أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - حدود النفوذ الإسرائيلي في القرار الأميركي: مصير ايران بين منطق التأثير ومنطق الدولة العميقة















المزيد.....

حدود النفوذ الإسرائيلي في القرار الأميركي: مصير ايران بين منطق التأثير ومنطق الدولة العميقة


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8615 - 2026 / 2 / 11 - 14:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حدود النفوذ الإسرائيلي في القرار الأميركي: مصير ايران بين منطق التأثير ومنطق الدولة العميقة.
يكتسب الجدل حول مساحة التأثير الإسرائيلي في صناعة القرار الأميركي زخمًا استثنائيًا في هذه اللحظات الحرجة من تاريخ الاقليم، خاصة كلما اقتربت الولايات المتحدة من مفترق حاسم في محاولة تقرير مصير الشرق الأوسط، وشكل الحضور الايراني فيه بوصفها الخصم الاستراتيجي الأكثر تعقيدًا في معادلة الأمن الإقليمي. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل التزامن اللافت بين تصاعد الحديث عن مواجهة عسكرية محتملة بين واشنطن وطهران من جهة، وعودة ملف وثائق جيفري إبستين إلى الواجهة من جهة أخرى، وما رافق ذلك من تداول واسع لفرضيات تربط الرجل بشبكات نفوذ عابرة للمؤسسات، بينها اتهامات بعلاقات استخباراتية مع الموساد. وبصرف النظر عن الطابع الافتراضي لهذا الربط، وغياب ما يرقى به إلى مستوى الدليل القاطع، فإن تزامن خروجه الى العلن مع لحظة تصعيد قصوى ثم انفتاح مفاجئ على مسار التهدئة يظل كافيًا لطرح سؤال سياسي مشروع، لا حول صحة الاتهام بحد ذاته، بل حول ما يكشفه هذا التوقيت عن طبيعة الصراعات الجارية داخل منظومة صناعة القرار الأميركي: هل نحن إزاء محاولة لإعادة ضبط مسار التصعيد، أم أمام انعكاس لصراع أعمق بين مراكز قوى متباينة، تكون إسرائيل أحد أطرافه لا مركزه الحاسم والمقرر؟
إن طرح هذا السؤال يقتضي أولًا تفكيك صورة “الهيمنة الإسرائيلية المطلقة” على القرار الأميركي، وهي صورة شائعة في الخطاب السياسي والإعلامي العربي، لكنها غالبًا ما تُقدَّم بصورة تبسيطية تتجاهل تعقيدات البنية المؤسسية لصناعة القرار في واشنطن. فالسياسة الخارجية الأميركية، ولا سيما تجاه إيران، هي نتاج تفاعل بين البيت الأبيض، ووزارة الخارجية، والبنتاغون، وأجهزة الاستخبارات، والكونغرس، فضلًا عن جماعات الضغط، ومراكز التفكير، والرأي العام، والحسابات الانتخابية، وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار أن لإسرائيل نفوذًا فعليًا ومؤثرًا، لكنه نفوذ يعمل داخل منظومة مصالح أميركية أوسع، لا فوقها، ويتقدم أو يتراجع بقدر ما ينسجم مع تقديرات تلك المنظومة.
فتاريخيًا، مثّلت إسرائيل أحد أكثر الفاعلين نجاحًا في توظيف أدوات التأثير الناعمة داخل النظام السياسي الأميركي، وعلى رأسها اللوبي المؤيد لها في الكونغرس، والعلاقات الوثيقة مع مراكز الأبحاث المؤثرة في صياغة السياسات، والقدرة على تأطير النقاش العام حول قضايا الشرق الأوسط ضمن مفردات “الأمن القومي” و”التهديد الوجودي” و”مكافحة الإرهاب”. وقد برز هذا الدور بوضوح في التقارير الدورية لمراكز مثل “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” و”معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى”، التي دأبت على تقديم إيران بوصفها التهديد المركزي للاستقرار الإقليمي، في خطاب يتقاطع إلى حد بعيد مع الرؤية الأمنية الإسرائيلية.
غير أن هذا التقاطع لا يعني بالضرورة أن إسرائيل هي من “تصنع” القرار الأميركي، بل إنها غالبًا ما تنجح حين تتلاقى مصالحها مع تقديرات المؤسسات الأميركية العميقة. فحين دفعت إسرائيل باتجاه تشديد العقوبات على إيران، خصوصًا بعد عام 2010، وجدت دعمًا واسعًا داخل الكونغرس والإدارات المتعاقبة لأن هذا الخيار انسجم مع استراتيجية أميركية تقوم على إنهاك الخصم اقتصاديًا وتقليص خياراته، باعتبار ذلك أداة ضغط أقل كلفة من الحرب. أما حين حاولت إسرائيل الدفع نحو خيار الضربة العسكرية، فقد برزت بوضوح معارضة مؤسساتية داخل واشنطن، عبّرت عنها تقارير وكالة الاستخبارات المركزية، وتقديرات هيئة الأركان المشتركة، التي أكدت مرارًا أن أي عمل عسكري قد لا يؤدي إلا إلى تأخير البرنامج النووي الإيراني سنوات محدودة، مقابل مخاطر توسع الصراع إقليميًا.
كما اتضحت حدود التأثير الإسرائيلي بوضوح في محطات مفصلية، أبرزها كان توقيع الاتفاق النووي عام 2015. فقد اعتبرت إسرائيل حينها الاتفاق “خطأً تاريخيًا”، وبذلت جهودًا غير مسبوقة لإفشاله، وصلت حد المواجهة العلنية مع الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما. ومع ذلك، مضت واشنطن في الاتفاق استنادًا إلى قناعة مؤسساتية بأن البديل الوحيد هو الحرب، وهو خيار لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لتحمّل كلفته في تلك المرحلة. هذه السابقة لا تفنّد وجود النفوذ الإسرائيلي، لكنها تؤكد أنه نفوذ قابل للكبح حين يتعارض مع تقدير استراتيجي أميركي شامل.
حتى في مرحلة إدارة ترامب، التي بدت الأقرب سياسيًا وأيديولوجيًا إلى الحكومة الإسرائيلية، لم يكن الانسحاب من الاتفاق النووي مقدمة تلقائية للحرب، فرغم الضغط الإسرائيلي المتواصل، فقد فضّلت واشنطن آنذاك استراتيجية “الضغط الأقصى” الاقتصادية، وهو خيار عبّر عن منطق أميركي براغماتي أكثر منه استجابة لرغبة إسرائيلية في الحسم العسكري. والدليل على ذلك أن المؤسسة العسكرية الأميركية ظلت، حتى في أوج التصعيد، تحذّر من الانزلاق إلى مواجهة شاملة، كما ظهر في تسريبات متعددة عن مداولات البنتاغون بعد استهداف منشآت أرامكو عام 2019، حين امتنعت واشنطن عن رد عسكري مباشر رغم اتهام إيران.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن إسرائيل تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في “مناخ القرار” لا في القرار ذاته. فهي تسهم في تضييق هامش الخيارات المطروحة، عبر رفع كلفة التفاوض سياسيًا داخل الولايات المتحدة، وربط أي ليونة تجاه إيران بخطاب “الضعف” أو “التفريط بالأمن”. هذا التأثير يظهر بوضوح في الحملات الإعلامية والضغط البرلماني كلما اقتربت واشنطن من تسوية ما، وهو ما يفسر جزئيًا هشاشة أي مسار تفاوضي مع طهران وسرعة تآكله تحت ضغط داخلي.
من هذا المنظور، يمكن قراءة التزامن بين إعادة فتح ملفات حساسة مثل قضية إبستين، وبين الحديث عن تهدئة محتملة في التصعيد الأميركي–الإيراني، لا باعتباره دليلًا على ابتزاز خارجي مباشر، بل بوصفه انعكاسًا لصراع داخلي داخل النخبة الأميركية نفسها. صراع بين منطق الدولة العميقة، الذي يقدّم الاستقرار وإدارة المخاطر، ومنطق التحالفات الأيديولوجية، الذي يدفع نحو سياسات أكثر حدة.
وفي هذا السياق، قد تتحول ملفات أخلاقية أو استخباراتية إلى أدوات ضغط متبادلة، دون أن يعني ذلك وجود مركز تحكم إسرائيلي قادر على توجيه القرار الأميركي بصورة حاسمة.
وعليه، فإن ترجيح أي الاحتمالين – الهيمنة الإسرائيلية الكاملة أو التأثير النسبي المحدود – في صناعة القرار الامريكي يميل الواقع، وفقا لعدد من المؤيدات والشواهد، إلى الاحتمال الثاني. فإسرائيل فاعل ضاغط ومؤثر، لكنها ليست صانعة القرار النهائي. وفي الملف الإيراني تحديدًا، تُظهر التجربة أن واشنطن، مهما بلغت درجة تنسيقها مع إسرائيل، تعود في اللحظات الحرجة إلى حسابات الكلفة والعائد، وتُخضع خيار الحرب لتقدير مؤسساتي صارم، لا لرغبات الحلفاء.
ويبقى ان نقول إن اختزال السياسة الأميركية تجاه إيران في “إملاءات إسرائيلية” او شروط كتلك التي تداولها الاعلام وتم تسليمها الى ويتكوف تظل قراءة قاصرة لا تصمد أمام التحليل البنيوي لمدخلات صناعة القرار الامريكي. فالتأثير الإسرائيلي واقع لا يمكن إنكاره، لكنه يعمل ضمن هوامش تفرضها المصالح الأميركية العليا، وتضبطها توازنات داخلية معقدة. وفي ظل هذا الواقع، يبقى القرار الأميركي بشأن الحرب أو التفاوض قرارًا أميركيًا في جوهره، حتى وإن كُتب تحت ضغط حليف يعرف جيدًا كيف يؤثر، لكنه لا يملك وحده حق الحسم.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين تغيير النظام وضبط سلوكه: التداعيات الجيوسياسية المحتملة ...
- زيارة بلا ضجيج: هل حاول ابو مازن إفشال مشروع التجاوز الأمريك ...
- الامن القومي السعودي: إعادة ترتيب مصادر التهديد وبناء تحالفا ...
- ترامب الذي يفكك هياكل النظام الدولي: هل يصنع شروط حرب لا يري ...
- بعد اختطاف مادورو: التآكل الصامت للدور النفطي السعودي
- الاعتراف الاسرائيلي بصومالي لاند: إعادة هندسة لمفهوم الأمن ا ...
- الأكاديمي والبحث عن السلطة: صراع الضمير مع انتهازية الهوى
- الرهان الاوروبي على الصبر الاوكراني قد لا يجني الا السراب
- المناصفة الاستراتيجية: كيف تصوغ القوى الإقليمية النظام الدول ...
- معادلة التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية: الاحتواء النشط و ...
- استمرار الانكشاف الأمني ل -حزب الله ودلالاته على جاهزيته الق ...
- قمة بن سلمان ترامب الاحتمالات الاكثر ترجيحا
- عندما تتغيّر سوريا... هل يتغيّر الشرق الأوسط
- الدور التركي في الترتيبات الامريكية لما بعد الحرب على غزة
- السلام الامريكي للشرق الاوسط في معادلة الصراع على الهيمنة
- بعد مرور عامين على حرب الابادة في غزة: ماذا بقي من النظام ال ...
- اذا رغبت السعودية استطاعت
- الفيتو الامريكي السادس: واقعية القوة واعادة انتاج الهيمنة
- بيان قمة الدوحة: الادانة الشديدة وانعدام الاليات
- قطر بين صدمة الواقع والرهان على الوهم


المزيد.....




- أوروبا تفقد 3 ملايين و800 ألف طن من النفط الكازاخي بعد هجمات ...
- في أولى جلسات محاكمتها في قضية ثالثة.. هدى عبد المنعم تتنازل ...
- ما الخلافات السياسية التي تُعرقل انتخاب رئيس جديد للعراق؟
- رسالة جاهزية من القاهرة.. الجيش المصري يستعرض قواته المشاركة ...
- رهبان بوذيون يعبرون الولايات المتحدة سيرا على الأقدام لنشر ر ...
- النوبات القلبية.. لماذا تزداد عند الشباب؟
- اليمن: أزمة الحلفاء.. الصراع السعودي الإماراتي في الأراضي ال ...
- أشرطة الكاسيت تعود إلى الحياة من جديد!
- ترامب: يجب أن يكون للولايات المتحدة أدنى معدلات فائدة في الع ...
- مسيرات ضخمة بمناسبة الذكرى السنوية الـ47 للثورة الإيرانية.. ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - حدود النفوذ الإسرائيلي في القرار الأميركي: مصير ايران بين منطق التأثير ومنطق الدولة العميقة