عمر الشاطر
الحوار المتمدن-العدد: 8614 - 2026 / 2 / 10 - 00:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أهدي هذا المقال إلى روح الأستاذ محمد حربي، رائد المدرسة التاريخية الجزائرية والمغاربية.
استهلال:
هل أجهض جيش الحدود ولادة الديمقراطية في الجزائر عقب الاستقلال؟ هذا السؤال يطرحه الكثير من الجزائريين، متصورين أن ما تعيشه الجزائر اليوم من تناقض بين المدنيين الديمقراطيين، والمؤسسة العسكرية التي ترى في الديمقراطية الهجينة وسيلة للمحافظة على الاستقرار والتوازن السياسي، تفادياً لعودة كابوس التسعينات.
يرون أن هذه الوضعية راجعة إلى استيلاء جيش الحدود على السلطة، وإطاحته بالحكومة المؤقتة التي يعتقد البعض أنها كانت ستنشئ نظاماً ديمقراطياً في البلاد لو تمكنت من الحكم، لكن قيادة الأركان لم تترك لها الفرصة. فهل هذه الرؤية حقيقية، أم أنها إسقاط لمشاكل الراهن على التاريخ، وقراءة التاريخ بمنظور السياسة اليومية؟ للجواب على هذا السؤال، عدتُ إلى أزمة صائفة 1962، باعتبارها في نظري هي لحظة ولادة دولة الاستقلال الجزائرية.
جبهة التحرير الوطني والوحدة القسرية:
جاء توقيع وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962 كتتويج للثورة النوفمبرية، التي اندلعت في فاتح نوفمبر 1954 ودامت قرابة الثماني سنوات، كافح الجزائريون خلالها بقيادة جبهة التحرير الوطني لاستعادة حرية وطنهم، والتخلص من نير الاحتلال الفرنسي.
وكانت جبهة التحرير بوصفها خيمة كبيرة تجمع كافة الاتجاهات الوطنية، وتنوعت روافدها بين القادمين من حركة انتصار الحريات الديمقراطية، الذين انقسموا إلى لجنة الوحدة والعمل من جهة والمركزيين من جهة أخرى، وانضم إليهم كذلك فرحات عباس وأعضاء حزبه، إضافة إلى جمعية العلماء والشيوعيين، ولم يشذ عن هذه الوحدة سوى مصالي الحاج وحركته الوطنية الجزائرية- "M.N.A"، إذ ظل يعاني من عقدة الأب الذي "قتله" أبناؤه.
صراعات الجبهة التي لم تهدأ:
ولتعميق هذه الوحدة، وخوفاً من بروز القوة الثالثة التي قد تهادن الاحتلال، عملت الجبهة على قمع المصاليين واستئصالهم معنوياً وبدنياً، خصوصاً في فرنسا فيما عرف ب"حرب المقاهي". وسرعان ما انتقلت الخلافات داخل الجبهة بين المؤيدين لمؤتمر الصومام في 20 غشت 1956 والمعارضين له، الذين جرى التخلص منهم في تونس بحجة المؤامرة، وهو ما حدث مع عباس لغرور، أحد قادة الأوراس التاريخيين، ثم ما قيل عن مؤامرة محمد العموري الذي جرت محاكمته من قبل الثورة وإعدامه مع مؤيديه.
وسرعان ما ستتحول المنافسة بين عبان رمضان، مهندس الثورة ومخطط مؤتمر الصومام، وبين "الباءات الثلاث": (عبد الحفيظ بوصوف، وبن طوبال الأخضر، وبلقاسم كريم)؛ بحجة سعي عبان إلى فرض نفسه كزعيم واحد للثورة، وما قيل عن تعاليه على المناضلين، وتشبثه بمبدأ أولوية السياسي على العسكري التي رأى فيها معارضوه انتقاصاً من الجناح المسلح. نتيجة لهذا الخلاف، صُفي عبان في تطوان المغربية في ديسمبر 1957، بعد أن استُدرج إليها بحجة مقابلة ملك المغرب محمد الخامس.
الباءات الثلاث واحتكار القرار:
ولم تهدأ الخلافات بعد تشكيل الحكومة المؤقتة في سبتمبر 1958 برئاسة فرحات عباس، إذ احتدمت المنافسة بين الباءات الثلاث الممثلين في الحكومة المؤقتة، حيث عمل كل واحد منهم على احتكار قرار الحكومة في شخصه، مستغلين غياب القيادة التاريخية للثورة المعروفين بالزعماء الخمسة المعتقلين في فرنسا. ومحاولة من عبد الحفيظ بوصوف لموازنة ثقل بلقاسم كريم وزير الدفاع، سعى إلى تشكيل قيادة أركان موحدة للغرب والشرق بزعامة الهواري بومدين الثوري الصاعد آنذاك، والذي كان يعتبر رجل بوصوف القوي في قاعدة وجدة.
نتيجة للكفاح الشرس الذي خاضته الثورة الجزائرية، اضطرت فرنسا إلى بدء المفاوضات التي انتهت بعقد اتفاقية إيفيان، التي اعترفت للجزائريين بحقهم في تقرير المصير، وجرى وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962.
الحكومة المؤقتة وجيش الحدود:
وخلال هذه الفترة، كانت الحكومة المؤقتة تعيش أزمة حادة نتيجة لتمرد قيادة الأركان بزعامة بومدين، بحجة رفضه تسليم طيار فرنسي اعتقله جيش التحرير، وضغطت فرنسا على الحكومة التونسية لإقناع الحكومة المؤقتة بتسليم الطيار، الأمر الذي رفضه بومدين؛ وهذا الرفض شكل نقطة القطيعة مع الحكومة المؤقتة، التي حاولت أن تقيل بومدين وتعتقله في القاعدة الشرقية "غار الدماء" بتونس.
ونتيجة لهذه القطيعة، سعى بومدين للتواصل مع الزعماء الخمسة بحثاً عن الشرعية التاريخية، والتي سيحصل عليها عن طريق تحالفه مع أحمد بن بلة؛ هذا التحالف سيعرف بمجموعة تلمسان، والتي ستجد غطاءها النظري في أفكار فرانز فانون عن طبقة الفلاحين الثورية والمؤهلة لاستكمال التحرر الوطني، عكس البرجوازية الوطنية الممثلة في قيادات حكومة المؤقتة، وكانت اتفاقية إيفيان وما تضمنته من بنود لصالح فرنسا دليل عجز البرجوازية الوطنية عن استكمال واجبها التحرري.
مؤتمر طرابلس حسم القرار:
ومحاولة من جبهة التحرير الوطني لحل الخلافات ورسم المسار السياسي والاقتصادي لجزائر الاستقلال، جرى عقد مؤتمر طرابلس في ماي 1962؛ هذا المؤتمر سيتمخض عنه البرنامج السياسي الشهير الذي نص على أحادية الحزب، وهو جبهة التحرير كحزب طليعي قائد للدولة والمجتمع، وجرى التأكيد على النهج الاشتراكي للجزائر المستقلة.
وبغض النظر عن الخلاف الذي جرى بين أحمد بن بلة وبن يوسف بن خدة رئيس الحكومة المؤقتة حول تمثيل الطاهر زبيري للولاية الأولى، -بحسب ما جاء في مذكراته -فإن الجميع كانوا موافقين على ما تضمنه الميثاق، نقلا عما جاء في كتاب "جبهة التحرير الأسطورة والواقع" للأستاذ محمد حربي، وهو ما يضع أصحاب نظرية الحكومة المؤقتة الديمقراطية أمام محك البرنامج المجمع عليه.
الجزائر بين تلمسان وتيزي وزو:
بعد انتهاء المؤتمر في يونيو 1962، انقسمت الولايات التاريخية بين مؤيد لمجموعة تلمسان، وهم الأغلبية في الولاية الأولى وقسم كبير من الثانية، وكذلك الخامسة والسادسة ومنطقة العاصمة بقيادة ياسف سعدي.
وفي المقابل، تمسكت الولاية الثالثة بالحكومة المؤقتة وانضم إليهم شق صغير من الولاية الثانية، وحاول يوسف الخطيب قائد الولاية الرابعة البقاء على الحياد مع ميله إلى الحكومة المؤقتة، وعرفت هذه المجموعة بمجموعة تيزي وزو: كريم بلقاسم ومحمد بوضياف.
تمكن جيش الحدود بفضل شعبية أحمد بن بلة ووعي الشعب الجزائري من إجهاض الأزمة والحفاظ على السلم الداخلي، رافعين شعار "سبع سنين بركات" في إشارة إلى رفضهم الاقتتال الداخلي، واستطاع جيش الحدود أن يسيطر على البلاد بعد مواجهات قصيرة ومتقطعة مع الولايات المؤيدة للحكومة المؤقتة وفي سبتمبر 1962 جرى انتخاب أحمد بن بلة رئيساً للبلاد الذي سيعين المجلس التأسيسي الأول الذي سيضع الدستور الجزائري الأول
الخيار الديمقراطي الغائب:
ومن خلال ما سبق، أؤكد على أن الجزائر كانت معرضة لخطر الانقسام والانهيار الداخلي كما حدث في الكونغو في الستينيات وأنغولا في السبعينيات، لو لم يسيطر أحمد بن بلة بالتعاون مع جيش الحدود والاعتماد على وعي الشعب الجزائري بمصلحته الوطنية. وبخصوص السؤال الذي طرحته في البداية حول مدى صحة ما يقال عن إجهاض جيش الحدود للديمقراطية، فالجواب القطعي في رأيي هو النفي؛ لأن الديمقراطية بنموذجها الليبرالي لم تكن خياراً مطروحاً للتنفيذ، ولو نظرنا إقليمياً فتونس والمغرب -رغم غياب الجيش كمؤسسة حاكمة- فإنهما بقيتا محكومتين بالحزب الواحد في حالة تونس إلى حين قيام ثورة الياسمين في 2011، وبقيت في المغرب سيطرة الطرف الواحد الممثل في القصر إلى اليوم.
وما يقال عن الدور الذي لعبه جيش الحدود لإقصاء المدنيين وفرض الامر الواقع فالحكومة المؤقتة بدورها راهنت على القوة العسكرية للولايات المساندة لها كما ذكرت سابقا.
خاتمة:
ولا ينبغي أن تنسينا هذه الخلافات الداخلية مدى أهمية الثورة الجزائرية وما حققته من إنجازات، والصراعات الداخلية هي من طبيعة كل ثورة كما هو الحال في الثورات الفرنسية والروسية والإيرانية؛ لذلك أؤكد على ضرورة دراسة الثورة الجزائرية بعيداً عن العقلية السلفية التقديسية، بعيداً عن المبدأ القائل "الكف عما شجر بينهم من خلاف" لأن التاريخ الذي لا يستفاد من دروسه يكرر في المستقبل.
#عمر_الشاطر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟