أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - ولادة الوعي من رحم الخراب: كيف يصنع الألم ذاكرة أمة جديدة














المزيد.....

ولادة الوعي من رحم الخراب: كيف يصنع الألم ذاكرة أمة جديدة


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 07:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يتشكّل الوعي الجمعي، في لحظات الانكسار الكبرى، لا بوصفه ردّ فعل عاطفياً عابراً، بل كتحوّل أنطولوجي عميق في فهم الذات ومعنى الوجود داخل التاريخ. ما يمرّ به الشعب العراقي ليس مجرد تراكم أوجاع، بل إعادة تشكّل بطيئة لجوهر الإنسان وهو يعيد تعريف علاقته بالأرض، والسلطة، والمعنى، والمستقبل.
الذاكرة العراقية اليوم ليست أرشيفاً للحزن فقط، بل مختبراً لإنتاج معنى جديد للحياة. فالحروب المتعاقبة، والحصار، والاقتتال الداخلي، والانكسارات السياسية، صنعت إنساناً لم يعد يرى العالم بالبراءة القديمة، لكنه في الوقت ذاته لم يستسلم بالكامل للعدم. في هذا التوتر بين اليأس والإصرار، يولد وعي مختلف: وعي يرى الخراب، لكنه لا يتماهى معه.
الفلسفة تخبرنا أن الألم، حين يبلغ ذروته، يتحوّل من تجربة فردية إلى بنية وعي. أي أن الإنسان لا يعود يسأل: لماذا حدث هذا لي؟ بل يبدأ بالسؤال الأخطر: ماذا أفعل بكل هذا الذي حدث؟ هنا ينتقل الوعي من مستوى الضحية إلى مستوى الشاهد، ثم إلى مستوى الفاعل. وهذه النقلة هي جوهر كل نهضة حقيقية.
حين ننظر إلى تجربة ألمانيا بعد دمار الحرب العالمية الثانية، أو إلى ما عاشته اليابان بعد القصف النووي والانهيار الشامل، لا نجد معجزة سحرية، بل مساراً طويلاً من إعادة بناء الإنسان قبل الحجر. هناك وُلد إدراك جماعي بأن الهزيمة ليست قدراً أبدياً، بل حالة تاريخية يمكن تجاوزها عبر وعي جديد بالذات والمسؤولية والعمل.
الشعب العراقي، وإن تأخر مسار نهوضه لأسباب داخلية وخارجية معقّدة، إلا أن المؤشرات العميقة لا تُقاس بسرعة الإنجاز، بل بطبيعة التحوّل الداخلي. ما يحدث اليوم هو تشكّل بطيء لعقل جمعي أكثر حذراً، أقل انخداعاً بالشعارات، وأكثر ميلاً لطرح الأسئلة الجوهرية: من نحن؟ ماذا نريد؟ وأي دولة نطمح أن نكون؟
هذا الوعي الجديد لا يصرخ كثيراً، ولا يرفع الشعارات الصاخبة، لكنه يتسلل بصمت إلى تفاصيل الحياة اليومية. نراه في شاب يرفض أن يكرر أخطاء الأجيال السابقة، وفي امرأة تصر على تعليم أبنائها رغم الفقر، وفي عامل بسيط يرى في الاستقامة شكلاً من أشكال المقاومة. هذه الأفعال الصغيرة، في مجموعها، تصنع تحوّلاً فلسفياً عميقاً: انتقال المجتمع من انتظار الخلاص إلى محاولة صناعته.
لقد أدرك العراقي، بعد عقود من الخيبات، أن الرهان على المنقذ الخارجي وهم، وأن التعويل على السلطة وحدها طريق مسدود. هذا الإدراك مؤلم، لكنه ضروري. فالفلسفة الوجودية ترى أن الإنسان لا يصنع ذاته إلا حين يتخلى عن أوهام الوصاية، ويتحمّل عبء حريته كاملة.
ومن أخطر التحولات الإيجابية اليوم أن الوعي لم يعد يرى الوطن بوصفه شعاراً رومانسياً، بل مسؤولية أخلاقية. لم يعد الوطن فكرة معلّقة في الخطب، بل سؤالاً يومياً: كيف أحافظ على ما تبقى؟ كيف أمنع تكرار الكارثة؟ هذا الانتقال من العاطفة المجردة إلى المسؤولية الواعية هو بذرة كل ولادة جديدة.
التجارب الدموية التي مرّ بها العراق خلقت ما يمكن تسميته بـ"الحكمة القاسية". وهي حكمة لا تأتي من الكتب، بل من الاحتكاك المباشر بالفقد. من يرى الموت يومياً، يبدأ بتقدير الحياة بطريقة مختلفة. ومن يعيش الخيانة السياسية المتكررة، يصبح أقل قابلية للانخداع. ومن يختبر انهيار القيم، يبدأ بالبحث عن قيم بديلة أكثر صدقاً.
هذا لا يعني أن الطريق صار واضحاً أو سهلاً. الوعي الوليد هشّ، ومحاصر، ومعرّض للانتكاس. لكن مجرد وجوده علامة فارقة. فالنهضات الكبرى لا تبدأ بالمصانع والناطحات، بل بفكرة تتسلل إلى العقول: نحن نستحق حياة أفضل، ونحن قادرون على صناعتها.
العراقي اليوم لا يعيش لحظة انتصار، لكنه خرج من مرحلة الاستسلام الكامل. وهذه النقلة، فلسفياً، أخطر من الانتصار نفسه. لأن من يكسر قناعة الهزيمة يكون قد خطا نصف الطريق نحو النهوض.
إننا أمام مخاض طويل، مؤلم، ومفتوح الاحتمالات. لكنه مخاض يدل على حياة، لا على موت. فالمجتمعات الميتة لا تتألم، ولا تراجع ذاتها، ولا تسأل. أما المجتمع الذي يسأل، ولو بصوت خافت، فهو مجتمع ما زال يمتلك إمكانية الولادة من جديد.
هكذا، يتكوّن في ذاكرة الشعب العراقي وعي ممتلئ بالتجربة، مثقل بالجراح، لكنه متخم أيضاً بالمعرفة. وبهذا المعنى، فإن ما نراه اليوم ليس نهاية السقوط، بل بداية تشكّل المعنى بعد السقوط. والمعنى، حين يولد، يكون أول حجر في طريق النهوض.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شيخوخة هادئة على حافة الصمت
- حين يكون الانحياز موقفًا معرفيًا
- رفيق الحبر والظل
- الرجل الصغير
- حين خانني الصمت فأعترفت
- نزيف الذاكرة
- أنتِ الزمن حين يتخلى العمر عن أرقامه
- دولة الورق
- وهم الكتابة
- عودة الى المربع الأول
- ماراثون الحكومة مع الرواتب… إدارة تلهث وشعب ينتظر
- كربلاء والنجف في عين الاستهداف: قراءة عميقة في الجغرافيا الر ...
- الشيب بوصفه سيرة خفية للألم
- وهم الثبات العاطفي وإخفاق استدعاء الماضي في العلاقات الإنسان ...
- حصان طروادة الى العراق بلمسة اميركية
- اختلال المعايير الوطنية في العراق
- تعالي… قبل أن أتعافى منك
- ليست أخطاء حكم… بل هندسة غضب وتهريب مسؤولية
- اصنامنا البشرية
- من الخبر إلى المسؤولية: امتحان النزاهة في الخطاب الإعلامي


المزيد.....




- ستيف بانون سعى لاستمالة إبستين بجهوده -للإطاحة- بالبابا فران ...
- مذكرة صادرة عن اللقاء الوطني للدفاع عن الحريات العامة  
- عندما تفقد الكلمات معانيها
- فرنسا: مقتل مهاجم طعن دركيا بسكين عند قوس النصر في باريس
- عاجل | غوتيريش: يجب أن تكون أفريقيا حاضرة في مجلس الأمن الدو ...
- شركة أمريكية أمّنت -مؤسسة غزة الإنسانية- تبحث عن دور جديد في ...
- بطلان محاكمة طلاب بجامعة ستانفورد بشأن احتجاجات مؤيدة للفلسط ...
- ولي عهد إيران السابق: الملايين نادوا باسمي.. وقبلتُ تحدي قيا ...
- مصر.. فيديو إجبار شاب على ارتداء ملابس نسائية بالشارع والأمن ...
- حقبة ترامب الغامضة.. أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - ولادة الوعي من رحم الخراب: كيف يصنع الألم ذاكرة أمة جديدة