس تغيراً في العقل الإستراتيجي الإيراني نفسه — من عقلية الصمود الطويل إلى عقلية فرض المعادلات.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإستدارة الروسية نحو الشرق: سيبيريا في قلب الرؤية الإستراتي ...
- أنتم مُراقَبون: شركة IT إسرائيلية تكشف بالخطأ (?) برنامج تجس ...
- الصراع الأمريكي–الإيراني عام 2026 في ضوء الأدبيات التحليلية ...
- فيتنام: حربٌ أرادت واشنطن أن تُخضع بها التاريخ… فإنتهت وهي ت ...
- حكومة الإحتلال الصهيونية
- ترامب على حافة المكاشفة: هل الحرب مع إيران مجرد مسرح ضغط؟
- ألكسندر دوغين يتوقّع مبارزة نووية أو حرب أهلية - رؤساء متورط ...
- السعودية بين بكين وواشنطن - معركة المعادن النادرة على أرض شب ...
- حلفاء أم تابعون؟ لماذا تتباطأ أوروبا في الإنضمام إلى مجلس ال ...
- غزّة: حين تتحول التسوية إلى إدارة للأزمة
- الغولغوثا الكردية: خيانة الحليف الأمريكي في روجافا
- إيران 1953: الجرح الذي لم يلتئم — عندما أُطيح بالديمقراطية ب ...
- «الناتو الإسلامي» في مواجهة المحور الإسرائيلي–الهندي
- هل تقترب الضربة؟ أربع سيناريوهات «للحرب الأميركية الجديدة» ع ...
- إسرائيل كضحية محتملة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط
- هل تقترب لحظة الصدام؟ الإستراتيجية الأمريكية تجاه إيران بين ...
- من روجافا إلى الجولان: ما الذي باعه الشرع لواشنطن؟
- بيريسليغين: الحسم ليس في دونباس… بل في أوديسا حيث تُكسر أوكر ...
- إيران في قلب الصراع على النظام العالمي: هل تضرب واشنطن الصين ...
- الصين عند مفترق “1937”: التطهيرات العسكرية بين إعادة الضبط ا ...


المزيد.....




- هيلاري كلينتون: ترامب -خان- الغرب والقيم الإنسانية والناتو
- أمريكي يستعيد جنسيته الإيطالية بحق الدم ويشتري منزلًا بمليون ...
- -يوم التأسيس-.. أمير الرياض ونائبه يشاركان في رقصة -العرضة ا ...
- كوريا الشمالية تفتتح مساكن لعسكريين قتلوا في أوكرانيا
- قبيل محادثات جنيف: عراقجي يشدد على سعي طهران لاتفاق عادل ورف ...
- مؤتمر ميونيخ ـ سياسي ألماني: لا قرار قريب بشأن السلاح النووي ...
- الجزائر وصفقة مقاتلات سوخوي57.. قوة جوية من الجيل الخامس في ...
- ألبوم -شيراز-: رسالة يكتبها ظافر يوسف لزوجته
- كوريا الشمالية: تدشين مجمع سكني لعائلات جنود قتلوا في الحرب ...
- مقتل الشاب -كانتان- يؤجج الاستقطاب السياسي في فرنسا


المزيد.....

- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - إيران بين عقيدة الهجوم ومنطق المناورة: قراءة تحليلية في تحوّل الفكر العسكري الإيراني (2026)