أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد ساجت قاطع - التفاعل مع السياسة في العراق: حين يصبح اللامعقول موقفًا عامًا














المزيد.....

التفاعل مع السياسة في العراق: حين يصبح اللامعقول موقفًا عامًا


محمد ساجت قاطع
كاتب وباحث عراقي

(Mohammed Sajit Katia)


الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 22:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد المشهد السياسي في العراق مشهدًا يستحق التفاعل الجاد، لا بسبب تعقيده فحسب، بل بسبب تفاهته البنيوية. تفاهة في الشخوص، وفي الأحداث، وفي طريقة إدارتها للرأي العام. لذلك، قد تبدو السخرية واللامبالاة – على قسوتهما – من أكثر أدوات المواجهة عقلانية في بلد تُدار فيه السياسة خارج المنطق، ويُطلب من الناس أن يصفقوا للعبث بوصفه واقعية.
غير أن المفارقة المؤلمة لا تكمن في سلوك الطبقة السياسية وحدها، بل في طبيعة تفاعل المجتمع معها، وخصوصًا فئة الشباب المتعلّم، التي يُفترض أن تكون خزان الوعي والنقد. فبدل أن نشهد قراءة عقلانية للأحداث، نرى في كثير من الأحيان انجرافًا خلف تفسيرات انفعالية، أو طائفية، أو تبريرية، تبتعد عن الواقع بقدر ما تبتعد عن المنطق.
الحدث السياسي الأخير، المتعلق برفض الولايات المتحدة – أو ما سُمّي بالفيتو الأمريكي – لترشيح نوري المالكي، قدّم نموذجًا فاضحًا لهذا الخلل في الفهم. إذ تحوّل الحدث عند البعض إلى مادة للتهليل، وعند آخرين إلى دليل “براءة”، وعند فريق ثالث إلى إنكار كامل لتدخلات خارجية أخرى –التدخل الايراني مثلا–، وكأن السياسة العراقية تُدار في فضاء سيادي نقي.
والحقيقة أن التدخل الأمريكي في الشأن العراقي، مهما كان فاضحًا أو مرفوضًا، لا ينفي غيره - خصوصا التدخل الإيراني– ، بل لا يتعارض معه أصلًا. بل إن التفكير بأن وجود أحدهما يلغي الآخر هو قمة السذاجة السياسية. فالتدخل الإيراني في العراق، خصوصًا بعد عام 2010، ليس محل نقاش جدي؛ أدوار قاسم سليماني في تشكيل الحكومات، ورسم التحالفات، واختيار الرؤساء، باتت من الوقائع المعلومة، لا من نظريات المؤامرة.
الأدهى من ذلك، أن بعض الخطاب السائد حاول تصوير الرفض الأمريكي للمالكي بوصفه دليلًا على “وطنيته” أو “استقامته”، وكأن معيار النزاهة هو مقدار الخصومة مع واشنطن. ولو أخذنا هذا المنطق إلى نهايته، لكان صدام حسين وبشار الأسد رمزين للإصلاح والعدالة، لمجرد أنهما اصطدما بالسياسة الأمريكية.
في الواقع، لا الولايات المتحدة ترفض الأشخاص حبًّا بالعراق، ولا إيران تدعمهم دفاعًا عن سيادته. كلاهما يتحرك وفق مصالحه. ورفض واشنطن لشخصية مثل المالكي لا ينبع من حرص أخلاقي، بل من كونه يمثل – سياسيًا – امتدادًا صريحًا للمشروع الإيراني في العراق، في لحظة تمارس فيها أمريكا أقصى درجات الضغط على طهران. فكيف يُعقل أن تسمح لخصمها بالمناورة في ساحة تعتبرها جزءًا من أمنها الاستراتيجي؟
وهنا يبرز سؤال لا يجرؤ كثيرون على طرحه بصدق: إذا كان التدخل الأمريكي مرفوضًا، فلماذا يُسوَّغ التدخل الإيراني؟ وإذا كان الفيتو الأمريكي اعتداءً على السيادة، فلماذا تُستقبل “مباركات” خامنئي بوصفها شأنًا طبيعيًا أو دينيًا أو أخويًا؟ أليست هذه ازدواجية فجة، تحكمها الانتماءات لا المبادئ؟
إن أزمة السيادة في العراق ليست حادثًا طارئًا، بل نتيجة منطقية لإقصاء القوى الوطنية الحقيقية، واستبدالها بطبقة سياسية لا ترى في الدولة سوى غنيمة، ولا في السلطة سوى وسيلة للبقاء. طبقة أتقنت صناعة الأزمات، وتعميق الانقسامات، وتفجير الخلافات، وفشلت فشلًا ذريعًا في بناء دولة أو رعاية شعب.
في هذا السياق، يصبح اللامعقول ليس فقط وصفًا للمشهد، بل موقفًا عامًا، يُعاد إنتاجه يوميًا عبر خطاب تبريري، وانفعالات عاطفية، ووعي مأزوم. وما لم يُستعاد العقل النقدي، ويُفك الارتباط بين السياسة والانتماء الأعمى، ستظل البلاد تدور في حلقة عبثية، تتضخم فيها الأزمات، إلى أن تبتلع كل شيء.
السياسة في العراق اليوم لا تعاني من نقص الشعارات، بل من غياب العقل. ولا تحتاج إلى مزيد من “المدافعين”، بل إلى من يجرؤ على التفكير خارج القطيع.

» محمد ساجت السليطي (كاتب وباحث عراقي)...



#محمد_ساجت_السليطي (هاشتاغ)       Mohammed_Sajit_Katia#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دور الأحزاب السياسية في تعزيز الانقسام المجتمعي (تفكيك صناعة ...
- مرتزقة الأحزاب... والسعار الاجتماعي في العراق
- حين لا يكون الخطاب الوطني مُربحاً
- السياسة والوعي في العراق: مصنع خرافات يعمل بلا كهرباء
- قابل إنته تفتهم أكثر من القاضي..!!؟
- العراق بين أزمة الوعي وفساد السلطة
- من تشرين العظيمة إلى نيبال
- العراق والتفكير الأحادي في فهم الظاهرة السياسية
- بين سلطة الله وسلطة الحاكم
- لماذا نحتاج إلى نقد الدين السياسي؟
- بين لاهوت التحرير ولاهوت الطاعة
- الدين السياسي عدو الإصلاح
- الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا قمع
- كيف تُنتج الدولة رجال دينها؟
- من الدين لله إلى الدين للسلطة
- الدين بين الرسالة والأداة
- بين التحالف والخيانة... فرقٌ كبير
- آثار ظاهرة وعّاظ السلاطين على الدين والمجتمع
- الوجه النفسي لظاهرة وعّاظ السلاطين: الحاجة إلى الحماية بدل ا ...
- مثقفو التبرير: حين يتحول الفكر إلى أداة بيد السلطة


المزيد.....




- بريطانيا تعلق على -توسيع إسرائيل لسيطرتها في الضفة الغربية- ...
- لدعم اتفاق السلام.. الاتحاد الأوروبي يدرس منح أوكرانيا بعض م ...
- واشنطن تعيد رسم خريطة القيادة داخل الناتو
- دعوى قضائية ضد ميتا ويوتيوب بشأن الإضرار بالأطفال
- البيت الأبيض: ترامب يعارض ضم إسرائيل للضفة الغربية
- آلاف الجنود يصلون من إندونيسيا كأول قوة أجنبية في غزة
- البحرية الأميركية تبحث استبدال حاملات الطائرات بقطع أصغر
- ترامب يهدد بوقف افتتاح جسر -غوردي هاو- بين أمريكا وكندا ويطا ...
- بكين ترفض اتهامات واشنطن لها بإجراء تجارب نووية سرية
- عاجل | القيادة الجنوبية الأمريكية: نفذنا أمس ضربة عسكرية دقي ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد ساجت قاطع - التفاعل مع السياسة في العراق: حين يصبح اللامعقول موقفًا عامًا