أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إسلام حافظ - أخلاقيات النجاة… حين يُعاقَب الهاربون من الجحيم














المزيد.....

أخلاقيات النجاة… حين يُعاقَب الهاربون من الجحيم


إسلام حافظ
كاتب وباحث مصري

(Eslam Hafez)


الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 23:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الفلسفة السياسية يُقاس رقيّ المجتمعات لا بما تقوله عن نفسها بل بكيفية تعاملها مع الأضعف فيها فاللحظة التي يقف فيها إنسان على بابك هاربًا من الموت هي لحظة اختبار لا للسياسة وحدها بل للضمير الجمعي بأكمله والسودانيون الذين عبروا إلى مصر منذ اندلاع الحرب لم يأتوا بوصفهم مهاجرين اقتصاديين بل ناجين من انهيار دولة كاملة ومن تفكك اجتماعي وعسكري جعل الحياة نفسها احتمالًا هشًا
منذ اندلاع القتال في أبريل 2023 تحولت الخرطوم إلى مدينة أشباح في أحياء واسعة وانقطعت الكهرباء والمياه والخدمات الصحية وتعرضت البنية المدنية لدمار كبير ووفق تقديرات منظمات دولية تجاوز عدد النازحين واللاجئين السودانيين اثني عشر مليون إنسان بين نازح داخل البلاد ولاجئ خارجها في واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم حاليًا واتجه مئات الآلاف إلى مصر بحكم القرب الجغرافي والروابط التاريخية
الأرقام لا تروي المأساة كاملة لكنها تكشف حجمها فخلف كل رقم عائلة فقدت منزلًا أو مصدر رزق أو فردًا من أفرادها وخلف كل قافلة بشرية قصة اقتلاع كاملة من الجذور ومع ذلك لا يعبر اللاجئ الحدود مطالبًا بالرفاهية بل حاملًا طلبًا بسيطًا يكاد يكون بيولوجيًا أن ينجو وأن يعيش يومًا إضافيًا بلا قصف ولا رصاص
غير أن النجاة من الموت لا تعني النجاة من كل أشكال العنف فهناك عنف أقل صخبًا وأكثر دوامًا يتمثل في الفقر والإجراءات المعقدة والنبذ الاجتماعي والتحريض الإعلامي وهو عنف لا يقتل دفعة واحدة بل يستنزف ببطء حتى يتحول الأمان المؤقت إلى هشاشة دائمة
اقتصاديًا يعيش كثير من السودانيين في مصر أوضاعًا شديدة القسوة إذ يعمل عدد كبير منهم في القطاع غير الرسمي بلا حماية قانونية وبأجور منخفضة ويواجهون ارتفاعًا حادًا في تكاليف السكن والمعيشة في بلد يعاني أصلًا من تضخم مرتفع وضغط اقتصادي واسع وفي هذا السياق يصبح اللاجئ الحلقة الأضعف في سوق عمل قاسٍ لا يعترف إلا بمن يستطيع الصمود
كما يواجه بعضهم حملات ترحيل قسري أو تهديدًا دائمًا بالترحيل بسبب أوضاع الإقامة أو الدخول غير النظامي وهي إجراءات تزيد من حالة عدم الاستقرار وتضع آلاف الأسر أمام خطر العودة إلى بيئة ما زالت غير آمنة
اجتماعيًا يتعرض بعضهم لموجات من الخطاب العدائي الذي يربط وجودهم تلقائيًا بالأزمات القائمة وهو ربط مريح نفسيًا لأنه يقدم تفسيرًا بسيطًا لمشكلات معقدة فالإنسان حين يعجز عن فهم أزماته الكبرى يبحث عن سبب قريب ومرئي وغالبًا ما يكون الأضعف هو الهدف الأسهل
على وسائل التواصل الاجتماعي تتجسد هذه الآلية بوضوح حيث تنتشر روايات غير موثقة وصور مجتزأة وأرقام بلا مصادر تُستخدم لتغذية تصور أن اللاجئين عبء شامل على المجتمع رغم أن الدراسات المقارنة تشير إلى أن تأثيرهم أكثر تعقيدًا وأنهم يساهمون أيضًا في قطاعات العمل والخدمات والاستهلاك
وفي الجانب الأكثر قتامة برزت تقارير حقوقية وإعلامية عن وفاة لاجئين سودانيين داخل أماكن احتجاز شرطية في حوادث منفصلة وهو ما أثار مخاوف واسعة بشأن أوضاع الاحتجاز والرعاية الصحية والضمانات القانونية داخل هذه المرافق وأعاد طرح أسئلة ملحّة حول مدى حماية الحقوق الأساسية للأجانب في ظروف الاحتجاز
فلسفيًا تطرح هذه الوقائع سؤالًا أعمق من مجرد إدارة ملف لجوء ما معنى الحدود في عالم تتفكك فيه الدول وما معنى المواطنة حين يصبح البقاء نفسه موضع تفاوض وما قيمة الانتماء إذا كان الإنسان قد يفقده قسرًا في ليلة واحدة بسبب حرب لم يخترها
الذاكرة الإقليمية القريبة تؤكد أن شعوب المنطقة كلها اختبرت النزوح بدرجات مختلفة مصريون وسوريون وعراقيون وفلسطينيون وليبيون وسودانيون وغيرهم وكل تجربة ظنت نفسها استثناء ثم اكتشفت أنها جزء من نمط أوسع من عدم الاستقرار فالتاريخ الحديث للمنطقة سلسلة متصلة من موجات اللجوء المتبادلة
لهذا فإن معاملة اللاجئ ليست مسألة إحسان بل مسألة وعي بالمصير المشترك فالدنيا لا تدور أخلاقيًا فقط بل سياسيًا أيضًا وما يبدو استقرارًا دائمًا قد يكون هدنة مؤقتة في منطقة مفتوحة على احتمالات الانفجار
القانون ضروري لتنظيم الحدود والموارد لكنه يفقد شرعيته الأخلاقية إذا تحول إلى أداة لإذلال من فقدوا كل شيء فاللاجئ لا يحتاج امتيازات استثنائية بل يحتاج حدًا أدنى من الكرامة الإنسانية التي تجعل النجاة ممكنة لا مؤجلة
حين يعبر إنسان الحدود هاربًا من الحرب فهو لا يترك وطنه بإرادته بل يُنتزع منه وحين يُستقبل بالريبة بدل التعاطف تتضاعف خسارته لأنه يخسر المكان القديم وإمكانية الانتماء الجديد معًا فيصبح عالقًا في منطقة رمادية لا هو آمن تمامًا ولا قادر على العودة
المجتمعات لا تُختبر في قدرتها على حماية الأقوياء بل في قدرتها على عدم سحق الضعفاء وفي زمن الانهيارات الكبرى يصبح أبسط موقف أخلاقي هو الامتناع عن القسوة لأن الكراهية لا تعالج أزمة اقتصادية ولا تبني دولة ولا تعيد استقرارًا مفقودًا بل تضيف طبقة جديدة من العنف إلى عالم يعاني أصلًا من فائض العنف
السوداني الذي يقف اليوم في طابور طويل أمام مصلحة حكومية أو يبحث عن غرفة إيجار أو عمل مؤقت لا يمثل خطرًا وجوديًا على أحد بل يمثل إنسانًا يحاول إعادة بناء حياة من الصفر والحقيقة البسيطة التي يتجاهلها الخطاب العدائي أن أحدًا لا يختار أن يصبح لاجئًا إلا حين يصبح البديل هو الموت
ويبقى السؤال الأخلاقي مفتوحًا أي مجتمع نريد أن نكون مجتمع يخاف من الضحايا أم مجتمع يدرك أن إنقاذ إنسان واحد من السقوط الكامل هو دفاع عن إنسانية الجميع لأن الحدود قد تفصل بين الدول لكنها لا تفصل بين المصائر والإنسان الذي نرفضه اليوم قد يكون صورتنا المحتملة غدًا



#إسلام_حافظ_عبد_السلام (هاشتاغ)       Eslam_Hafez#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يتكلّم العرق وتصمت الأرباح: لماذا يُستفَز البعض من صوت ا ...
- حين يتكلّم العرق وتصمت الأرباح: لماذا يكره البعض صوت اليسار؟
- رائحة الموت في الفاشر… حين يختبر الله ضمير العالم
- السودان المنسيّ: وطن يُحترق بصمت، ويُذبح بالإهمال
- -ماسبيرو.. حين دهس الوطن أبناءه وسار فوق الحلم-
- -نصف المجتمع....كل المأساة-
- في مملكة الرمل… حيث يُدار الخراب بأيدٍ ناعمة
- -مصر... الجرح الذي أحببناه-
- -حين يصبح الإنسان خبراً عابراً-
- -ميزان الإنسان في عالم بلا ميزان-
- نزيف خلف القضبان
- الفاجومي: شاعر لم يركع وكلمة لا تموت
- من البشير إلى البرهان وحميدتي: حكاية وطن مختطف -4/10-
- من البشير إلى البرهان وحميدتي: حكاية وطن مختطف -3/10-
- من البشير إلى البرهان وحميدتي: حكاية وطن مختطف -2/10-
- -من البشير إلى البرهان وحميدتي: حكاية وطن مختطف -1/10-
- الإمارات والسودان: كيف ساهم المال والسلاح في تمزيق وطن؟
- البلشي صوت المقاومة في وجه دولة القمع
- ٦ ابريل من شرارة الغضب الي قلب الثورة
- العيد جانا والمعتقلين مش معانا


المزيد.....




- غزة تستقبل الفجر بالنار.. غارات ونسف مبانٍ عقب “حدث استثنائي ...
- مسؤول إيراني لبي بي سي: طهران مستعدة للنظر في تقديم تنازلات ...
- الجزائر وصفقة مقاتلات Su-57E.. قوة جوية من الجيل الخامس في أ ...
- جذور الكرنفال.. من أعياد الرومان إلى الطقوس الكنسية
- أوباما يرد على فيديو عنصري صوره في هيئة قرد وينتقد -السلوك ا ...
- عاجل | يسرائيل هيوم عن مصادر: حكومة إسرائيل تسعى لإقرار بدء ...
- أخيرا.. -علاج ذكي- لتعقيدات الساعة البيولوجية
- سوريا.. أبرز ما قاله الشيباني في مؤتمر ميونخ للأمن
- من عامل توصيل بيتزا إلى لاعب يطمح لأولمبياد الشتوية
- دعوات لاستقلال -تكساس كندا- ومسؤولون أمريكيون يدعمونها


المزيد.....

- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إسلام حافظ - أخلاقيات النجاة… حين يُعاقَب الهاربون من الجحيم