أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض العيداني - عندما يتحول الطب إلى سلعة… والعلاقات إلى شاشة: (ملامح الانكسار الاجتماعي في العراق المعاصر)














المزيد.....

عندما يتحول الطب إلى سلعة… والعلاقات إلى شاشة: (ملامح الانكسار الاجتماعي في العراق المعاصر)


رياض العيداني

الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 03:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الجمعة 13/2/2026

في المجتمعات التي تمر بتحولات سياسية واقتصادية عميقة لا يكون الخلل في الاقتصاد وحده ، بل في تعريف الأشياء ذاتها ، وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول (العلم من رسالة إلى سلعة ، وأن تتحول المستشفى من ملاذ إنساني إلى مشروع ربحي ، وأن تتحول العلاقات الاجتماعية من دفءٍ حيّ إلى تفاعلٍ رقمي بارد) في هذا السياق يبرز الواقع العراقي بوصفه نموذجاً مكثفاً لهذه التحولات إذ أعادت السوق صياغة أولويات الدولة وأعادت التكنولوجيا تشكيل معنى الاجتماع الإنساني .
لم يكن الطب في تاريخه مجرد مهنة ، بل كان فعلاً أخلاقياً مرتبطاً بحماية الحياة غير أن إدخاله في منطق الاستثمار المجرد حوّله تدريجياً إلى خدمة تخضع لقانون العرض والطلب ، وهنا تكمن المعضلة (حين تصبح القدرة على العلاج مرتبطة بالقدرة على الدفع) يتحول الحق في الحياة إلى امتياز طبقي ، في العراق إذ يعاني القطاع الصحي العام من (ضعف البنية التحتية ونقص التمويل) تمددت المؤسسات الصحية "الخاصة" بسرعة لكن هذا التمدد لم يكن بديلاً عادلاً ، بل أصبح في كثير من الأحيان بوابة لإعادة إنتاج اللامساواة!! فالمواطن الذي لا يملك كلفة الفحص والعلاج يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ(الاستدانة أو الإهمال).
إن خطورة تحويل المستشفى إلى مشروع استثماري لا تكمن فقط في ارتفاع الكلف على المواطن البسيط ، بل في تغير الفلسفة الحاكمة ، فالمؤسسة التي يُقاس نجاحها بحجم الأرباح ستبحث (بحكم المنطق الاقتصادي) عن (تعظيم العائد) لا عن تعظيم (العدالة الصحية) ومع غياب رقابة فعّالة ومعايير صارمة تتراجع الجودة أحياناً لصالح الربحية!! ويصبح المريض (رقماً في ميزانية لا إنساناً في أزمة) هذا التحول يُضعف الثقة العامة بالمؤسسات ويقوّض فكرة الدولة الراعية التي يفترض أن تضمن الحد الأدنى من الكرامة الصحية لمواطنيها .
الأثر المستقبلي لهذا المسار خطير فحين يُختزل العلم في عائده المالي تتراجع الأبحاث غير الربحية ويُهمّش الاستثمار في الصحة الوقائية ويغيب التخطيط بعيد المدى لصالح المكاسب السريعة ، ومع تراكم هذه الاختلالات تتشكل فجوة صحية بين (طبقة قادرة على الوصول إلى أفضل الخدمات، وأغلبية تعيش في دائرة المخاطر) وهنا لا نتحدث عن خلل قطاعي ، بل عن إعادة تشكيل البنية الاجتماعية نفسها إذ تصبح الصحة محدداً جديداً للفرز الطبقي ، بل وتنتهي بذلك عصر الطبقة الوسطى ويقتصر المجتمع بذلك على طبقتين فقط أما (طبقة غنية أو طبقة فقيرة)!.
لكن الأزمة لا تقف عند حدود الطب فقط فبموازاة تسليع العلم شهد المجتمع العراقي كغيره من المجتمعات الأخرى تحوّلاً عميقاً في طبيعة العلاقات الإنسانية ، لقد انتقل مركز الاجتماع من الحيّ والبيت والمقهى إلى المنصات الرقمية ، إذ أصبحت العلاقات تُقاس بعدد المتابعين والإعجابات والمشاهدات ، لم تعد الصداقة تجربة معاشَة بقدر ما أصبحت صورة معروضة ولم يعد الحضور الجسدي شرطاً للتواصل!! فهذا التحول رغم ما يوفره من سهولة واتصال خلق شكلاً جديداً من العزلة!! عزلة مزدحمة بالوجوه الافتراضية لكنها فقيرة بالدفء الحقيقي!.
ففي العراق كانت الروابط العائلية والعشائرية تقليدياً تشكل شبكة أمان اجتماعي بدأ هذا النسيج يتعرض للتآكل البطيء ، فالجلسات العائلية مثلاً التي كانت فضاءً للحوار تحولت إلى صمتٍ جماعي أمام الشاشات!! والأحداث الاجتماعية باتت تُوثَّق من خلال (السيلفي) أكثر مما تُعاش ، ومع تصاعد الخطاب الاستعراضي في وسائل التواصل نشأ ما يمكن تسميته بـ("عصر التفاهة") إذ تُمنح القيمة لما هو صادم أو سطحي بينما يتراجع النقاش العميق والاهتمام بالشأن العام .
النتيجة هي مجتمع يزداد فيه الشعور بالوحدة رغم كثافة الاتصال! وتتراجع فيه الثقة المتبادلة رغم وفرة التفاعل ، وعندما تتقاطع هذه العزلة الرقمية مع القلق الاقتصادي الناتج عن خصخصة الخدمات الأساسية تتشكل حالة اغتراب مركبة (اغتراب عن الدولة التي لم تعد ضامنة ، واغتراب عن المجتمع الذي لم يعد حاضناً) هذا المناخ يُنتج أفراداً أكثر انكفاءً على ذواتهم وأقل استعداداً للعمل الجماعي ، ما ينعكس سلباً على إمكانات الإصلاح والتغيير .
إن مواجهة هذا المسار لا تعني رفض الاستثمار أو التكنولوجيا ، بل إعادة ضبط بوصلتهما (فالاستثمار في الصحة يجب أن يُقيَّد باعتبارات العدالة والرقابة الصارمة وأن يبقى القطاع العام قوياً وقادراً على أداء دوره بوصفه الضامن الأول للحق في العلاج) كما أن (التكنولوجيا ينبغي أن تُوظَّف لتعزيز الروابط لا لقطعها) عبر إعادة الاعتبار للقاء المباشر ولمساحات الحوار الواقعي وللقيم التي تجعل من المجتمع أكثر من مجرد شبكة حسابات .
وفي المحصلة إن تحويل الطب إلى سلعة والعلاقات إلى محتوى رقمي ليسا ظاهرتين منفصلتين ، بل وجهان لتحول أعمق يعيد تعريف معنى الإنسان في المجتمع ، وإذا لم يُستدرَك الأمر بسياسات عادلة ووعي اجتماعي ناقد فقد نجد أنفسنا أمام مستقبل يُقاس فيه كل شيء بالربح!! وتُختزل فيه (الحياة إلى معاملة ، والصداقة إلى إشعار ، والإنسان إلى رقم) وهنا تكمن المأساة الحقيقية!!.



#رياض_العيداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تقول الدولة النفطية: (لا نملك رواتب… فهذا ليس عجزاً بل ف ...
- الفرص الاستثمارية الضائعة في العراق وثمن غياب التخطيط الاستر ...
- كيف تموّل الدول الحديثة عجزها؟ (دروس 2025 التي لم يتعلّمها ا ...
- الأزمة المالية في العراق (حين يغيب التخطيط وتُستبدل الإصلاحا ...
- نظرية معادلة (3×3) حين يُدار العراق بتوازنات جغرافية لا وطني ...
- بين ترشيد الإدارة وتجفيف المعرفة قراءة اجتماعية في قرار عدم ...
- لماذا تعثّر بناء الدولة في العراق؟ مقاربة في المفهوم والبنية ...
- إقليم البصرة المقومات الموضوعية والجدوى الدستورية في ضوء الت ...
- جزاة الإحسان… «بكّان» (الحكم المركزي)
- سياسات الأمن الإنساني في البصرة بعد 2005 تحليل بنيوي وإخفاقا ...
- حين تتحوّل الحياة إلى تهمة
- حين تُدار الدولة على ظهر حصانٍ ميت
- البصرة بين مركزٍ يستنزفها واقليمٍ ينصفها
- حين يموت النهر ... وتنطفئ الحياة مأساة البيئة في العراق


المزيد.....




- ستيف بانون سعى لاستمالة إبستين بجهوده -للإطاحة- بالبابا فران ...
- مذكرة صادرة عن اللقاء الوطني للدفاع عن الحريات العامة  
- عندما تفقد الكلمات معانيها
- فرنسا: مقتل مهاجم طعن دركيا بسكين عند قوس النصر في باريس
- عاجل | غوتيريش: يجب أن تكون أفريقيا حاضرة في مجلس الأمن الدو ...
- شركة أمريكية أمّنت -مؤسسة غزة الإنسانية- تبحث عن دور جديد في ...
- بطلان محاكمة طلاب بجامعة ستانفورد بشأن احتجاجات مؤيدة للفلسط ...
- ولي عهد إيران السابق: الملايين نادوا باسمي.. وقبلتُ تحدي قيا ...
- مصر.. فيديو إجبار شاب على ارتداء ملابس نسائية بالشارع والأمن ...
- حقبة ترامب الغامضة.. أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض العيداني - عندما يتحول الطب إلى سلعة… والعلاقات إلى شاشة: (ملامح الانكسار الاجتماعي في العراق المعاصر)