أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قاسم محمد داود - سوريا 2026: عام التأسيس أم هدنة ما قبل الانفجار؟















المزيد.....

سوريا 2026: عام التأسيس أم هدنة ما قبل الانفجار؟


قاسم محمد داود
كاتب

(Qasim Mohamed Dawod)


الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 15:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس الدول بما تخلّفه الحروب، بل بما تبنيه بعدها. وسوريا، وهي تدخل عام 2026، لا تواجه مهمة إعادة إعمار المدن المدمّرة فحسب، بل مهمة أكثر تعقيداً: إعادة تعريف الدولة، والسلطة، والمواطنة، في بيئة إقليمية ودولية لا تزال تنظر إليها بوصفها ملفاً مفتوحاً لا دولة مكتملة السيادة.
تدخل سوريا هذه المرحلة وهي تقف على تخوم لحظة تاريخية غير مسبوقة؛ فبعد أكثر من عقد من الصراع الذي أعاد رسم خرائط النفوذ في المشرق العربي، لم يعد السؤال متمحوراً حول شرعية السلطة وحدها، بل حول قدرة “سوريا الجديدة” على صياغة عقد اجتماعي وبنيوي ينهي حقبة التفتت الطويلة. وبينما ينقشع غبار المعارك عن الجغرافيا، تبرز أمام الإدارة الانتقالية ملامح ما يمكن تسميته “عام الصفر” في مسار التعافي، حيث يمتزج طموح البناء السياسي بمرارة واقع اقتصادي مثقل بفاتورة إعادة إعمار تتجاوز 200 مليار دولار.
وفي ظل انفتاح دبلوماسي حذر، وتحولات في أولويات القوى الدولية الفاعلة، يجد السوريون أنفسهم أمام اختبار حقيقي لترميم الهوية الوطنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد السلاح تحت سقف السيادة. فهل تنجح دمشق في التحول من ساحة لتصفية الحسابات الدولية إلى نموذج لاستقرار تنموي قابل للحياة، أم يبقى الاستقرار رهينة تجاذبات الداخل وتعقيدات الخارج؟
المسار السياسي: من «سلطة الواقع» إلى «دولة المؤسسات»
في قلب هذا التحول، يتقدم المسار السياسي بوصفه المحدد الأول لشكل الدولة القادمة، لا باعتباره إجراءً إدارياً، بل باعتباره عملية إعادة تأسيس شاملة. ويرى محللون في معهد الشرق الأوسط (MEI) أن التحدي الأكبر الذي يواجه الإدارة الانتقالية في عام 2026 لا يتمثل في إحكام السيطرة العسكرية، بل في القدرة على نقل سوريا من “شرعية الغلبة” إلى “شرعية التوافق”.
ويرتكز هذا التحول على ثلاث ركائز أساسية:
أولاً: إعادة هيكلة الدولة والعقد الاجتماعي
تتجه الأنظار إلى صياغة دستور جديد أو “إعلان دستوري” يضمن حقوق المكونات السورية المختلفة، ويوازن بين الهوية العربية للجمهورية السورية وبين تطلعات المكونات الأخرى، كالأكراد والسريان والتركمان، في إدارة شؤونهم المحلية ضمن إطار الدولة الواحدة.
ثانياً: معضلة اللامركزية الإدارية
ثمة شبه إجماع دولي وإقليمي على رفض الفيدرالية التي قد تمهد لمسارات انفصالية، في مقابل دعم نموذج “اللامركزية الإدارية الموسعة”، الذي يمنح المحافظات صلاحيات خدمية وتنموية واسعة، مع إبقاء السيادة والسياسة الخارجية وإدارة الثروات الوطنية بيد المركز في دمشق.
ثالثاً: إدماج القوى وتفكيك «الدولة العميقة»
يتطلب التحول السياسي الناجح تفكيك ما تبقى من بنى أمنية تابعة للنظام السابق دون إحداث فراغ أمني، بالتوازي مع دمج الفصائل العسكرية التي أسقطت النظام في إطار “جيش وطني” مهني، بعيد عن الأدلجة والولاءات الفصائلية.
وتؤكد مراكز بحثية أن أي إقصاء لمكون طائفي أو عرقي سيجعل من الاستقرار الحالي مجرد “استراحة محارب”، تمهّد لصراعات مؤجلة لا أكثر.
الاقتصاد السوري: عبء «فاتورة الصفر» ورهانات «مارشال» عربي
إذا كان المسار السياسي هو عقل الدولة الجديدة، فإن الاقتصاد هو قلبها النابض. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن سوريا تحتاج إلى ما لا يقل عن 216 مليار دولار للبدء بمرحلة التعافي المبكر، وهو رقم يوازي أضعاف ناتجها المحلي الحالي.
فجوة التمويل ومعضلة المانحين
يرى خبراء في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن مرحلة ما بعد الحرب ستقوم على معادلة “الاستثمار مقابل الاستقرار”، لا على المنح غير المشروطة، ما يضع الإدارة الانتقالية أمام اختبار جدي في الشفافية والحوكمة.
خريطة النفوذ الاستثماري
تشهد الساحة السورية اهتماماً متزايداً من دول الخليج وتركيا، حيث وقّعت شركات سعودية وإماراتية مذكرات تفاهم تتجاوز 25 مليار دولار في قطاعات الطاقة والمواصلات، بينما تركز الشراكات القطرية–التركية على الإسكان والبنية التحتية.
التحديات الهيكلية الخانقة
ورغم هذه المؤشرات، يواجه السوريون واقعاً قاسياً، مع بقاء نحو 90 في المئة من السكان تحت خط الفقر، واستمرار أزمة الطاقة، والشلل القانوني، وهجرة الكفاءات، ما يجعل “إعادة الإعمار البشري” أكثر تعقيداً من إعادة بناء الحجر.
الأمن والسيادة: اختبار الدولة الحقيقي
يبقى أي حديث عن تعافٍ سياسي أو اقتصادي نظرياً ما لم يُحسم سؤال الأمن والسيادة، لا بوصفهما مفهوماً عسكرياً فحسب، بل شرطاً لشرعية الدولة داخلياً وخارجياً.
وفقاً لتقارير مجموعة الأزمات الدولية (ICG)، انتقلت التحديات في عام 2026 من جبهات القتال إلى مربع “إدارة الاستقرار”، حيث تبرز ثلاثة ملفات مركزية:
هيكلة الجيش والشرعية الأمنية
يتمثل التحدي الوجودي في تحويل الفصائل المسلحة إلى قوات نظامية عبر برامج الدمج والتسريح (DDR)، والانتقال من “شرعية الميدان” إلى “الشرعية الأمنية”، بحيث يصبح السلاح حكراً على مؤسسات الدولة.
السيادة المنقوصة واتفاقات الجوار
لا تزال دمشق تواجه واقع السيادة المنقوصة في ظل وجود قواعد وتفاهمات دولية على أجزاء من الجغرافيا السورية. وتسعى الإدارة الجديدة إلى تبني سياسة توازن إقليمي تمنع استخدام الأراضي السورية كساحة تهديد للجوار، دون التفريط بالخطوط السيادية.
مكافحة الإرهاب العابر للحدود
لا تزال خلايا “داعش” في البادية تشكل تهديداً أمنياً واقتصادياً، ما يفرض استمرار التعاون الاستخباراتي مع التحالف الدولي ضمن أطر قانونية تمنح الدولة السورية حضوراً وسيادة أكبر.
سوريا أمام مفترق الطرق: سيناريوهات 2026–2030
تكاد مراكز الدراسات تجمع على أن المسار السوري خلال السنوات الخمس المقبلة لن يكون خطياً، بل متذبذباً، تحكمه علاقة هشة بين الداخل المنهك والخارج المتردد في الاستثمار الكامل باستقرار طويل الأمد.
ويضع الخبراء سيناريوهين رئيسيين:
سيناريو التعافي المتدرج
نجاح الإدارة الانتقالية في تثبيت الأمن ورفع العقوبات، ما يحول سوريا إلى ورشة إعادة إعمار كبرى تقودها رؤوس أموال عربية، مع عودة منظمة للاجئين واستعادة تدريجية للدور الإقليمي.
سيناريو الاستقرار الهش
فشل الدولة في فرض سيادتها على الأطراف، وتحول البلاد إلى مناطق نفوذ اقتصادية وأمنية غير معلنة، يبقى فيها الاقتصاد رهيناً للمساعدات الإنسانية والترميم المحدود.
خلاصة القول
إن سوريا في عام 2026 لم تعد تبحث عن النجاة، بل عن الهوية والمكانة. فالعبور إلى بر الأمان يتطلب إرادة سيادية قادرة على تغليب المصلحة الوطنية العليا على الحسابات الفئوية، كي لا يظل مستقبل السوريين رهينة طاولات التفاوض في العواصم البعيدة.
ولا يُختزل مستقبل سوريا في أرقام إعادة الإعمار ولا في خرائط النفوذ، بل في الإجابة عن سؤال الدولة ذاته: هل تنجح في التحول من كيان يُدار بالأزمات إلى دولة تُدار بالقانون والمؤسسات؟
قد لا يكون عام 2026 عام الحسم، لكنه بلا شك عام التأسيس الحقيقي. فإما أن يُستثمر هذا المخاض لبناء دولة متوازنة تستعيد موقعها في الإقليم، أو يُهدر في تسويات مؤقتة تؤجل الانفجار ولا تمنعه. وبين هذين الخيارين، يقف السوريون أمام فرصة نادرة قد لا تتكرر لإعادة صياغة علاقتهم بالدولة على أسس تقوم لا على الخوف، بل على الثقة والمشاركة والمساءلة.



#قاسم_محمد_داود (هاشتاغ)       Qasim_Mohamed_Dawod#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ترشيح المالكي: عودة “رجل المرحلة الصعبة” أم إحياء منظم لفشلٍ ...
- إيران بين غضب الخبز وضغوط الخارج: احتجاجات مفتوحة على كل الا ...
- العائدات المليارية والفرص المهدورة: لماذا أخفق العراق في «تط ...
- رئيس وزراء العراق: بين -مطرقة- الولاء الداخلي و-سندان- الفيت ...
- العقل المأسور: كيف تحوّل المقدّس إلى أداة للسلطة؟
- هل الدين ضد التقدم؟ أم نحن ضد السؤال؟
- العزوف الانتخابي في العراق: الأسباب العميقة ل -مقاطعة الإحبا ...
- الولاءات المتعددة... دولة ممزقة بين الهويات
- بعد حرب غزة: من يرسم خريطة الشرق الأوسط… ونهاية الوهم وبداية ...
- الانتداب الناعم على غزة كيف تعيد خطة ترامب إنتاج الوصاية الد ...
- العراقي وصور المرشحين: قراءة اجتماعية–سياسية في مواسم الدعاي ...
- قمة قطر الطارئة: محاولة للتضامن العربي والإسلامي في مواجهة ا ...
- من يملك حق الخوف في الشرق الأوسط؟
- العشيرة والمال السياسي… حين تُختطف الديمقراطية في العراق كيف ...
- فشل التجربة الديمقراطية في العراق بعد 2003: تحليل العوامل ال ...
- -اتفاقيات أبراهيم- مع إسرائيل: تطبيع بلا مقابل
- هل يتكرر مصير مملكة القدس في دولة إسرائيل؟
- مشروعان متصادمان على حساب العرب: إيران وإسرائيل وصراع الهيمن ...
- لا منتصر ولا مهزوم: كيف تدير واشنطن الصراع بين إيران وإسرائي ...
- ازدواجية المعايير في النظر إلى البرامج النووية: إيران تُدان ...


المزيد.....




- مكتب التحقيقات الفيدرالي يعثر على قفاز خلال تفتيش المنطقة ال ...
- مسؤول قوات الحدود: حملة مينيابوليس الصارمة لإنفاذ قوانين اله ...
- أربع نقاط مهمة في شهادة المدعية العامة الأمريكية في قضية إبس ...
- مسؤول أمريكي سابق يحث ترمب على الخيار العسكري ضد إيران: كلفة ...
- بكين تنظم عرض ألعاب نارية من الحديد المنصهر قبيل رأس السنة ا ...
- ملفات إبستين.. هل تنشر المدعية العامة أسماء الجناة لـ -تصحيح ...
- روسيا تعلن حظر تطبيق واتساب الأمريكي بدعوى عدم امتثاله للقوا ...
- كيف تفاعل الداخل الإسرائيلي مع زيارة نتنياهو إلى واشنطن.. ما ...
- ملفات المجرم الجنسي إبستين: هل ورد اسم لاعب المنتخب الفرنسي ...
- القهوة والشاي.. ما هي فوائدهما للصحة؟


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قاسم محمد داود - سوريا 2026: عام التأسيس أم هدنة ما قبل الانفجار؟