رمضان حمزة محمد
باحث
الحوار المتمدن-العدد: 8615 - 2026 / 2 / 11 - 21:41
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم تعد أزمة المياه في العراق مجرد مسألة فنية تُعالج بخطط موسمية أو إجراءات طارئة، بل تحولت إلى تحدٍّ سيادي يمسّ جوهر الدولة واستقرارها. إن استمرار التعامل مع ملف المياه بوصفه شأنًا إداريًا محدودًا، بعيدًا عن مركز القرار السيادي، هو أحد أسباب تفاقم الأزمة وتعقيدها.
العراق يواجه واقعًا مائيًا جديدًا يتمثل في تراجع الواردات، اضطراب المناخ، تزايد الطلب السكاني، وتآكل البنية التحتية. ومع ذلك، لا يزال الخطاب الرسمي يدور في إطار إدارة النقص لا بناء القوة، وفي إطار رد الفعل لا التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد. هذا النهج لم يعد كافيًا في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.
إن الحاجة اليوم تتجاوز إصلاح قناة أو إنشاء مشروع محدود، إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الأمن المائي. فالماء لم يعد موردًا خدميًا فقط، بل عنصرًا حاسمًا في الأمن الغذائي، والاستقرار الاجتماعي، وتقليل البطالة، ومنع النزوح الداخلي، وحماية السلم الأهلي.
العقد الاجتماعي المائي الجديد يجب أن يقوم على مجموعة من المرتكزات الواضحة منها اعتبار المياه ملفًا سياديًا عالي المستوى، يُدار ضمن رؤية وطنية موحّدة ترتبط بالأمن القومي. إعادة هندسة منظومة الإدارة المائية بما يحقق التكامل بين المياه والزراعة والطاقة والتخطيط العمراني. اعتماد العدالة في توزيع الموارد بين المحافظات بما يمنع الاحتقان ويعزز الثقة بين الدولة والمواطن، الاستثمار في الخزن الاستراتيجي، والحصاد المائي، ومعالجة الهدر، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمة سنويًا، إشراك الجامعات والمراكز البحثية والقطاع الخاص في صناعة القرار المائي بدل حصره في دوائر بيروقراطية تقليدية. إن استمرار غياب الرؤية الشاملة سيؤدي إلى تعميق الهشاشة البيئية والاجتماعية، وسيجعل من كل موسم جفاف أزمة سياسية محتملة. أما تبني عقد اجتماعي مائي جديد، فيعني الانتقال من منطق إدارة العجز إلى منطق بناء القدرة، ومن انتظار الحلول إلى صناعة الخيارات. المياه في العراق ليست ملفًا بيئيًا فحسب، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على التخطيط للمستقبل. والدولة التي تحسن إدارة مواردها الأساسية، تحمي سيادتها، وتعزز استقرارها، وتؤسس لتنمية مستدامة لا تعتمد على ظرف مؤقت أو مورد واحد.
إن اللحظة الراهنة تتطلب شجاعة قرار، لا تكرار تشخيص. فالمستقبل المائي للعراق يُبنى بالإرادة والرؤية، لا بالأمنيات.
#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟