منشورات بي جي إس تي
الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 22:45
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدفعة الثانية من الوثائق التي يُزعم أنها تعود إلى جيفري إبستين، الملياردير المدان بالاعتداء الجنسي على الأطفال، والاغتصاب المتسلسل، والاتجار بالبشر، والذي اعتُبر انتحاره في السجن عام 2019 مريبًا، أُفرج عنها من قبل وزارة العدل الأميركية في 30 كانون الثاني. كان إبستين معروفًا بعلاقاته الوثيقة مع ذوي الامتيازات الفائقة، بما في ذلك سياسيون رفيعو المستوى مثل دونالد ترامب وبيل كلينتون، وشخصيات من عالم الأعمال الكبرى مثل بيل غيتس وإيلون ماسك، وأفراد من عائلات ملكية أوروبية. في وثائق إبستين يجتمع عدد من أفراد تلك الطبقة التي وصفها نعوم تشومسكي بـ “سادة البشرية”. وحتى الآن، لم يُجر أي تحقيق بشأن تورط هؤلاء الأشخاص في الجرائم التي أُدين بها إبستين.
ومن المثير للدهشة أن هذه الوثائق تذكر أيضًا أسماء نعوم تشومسكي وأفراد من عائلته. وقد تُرجمت إلى التركية قراءة لبعض السجلات الواردة في الدفعة الأولى والتي ربطت تشومسكي بإبستين، والتي وجدناها ذات صلة، وهي متاحة على موقع art-izan.org، أما النص الأصلي بالإنكليزية فيمكن الاطلاع عليه في ورقة للباحث غريغ غراندين. ويبدو أن الدفعة الثانية من الوثائق قد زادت من دهشة الرأي العام وخيبته تجاه تشومسكي. وإزاء هذه التطورات، وبصفتنا دار نشر نشرت 15 كتابًا له في تركيا خلال العشرين عامًا الماضية، ولا يزال لدينا كتاب آخر ضمن جدول النشر، رأينا من الضروري إصدار بيان إزاء العديد من التقييمات الإعلامية وتلك المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي التي تُسيء إلى سمعة نعوم تشومسكي.
يُعد نعوم تشومسكي أحد أكثر المفكرين تأثيرًا في القرن العشرين، وقد بلغ اليوم السابعة والتسعين من عمره. لقد كان لأعماله التأسيسية في اللسانيات، إلى جانب دراساته حول السياسة الخارجية الأميركية، والإمبريالية العالمية، والرأسمالية الشركاتية، والإعلام، وبُنى السلطة، أثر عميق في تقاليد اليسار التحرري والحركات المعارضة في مختلف أنحاء العالم. ومنذ إصابته بجلطة دماغية في حزيران 2023، انقطعت قنوات تواصله مع العالم الخارجي. وليس من السهل تلخيص حياة تشومسكي الغزيرة الممتدة لما يقارب قرنًا كاملًا. فقد أجرى أبحاثه اللسانية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لأكثر من ستين عامًا، حتى بات اسمه مقترنًا بالمؤسسة. ألّف أكثر من 150 كتابًا في الفلسفة والطبيعة البشرية واللسانيات وقضايا اجتماعية سياسية متعددة، وكأنه كان يكتب مقالًا جديدًا كل يوم، وألقى عددًا لا يُحصى من المحاضرات والندوات حول العالم. وخلال كل ذلك، لم يهمل الرد على عشرات الرسائل ومئات رسائل البريد الإلكتروني التي كانت تصله يوميًا، بمستويات مختلفة من الأهمية، ومن دون أي فلاتر.
وبانتشار آرائه في مختلف جوانب الحياة الإنسانية، يُعد تشومسكي ربما أحد آخر ممثلي تقليد “المثقف العمومي” الذي طوّر سلطة مستقلة عن بُنى القوة. وهو سفير لتقليد اليسار التحرري الممتد من الليبرالية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر إلى الاشتراكية والأناركو نقابية، وصولًا إلى القرن الحادي والعشرين.
تعمل دار Bgst Publications وفق نموذج تعاوني، وقد تبنّت مهمة نشر الأعمال الأساسية التي تخدم التنوير الاجتماعي والفكر التحرري، إلى جانب الأبحاث والإنتاجات الكتابية المهمة في مجال الفنون الأدائية. ونرى أنه من المفيد تلخيص الأسباب التي تجعل تشومسكي ذا قيمة بالنسبة إلى Bgst Publications، والتي دفعتنا إلى نشر أكثر من 15 كتابًا له. فعلى مدى عقود، كان تشومسكي معلمًا كبيرًا دافع باستمرار ليس فقط عن الحقيقة، بل عن الخير العام، واضعًا قيمة التنوير الاجتماعي في صلب عمله. ولم يتنازل يومًا عن موقفه الأخلاقي العلني. والذين قرأوا أعماله وجدوها ذات قيمة في نواحٍ عديدة. فإلى جانب إسهاماته في اللسانيات، يمكن تعلم الكثير من كتاباته حول تاريخ وفلسفة العلم، والمنهج التربوي الإنساني، والفكر العلمي، والممارسة العلمية. كما يمكن من خلاله فهم تطور المؤسسات الرأسمالية منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، ونقاط التحول الأساسية في الصراعات الاجتماعية. وغالبًا ما تُغنى هذه النقاشات بوقائع من قرون مضت، أو بسرديات دقيقة من الحاضر، أو بتطورات سياسية معاصرة. ومع ذلك، لا تقتصر مساهمة تشومسكي على المعرفة العلمية والحقيقة التاريخية فحسب.
ومن العوامل التي تضع تشومسكي ضمن تقليد المثقف العمومي انفتاحه في مشاركة المعرفة، وإظهاره الدائم للتضامن مع المقهورين. وقد يكون من الدقيق إرجاع نشاطه الاجتماعي إلى نضاله ضد حرب فيتنام في الولايات المتحدة، لكنه لم يتوقف عند ذلك. فطوال حياته، ألقى محاضرات، وتفاعل مع الحركات الاجتماعية، وأبدى تضامنًا مع ناشطين محليين في بلدان عديدة، من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، حيث وقعت مجازر وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وخلال هذه الزيارات، كشف عن المجازر التي ارتكبتها الإمبريالية العالمية ومؤسساتها بحق الشعوب المضطهدة، متجاهلة القانون الدولي والقيم الإنسانية، وسعى إلى لفت أنظار العالم إلى هذه الوقائع. ودعا شعوب الدول المسؤولة عن هذه المجازر، وعلى رأسها بلده الولايات المتحدة، إلى محاسبة حكوماتها. وليس من الصعب رؤية أسس هذا الموقف الفكري في أعماله. ومن القضايا التي تناولها تشومسكي باستمرار في كتاباته ومقابلاته موقف المثقفين المرتبطين بمؤسسات النظام والذين استبطنوا الولاء له. وقد اعتبر ذلك دائمًا موقفًا لا أخلاقيًا، وشدد على مسؤولية المثقفين المستقلين في بناء العدالة الاجتماعية.
طوال حياته، سعى تشومسكي إلى منح صوت للمضطهدين في الفضاء العام. لكنه اليوم غير قادر على الرد على التقييمات التي تُسيء إليه استنادًا إلى الوثائق التي كُشف عنها في قضية إبستين. ولا يزال عدد قليل من أصدقائه المقربين القادرين على الحديث باسمه على قيد الحياة، فيما تلتزم عائلته الصمت حتى الآن. [ملاحظة المحرر: صدر بيان عن فاليريا تشومسكي أثناء نشر هذا المقال]. كثير من الوثائق، التي يغلب عليها الطابع العائلي والخاص، لا تقدم أي دليل على تورط تشومسكي في الجرائم التي أُدين بها إبستين، أو على اتخاذه موقفًا فاعلًا لحماية الجاني. وبالنظر إلى ما كُشف عنه حتى الآن، لا يمكن محاكمة تشومسكي على أي جريمة. ويمكن القول بسهولة إن هذه التسريبات تشكل اعتداءً على حقوقه الشخصية.
في المقابل، تشير الوثائق إلى أن تشومسكي، الذي كرّس حياته لشرح آليات عمل بُنى السلطة وفضح لا أخلاقية نخب القوة، قد أقام مراسلات حميمة مع ملياردير فاسد متورط في جرائم مروعة مثل إبستين. ومن الطبيعي تمامًا مساءلة هذا التواصل أخلاقيًا من زاوية الاتساق الفكري والنزاهة. لكن في كثير من الحالات، تستهدف الانتقادات الموجهة إلى تشومسكي مجمل إرثه الفكري. وهذا النهج، الذي يتجاوز بكثير حدود النقاش الأخلاقي، يمكن اعتباره إعدامًا معنويًا أو تشويهًا للشخصية، أو انعكاسًا لثقافة “الإلغاء” التي عارضها تشومسكي نفسه. ونحن على يقين بأن تشويه سمعة تشومسكي يبعث على ارتياح كبير لدى نخب المؤسسة التي طالما انزعجت من موقفه الفكري. لكن حتى لو انخرط المعارضون والفاعلون المناهضون للنظام، على اختلاف أطيافهم، في مساءلة أخلاقية، فما الفائدة التي يمكن أن يرجوها أحد من “إلغاء” تشومسكي؟
تواجه شريحة واسعة من المعارضة، التي تربط قيمها وأفكارها ومواقفها السياسية بتشومسكي، مسؤولية مختلفة في هذه الأوقات التي تتزايد فيها مشاعر الأذى والغضب والانفعال. يمكننا خوض نقاشات أخلاقية، لكن لا يمكننا أن نضع أنفسنا موضع القضاة ونصدر أحكامنا وعقوباتنا الخاصة. والذين هزّتهم عاطفيًا مراسلات تشومسكي وإبستين، يمكنهم القيام بتحقيق أكثر صرامة لفهم القضية على نحو أفضل، ووضع المراسلات الخاصة في سياق إنساني، وربما التمييز بين الوثائق المزوّرة المحتملة وتلك الأصيلة.
سنواصل تقدير تشومسكي لأعماله وإرثه الفكري. ومن الطبيعي أن يُقيَّم مفكر أثّر طوال حياته في حياة عدد لا يُحصى من البشر حول العالم، خارج قاعات الدرس، وقاعات المحاضرات، والمكتبات التي قُرئت فيها أعماله، بوصفه إنسانًا، بكل ما يحمله من نواقص. ولإجراء هذا التقييم بعدالة، ينبغي التعامل بقدر أكبر من الهدوء والتجرد مع الوقائع التي توحي بها وثائق إبستين.
نُشر هذا المقال أيضًا باللغة التركية هنا.
تأسست دار Bgst Publications عام 2006 في إسطنبول، ونشرت منذ ذلك الحين أكثر من 15 كتابًا لتشومسكي و5 كتب لمايكل ألبرت. تعمل Bgst وفق نموذج تعاوني، وتتخصص في الكتب المعنية بالتنوير الاجتماعي والفنون الأدائية متعددة الثقافات.
المصدر:
https://znetwork.org/znetarticle/an-assessment-of-noam-chomsky-on-the-jeffrey-epstein-files/
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟