أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - جيل الاحتجاج أو جيل الثورة؟ معركة التنظيم الجديدة.















المزيد.....



جيل الاحتجاج أو جيل الثورة؟ معركة التنظيم الجديدة.


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 20:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يمكن فهم ما يسمّى اليوم بـ«الجيل زاد» بوصفه فئة عمرية أو توصيفا ديموغرافيا تقنيا، لأن هذا التصنيف، حين يستعمل بمعزل عن شروطه التاريخية والاجتماعية، يتحوّل إلى قناع يخفي أكثر مما يكشف. ما نواجهه في الواقع هو ظاهرة سياسية وثقافية تشكّلت داخل لحظة عالمية مأزومة، لحظة تتقاطع فيها العولمة النيوليبرالية مع الثورة الرقمية، وانسداد الأفق الاجتماعي مع تفكك الوساطات التقليدية، وانهيار الثقة في الدولة والأحزاب مع تصاعد أشكال جديدة من التعبير الجماعي. الجيل زاد ليس نتيجة تطور طبيعي للأجيال، بل ابن مباشر لأزمات متراكمة جعلت السياسة، كما عرفت سابقا، عاجزة عن تفسير الواقع أو تغييره.
نشأ هذا الجيل داخل فضاء رقمي مفتوح نسبيا، لا باعتباره أداة إضافية للتواصل، بل باعتباره شرطا بنيويا لتشكّل الوعي والعلاقات الاجتماعية. الهاتف الذكي، الصورة، المنصّة، وسرعة الانتشار لم تكن عناصر محايدة، بل أعادت تشكيل الزمن السياسي ذاته: زمن أسرع، متقطّع، كثيف، لا يسمح بالانتظار الطويل ولا بالوعود المؤجّلة. في هذا السياق، لم تعد السياسة ممارسة مؤطرة داخل هياكل مغلقة، بل صارت فعلا يظهر فجأة، يتكثّف، ينتشر، ويختفي أحيانا بالسرعة نفسها، دون أن يفقد بالضرورة معناه أو أثره الرمزي. ما يبدو للبعض فوضى أو غياب تنظيم، هو في جوهره تعبير عن تحوّل عميق في شروط الفعل الجماعي.
يميل هذا الجيل إلى الأشكال البصرية، إلى الشعارات القصيرة، إلى الرمز والسخرية، لا لأن خطابه فقير أو وعيه سطحي، بل لأن هذه الأشكال هي الأكثر ملاءمة لعالم شديد الرقابة، سريع الاستهلاك، ومشبع بالخطاب الرسمي المفرغ من المضمون. الصورة هنا ليست بديلا عن الفكرة، بل وسيلتها الأكثر نجاعة. السخرية ليست هروبا من السياسة، بل أداة لتفكيكها وكشف تهافتها دون الوقوع في المباشرة أو في فخّ القمع القانوني. بهذا المعنى، يطوّر الجيل زاد لغة احتجاج خاصة به، لغة لا تعترف بالبلاغة التقليدية ولا بالبيانات المطوّلة، لكنها قادرة على الوصول، وعلى خلق إجماع لحظي حول مطالب واضحة تتعلّق بالحرية والكرامة والعدالة.
في هذا السياق، لا يتحرّك الجيل زاد داخل منطق القيادة المركزية أو التنظيم الهرمي، لأن هذا النموذج فقد، في نظره، مصداقيته التاريخية. ليس الأمر رفضا للفعل الجماعي، بل رفضا للتمثيل المفوّض الذي كثيرا ما تحوّل إلى شكل من أشكال المصادرة. الفعل هنا أفقي، مرن، ظرفي، يتشكّل حول القضايا لا حول الهياكل، وحول اللحظة لا حول البرامج المغلقة. التنسيق يتمّ دون مركز، والانخراط يتمّ دون التزام طويل الأمد، لا بسبب اللامسؤولية، بل نتيجة وعي تشكّل داخل تجارب خيبة متكرّرة، حيث تحوّلت التنظيمات السياسية، في كثير من الحالات، إلى آليات إعادة إنتاج للعجز بدل أن تكون أدوات تغيير.
تتداخل الفضاءات التي يتحرّك فيها هذا الجيل تداخلا كاملا: المدرّج، الشارع، المنصّات الرقمية، كلها أجزاء من فضاء رمزي واحد. الإيقاع الجماعي في الملاعب، الأهازيج، الحركة المنسّقة، الرايات، كلها تنتج تجربة كثيفة للانتماء والقوة، تجربة لا تمرّ عبر الوساطة ولا تحتاج إلى ترخيص. هذه الثقافة لا تنفصل عن الراب، عن ألعاب الفيديو، عن كلّ العوالم التي تمزج اللعب بالتمرّد وتعيد تخيّل العلاقة مع القواعد والسلطة. ما يبدو ترفيها هو في العمق مخزون رمزي يعاد توظيفه سياسيا، حيث تتحوّل المتعة إلى لغة احتجاج، ويصبح الخيال وسيلة لفهم الواقع ومقاومته.
في الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذا الوعي الاحتجاجي عن الهشاشة الاجتماعية والنفسية التي يعيشها هذا الجيل. الضغط الرقمي، انعدام الاستقرار الاقتصادي، ضعف الخدمات العامة، وتآكل الضمانات الاجتماعية، كلها عناصر تنتج توترا دائما يجعل الالتزام الطويل والمراهنة على مسارات بطيئة أمرا بالغ الصعوبة. لكن هذه الهشاشة لا تعني الانسحاب من الشأن العام، بل تفسّر البحث عن أشكال فعل أقل كلفة، أكثر مرونة، وأكثر قدرة على تحقيق أثر فوري. هذا الجيل لا ينتظر خلاصا بعيدا، ولا يثق في سرديات كبرى، بل يطالب بحلول ملموسة، وباحترام فوري، ويحوّل تفاصيل حياته اليومية إلى قضايا سياسية بامتياز.
رغم كل ذلك، فإن التعامل مع الجيل زاد بوصفه كتلة واحدة متجانسة يظل خطأً تحليليا جسيما. فهذا الجيل يتشكّل داخل بنية طبقية غير متكافئة، تخترقه تناقضات حادّة بين المركز والأطراف، بين من يملكون ومن لا يملكون، بين من يملكون النفاذ إلى التعليم والموارد الرقمية ومن حرموا منها. هذه التناقضات تنتج مسارات ووعيا سياسيا متباينا، يتراوح بين الاحتجاج، والتكيّف، والانسحاب، ولا يمكن فهم الظاهرة دون إدراجها داخل تحليل اجتماعي طبقي يربط الجيل بشروط عيشه لا فقط بأدوات تعبيره.
يزداد المشهد تعقيدا حين نضع الجيل زاد داخل علاقته بالسوق. فهو، في الآن نفسه، فاعل احتجاجي وهدف مباشر للرأسمالية المعولمة: سوق ضخمة، قدرة شرائية متنامية، وأنماط استهلاك جديدة تقدَّم بوصفها بدائل عن الفعل الجماعي. هنا يعيش الجيل تناقضًا دائمًا بين الرغبة في التغيير والوقوع داخل منطق الاستهلاك، بين مقاومة الهيمنة والتعايش معها. هذا التناقض لا يُبطل إمكان الفعل السياسي، لكنه يجعل الصراع مفتوحا على أكثر من اتجاه، ويجعل من ربط الغضب الشعبي بأسئلة الملكية والسلطة والعدالة الاجتماعية مسألة حاسمة.
من هذا المنظور، لا يمكن فهم الجيل زاد باعتباره جيلا بلا سياسة، بل جيلا يعيد صياغة السياسة خارج أشكالها الموروثة، ويكشف في الآن نفسه أزمة عميقة في التنظيمات التقليدية وفي الدولة وفي مفهوم التمثيل ذاته. السؤال الحقيقي لا يتعلّق بمدى “نضج” هذا الجيل أو قابليته للتأطير، بل بقدرة القوى السياسية والاجتماعية على تفكيك شروط ظهوره، وفهم لغته، وربط طاقته الاحتجاجية بأفق تحرّري واع بالتناقضات الاجتماعية، بدل الاكتفاء بتوصيفه أو محاكمته أخلاقيا. نحن أمام تحوّل تاريخي جار، لا يمكن إدارته بالأدوات القديمة، ولا فهمه بمنطق الوصاية، لأن هذا الجيل، بكل تناقضاته، يفرض إعادة التفكير في معنى السياسة ذاتها، وفي من يملك الحق في تعريفها.
فإذا كان الجيل زاد قد فرض حضوره في الفضاء العام بوصفه ظاهرة احتجاجية جديدة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في الدفعة الثانية لا يتعلّق بكيف يحتجّ هذا الجيل، بل بما يهدّد به بنية السلطة نفسها، وبما يكشفه من أعطاب عميقة في النظام السياسي والاجتماعي القائم. فخلف الأشكال التعبيرية الجديدة، وخلف المشهدية البصرية والإيقاع الجماعي، يتخفّى تصدّع بنيوي يمسّ جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والأجيال الصاعدة.
تاريخيا، كانت الدولة الحديثة، بما فيها الدولة التونسية، تقوم على مبدأ الاحتواء الجيلي: المدرسة، الخدمة المدنية، الحزب، النقابة، كلها مؤسسات صمّمت لدمج الأجيال الجديدة داخل منطق الطاعة المؤجَّلة، مقابل وعود بالترقي الاجتماعي والاستقرار. ما يميّز الجيل زاد هو أنّه نشأ في لحظة انهيار هذا العقد غير المعلن. الدولة لم تعد قادرة على توفير الشغل، ولا على ضمان الحماية الاجتماعية، ولا حتى على إنتاج سردية مستقبل مقنعة. في المقابل، واصلت المطالبة بالطاعة، والانضباط، والقبول بالأمر الواقع. هنا بالضبط يتشكّل الصدام.
هذا الجيل لا يواجه السلطة بوصفها جهازا سياسيا فحسب، بل بوصفها نظام إدارة للأزمة الدائمة، نظاما لا يعد بشيء سوى المزيد من التقشّف، والمزيد من الضبط، والمزيد من تحميل الأفراد مسؤولية فشل لم يشاركوا في صناعته. لذلك، فإن الاحتجاج لا يتّجه فقط ضد قرارات بعينها أو شخصيات محددة، بل ضد منطق كامل يقوم على نزع المعنى عن العمل، وعن المواطنة، وعن المشاركة السياسية.
في هذا السياق، تتحوّل الحرية من مفهوم قانوني إلى ضرورة وجودية. حرية التعبير، حرية التنقّل، حرية التنظيم، كلها ليست مطالب منفصلة، بل شروط أولية لمواجهة واقع مسدود. حين يضيَّق على المجتمع المدني، وتجرَّم الكلمة، وتحاصَر المبادرة، لا يعود الاحتجاج سوى وسيلة دفاع عن الذات. وهذا ما يفسّر لماذا ينخرط الجيل زاد في تحرّكات تفتقر أحيانا إلى السقف الواضح، لكنها مشبعة بإحساس عميق بالاختناق.
من زاوية الاقتصاد السياسي، لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن التحوّلات التي أحدثتها النيوليبرالية في بنية العمل والاستهلاك. الجيل زاد يدخل سوقا هشّة، غير مستقرة، تقوم على العقود المؤقتة، والعمل الهش، والعمل غير المهيكل، في مقابل خطاب رسمي يمجّد “ريادة الأعمال” و”المرونة” بوصفها حلولا فردية لمشكلات بنيوية. هنا تتشكّل مفارقة حادّة: يطلب من الشباب أن يكونوا أحرارا في سوق لا يملكون فيه أي قوة تفاوض، وأن يكونوا مبدعين داخل منظومة تسلبهم أبسط شروط الأمان.
هذا التناقض ينتج وعيا سياسيا غير كلاسيكي، لا ينطلق من الصراع الطبقي كما صاغته الأدبيات القديمة، لكنه يلمسه في التجربة اليومية: في البطالة المقنّعة، في الهجرة القسرية، في الفوارق الصارخة بين المركز والهامش. من هنا نفهم لماذا تتجاور المطالب البيئية مع الاجتماعية، ولماذا يصبح الحق في بيئة سليمة جزء من خطاب العدالة، لا قضية ثانوية. البيئة هنا ليست موضوعا تقنيا، بل مرآة لعلاقة السلطة بالأطراف، ولمنطق التضحية بالمناطق المهمّشة لصالح الربح.
تتعامل السلطة مع هذا الجيل بارتباك واضح، يتأرجح بين محاولات الاحتواء الخطابي والتجريم القانوني. فهي من جهة تحتفي بالشباب في الخطابات الرسمية، وتدعوهم إلى “المشاركة” و”الإبداع”، ومن جهة أخرى تضيق عليهم في الشارع، وفي الجامعة، وفي الفضاء الرقمي. هذا التناقض لا يمرّ دون أثر؛ بل يعمّق فقدان الثقة، ويغذّي الإحساس بأن الدولة لا ترى في هذا الجيل سوى مشكلة أمنية أو موردا بشريا قابلا للاستنزاف.
الأخطر من ذلك أنّ هذا الارتباك يفتح الباب أمام سيناريوهين متناقضين: إمّا تصعيد الصدام عبر مزيد من القمع، بما يحوّل الاحتجاج إلى فعل أكثر جذرية وأقل قابلية للضبط، وإمّا محاولة تفريغ الظاهرة من محتواها السياسي عبر تحويلها إلى “ثقافة شبابية” بلا أفق تغييري، تستهلك في السوق وتحتوى في الإعلام. كلا الخيارين قائم، وكلاهما يحمل مخاطر عميقة على الاستقرار الاجتماعي.
في هذا المشهد، لا يقف اليسار التقليدي خارج الأزمة. فهو بدوره يواجه امتحانا عسيرا: إمّا أن يواصل قراءة الواقع بأدوات تجاوزها الزمن، فيكتفي بوصف الجيل زاد كطاقة غير مؤطرة، وإمّا أن يعيد طرح أسئلته الكبرى من داخل التحوّلات الجارية. الرهان هنا ليس في “قيادة” هذا الجيل، بل في فهم موقعه داخل الصراع الاجتماعي، وربط مطالبه الجزئية بسياق أوسع يتعلّق بتوزيع الثروة، والسلطة، والمعرفة.
ما يكشفه الجيل زاد، في عمقه، هو نهاية مرحلة وبداية أخرى. نهاية مرحلة كانت السياسة فيها محكومة بالتدرّج البطيء، وبالوساطة الثقيلة، وبالوعود الطويلة الأجل، وبداية مرحلة تُفرض فيها الأسئلة بحدّة، وتطالب فيها الأجوبة بأن تكون آنية وملموسة. إنّه جيل لا يملك ترف الانتظار، لأن الزمن نفسه أصبح موردا نادرا في حياته.
الدفعة الثانية، إذا، لا تتعلّق بوصف الجيل زاد من الداخل، بل بقراءته كـمرآة لأزمة شاملة: أزمة دولة، أزمة اقتصاد، أزمة تمثيل، وأزمة معنى. وما لم تواجه هذه الأزمة في جذورها، سيواصل هذا الجيل إنتاج أشكال جديدة من الرفض، قد لا تكون دائما مفهومة أو قابلة للاحتواء، لكنها ستكون حاضرة، ومقلقة، وقادرة على زعزعة اليقين الزائف بأن النظام القائم قابل للاستمرار كما هو.
فما يفرضه حضور الجيل زاد في المشهد العام لا يقتصر على تغيير أشكال الاحتجاج أو لغة التعبير، بل يتجاوز ذلك إلى زعزعة الفكرة السائدة عن التغيير ذاته. فمنذ عقود، تشكّل الوعي السياسي في تونس، كما في غيرها، على قاعدة مفادها أن التغيير مسار خطّي، تراكمي، تقوده نخبة واعية، ويدار عبر أدوات مؤسسية واضحة. هذا التصوّر، سواء في صيغته الإصلاحية أو الثورية الكلاسيكية، كان يفترض وجود زمن سياسي طويل، قابل للانتظار، وقابل للتأجيل. ما ينسفه الجيل زاد هو هذا الافتراض بالذات.
هذا الجيل يعيش داخل زمن مختلف: زمن متشظ، غير متّصل، لا يسمح ببناء سرديات كبرى مستقرة. المستقبل، كما يظهر في تجربته اليومية، ليس أفقا مفتوحا بل مساحة غامضة، مهدّدة، مليئة بالمخاطر. لذلك لا يفكّر التغيير لديه كـ«مشروع تاريخي» طويل النفس، بل كـسلسلة معارك متقطّعة تخاض من أجل انتزاع مساحات صغيرة من الحرية والمعنى داخل واقع خانق. هذا التحوّل في إدراك الزمن يغيّر جذريا معنى النضال، ويجعل السياسة أقل ارتباطا بفكرة النهاية السعيدة، وأكثر التصاقا بفكرة الصمود اليومي.
في هذا السياق، لا يعود الفشل السياسي استثنائيا أو صدمة كبرى، بل يصبح جزء من التجربة العادية. الجيل زاد لا يتعامل مع الهزيمة كما تعاملت معها أجيال سابقة، بوصفها نهاية مسار أو انكسارا وجوديا، بل بوصفها احتمالا دائما، يستوعب ثم يتجاوَز بسرعة. هذا لا يعني تطبيع الهزيمة، بل يعني تفكيك مركزيتها في الوعي السياسي. ما يهمّ ليس الانتصار النهائي، بل الاستمرار في الفعل، في الظهور، في إرباك السلطة، ولو مؤقتا.
هذا التحوّل له أثر عميق على طبيعة الراديكالية نفسها. فالراديكالية هنا لا تقاس بدرجة الالتزام الأيديولوجي ولا بوضوح البرنامج، بل بقدرتها على كسر المألوف، وعلى تعرية العنف البنيوي الذي يقدَّم في هيئة قانون أو نظام أو ضرورة اقتصادية. إنّها راديكالية يومية، موزّعة، غير قابلة للتأطير السريع، لكنها في الآن نفسه غير قابلة للإلغاء الكامل. كل محاولة لإسكاتها تنتج أشكالا جديدة من الظهور.
من زاوية تاريخية أوسع، يمكن النظر إلى الجيل زاد بوصفه جيل ما بعد الوعد. لم يعش لحظة تأسيس كبرى، ولم يتكوّن وعيه على سردية انتصار أو بناء دولة أو مشروع وطني جامع. ما ورثه هو عالم جاهز، مأزوم، تدار أزماته دون حلّ، ويطلب منه التكيّف بدل الاعتراض. هذا الوضع يخلق علاقة مختلفة مع السلطة: علاقة لا تقوم على الأمل ولا على الخوف وحده، بل على اللامبالاة المشروطة. السلطة لم تعد مركزا للشرعية، بل جهازا يمكن تجاهله، السخرية منه، أو مواجهته عند الضرورة.
غير أنّ هذا الوضع يحمل في داخله توتّرا عميقا. فغياب الأفق الواضح لا يعني غياب الحاجة إلى المعنى. بل على العكس، يولّد بحثا محموما عنه في أشكال بديلة: في الجماعة المؤقتة، في اللحظة المشتركة، في التجربة المكثّفة. من هنا نفهم لماذا تصبح الوقفة، أو المسيرة، أو المدرّج، أو الحملة الرقمية، لحظة مشبعة بدلالة وجودية، تتجاوز مطلبها المباشر. إنّها لحظة يقول فيها الأفراد لأنفسهم إنهم ما زالوا فاعلين، ما زالوا مرئيين، ما زالوا قادرين على قول «لا».
لكن هذا الشكل من الفعل، رغم قوّته الرمزية، يظلّ هشّا إذا لم يجد طريقه إلى تراكم تاريخي. وهنا تبرز المعضلة الكبرى: كيف يمكن تحويل هذه الطاقة المتناثرة إلى أثر طويل المدى دون خنقها داخل قوالب جاهزة؟ كيف يمكن وصل اللحظة بالبنية، دون مصادرة اللحظة نفسها؟ هذا السؤال لا يخصّ الجيل زاد وحده، بل يخصّ كل القوى التي تدّعي العمل من أجل التغيير.
ما يكشفه هذا الجيل، في العمق، هو أنّنا نعيش نهاية نموذج تاريخي كامل: نموذج السياسة التي تدار من فوق، ونموذج التغيير المؤجّل، ونموذج المواطن الذي ينتظر. ما لم يتشكّل بعد هو البديل الواضح، وهذا بالضبط ما يجعل المرحلة خطرة ومفتوحة في آن واحد. الخطر يكمن في التفكك والاحتواء، والإمكان يكمن في إعادة تخيّل السياسة كفعل جماعي متعدّد الأشكال، لا مركز له ولا نهاية مرسومة سلفا.
الجيل زاد، بهذا المعنى، ليس جوابا بل سؤالا تاريخيا مطروحا على الجميع. سؤال لا يمكن إسكاته بالتحليل السطحي، ولا بالإدانة الأخلاقية، ولا بالاحتواء الخطابي. إنّه سؤال عن الكيفية التي يمكن بها لمجتمع مأزوم أن يستعيد قدرته على الفعل، لا عبر استعادة الماضي، بل عبر اختراع طرق جديدة للعيش والاحتجاج والمعنى.
و ما يميّز ما يصنعه الجيل زاد اليوم ليس فقط رفضه للأحزاب، بل رفضه للغة التي تتكلّم بها الأحزاب. فالمشكلة، في جوهرها، ليست تنظيمية فحسب، بل لغوية–رمزية. الخطاب الحزبي، كما استقرّ عبر العقود، صار خطابا مغلقا على نفسه، مكرورا، متخما بالمفاهيم الكبيرة، لكنه فقير في قدرته على لمس الحياة اليومية. كلمات مثل “الإصلاح”، “الانتقال”، “البرنامج”، “التحالف”، فقدت معناها العملي، لأنّها انفصلت عن التجربة المعيشة للناس، وتحولت إلى علامات داخل لعبة سياسية لا يشعر هذا الجيل أنه جزء منها.
أمام هذا الفراغ، لا ينتظر الجيل زاد تطوير الخطاب من داخل الأحزاب، بل يخلق لغته الخاصة. لغة قصيرة، مباشرة، غير معنية بشرح نفسها، ولا بتبرير شرعيتها. لغة لا تعد بشيء، لكنها تقول ما هو قائم: الغضب، السخط، السخرية، الرفض. هذه اللغة لا تطلب الإجماع، بل تكتفي بأن تكون صادقة مع لحظتها. هي لغة لا تبحث عن “الخطّ الصحيح”، بل عن التأثير الفوري، عن كسر الصمت، عن إرباك المشهد.
في هذا المعنى، لا يمكن فهم شعارات هذا الجيل، ولا صوره، ولا إيقاعه، بمنطق الخطاب السياسي التقليدي. ما يهمّ ليس الاتساق النظري، بل القدرة على النفاذ. الشعار الجيد هو ما يلتقط سريعا، يردّد بسهولة، ويصل دون وسطاء. الصورة الجيدة هي ما تفهم دون شرح. السخرية هنا ليست زينة، بل أداة: تفكّك الهيبة، تسقط الجدية المصطنعة، وتجرّد السلطة من لغتها الثقيلة.
هذا التحوّل في الخطاب يوازيه تحوّل في التنظيم، أو بالأحرى في فكرة التنظيم نفسها. ما ينجزه الجيل زاد ليس بناء تنظيم بديل، بل ممارسة فعل جماعي دون تحويله إلى بنية دائمة. التنظيم الأفقي هنا ليس شعارا أيديولوجيا، بل ضرورة عملية. لا زعماء، لا ناطقين رسميين، لا مكاتب سياسية. ليس لأن القيادة مرفوضة مبدئيا، بل لأن التجربة أثبتت أن القيادة الثابتة تتحوّل سريعا إلى نقطة ضعف: تستهدف، تحتوى، أو تفصل عن القاعدة.
الفعل الجماعي، كما يمارسه هذا الجيل، يقوم على الثقة اللحظية، لا على الانضباط الطويل. من يحضر يفعل، ومن يغيب لا يحاسب. لا عضوية، لا بطاقات، لا تسلسل. هذه البساطة ليست فقرا تنظيميا، بل تحصين ضدّ التفكك والاختراق. كلّ فرد قادر على المبادرة، وكلّ مجموعة قادرة على التحرك دون انتظار الضوء الأخضر. الفعل هنا لا يدار، بل يحدث.
في هذا الإطار، يصبح الفعل المباشر هو القاعدة لا الاستثناء. لا بيانات مطوّلة، لا انتظار موازين قوى مثالية، لا تعليق الحركة إلى حين “نضج الشروط”. الوقفة، الحملة، الهتاف، الصورة، كلها أفعال قائمة بذاتها، لا تحتاج إلى تبرير نظري. هذا لا يعني غياب الوعي، بل يعني رفض تعليق الفعل على النظرية. التجربة تسبق الشرح، والممارسة تسبق التنظير، وما ينجح يكرّر، وما يفشل يترك دون بكاء سياسي.
هذا النمط من الفعل هو نقيض مباشر لمنطق الأحزاب. الأحزاب تفكّر من أعلى إلى أسفل، من البرنامج إلى القاعدة، من القيادة إلى المناضلين. الجيل زاد يفعل العكس تماما: من الواقع إلى الفعل، من الفعل إلى المعنى. لا يسأل: ما موقعنا داخل الخريطة السياسية؟ بل يسأل: ماذا يمكن فعله الآن؟ أين يمكن الضغط؟ كيف نسمع صوتنا؟ هذا الفرق الجذري هو ما يجعل الحوار بين الطرفين شبه مستحيل دون مراجعة عميقة.
لكن الأهمّ أن هذا الجيل لا يسعى إلى ملء الفراغ الحزبي بتنظيم بديل جاهز، بل يتركه مفتوحا. الفراغ هنا ليس عيبا، بل مساحة حرّة للتجريب. كلّ محاولة لتحويل هذه الديناميكية إلى نموذج مغلق تقابل بالفتور أو الانسحاب. ما يطلب هو المرونة، لا الديمومة؛ الأثر، لا البقاء؛ الصدق، لا الانضباط.
بهذا المعنى، فإن ما يصنعه الجيل زاد ليس “سياسة جديدة” بالمعنى الكلاسيكي، بل طريقة مختلفة للوجود في المجال العام. وجود لا ينتظر الاعتراف، ولا يطلب التمثيل، ولا يسعى إلى الحلول مكان أحد. هو حضور يربك، يقلق، ويفرض على الجميع إعادة التفكير في أدواتهم ولغتهم ومواقعهم.
إذا، لا تتعلّق بوصف بديل جاهز، بل بفهم هذا التحوّل الجذري: حين يعجز الخطاب القديم عن مخاطبة الواقع، لا يرمّم، بل يتجاوَز. وحين تفقد التنظيمات قدرتها على الفعل، لا تستبدل فورا، بل يترك المجال مفتوحا لأشكال جديدة من التجربة. الجيل زاد لا يقول: “لدينا الحل”، بل يقول: لن ننتظر حلولكم. وهذه، في حدّ ذاتها، رسالة سياسية كاملة.
فإذا كان الجيل زاد قد ولد سياسيا خارج الأطر الكلاسيكية، فإنه ولد عمليا داخل الفضاء الرقمي. لا باعتباره امتدادا للواقع، بل كواقع مواز، له قوانينه، إيقاعه، وعلاقاته الخاصة بالقوة. الرقميات هنا ليست مجرد أدوات، بل بيئة وجود. وهذا ما لم تدركه الأحزاب: أنها تعاملت مع المنصّات كمنشورات حائط، بينما تعامل معها هذا الجيل كبنية تنظيم كاملة.
الخوارزميات، في جوهرها، ليست محايدة. هي آليات فرز، تضخيم، إخفاء، وتسريع. ما يفعله الجيل زاد بذكاء فطري هو قراءة هذه الآليات لا من كتب، بل من التجربة اليومية. يعرف متى ينتشر المحتوى، ومتى يدفن. يعرف أن الغضب الخالص لا يكفي، وأن الصدمة البصرية، السخرية، التوقيت، والاقتصاد اللغوي عناصر حاسمة في اختراق الجدار الخوارزمي.
هنا يتحوّل النضال من خطاب مطوّل إلى منتَج مكثّف: صورة، فيديو قصير، جملة واحدة، وسم محسوب بدقة. ليس لأن العمق مرفوض، بل لأن الخوارزمية تعاقب العمق البطيء. لذلك يتم تفكيك القضايا الكبيرة إلى وحدات صغيرة قابلة للتداول، لا تفقد معناها لكنها تغيّر شكلها. هذا ليس تبسيطا مخلا، بل ترجمة سياسية للغة العصر.
الأهمّ من ذلك أن التنظيم نفسه لم يعد يحتاج إلى مركز. مجموعات مغلقة، قنوات مشفّرة، حسابات ظلّية، توزيع الأدوار دون إعلان. التنظيم الرقمي هنا مرن، سريع، وقابل للتلاشي عند الحاجة. لا أرشيف رسمي، لا وثائق تدين، لا هرم يمكن كسره. كلّ عقدة في الشبكة قادرة على العمل مستقلّة، وكلّ انفصال لا يهدد الكل.
بهذا المعنى، تطويع الرقميات لا يعني فقط استعمالها، بل التحايل عليها أيضا. تغيير الصياغة لتفادي الحجب، اللعب على الموسيقى الرائجة، إدخال السياسي في الثقافي، في الساخر، في اليومي. السياسة لا تقدّم كسياسة، بل تتسرّب. هذا التسلّل هو ما يجعل الرسالة تصل إلى من لم يكن يبحث عنها أصلا.
كما أن الوعي الخوارزمي أنتج شكلا جديدا من القيادة: القيادة الظرفية. من يملك الفكرة الأفضل في اللحظة المناسبة يقود، ثم يختفي. لا تراكم رمزي طويل، ولا نجومية دائمة. الشهرة الرقمية هنا سيف ذو حدّين، لذلك يتم تفكيكها ذاتيا قبل أن تتحوّل إلى عبء. الحساب يغلق، الاسم يغيَّر، والرسالة تستمرّ بلا صاحب.
هذا النمط أربك السلطة كما أربك الأحزاب. لأنّ الخصم غير محدّد، وغير قابل للتأطير. لا يمكن التفاوض معه، ولا شيطنته بسهولة، ولا استقطابه. حتى القمع يصبح أقلّ نجاعة، لأنّ الفعل لا يتمركز في جسد واحد أو عنوان واحد. الرقميات هنا لم تعد وسيلة للتعبئة فقط، بل آلية دفاع ذاتي.
لكن الأهمّ أن هذا الجيل لا يثق ثقة عمياء في المنصّات نفسها. هناك وعي متزايد بأن الخوارزميات تدار ضمن منطق رأسمالي–أمني، وأن الفضاء الرقمي ليس حرّا كما يبدو. لذلك يظهر سلوك مزدوج: استخدام كثيف من جهة، وحذر دائم من جهة أخرى. لا تعرية كاملة للذات، لا استقرار طويل في منصة واحدة، لا ربط المصير النضالي بشركة أو تطبيق.
في هذا السياق، يصبح النضال الرقمي ليس بديلا عن الشارع، بل إعادة تعريف للعلاقة معه. الرقمي يسبق، يرافق، ويؤمّن. يختبر ردود الفعل، يربك السرديات الرسمية، ويخلق ضغطا رمزيا يصعب تجاهله. وحين يحدث الفعل الميداني، يكون محمّلا مسبقا بطاقة انتشار، لا يبدأ من الصفر كما في السابق.
إذا، الجيل زاد لم “يستخدم” الرقميات، بل أعاد تشكيلها وفق حاجاته. لم يخضع لمنطق الخوارزمية بالكامل، بل تعلّم كيف يضغط على نقاط ضعفها. وحيث فشلت التنظيمات التقليدية في فهم هذا التحوّل، بنى هذا الجيل شكلا من النضال لا يرى كاملا، لا يُمسك بسهولة، لكنه حاضر بقوة في كلّ تصدّع.
هنا لا مستقبل للسياسة دون فهم هذه الحقيقة: من لا يفهم الخوارزميات اليوم، لا يفهم ميزان القوة. ومن لا يتقن النضال داخلها وضدّها في آن، سيبقى يتحدّث إلى نفسه، بينما العالم يتحرّك في مكان آخر.
و ما أدركه الجيل زاد مبكرا هو أن السياسة، حين تحبس في الخطب والبيانات، تخسر نصف قوتها. أما حين تنزل إلى الجدار، إلى الشارع، إلى الجسد، فإنها تتحوّل إلى تجربة لا يمكن تجاهلها. الجدارية السياسية، مثلا، ليست لوحة تشاهد ثم تنسى، بل اقتحام بصري للمجال العام. الجدار الذي كان محايدا أو صامتا يصبح شاهدا، موقفا، اتهاما مفتوحا. لا يحتاج المارّ إلى قراءة برنامج أو فهم خلفية نظرية؛ الصورة تصدمه مباشرة، تضعه داخل السؤال دون استئذان.
الرسم الجداري، كما يمارسه هذا الجيل، لا يطلب ترخيصا ولا اعترافا. هو فعل سريع، ليلي أحيانا، جماعي، قابل للمحو لكنه غير قابل للنسيان. السلطة قد تمسح الجدار، لكنها لا تمحو الأثر. كلّ جدارية تمحى تنتج عشر صور، ومئات المشاركات، وآلاف العيون التي رأت. هنا يتحوّل القمع ذاته إلى جزء من العمل الفني، وإلى دليل إدانة إضافي.
الغناء، والراب تحديدا، شكّل بدوره قناة مركزية لهذا النمط من النضال. ليس لأنه “فن احتجاجي” بالمعنى الكلاسيكي، بل لأنه لغة الجيل اليومية. الراب لا يشرح، بل يصرخ؛ لا يوازن، بل يواجه. الكلمات حادّة، الإيقاع متوتّر، والرسالة غير معنية بإرضاء أحد. هذا الفن لا يطلب المرور عبر الإذاعات أو المؤسسات الثقافية، بل ينتشر من هاتف إلى آخر، من سماعة إلى شارع. الأغنية هنا ليست منتجا فنيا فقط، بل وثيقة لحظة، وسجلّ غضب جماعي.
الأهمّ أن هذا الغناء لا ينتظر “المستوى الفني العالي” ليكون شرعيا. الخام، المرتبك، الصادق، له قيمة أكبر من المصقول الفارغ. لأن ما يطلب ليس الكمال، بل التطابق بين الصوت والتجربة. حين يغنّي أحدهم عن البطالة، القمع، التهميش، فهو لا يمثّل قضية، بل يتكلّم عن نفسه، وعن آلاف يشبهونه. هذا التماهي هو ما يمنح الأغنية قوتها التحريضية.
الرقص، بدوره، خرج من كونه تعبيرا احتفاليا ليصبح لغة جسدية للاعتراض. الجسد الذي اعتادت السلطة ضبطه، تنظيمه، إخضاعه، يتحوّل إلى أداة كسر. الرقص في الساحات، في الشوارع، في الفضاءات غير المخصصة له، هو إعلان بسيط لكنه عميق: نحن هنا، بأجسادنا، خارج القواعد المفروضة. لا شعارات، لا خطب، بل حركة تربك المشهد وتعيد تعريف المكان.
أما الشعر، فقد استعاد عند هذا الجيل وظيفة قديمة–جديدة: التكثيف. ليس الشعر الكلاسيكي ولا الخطابي، بل شعر قصير، صادم، يكتب على الجدران، في التعليقات، في المقاطع الصوتية. بيت واحد قادر على فعل ما لا تفعله صفحة تحليل. الشعر هنا لا يتعالى، بل ينزل إلى اليومي، إلى اللغة المحكية أحيانا، إلى المفردات القاسية. إنه شعر لا يبحث عن الخلود الأدبي، بل عن التأثير الفوري.
ما يجمع كلّ هذه الأشكال الفنية هو أنها تلغي الوسيط. لا حزب يقرّر، لا لجنة ثقافية تنتقي، لا مثقّف يشرح. الفعل مباشر، والتلقي مباشر. الفن يصبح تنظيما بحدّ ذاته: من يرسم ينتمي، من يغنّي يشارك، من يرقص يعلن موقفا. لا عضوية ولا بطاقة، بل فعل محسوس.
الأحزاب، في المقابل، ظلّت تنظر إلى الفن كملحق: أمسية، مهرجان، نشيد في نهاية تجمع. الجيل زاد قلب المعادلة: الفن هو الفعل، والسياسة تسكن داخله. لذلك لم يجد هذا الجيل نفسه في الأنشطة الثقافية المؤطّرة، لأنه لا يريد ثقافة “تعبّر عن القضايا”، بل ثقافة تصنع الحدث.
واللافت أن هذا الفن لا يسعى إلى الإجماع. بل على العكس، يقبل بالاستفزاز، بالرفض، وحتى بالعداء. الجدارية الجيدة هي التي تُغضب، والأغنية المؤثرة هي التي تُمنع، والرقص الذي ينجح هو الذي يُربك. لأن الهدف ليس القبول، بل كسر السكون.
فجيل زاد لم يضف الفن إلى نضاله، بل حوّل النضال نفسه إلى ممارسة فنية. ممارسة لا تدرّس، ولا تنظّر كثيرا، بل تعاش. وحين تصبح السياسة صورة، صوتا، حركة، وكلمة مكثفة، فإنها تتجاوز النخب، وتدخل في نسيج الحياة اليومية.
هنا، لا يعود السؤال: هل هذا فن أم سياسة؟ لأن الفصل نفسه يسقط. ما يحدث هو استعادة المجال العام بوسائل غير متوقعة، وبقوة لا يمكن احتواؤها بسهولة. وحين يعجز الخطاب الرسمي عن الردّ على أغنية، أو لوحة، أو رقصة، نعرف أن ميزان المعركة قد تغيّر فعلا.
و ما يميّز تحرّكات الجيل زاد ليس كثرة الشعارات، بل اقتصادها. مطلب واحد، شعار واحد، صوت واحد. هذا الاختزال ليس فقرا سياسيا، بل وعي حادّ بطبيعة اللحظة. حين تتكاثر المطالب، يتعدّد التأويل، وتضيع الرسالة. وحين يرفع مطلب واحد فقط، يصبح الخصم مكشوفا: إمّا يستجيب، أو يعترف بعجزه، أو يلجأ للقمع. لا منطقة رمادية.
هذا الجيل تعلّم من فشل التراكم الخطابي. البيانات الطويلة تقرأ داخل الدوائر نفسها، أمّا الشعار الواحد فيفهم فورا، ويُردَّد دون شرح. الشعار هنا ليس خلاصة نظرية، بل أداة تنسيق. حين يهتف الجميع الجملة نفسها، في اللحظة نفسها، بنفس الإيقاع، تتحوّل الكلمات إلى فعل. الصوت الجماعي يخلق إحساسا بالقوة، ويكسر عزلة الفرد داخل الحشد.
الصوت الواحد لا يعني التفكير الواحد، بل تعليق الاختلاف مؤقتا لصالح الفعل. كلّ فرد يحمل أسبابه الخاصة للنزول، لكن حين تبدأ الحركة، يتم الاتفاق الضمني على ترك هذه الأسباب جانبا والتركيز على نقطة مشتركة. هذا الاتفاق لا يوقَّع، ولا يناقَش طويلا، بل يمارَس. من لا يقتنع بالمطلب لا يعرقله، ومن يريد إضافة شعار يؤجّله. الانضباط هنا ذاتي، لا مفروض.
بهذا المعنى، يتحرّك الجسد الجماعي دون رأس. لا أحد يعطي الإشارة، ومع ذلك يعرف الجميع متى يبدأ الهتاف، متى يتوقف، متى يتقدّم، ومتى ينسحب. هذه القدرة لا تأتي من التدريب التنظيمي، بل من الحدس الجماعي المتكوّن عبر تجارب سابقة، ومن الثقة بأن الوحدة المؤقتة أقوى من التعبير الفردي.
فالمطلب الواحد يلغي إمكان الاحتواء. السلطة بارعة في تفكيك التحركات عبر التفاوض الجزئي، أو عبر الاستجابة الرمزية لبعض النقاط وترك الأخرى. لكن حين يكون المطلب واحدا، لا يمكن اللعب على التناقضات. إمّا نعم أو لا. هذا ما يمنح التحرّك وضوحا وحدّة، ويجعل أي التفاف مكشوفا.
كما أن الشعار الواحد يمنع التسابق على الظهور. لا منصة لخطابات فردية، لا أسماء ترفع، لا وجوه تتقدّم الصفوف باسم الجميع. الواجهة جماعية بالكامل. حتى من يمتلك القدرة الخطابية يذوب داخل الصوت العام. هذه الذوبانية ليست تلاشيا للذات، بل حماية للجماعة من التفكك ومن صناعة الزعامات السريعة.
اللافت أن هذا النمط يربك الأحزاب أكثر مما يربك السلطة. الأحزاب اعتادت العمل عبر التعدد: لافتات مختلفة، شعارات متعددة، رسائل موجهة لجمهور محدد. هنا تجد نفسها أمام كتلة صمّاء ظاهريا، لا يمكن تصنيفها ولا مخاطبتها بخطاب انتقائي. لا تعرف من تفاوض، ولا من تستميل، ولا من تحمّل مسؤولية القرار.
والأهمّ أن هذا الجسد الواحد ليس دائما. هو يتشكّل، يؤدي مهمته، ثم يتفكك دون أزمة. لا شعور بالهزيمة عند الانسحاب، ولا حاجة لتبرير الفشل. التجربة تُخزَّن، الدروس تُلتقط، ويُعاد التشكل لاحقا حول مطلب آخر. هذه القدرة على التشكل والتلاشي هي سرّ الاستمرارية.
الصوت الواحد لا يلغي التنوع، بل يحميه. لأنه يمنع تحويل الاختلاف إلى صراع داخلي في لحظة المواجهة. الاختلاف يؤجَّل، لا يُقمع. وبعد انتهاء الفعل، يعود كلّ فرد إلى مساحته، إلى لغته، إلى أسئلته. لكن ما يبقى هو ذاكرة الجسد المشترك: لحظة شعر فيها الجميع أنهم يتحرّكون ككيان واحد.
إن هذا الجيل لا يبحث عن الوحدة الدائمة، بل عن الفعالية القصوى. وحدة قصيرة، مركّزة، حادّة. وحين يصبح الصوت واحدا، لا يعود مهما من بدأ الهتاف، بل أن الهتاف وصل. في تلك اللحظة، لا يعود الأفراد أفرادا، بل نبضا جماعيا، يصعب تجاهله، ويستحيل تشتيته بسهولة.
ما يحدث داخل تحركات الجيل زاد ليس فوضى مفتوحة لكلّ الأصوات كما يشاع، بل انتقاء صامت وحدّ فاصل غير معلن. هذا الجيل، رغم أفقيته ورفضه للقيادات، لا يتحرّك بلا بوصلة. هناك حسّ جماعي يشتغل كمرشّح سياسي–أخلاقي، يميّز بين من يشارك لأنّه متضرّر حقا، ومن يحاول الركوب، التبييض، أو إعادة تدوير نفسه داخل موجة جديدة.
لذلك نلاحظ أن الغالبية الساحقة من هذه التحركات تحمل، في عمقها، مضمونا يساريا واضحا: عدالة اجتماعية، رفض التفاوت، نقد السلطة والمال، مساءلة الدولة، الدفاع عن المهمّشين. قد لا ترفع هذه العناوين كمفاهيم نظرية، لكنّها حاضرة في المطالب، في الشعارات، وفي السقف السياسي. اليسار هنا ليس بطاقة انتماء، بل حسّا مشتركا.
في المقابل، يظهر شبه رفض تلقائي للأصوات اليمينية، وخصوصا تلك التي حكمت سابقا أو شاركت في الحكم ثم أُطيح بها. هذا الرفض لا يصاغ في بيانات، ولا يعلن رسميا، لكنه يمارس. يمارَس بالصمت، بالتجاهل، بعدم التفاعل، وأحيانا بالصدّ المباشر. ليس لأن هذا الجيل يعادي التعدّد من حيث المبدأ، بل لأنه يرفض إعادة شرعنة من يراهم جزء من الخراب القائم.
اليمين، في ذاكرة هذا الجيل، ليس مجرد اختلاف فكري، بل تجربة حكم فاشلة، وسياسات أفقرت، وقمعت، وخيّبت. لذلك لا ينظر إلى حضوره كإثراء للنقاش، بل كتشويش على المطلب. الأصوات التي تتحدث عن “الإصلاح التدريجي”، أو “الواقعية السياسية”، أو “الاستقرار أولا”، تقرأ فورا كأصوات تبرير لا تغيير. وهنا يحدث الفرز.
هذا الفرز لا يتمّ عبر طرد منظّم أو عنف داخلي، بل عبر العزل الرمزي. الشعار لا يُردَّد خلفه، الهتاف لا يُلتقط، المداخلة لا تُكمَل. الجماعة، كجسد واحد، تقرّر ضمنيا من هو داخل النغمة ومن هو خارجها. من لا ينسجم مع الإيقاع يُترك وحده، بلا صراع، وبلا بطولة.
الأهمّ أن هذا الرفض موجّه خصوصا نحو من يحملون سجلّ الحكم. الذاكرة هنا حاضرة بقوة. من حكم لا يعامل كصوت معارض عادي، بل كمسؤول عمّا آلت إليه الأوضاع. لا يمنح صكّ البراءة لمجرد تغيير الخطاب أو رفع شعارات جديدة. هذا الجيل لا يثق في التحوّلات الخطابية السريعة، ولا في ادّعاءات “التعلّم من الأخطاء” غير المرفقة بمحاسبة حقيقية.
بهذا المعنى، فإن التحركات ليست مساحة “تصالح وطني” ولا ساحة غفران سياسي. هي مساحة ضغط، لا مساحة إعادة تموقع. من يريد الانخراط، عليه أن يقبل بالسقف، لا أن يحاول خفضه. ومن لا يقبل، يُقصى بهدوء. هذا السلوك، وإن بدا قاسيا للبعض، هو في نظر هذا الجيل شرط بقاء المعنى.
اللافت أن هذا الفرز لا ينتج انغلاقا أيديولوجيا جامدا. هو فرز وظيفي، لا عقائدي. اليساري المقبول ليس من يرفع اللافتة الصحيحة، بل من ينسجم فعليا مع المطلب، ولا يحاول تحويله إلى منصة انتخابية أو ورقة تفاوض. لذلك قد يقصى يساري قديم بنفس السهولة إذا حاول الوصاية أو القيادة أو الاستحواذ الرمزي.
الأحزاب اليمينية، وخصوصا تلك التي سقطت أو أُسقطت، تجد نفسها أمام جدار صامت. لا عداء صريح يمكن استثماره، ولا حوار يمكن اختراقه. وهذا ما يزيد ارتباكها. لأنها معتادة إمّا على الاستقطاب أو على التفاوض، لا على هذا النوع من الرفض البارد.
إذًا أن الجيل زاد، رغم رفضه للهياكل، يمارس سياسة حدود: من معنا في هذه اللحظة، ومن ضدّ المطلب، ومن يمثّل الماضي الذي نريد تجاوزه. هذه الحدود ليست ثابتة، لكنها حاسمة. وهي ما يمنع التحركات من التحوّل إلى مهرجانات بلا اتجاه، أو إلى مساحات يعاد فيها تدوير نفس الوجوه ونفس الخيبات.
هنا، لا حياد كامل. هناك انحياز واضح، غير معلن لكنه معاش: انحياز لمن هم في الأسفل، ضدّ من جرّبوا الحكم وفشلوا أو أفسدوا. وهذا الانحياز، تحديدا، هو ما يمنح هذه التحركات حدّتها، ووضوحها، وقدرتها على الصمود أمام محاولات الاختراق والتدجين.
و لنكن اكثر تخصيصا ، في تونس، كان هذا الجيل قبل كل الأحزاب، قبل كل التنظيمات، قبل كل الشعارات السياسية، هو الذي وضع اللبنات الأولى للفعل الجماعي الحديث. هو الذي قاد حربا إلكترونية ضد نظام بن علي، وصاغ كلمات الأغاني الحماسية الموجهة له، وابتكر الراب السياسي الذي صار لغة الشارع الجديدة، ووسّع من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي كمنصات مباشرة لإطلاق تحركات الشارع، قبل أن تكون أي حركة حزبية أو نقابية قادرة على الاستجابة أو حتى الاستيعاب. هذا الجيل سبق الجميع في صناعة أدوات الاحتجاج، وتجربة التعبير المباشر، وتجريب الحدود بين الرقمي والميداني، بين الصوت والصورة والفعل الجماعي.
كانوا أول من التحق بثورة 14 جانفي، ومنهم من سقط شهيدا على دروبها، ومنهم من انتقل بعد سقوط بن علي إلى اعتصام القصبة وأسهم في إسقاط حكومة الغنوشي. لكن مع هذه التجربة العنيفة والصادمة، بدأت تظهر أيضا مظاهر الانكسار والخيبة. وقع الاستقطاب الداخلي، وتمت صراعات محتدمة بين من يرفض الانخراط في تنظيمات جديدة، ومن يحاول إعادة إنتاج طرق العمل التقليدية، وتكرّست الهزائم النفسية والسياسية لدى كثير من المنخرطين.
ولم تكن التجربة كلها عزيمة وانتصار؛ بل أحبط كثير من هؤلاء الشباب وانقطعوا عن الاحتجاج والسياسة. البعض، المحاصر بين الإحباط والهزيمة، التحق بقوات الأمن في وزارة الداخلية، وأصبح جزء من آلية قمع من كان يوما رفيقا له في الثورة. اليوم يقفون على خطوط مواجهة الاحتجاجات، يكررون للذين يعتقلونهم كلمات سبق أن سمعوها: “لقد مررنا من هنا… لا جدوى من الأحزاب… المجتمع المدني كله خائن… كل شيء عبث”.
أما من لم يلتحق بالوزارة، فقد ارتمى مباشرة عند أي صوت يظهر معاديا للأحزاب والمنظمات والجمعيات، دون تفكير، دون قياس للمبادئ، مجرد رد فعل نكاية في كل ما يمثّل مؤسسات الماضي. هذا الجيل لم ينسخ تجارب السابقين فحسب، بل أعاد إنتاج هزيمتهم وأحباطهم في نمط جديد من الفعل اليومي والسياسي، حيث النفور من التنظيم والممارسة الجماعية صار قاعدة، والتشكيك في كل كيان وطني أو مدني صار جزء من وعيه، والانخراط في أي نشاط دون إطار رسمي صار تجريبا فرديا أو موقفا ردعيا ضد التنظيمات.
ما ظهر جليا هو أن هذا الجيل صار جيل الهزيمة والاحباط المركب. رغم قوته الرقمية، ووعيه المبكر، وتجربته في الثورة، ووسائطه المتعددة، فإنه اليوم يمارس التنكيل بكل شكل تنظيمي. فلا حزب يمكنه أن يحويهم، ولا جمعية، ولا منظمة، ولا حراك جماعي. التنظيم الوحيد الذي يقبلونه، أو الذي يحترم في أعينهم، هو الدولة نفسها، بأجهزتها القمعية، كبديل عن أي إدارة جماعية أو قيادة جماعية.
هذه التجربة في تونس تكشف عن جانب مظلم في مسار الجيل زاد: القوة الفردية، الجرأة الرقمية، الفعل المباشر، كلها لم تتحول إلى تراكم ثوري مستمر، بل تشتتت، وانهارت أمام الضغوط، الاستقطاب، وخيبات الأمل. النتائج التي أفرزها هذا المسار مفزعة أحيانا: جيل مناصر للسلطة القمعية، معاد للتنظيم المستقل، فاقد لأي ثقة في المؤسسات المدنية، مقتنع بأن التنظيم أو الفكر الجماعي يولّد فقط الخيانة والخذلان.
لكن هذا الظرف، رغم سوداويته، يحمل في طياته درسا حاسما للجيل القادم ولليسار الثوري: التجربة المباشرة، الجرأة الرقمية، القوة الجماعية، كل هذه لا تكفي إذا لم تحوَّل إلى أفق تنظيمي جديد، يوازن بين الاستقلالية والقدرة على التراكم، بين الثورة الفردية والفعل الجماعي المستدام. فبدون هذا التحوّل، يبقى الفعل المتنقل، مهما كان صاخبا، معرضا لأن ينحرف نحو التكيف مع السلطة، أو إنتاج نمط الهزيمة الذي شاهده الجميع في تونس اليوم.
في هذه اللحظة، يصبح فهم ما وقع لجيل الالفين بعد 14 جانفي شرطا أساسيا لإعادة التفكير في الثورة: معرفة كيف يحول الوعي المبكر، والفعل الرقمي، والشجاعة الميدانية، إلى قوة سياسية منتظمة، قادرة على إنتاج التغيير المستدام دون استنساخ تجارب الماضي، ودون الانجراف خلف السلطة، ودون فقدان روح الاستقلالية التي ميّزت هذا الجيل منذ البداية.
و اليوم ليس المطلوب من اليسار الثوري أن “يستثمر” تجربة الجيل زاد، ولا أن “يؤطّرها” بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، لأن منطق الاستثمار والاحتواء هو بالضبط ما يرفضه هذا الجيل. المطلوب أعمق وأصعب: إعادة بناء اليسار نفسه على إيقاع هذه التجربة، لا العكس. فالهوة القائمة اليوم ليست هوّة أعمار فقط، بل هوّة أشكال، لغات، وزمن سياسي.
اليسار الثوري يمتلك ما يفتقده الجيل زاد: الذاكرة، التحليل البنيوي، فهم الدولة، معرفة آليات القمع، وتجارب التنظيم الطويل النفس. في المقابل، يمتلك الجيل زاد ما افتقده اليسار: الجرأة الرمزية، السرعة، القدرة على الانتشار، الفعل المباشر، وكسر الهيبة. الجسر لا يبنى إلا حين يعترف الطرفان بأن كلّا منهما ناقص دون الآخر.
أول شرط لبناء هذا الجسر هو تخلّي اليسار عن عقدة “الطليعة المعلّمة”. لا يمكن مخاطبة جيل ولد في فضاء أفقي بلغة فوقية. اليسار الثوري إن أراد الاقتراب، عليه أن يصمت أولا، أن يصغي، أن يفهم من الداخل لا من فوق. أن يتعامل مع هذه التحركات لا كـ”خامة غير واعية” تحتاج التوعية، بل كوعي عملي سابق على التنظير.
ثانيا، يجب على اليسار أن يعيد تعريف معنى التنظيم نفسه. التنظيم هنا لا يعني الانخراط الفوري في حزب، ولا الانضباط الهرمي، ولا الاجتماعات الطويلة. التنظيم الممكن هو شبكات فعل، خلايا مطلبية، تنسيقيات مرنة، مرتبطة بأهداف واضحة وقصيرة المدى، تتراكم دون أن تتصلّب. تنظيم يحترم الأفقية لكنه لا يتركها بلا بوصلة.
الانتقال من حركة احتجاجية إلى حركة ثورية لا يتمّ عبر القفز الخطابي، بل عبر تحويل المطلب إلى مسار. هنا يمكن لليسار أن يلعب دوره الحقيقي: ربط المطلب اليومي ببنية السلطة، دون تعقيد، ودون تحويل الشعار إلى محاضرة. أن يظهر كيف أن القمع نظاما. كيف أن الفقر سياسة. كيف أن البيئة، والحرية، والعمل، ليست ملفات منفصلة بل وجوه مختلفة لصراع واحد.
التأطير الثوري لا يعني فرض برنامج جاهز، بل إنتاج معنى مشترك للفعل. أن يشعر المشاركون أن تحركهم ليس معزولا، ولا مكرورا، بل حلقة في سلسلة أوسع. هذا المعنى لا يلقّن، بل يبنى عبر التجربة، عبر النقاشات الصغيرة، عبر الكتيبات البسيطة، عبر المحتوى البصري، عبر الوجود الميداني لا المنصّاتي فقط.
على اليسار أيضا أن يتخلّى عن وهم “التمثيل”. الجيل زاد لا يريد من يتحدّث باسمه. ما يمكن أن يقبله هو من يقف إلى جانبه. من يحميه قانونيا، يسانده إعلاميّا، يوفّر له أدوات التحليل، دون أن يضع يده على الميكروفون. هذا التحوّل من التمثيل إلى المرافقة هو جوهر الجسر الممكن.
في المقابل، على الجيل زاد ، دون أن يفقد استقلاله ، أن يطرح على نفسه سؤال الاستمرارية. الفعل اللحظي، مهما كان قويا، يبقى هشا إن لم يتحوّل إلى تراكم. هنا يصبح التنظيم، ولو بأشكاله الجديدة، ضرورة لا خيارا. ليس تنظيما يجمّد الغضب، بل ينقله من ردّ الفعل إلى المبادرة.
الحركة الثورية المنظمة لا تعني مركزا واحدا ولا قيادة تاريخية، بل تناسقا واعيا بين الأجساد والأفكار. تنوّع في الأساليب، وحدة في الاتجاه. اختلاف في التعبير، وضوح في العدو. هذا بالضبط ما يمكن أن يتقاطع فيه الجيل زاد واليسار الثوري: رفض السلطة القائمة، رفض النيوليبرالية، رفض القمع، مع اختلاف في اللغة والأدوات.
إذا فشل اليسار في بناء هذا الجسر، سيبقى متفرّجا على طاقة لا يستطيع توجيهها، أو خصما لزمن جديد لا يفهمه. وإذا فشل الجيل زاد في تحويل قوته إلى تنظيم مرن، سيظلّ عرضة للاستنزاف، والتكرار، والتفكّك. النجاح الوحيد الممكن هو تحالف بلا وصاية، وتنظيم بلا استبداد، وثورية بلا نوستالجيا.
الدفعة التاسعة لا تقدّم وصفة جاهزة، بل تضع شرطا تاريخيا: إمّا أن يتغيّر اليسار ليناسب هذا الزمن، أو أن يمرّ الزمن من فوقه. وإمّا أن تجد طاقة الجيل زاد أفقا ثوريا منظّما، أو أن تستنزف في دورات احتجاج لا تنتهي. الجسر ليس خيارا أخلاقيا، بل ضرورة سياسية.
فتحركات الجيل زاد ليست نتاج اللحظة وحدها، ولا فكرة جديدة بالكامل، بل امتداد لمسار طويل من النشاط الشبابي والسياسي الذي بدأ منذ عقود، من خلال الحركة التلمذية والحركة الطلابية التي كانت العمود الفقري للتجربة السياسية الأولى في أوساط الشباب. هؤلاء الشباب الأوائل تعلموا مواجهة السلطة، والمطالبة بحقوقهم، والمشاركة في الوقفات والمظاهرات، لكنهم فعلوا ذلك في إطار أحزاب مغلقة ومنظّمات صارمة، حيث كانت قواعد الانضباط العسكري، والتلقين الحزبي الصارم، والإخضاع للقيادة المطلقة، هي القانون الأعلى للعمل السياسي.
في هذا السياق، أصبح كثير من المناضلين الشباب عملة داخل الحزب. لم يكن النشاط السياسي فرصة لإبداع أو مبادرة شخصية، بل أداة لتنفيذ الاستراتيجيات الحزبية. كل فرد يقَيَّم بحسب مدى طاعته، ومدى انضباطه، ومدى قدرته على الامتثال لتعليمات القيادة، دون أن يمنح فسحة للتفكير النقدي أو التمرد المحسوب. التجربة التعليمية والسياسية نفسها صمّمت لإنتاج انضباط صارم، وخضوع شبه كامل، وإبعاد أي نزعة فردية عن الفعل الجماعي، مهما كانت مبرراتها.
ما زاد الطين بلة هو الانقسامات الداخلية التي انهكت هذه الحركات قبل أن تنهض. الانشقاقات داخل اليسار، وتفتيت الأحزاب إلى فصائل، وحروب النفوذ الرمزية، خلقت ثقافة العداء الداخلي: من لم يكن مع الحزب أو الفصيل أصبح عدوا، وكل اختلاف صار تهديدا للوجود التنظيمي. الشباب الذين خاضوا التجربة التلمذية والطلابية تعلموا درسا صعبا: النشاط السياسي في إطار حزبي مغلق ليس فقط تحديا للسلطة الخارجية، بل يمكن أن يكون أشد خطورة من الداخل نفسه، لأنه يقتل المبادرة، ويحوّل الزخم الجماعي إلى أداة لخدمة الصراعات الداخلية، ويحوّل الحلم بالتحرر إلى تسوية صامتة مع الهيمنة التنظيمية.
وهنا تأتي نقطة التحوّل بالنسبة للجيل زاد. هذا الجيل درس الماضي جيدا. لقد رأى النتائج المباشرة للتلقين الصارم، للانقسام، وللتحزب الذي يقسم الناس إلى أصدقاء وأعداء بحسب الولاء الحزبي لا المطلب الاجتماعي. لذلك، اتخذ موقفا واعيا: الاستقلال عن الأحزاب ليس مجرد خيار، بل ضرورة للحماية. حماية للحلم، حماية للفعل المباشر، حماية للفضاء الرمزي والثقافي، حتى لا يتحولوا كما تحوّل سابِقوهم إلى أدوات داخل هياكل حزبية مغلقة، يلقَّن فيها كل شيء، ويُحظر التفكير خارج الخط.
هذا الاستقلال لا يعني الانفصال عن السياسة أو الانعزال عن المجتمع، بل وعي مزدوج: على الجيل زاد أن يكون حاضرا في الشارع وفي النقاشات، لكن دون أن يسمح لأي حزب، مهما كانت شعاراته، أن يضع يده على طاقته أو توجيه حركته. لقد رأوا ما وقع مع أجيال الحركة الطلابية السابقة: الطموح الكبير اختزل في الانضباط، والحماسة قيّدت بالسريّة، والنقد الداخلي قمع باسم الولاء، والفعل الجماعي أُدار ليخدم أهدافا حزبية ضيقة، بدل أن يخدم قضية المجتمع أو الحرية أو العدالة.
في هذا السياق، يمكن القول إن جيل زاد ابتكر نوعا جديدا من الحذر الثوري: حرصوا على الفعل، لكنهم أضافوا إليه طبقة حماية ضد الاستيعاب. كل وقفة، كل هتاف، كل تصميم شعاري، وكل انتشار رقمي يتم بحساسية عالية تجاه احتمالات الاستحواذ الحزبي. هم يعرفون أن الحماس وحده لا يكفي، وأن القوة يمكن أن تسلب إذا لم تحاط بالوعي والاستقلالية.
الدرس الذي تعلّمه الجيل زاد واضح: الحرية والفعالية لا تبنى داخل إطار حزبي صارم، بل خارجه، مع الحفاظ على صلة بالهدف، وليس بالهيكل. أي محاولة لتقليد النماذج السابقة، مهما كانت مغرية، ينظر إليها كخطر على الفعل السياسي نفسه، لأنها قد تفرغ الطاقة من محتواها، وتحوّل الشباب إلى تروس ضمن ماكينة حزبية.
بهذا الوعي، أصبح استقلال الجيل الجديد استراتيجية للبقاء والتأثير. إنهم لا يكرهون الأحزاب، لكنهم لا يثقون بها بما يكفي لتكرار أخطاء الماضي. هذه الحذرية المزدوجة، الجمع بين الجرأة والانتباه، هي ما يجعل تحركاتهم فعّالة، لأنها تحافظ على طابعها المباشر واللحظي، وتمنع استيلاء أي قوة خارجية عليها، سواء كانت حزبية، مالية، أو رمزية.
باختصار، ما ورثه الجيل زاد من الأجيال السابقة هو التجربة، والفشل، والانقسام، والتلقين. ما اختاره هو الاستقلال الواعي والحذر الثوري، الذي يسمح له بالتحرك بحرية، وبقوة، وبصوت واحد، مع الحفاظ على الاستمرارية دون أن يتحوّل إلى نسخة أخرى من التاريخ الحزبي المغلق الذي أرهق أجيال الطلاب السابقين.
فجيل زاد، كما تشكّل اليوم، ليس مجرد موجة احتجاج ، ولا فورة شبابية محدودة بزمن. هو تجربة تاريخية متراكمة، تلتقط من الماضي أخطاء الحركة الطلابية والتلمذية، وتأخذ من الحاضر جرأته وأدواته الرقمية، لتفتح أفقا جديدا لمفهوم الفعل السياسي والثوري. ما يحدث في الشارع وفي الشبكات ، امتدادا لتجربة تراكمت عبر عقود: تجربة أجيال خاضت الوقفات، التحركات، والنضالات، لكن انقسمت، وجرّب الحزب التحكّم بالقوة، وتعلموا أن الولاء الصارم يمكن أن يقتل المبادرة، وأن الانضباط الحزبي قد يبتلع الحلم.
الجيل زاد تعلم درسا من هذه التجربة: الاستقلال شرط للنجاة السياسية والثورية. لن يسمح لأي حزب أو فصيل أن يمتص طاقته، ولن يقبل أن تحوّل حركته المباشرة إلى أداة داخل أطر مغلقة. هو يتقدم بلا وصاية، يخطو بلا قيود، يخلق أفقا للحركة الاجتماعية والسياسية بعيدا عن إرث الانقسامات الحزبية التي شوهت تجربة أسلافه. هذا الوعي المزدوج ، الجرأة في الفعل، والحذر في التوجيه ، هو ما يجعل تحركاته صعبة الاستيعاب، لكنها في الوقت نفسه قابلة للتراكم والتطوير.
ما يميز هذا الجيل أيضا هو تحويل الفعل اليومي إلى تجربة ثورية: الجدار الذي يرسم عليه، الأغنية التي تغنى، الراب الذي يصدح، الحركة الجماعية في المدرجات، ونشر الصورة والفيديو على المنصات الرقمية كلها أدوات إعادة تعريف الفعل السياسي. كل هذه الوسائط ليست مجرد وسائل ترفيه، بل أشكال ملموسة للثورة الثقافية والسياسية، تجسد رفض الهيمنة، وتمثل توحيد الرغبة الجماعية في زمن سريع ومتقلب.
الخطر الذي يواجه هذا المسار هو الاستيعاب أو التقليد: إما أن تحاول القوى التقليدية إدارته كما يدار الحزب، وإما أن يظل مشتتا بلا تراكم، بلا توجيه، بلا ذاكرة جماعية. النجاح الحقيقي لن يكون في الانضواء تحت شعارات جاهزة، بل في تحويل الحسّ الجماعي إلى قوة متماسكة، تراكمية، ومؤثرة، دون أن يفقد استقلاله. كل خطوة صغيرة، كل حركة ميدانية، كل صورة أو فيديو، تشكّل خلايا مقاومة ضد الهيمنة، ومعا تنتج وعيا ووجودا يفرض ذاته على الواقع.
هنا يكمن التحوّل العميق: الفعل السياسي لم يعد مرتبطا بالمكان، بالحزب، بالزعيم، أو بالخطاب الرسمي. أصبح مرتبطا بالوجود واللحظة والقدرة على التأثير في الواقع بشكل مباشر. من يراقب اليوم، سواء السلطة أو المؤسسات القديمة، يرى حركة لا يمكن السيطرة عليها بسهولة، لا يمكن إخضاعها للقيود الكلاسيكية، ولا يمكن اختزالها في برامج أو بيانات. هذه الحركة تحرّر السياسة نفسها من قيود الزمن القديم، وتعيد تعريف السلطة كفعل جماعي مستمر، لا كمنحى هرمي ثابت.
المستقبل الذي يستشرفه هذا الجيل ليس وعدا بلا صعوبات، ولا هو مشهدا مثاليا خاليا من الفشل. بل هو زمن التجربة المفتوحة: الفعل لا ينتظر إذنا، والنجاح يتراكم من لحظة إلى أخرى، والخطأ نفسه يحوّل إلى درس. السلطة ستقاوم، وستحاول استعادة السيطرة، وستلعب على الخوف والانقسام. لكن هذه المقاومة ستزيد الجيل وعيًا، وتجعل استقلاله أكثر صلابة، وتجعل خبرته التجريبية أكثر ثراء.
في هذا الأفق الجديد، الثورة ليست حدثا مفاجئا، ولا مسيرة واحدة، ولا شعارات جاهزة. هي مسار مستمر، ثقافة متجددة، ووعي عملي يومي. إنها قدرة على الجمع بين القوة الرمزية والقدرة الواقعية، بين الفعل الفردي والفعل الجماعي، بين اللحظة الحالية والبحث عن أفق مستقبلي. هي قدرة على استيعاب أخطاء الماضي، والتعلم منها، دون العودة إلى النسخ القديمة، ودون الانجراف وراء وعود خارجية أو قيادة مركزية.
الرهان النهائي ليس على عدد الحشود، ولا على قوة الخطاب، بل على استمرار الفعل المستقل، وعلى تراكم الخبرة، وعلى القدرة على التحوّل إلى قوة تاريخية حقيقية. قوة لا يمكن للسلطة ولا للهيمنة التقليدية تجاهلها، لأن وجودها يفرض نفسه، وسرعتها وتنوع أدواتها يجعل السيطرة عليها شبه مستحيلة.
هذا الجيل لا يرغب في أن يمثّل، لكنه يريد أن يخلق التاريخ بنفسه، خطوة بخطوة، مع كل هتاف، كل حركة، وكل نبضة جماعية. إنه يكتب الزمن بوجوده، ويرسم مستقبلا لا يعتمد على الوصاية ولا على التقليد، بل على التجربة، الاستقلالية، والوعي الجمعي الذي يزداد قوة مع كل تجربة تمرّ.
وفي هذا بالضبط يكمن المعنى الثوري الحقيقي: ليس في لحظة الانفجار، ولا في شعار واحد، ولا في بطل، بل في تراكم الفعل الحر، المستمر، والموجه نحو تغيير واقعي وملموس، مع الحفاظ على الاستقلالية، والقدرة على التحرك بلا قيود، والرفض المستمر لتكرار أخطاء الماضي.
هذا هو زمن الجيل زاد، زمن التجربة المفتوحة، زمن الفعل المتحرّر من كل وصاية، زمن الثورة التي تبنى لحظة بلحظة، دون أن تتوقف، دون أن تحتوى، ودون أن تفرغ من معناها الحقيقي.
ها نحن أمام لحظة تاريخية لا يمكن تجاهلها، حيث الجيل زاد وامتداده الجيلي ألفا لا يمثلان مجرد تجربة شبابية أو احتجاجا عابرا، بل تجربة تراكمية متكاملة، تجمع بين الوعي المبكر، الفعل الميداني، القوة الرقمية، والفعل الرمزي المستمر، وهي تجربة لم يعد من الممكن لأي حزب أو إطار تقليدي أن يضمّها أو يوجهها. ما حدث في تونس ليس مجرد حكاية احتجاج، بل درس صارخ في قوة الفعل المباشر، وفي هشاشة الهياكل التقليدية، وفي هشاشة التجربة الفردية عندما تفتقد للآليات التنظيمية المستدامة.
هذا الجيل سبق الجميع في استخدام الوسائط الرقمية، والابتكار في التعبير، وصناعة الرموز الثقافية، وتوظيف الفن والسياسة في آن واحد. هو الذي أطلق شرارة الثورة قبل الثورة، وصاغ لغة الراب والأغاني الحماسية، وقاد الهجمات الرقمية، وشكّل المشهد الميداني قبل أن تتدخل الأحزاب. لكن التجربة الميدانية والتاريخية أظهرت أن الفعل المباشر وحده، مهما كان جريئا، لا يكفي لإنتاج تحول دائم. سقوط شهداء الثورة، استقطاب البعض، انخراط آخرين في أجهزة القمع، وانصراف جزء من الجيل عن السياسة، كل ذلك كشف أن الحرية والفعل المباشر يحتاجان إلى أفق تنظيمي جديد، يفهم التاريخ دون أن يعيده، ويستثمر القوة دون أن يفرغها.
إن الهزيمة التي أصابت بعضا من هذا الجيل، والتحولات التي قادتها اليأس والخيبة، هي درس للثورة القادمة: لا يمكن ترك الحركة للصدفة، ولا ترك الحرية والفعل بلا تراكم، ولا ترك الفعل الجماعي بلا قواعد وأدوات تحفظه من التحلل أو الانجراف. كل تجربة ميدانية، كل حركة رقمية، كل رمز، وكل أغنية أو جداريات، يجب أن تحوَّل إلى قوة تراكمية مستدامة، تعيد إنتاج الفعل الثوري بلا أن تفقد روح الاستقلالية والجرأة التي تميّز الجيل منذ البداية.
الرهان الأكبر اليوم ليس على إحياء الأحزاب القديمة أو على استنساخ طرق العمل التقليدية، بل على إنشاء أفق تنظيمي جديد، ثوري، أفقي، قادر على توجيه القوة المتفجرة لهذا الجيل إلى فعل دائم وفعال. تنظيم لا يكرر أخطاء الماضي، لا يطغى على الحرية الفردية، لا يفرغ طاقات الشباب من استقلاليتهم، ويضمن أن تتحول كل لحظة غضب، كل حركة احتجاج، كل تعبير ثقافي أو رقمي، إلى جزء من تراكم مستمر للوعي، والقدرة على التأثير، وإنتاج قوة سياسية حقيقية قابلة للبقاء والتطوير.
الجيل زاد والجيل ألفا يحملان في طياتهما قدرة غير مسبوقة على الدمج بين الرقمي والميداني، بين الرمزي والمادي، بين الفردي والجماعي. إذا ما تم استثمار هذه القدرة في إطار تنظيمي ثوري جديد، فإن القوة الناتجة لن تكون مجرد احتجاجات صاخبة أو لحظات رمزية، بل ستكون حركة تاريخية قادرة على قلب موازين السلطة، إعادة تعريف السياسة، وإنتاج مجتمع جديد يعتمد على الحرية والكرامة والمشاركة الحقيقية لكل فرد.
هذا الجيل يعلم، منذ البداية، أن الانتظار وراء الزعامات أو الهياكل القديمة لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الهزيمة. ما يميّزه هو قدرته على التحرك بسرعة، على الابتكار، على الاختراق الرقمي، على التعبير الفني، وعلى وحدة المطلب والهدف في لحظة واحدة. ما يحتاجه الآن هو إطار تنظيمي يوفّر الاستمرارية والتراكم دون إخضاع الحرية الفردية، يربط بين الفعل اليومي والتغيير المستقبلي، بين الاحتجاج المباشر وإنتاج قوة سياسية مستدامة.
هكذا، يمكن للجيل زاد أن يتحول من جيل احتجاج وانكسار وهزيمة جزئية إلى جيل ثورة مستمرة، جيل يصنع التاريخ لحظة بلحظة، جيل يعرف كيف يحافظ على استقلاليته دون أن يفرط بقوته، وكيف يحوّل الإبداع الفردي والجماعي إلى فعل ثوري مؤثر ومستدام.
في النهاية، المستقبل ليس ملكا للأحزاب، ولا للزعماء، ولا للخطابات القديمة، بل هو ملكية الجيل الذي يجرؤ على الكتابة بنفسه، على التحرك بلا وصاية، على خلق أدواته، على تشكيل وعيه، وعلى تحويل كل هزيمة إلى قوة، وكل غضب إلى فعل، وكل لحظة إلى خطوة نحو مجتمع ثوري جديد.
الجيل زاد والجيل ألفا ليسا مجرد أرقام أو موجات احتجاجية، بل هما الفعل الثوري نفسه، الثورة المفتوحة التي تتشكل في اللحظة، وتستمر بلا توقف، الثورة التي لن تعرف نهاية إلا عند تحقيق الحرية والكرامة للجميع، الثورة التي يكتبها الصوت الواحد والجسد الواحد والفعل المباشر والوعي الجماعي المتجدد، الثورة التي ستظل دائما خارج كل القوالب، بلا زعماء، بلا قيود، بلا حدود.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اليسار في مواجهة الأممية القاتلة: من تشظّي التاريخ إلى بناء ...
- من الدولة إلى الثورة: استعادة الماركسية وفق غابرييل روكهيل.
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ...
- السودان بعد العسكرة و الحرب الاهلية: الدولة المدنية كمسار ثو ...
- الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين: أممية الإرهاق وصياغ ...
- الإقطاع الحديث: بين انهيار الرأسمالية، تفكيك الدولة، وعزلة ا ...
- الثقافة الثورية: من المشاع الإنساني إلى الرقمنة والتحرر الجم ...
- من المصانع إلى الخوارزميات: الماركسية ترسم بياناتها
- الديموغرافيا بوصفها سياسة: الدولة، الجسد، والصراع الطبقي في ...
- مجلس السلام في غزّة الإمبريالية حين تدير الإبادة… والرأسمال ...
- الاتحاد بين زمنين: حين تتحول القيادة إلى عائق تاريخي
- أفق اليسار: من الأزمة إلى الفعل
- اليسار بين الانكسار والتاريخ: إما الوحدة الثورية أو النهاية
- الصراع الطبقي: من المشاع الى اليوم ،تاريخ يعاد كتابته بالنار ...
- دفاعا عن التّاريخ الثوري لا عن الاسماء....
- الاشتراكية: من المشاع الأول إلى العلم الثوري و الثورة الدائم ...
- الثورة حقّ لا يتطلّب ترخيصا
- الفاشية الشعبية: حين يصنع الخوف وعيا زائفا، وتصنع الجماهير ط ...
- بين الثورات المغدورة منها، والمسروقة، والمستمرّة: صراع الوعي ...
- الثورة التونسية: ثورة مستمر بين الشرارة الشعبية والالتفافات ...


المزيد.....




- كيف يؤثّر مكان نشأتك على شخصيتك؟
- إيران تتمسك بخطوطها الحمراء النووية وسط مفاوضات متعثرة مع وا ...
- باريس سان جرمان يمطر شباك مرسيليا بخماسية ويستعيد صدارة الدو ...
- ترمب يهنئ رئيسة وزراء اليابان بـ-الفوز الساحق- ويشيد بقيادته ...
- مظاهرات مرتقبة في سيدني ضد زيارة الرئيس الإسرائيلي
- مفاوضات واشنطن وطهران.. إدارة ترامب تتوقع -تنازلات إيرانية- ...
- دراسة.. هكذا يرتبط تنويع التمارين الرياضية بتقليل خطر الوفاة ...
- إيلون ماسك يعلن خطة لبناء -مدينتين- على القمر والمريخ
- بريطانيا: استقالة مدير مكتب ستارمر بسبب تعيين سفير على صلة ب ...
- وسط حصار أمريكي.. كوبا تعلق إمدادات الكيروسين لشركات الطيران ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - جيل الاحتجاج أو جيل الثورة؟ معركة التنظيم الجديدة.