أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - اليسار في مواجهة الأممية القاتلة: من تشظّي التاريخ إلى بناء الهوية والنضال في القرن الحادي والعشرين.















المزيد.....



اليسار في مواجهة الأممية القاتلة: من تشظّي التاريخ إلى بناء الهوية والنضال في القرن الحادي والعشرين.


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 22:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مداخلتي اليوم { عن بعد } في ندوة حزب الوطد الموحد في الذكرى الثالثة عشر لاستشهاد الرفيق شكري بلعيد :
" اي استراتيجيات للمقاومة الشعبية في مواجهةالهجمة الامبريالية الامريكية الراهنة."
تحت عنوان :

"اليسار في مواجهة الأممية القاتلة: من تشظّي التاريخ إلى بناء الهوية والنضال في القرن الحادي والعشرين."

ليس تاريخ المقاومات الشعبية سجلا للانتصارات، بل أرشيفا للصراع المفتوح. كل سلطة حاولت أن تكتب التاريخ من عل، أن تجعله خطا مستقيما ينتهي عندها، لكن في الأسفل، في الهوامش، في الأزقة، في الحقول والمصانع والسجون، كان هناك دوما من يرفض الخاتمة. المقاومة ليست لحظة استثنائية، بل حالة كامنة، تظهر كلما ادّعى النظام أنه صار أبديا.
منذ أول تمرّد على العبودية، إلى ثورات الفلاحين ضد الإقطاع، إلى انتفاضات المدن، إلى الحركات العمالية، لم تكن الجماهير تتحرّك لأنها تملك ضمانات، بل لأنها كانت تملك سببا. لم يكن الأفق واضحا، ولا الطريق معبّدا، لكن كان هناك وعي غريزي بأن الخضوع ليس حتميا. هكذا يصنع التاريخ من لا يملكون نعمة الانتظار. فالثورات لا تندلع في الزمن المناسب، بل في الزمن الممكن.
لقد تعلّمنا من تجارب الماضي أن الهزيمة ليست نقيض الثورة، بل أحد وجوهها. فكم من حركة سحقت عسكريا، لكنها تركت أثرا في الوعي، في اللغة، في أشكال التنظيم، في الحلم الجمعي. ليس المهم أن ينتصر الفعل فورا، بل أن يفتح ثغرة في جدار الضرورة. التاريخ لا يتقدّم بحتمية عمياء، بل عبر احتمالات متصارعة، بعضها يجهض، وبعضها يعود بأشكال أخرى. «لا شيء محسوم، لكن لا شيء مستحيل».
اليوم، نعيش طورا جديدا من السيطرة، أكثر نعومة وأكثر شمولا. لم تعد السلطة تحتاج دائما إلى الدبابة والهراوة، بل إلى الشاشة، والمعادلة، والتوقّع الإحصائي. الرأسمالية المعاصرة لا تكتفي باستغلال العمل، بل تسعى إلى إدارة الزمن والرغبة والانتباه. الخوارزميات ليست أدوات تقنية محايدة، بل عقلا منظِّما للعالم، يقرّر ما نرى، وما نغضب له، وما ننساه، ومن نصادقه، ومن نعاديه. إنها سلطة تعمل بصمت، لكنها لا تقل قسوة عن أشكال القمع القديمة.
في هذا السياق، تحاول المنظومة إقناعنا بأن المقاومة صارت عبثا، وأن التغيير مستحيل، وأن أقصى ما يمكن فعله هو التكيّف الذكي. يراد لنا أن نصدّق أن المستقبل قد أُغلق، وأن كل ما تبقّى هو تحسين شروط العيش داخل القفص. لكن التاريخ يعلّمنا عكس ذلك: كل نظام ادّعى أنه نهاية التاريخ، سقط، لا لأن خصومه كانوا أقوى تقنيا، بل لأنهم كانوا أكثر إصرارا على كسر منطق الضرورة.
المقاومة اليوم لا يمكن أن تكون استنساخا للماضي، لكنها أيضا لا يمكن أن تقطع معه. فالإضراب، والانتفاضة، والتنظيم القاعدي، والعمل الجماعي، لم تفقد معناها، بل تحتاج إلى إعادة ابتكار. كما أن الفضاء الرقمي، رغم كونه مجالا للمراقبة، هو أيضا ساحة صراع. فضح الخوارزميات، كسر احتكار السردية، تحويل التكنولوجيا من أداة ضبط إلى أداة اشتباك، كل ذلك جزء من معركة الحاضر. لكن الخطر يكمن في تحويل السياسة إلى مجرّد تفاعل سريع، بلا تراكم، بلا تنظيم، بلا أفق استراتيجي.
السياسة ليست إدارة يومية للبؤس، ولا انتظارا سلبيا للانفجار الكبير. السياسة فعل واع داخل الزمن غير المكتمل. «نحن لا نراهن على اليقين، بل على الالتزام». الالتزام بقضايا المقهورين، بالانحياز الواضح، برفض الحياد في صراع غير متكافئ. فالحياد هنا ليس موقفا أخلاقيا، بل اصطفاف مقنّع مع الأقوى.
إن استحضار تاريخ المقاومات الشعبية في هذه اللحظة ليس حنينا رومانسيا، بل فعل مقاومة بحد ذاته. لأن هذا التاريخ يذكّرنا بأن ما نعيشه اليوم قد عيش بأشكال أخرى، وأن أدوات السيطرة تتغير، لكن منطقها واحد. ويذكّرنا أيضا بأن كل جيل مطالب بأن يخترع طريقه الخاص إلى العصيان، دون أوهام خلاصية، ودون استسلام واقعي.
في زمن الخوارزميات، تصبح الثورة استعادة للسياسة، وإعادة فتح للمستقبل. ليست وعدا جاهزا، ولا برنامجا مغلقا، بل سيرورة صراع، مليئة بالمخاطر، بالانتكاسات، وبالاحتمالات. الثورة اليوم ليست يقينا تاريخيا، لكنها تظل ضرورة أخلاقية. لأن القبول بالعالم كما هو، هو أخطر أشكال العنف.
وإذا كان هذا الزمن يحاول أن يجعلنا قابلين للتوقّع، قابلين للإدارة، فإن المقاومة تبدأ من رفض هذا الدور، من الإصرار على أن الإنسان ليس معادلة، وأن التاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد. فالمستقبل لا ينتظر… بل ينتزع.
حين نقول إن تاريخ المقاومات الشعبية هو القاعدة لا الاستثناء، فإننا لا نطلق شعارا بل نصف قانونا مضادا لقانون السلطة. فكل منظومة سيطرة تقوم، في جوهرها، على تحويل علاقات اجتماعية تاريخية إلى وقائع طبيعية، وعلى تقديم القهر كقدر، والاستغلال كضرورة، والهزيمة كحكمة. وهنا تبدأ المقاومة، لا كفعل بطولي منفصل، بل كتشقق أول في جدار الضرورة.
السلطة لا تخشى السلاح وحده، بل تخشى قبل ذلك كسر السردية. تخشى أن يقال إن ما هو قائم لم يكن دائما كذلك، ولن يبقى. ولهذا، فإن أول أشكال المقاومة في التاريخ كانت دائما مقاومة المعنى: إعادة تسمية الأشياء، قلب اللغة، فضح ما يقدّم كـ«نظام طبيعي». «أخطر ما تفعله السلطة أنها تجعل ما هو تاريخي يبدو أبديا».
المقاومات الشعبية، في جوهرها، ليست فقط ردّ فعل على الظلم، بل إعلان ضمني بأن الزمن لم يغلق. ولهذا لم تكن يوما مطمئنة أو عقلانية بالمعنى التقني. هي قفز في المجهول، رهان بلا ضمانات. الذين تمرّدوا لم يكونوا يملكون خرائط المستقبل، بل كانوا يملكون إحساسا حادا بأن الحاضر لا يطاق. ومن هنا تأتي قوة الفعل الثوري: ليس لأنه يملك يقينا، بل لأنه يرفض القبول باليقين المفروض.
ففي مواجهة القراءة السائدة للتاريخ ، تلك التي تحاكم الثورات بنتائجها المباشرة ، تطرح المقاومات الشعبية منطقا آخر: منطق الأثر، لا الحصيلة. فكم من انتفاضة سحقت لكنها غيّرت ميزان الخوف، وكسرت هيبة السلطة، وعلّمت الناس أن الطغاة يهزمون. الهزيمة هنا ليست نهاية، بل مرحلة ضمن سيرورة أطول. «التاريخ لا يكتب بخط مستقيم، بل بخطوط متكسّرة، مليئة بالانقطاعات والعودات».
لكن الرأسمالية المعاصرة تعلّمت من دروس الماضي. لم تعد تكتفي بقمع التمرّد بعد وقوعه، بل تسعى إلى منعه قبل أن يتشكّل. ولهذا انتقل مركز الثقل من السيطرة على الأجساد فقط، إلى السيطرة على الزمن، والوعي، والخيال. نحن أمام نمط سلطة لا يقول: «لا تتمرّد»، بل يقول: «لا معنى للتمرّد». وهنا تكمن خطورته القصوى.
الخوارزميات، في هذا السياق، ليست تطورا تقنيا محضا، بل شكلا جديدا من أشكال العقل السلطوي. إنها تعمل على تفتيت التجربة الجماعية، تحويل الغضب إلى بيانات، والسخط إلى محتوى، والاحتجاج إلى ترند عابر. تفرغ الفعل السياسي من كثافته، وتعيد دمجه في دورة الاستهلاك. إنها سلطة لا تمنع الكلام، بل تغرقه، ولا تقمع الرأي، بل تشتّته. «حين يسمح بكل شيء، يصبح لا شيء مؤثرا».
غير أن هذا الشكل من السيطرة، مهما بدا محكما، يحمل تناقضاته في داخله. فمحاولة إدارة كل شيء، توقّع كل شيء، ضبط كل سلوك، تصطدم دائما بما لا يقاس: الغضب، الكرامة، الانفجار غير المحسوب. التاريخ لم يصنع يوما فقط بما هو قابل للتوقّع. بل غالبا بما فشل النظام في حسابه. من هنا، لا يمكن اعتبار زمن الخوارزميات زمنا بلا مقاومة، بل زمنا تتطلّب فيه المقاومة ذكاء مضاعفا ووعيا أعمق.
المقاومة اليوم ليست مسألة نوستالجيا ولا استعادة لأشكال قديمة، بل مسألة ربط. ربط بين ما هو اجتماعي وما هو سياسي، بين ما هو رقمي وما هو مادي، بين النضالات الجزئية والأفق العام. فالخطر الأكبر ليس الهزيمة، بل التشظّي. «الهزائم تهزم حين تتحوّل إلى خبرة مشتركة، لا حين تعاش كخزي فردي».
من هنا، يصبح التنظيم ، بمعناه الواسع، غير البيروقراطي ، فعلا ثوريا بحد ذاته. تنظيم الذاكرة، تنظيم الغضب، تنظيم الزمن. لأن السلطة تريدنا أن نعيش في حاضر دائم، بلا ماض نستند إليه، وبلا مستقبل نخطط له. والمقاومة تبدأ باستعادة هذا الخط الزمني، بإعادة وصل ما قطع عمدا...
إن تفكيك الأفكار التي وردت في هذه المقدمة المقتضبة يقودنا إلى خلاصة أولى: الصراع اليوم ليس فقط على الثروة أو السلطة، بل على معنى التاريخ نفسه. هل هو مسار مغلق تحكمه الضرورة؟ أم فضاء مفتوح تحكمه الاحتمالات؟ اختيار أحد الجوابين ليس مسألة نظرية، بل موقف سياسي. لأن من يسلّم بانغلاق التاريخ، يسلّم بكل أشكال القهر القائمة.
ولهذا، فإن المقاومة الشعبية، في جوهرها العميق، هي إعلان تمرّد على منطق «لا بديل». هي فعل إيمان دنيوي بأن العالم يمكن أن يكون آخر، حتى لو لم نعرف شكله بعد. «لسنا أبناء اليقين، بل أبناء الرهان».
و الهزيمة، في ذاتها، ليست أخطر ما يواجه المقاومات الشعبية. الأخطر هو ما يفعل بالهزيمة بعد وقوعها. فالسلطة لا تكتفي بإلحاق الهزيمة، بل تعمل على تحويلها إلى درس أخلاقي، إلى عقدة نفسية، إلى سردية نهائية تقفل الأفق. هكذا تتحوّل الهزيمة من لحظة عابرة في صراع طويل، إلى حالة ذهنية دائمة، تصيب الوعي الجمعي بالشلل.
في هذا المعنى، تدار الهزيمة كما تدار الثروة: تحتكَر، وتستثمر، وتعاد صياغتها. يقال للمهزومين إنهم أخطؤوا لأنهم حلموا أكثر مما يجب، أو لأنهم استعجلوا التاريخ، أو لأنهم لم يكونوا «واقعيين». تستبدل لغة الصراع بلغة الحكمة الزائفة، وتقدّم الهزيمة بوصفها نضجا، لا قهرا. «حين تقنعك السلطة بأن الهزيمة فضيلة، تكون قد ربحت المعركة الأهم».
هكذا يعاد تعريف الواقعية، لا بوصفها قراءة نقدية لموازين القوى، بل بوصفها قبولا بها. يصبح التكيّف شجاعة، والانحناء عقلانية، والتخلّي عن الراديكالية شرطا للدخول في السياسة. في المقابل، تُصوَّر المقاومة كتهوّر، وكأن المشكلة لم تكن في اختلال موازين القوة، بل في الجرأة على مواجهتها.
فالهزيمة، حين تفصل عن سياقها التاريخي، تتحوّل إلى ذنب. يحمَّل المناضلون مسؤولية ما جرى، لا المنظومة التي استخدمت كل أدوات العنف المادي والرمزي لإجهاضهم. ينسى القمع، وينسى الحصار، وينسى التواطؤ الدولي، ويختزل كل شيء في «أخطاء ذاتية». هذا الاختزال ليس بريئا، بل هو جزء من هندسة الإحباط.
لكن التاريخ، إذا قرئ بعمق، يقول شيئا آخر تماما. كل حركة تحرر كبرى مرّت بسلسلة من الهزائم. ما يصنع الفارق ليس تجنّب الهزيمة، بل كيفية التعامل معها. فالهزيمة التي تفهم، تناقش، وتحوّل إلى خبرة، يمكن أن تصبح موردا سياسيا. أما الهزيمة التي تكبت، أو تقدّس، أو تستعمل لتبرير الانسحاب، فتصبح سلاحا بيد الخصم.
في زمننا، اتخذت إدارة الهزيمة شكلا أكثر تعقيدا. لم تعد تفرض فقط عبر الخطاب السياسي أو الإعلامي، بل عبر إيقاع الحياة نفسها. السرعة، التشتت، ضغط العيش اليومي، كلها عناصر تنتج نوعا من الإرهاق الجماعي. إرهاق لا يترك مجالا للحداد السياسي، ولا للتفكير، ولا لإعادة البناء. «المنهك لا يتمرّد، بل يطلب فقط هدنة».
الخوارزميات تلعب هنا دورا مركزيا. فهي تعيد تدوير الهزائم في شكل محتوى، تسطّحها، تفرغها من سياقها، وتضعها في سلسلة لا تنتهي من الأخبار السريعة. لا وقت للفهم، لا وقت للربط، لا وقت للسؤال. كل شيء يحدث، ثم يختفي. وهكذا تنتزع من الهزيمة قدرتها على التعليم، وتتحوّل إلى مجرد مشهد عابر، أو إلى مادة للسخرية والتهكّم.
والسخرية هنا ليست دائما مقاومة، كما يخيّل. كثيرا ما تكون السخرية قناعا للاستسلام. ضحك مرّ يخفي قناعة عميقة بأن «لا شيء سيتغيّر». وهنا تبلغ الهزيمة ذروتها: حين تصبح جزء من الهوية، لا محطة في الطريق. «الهزيمة الحقيقية هي حين تكفّ عن انتظار أي شيء».
غير أن هذا المسار ليس حتميا. فكما تدار الهزيمة من فوق، يمكن تفكيكها من تحت. أول خطوة في هذا التفكيك هي نزع الطابع الأخلاقي عنها. الهزيمة ليست خطيئة، ولا دليلا على بطلان الفكرة. هي نتيجة صراع غير متكافئ، لها أسباب مادية وسياسية واضحة. تسميتها، تحليلها، وضعها في سياقها، هو فعل تحرّر أولي.
الخطوة الثانية هي استعادة الزمن الطويل. فالسلطة تريدنا أسرى اللحظة الأخيرة فقط: آخر انتكاس، آخر خيبة، آخر فشل. بينما المقاومة تحتاج إلى ذاكرة ممتدة، ترى السلسلة كاملة، لا الحلقة المعزولة. في هذا الزمن الطويل، تبدو الهزائم أقل نهائية، والانتصارات أقل مطلقة. «من يرى التاريخ كسباق قصير، ينهزم سريعا؛ ومن يراه كمسار طويل، يتعلّم الصبر الثوري».
أما الخطوة الثالثة، فهي تحويل الهزيمة إلى سؤال تنظيمي وسياسي، لا إلى مناسبة للانسحاب الفردي. ما الذي انكسر؟ أين فشلنا في الربط؟ كيف استدرجنا؟ كيف نعيد البناء؟ هذه الأسئلة لا تطرح للتشهير، بل للبناء. فالمقاومة التي تخشى النقد محكوم عليها بتكرار أخطائها، والمقاومة التي تختزل النقد في جلد الذات، محكوم عليها بالانتحار البطيء.
إن تفكيك الهزيمة بهذا المعنى يعيد للسياسة بعدها التراجيدي النبيل: لا وعود بالخلاص السريع، ولا أوهام بالنقاء، بل إصرار على الاستمرار رغم كل شيء. الاستمرار لا بوصفه عادة، بل بوصفه موقفا. «الالتزام لا يقاس بالانتصارات، بل بالقدرة على النهوض بعد السقوط».
وهكذا، بدل أن تكون الهزيمة نهاية الكلام، تصبح بداية لمرحلة جديدة من الوعي. وبدل أن تكون ذريعة للتخلّي عن الراديكالية، تصبح حافزا لتعميقها، لا كشعار، بل كفهم أشد تعقيدا للصراع. فالعالم الذي نواجهه اليوم لا يهزم بنوايا حسنة، ولا بشجاعة فردية، بل بعمل جماعي طويل النفس، يعرف أن الطريق مليء بالانكسارات… لكنه يرفض أن يجعل منها قدرا.
و إذا كانت الهزيمة قد أُعيد إنتاجها كحالة ذهنية، فإن الخوارزميات هي الأداة الأنجع لتحويلها إلى عزلة. فسلطة اليوم لا تحتاج إلى منع الاجتماع، بل إلى تفريغه من معناه. لا تحتاج إلى تفكيك التنظيم بالقوة، بل إلى جعل التنظيم يبدو غير ضروري، مرهقا، قديما، وغير مجد. هكذا تدار الإحباطات لا بالقمع المباشر، بل بالتشتيت الممنهج.
الخوارزمية لا تقول للناس: لا تناضلوا. بل تقول: اناضلوا فرادى. عبّروا، اغضبوا، اكتبوا، لكن كلّ على حدة، داخل فقاعة محكَمة، بلا تراكم، بلا ذاكرة مشتركة. إنها تخلق وهم الجماعة دون أن تمنحها شروط الوجود الفعلي. ضجيج كثيف يخفي فراغا سياسيا عميقا. «حين يتحوّل الغضب إلى تدفّق بلا اتجاه، يصبح غير مؤذ».
في هذا السياق، تفكّك الروابط واحدة تلو الأخرى. العامل لا يرى نفسه جزء من طبقة، بل ملفا شخصيا. المناضل لا يرى نفسه حلقة في سلسلة، بل صوتا يتنافس مع آلاف الأصوات. الهزيمة، هنا، لا تفرض كقمع، بل كإرهاق. إرهاق يجعل فكرة التنظيم نفسها عبئا نفسيا، لا أفقا للتحرّر. وهكذا تنتصر السلطة دون أن تطلق رصاصة.
لكن الأخطر من ذلك هو تحويل الخوارزميات إلى معيار للحقيقة. ما لا ينتشر لا يرى، وما لا يرى لا يحسب، وما لا يحسب يلغى. تختزل السياسة في عدد المشاهدات، وتقاس العدالة بسرعة التفاعل، ويختصر النضال في لحظة اهتمام عابرة. هذا المنطق لا يسطّح الفعل السياسي فقط، بل يفرغه من بعده الزمني. «الثورة تحتاج زمنا، بينما الخوارزمية تكره كل ما يتطلب صبرا».
هنا، يصبح التحدّي الحقيقي ليس فقط فضح هذا المنطق، بل تجاوزه عمليا. لأن نقد الخوارزميات من داخل منطقها لا يكفي. لا بدّ من استعادة ما تحاول سلبه: الجماعة، الذاكرة، والتنظيم. فالسلطة تعرف جيدا أن الفرد الغاضب أقل خطرا من الجماعة الواعية، وأن الغضب بلا أفق أقل تهديدا من الغضب المنظّم.
إعادة البناء تبدأ من إعادة الاعتبار للتجربة الجماعية. ليس بوصفها حنينا إلى أشكال قديمة، بل كضرورة سياسية. فالتنظيم ليس نقيض الحرية، بل شرطها. ليس جهازا بيروقراطيا، بل فضاء لتقاسم التجربة، لتحويل الغضب الفردي إلى قوة مشتركة. «لا تتحوّل المعاناة إلى سياسة إلا حين تجد لغة جماعية».
وهنا، تلعب الذاكرة دورا حاسما. الذاكرة ليست مجرد استحضار للماضي، بل أداة لفهم الحاضر وتخيّل المستقبل. السلطة تريدنا بلا ذاكرة لأن الذاكرة تظهر أن ما نعيشه تكرّر، وأن ما نواجهه واجهه آخرون، وأن الهزيمة ليست الأولى ولا الأخيرة. تنظيم الذاكرة هو شكل من أشكال التنظيم السياسي. إنه مقاومة للنسيان المدار.
إعادة البناء تعني أيضا استعادة المعنى العميق للالتزام. الالتزام ليس حماسة عابرة، ولا حضورا موسميا، بل استعداد لتحمّل الزمن الطويل للصراع. في عالم السرعة، يصبح الصبر الثوري فعلا راديكاليا. الصبر هنا ليس انتظارا سلبيا، بل عملا دؤوبا، بطيئا أحيانا، لكنه متراكم. «ما لا يتراكم يستنزف».
كما تعني إعادة البناء إعادة طرح السؤال الاستراتيجي، لا الهروب منه. كيف نربط النضالات؟ كيف نخرج من التجزئة؟ كيف نمنع تحويل كل معركة إلى جزيرة معزولة؟ هذه الأسئلة لا تجاب بشعارات، بل بعمل تنظيمي مرن، قادر على التعلم من أخطائه، دون أن يفقد بوصلته. فالخطر ليس في الخطأ، بل في تحويل الخطأ إلى ذريعة للتخلّي.
في هذا الإطار، لا يمكن فصل النضال ضد الخوارزميات عن النضال الاجتماعي الأشمل. فالتقنية ليست سلطة قائمة بذاتها، بل امتداد لعلاقات إنتاج غير عادلة. مقاومة الخوارزمية تعني مقاومة من يملكها، من يستفيد منها، ومن يوظّفها لإعادة إنتاج السيطرة. دون هذا الربط، يتحوّل النقد إلى أخلاق تقنية، لا إلى سياسة تحرّر.
إعادة فتح الأفق الثوري اليوم لا تعني وعدا بانتصار قريب، بل تعني كسر منطق «لا بديل». تعني إعادة الاعتبار لفكرة أن المستقبل ليس ملكا للسلطة وحدها. «الثورة ليست يقينا، لكنها تظل احتمالا يقاوم الإلغاء». وهذا الاحتمال لا يعيش في الفراغ، بل في التنظيم، في الذاكرة، في الجماعة التي ترفض أن تختزل إلى بيانات.
وهكذا، من داخل زمن الخوارزميات، يمكن إعادة اختراع المقاومة، لا كصورة مثالية، بل كممارسة عنيدة. مقاومة تعرف أن الخصم قوي، وأن الطريق طويل، لكنها ترفض أن تدار بالهزيمة، أو أن تحاصر بالعزلة. مقاومة تعيد للسياسة معناها الأساسي: الاشتباك مع الواقع من أجل تغييره، لا التكيّف معه.
فحين نقرأ تاريخ المقاومات الشعبية خارج الإطار الوطني الضيّق، تتكشف حقيقة جوهرية: الصراع لم يكن يوما محليا خالصا، بل كان دوما جزء من بنية عالمية غير متكافئة. ما اختلف هو الشكل، واللغة، ودرجة الوعي بهذه البنية. من هنا، لا يمكن فهم تشظّي اليسار اليوم دون تفكيك المسارات المختلفة التي سلكتها المقاومات في الجنوب والشمال، وكيف التقت أحيانا، وتباعدت غالبا.
في أمريكا اللاتينية، تشكّلت المقاومات في تماس مباشر مع الإمبريالية بوصفها حضورا حيا، لا مفهوما نظريا. الانقلابات، الديكتاتوريات العسكرية، النهب المنظّم للموارد، كلّها جعلت العدو واضح الملامح. هناك، ارتبط اليسار طويلا بفكرة السيادة، بالأرض، وبالكرامة الوطنية. لكن هذا الارتباط نفسه تحوّل، في لحظات معيّنة، إلى عبء حين اختزل التحرّر في الدولة، لا في المجتمع، وحين جرى استبدال التنظيم الشعبي بإدارة فوقية. ومع ذلك، ظلّت الذاكرة الحيّة للثورة، والقدرة على العودة إلى الشارع، عنصرين حاسمين في منع الإغلاق النهائي للأفق.
في الوطن العربي، اتخذت المقاومات مسارا أكثر تعقيدا. الاستعمار المباشر، ثم أنظمة ما بعد الاستقلال، خلقا طبقات متراكبة من القهر. تحرّر غير مكتمل، سيادة منقوصة، ودولة غالبا ما ورثت أدوات المستعمر بدل تفكيكها. هنا، ولدت حركات مقاومة جمعت بين الوطني والاجتماعي، لكنها تعثّرت مرارا في تحويل هذا الجمع إلى مشروع مستدام. اليسار العربي وجد نفسه ممزّقا بين معركة التحرّر الوطني، وصراع اجتماعي لم يحسم، وبين أنظمة رفعت شعارات التقدّم وهي تفرغها من مضمونها.
في إفريقيا، كان المشهد أكثر فجاجة. مقاومات عظيمة أطاحت بالاستعمار، لكنها واجهت لاحقا شكلا آخر من الهيمنة: التبعية الاقتصادية، والديون، وإعادة دمج القارّة في السوق العالمية كمصدر للمواد الخام واليد العاملة الرخيصة. هنا، بدا وكأن الاستقلال السياسي لم يترجم إلى تحرّر اجتماعي. كثير من الحركات الثورية أُنهكت، لا فقط بالقمع، بل بإعادة إنتاج منطق السلطة الذي كانت تقاومه. ومع ذلك، ظلّ الجنوب الإفريقي مختبرا دائما للمقاومة، حيث لا يزال الصراع على الأرض، والعمل، والكرامة، حيا.
أما أوروبا والغرب عموما، فقد سلكت مسارا مختلفا. هناك، لم يكن الاستعمار واقعا داخليا، بل مشروعا خارجيا. الدولة الاجتماعية، التي جاءت نتيجة نضالات عمالية طويلة، خلقت وهم التوازن. اليسار الغربي، في لحظات كثيرة، تحوّل من قوة تغيير إلى قوة إدارة. جرى استبدال الصراع الطبقي بالتوافق، والنقد الجذري بالإصلاح التقني. ومع نهاية الحرب الباردة، تآكل هذا النموذج، لكن دون أن يولد بديل راديكالي واضح. فكانت النتيجة يسارا مرتبكا، عاجزا عن فهم عالم لم يعد مركزه أوروبا.
من هنا، بدأ يتبلور منطق الشمال والجنوب، لا بوصفه تقسيما جغرافيا، بل كعلاقة قوة. الجنوب هو فضاء التراكم بالعنف، حيث تختبر السياسات النيوليبرالية بأقصى درجاتها. والشمال هو فضاء الإدارة، حيث تخفّف التناقضات دون حلّها. هذا المنطق أعاد ترتيب خرائط المقاومة: ما كان يعتبر هامشا صار مركزا للصراع، وما كان يقدّم كمركز للعقلانية السياسية صار عاجزا عن إنتاج أفق.
في قلب هذا كله، تقف الثورة الفلسطينية بوصفها مرآة كاشفة. ليست فقط قضية وطنية، بل تجربة تاريخية مكثّفة لكل تناقضات العصر. استعمار استيطاني، دعم إمبريالي غير مشروط، مقاومة شعبية طويلة النفس، وتشويه دائم للرواية. تاريخ الثورة الفلسطينية هو تاريخ تحوّل المقاومة من انتفاضة شعبية واسعة، إلى أشكال متعددة من الكفاح، تحت ضغط ميزان قوى عالمي مختلّ. وفي كل مرحلة، كانت فلسطين تفضح حدود النظام الدولي، ونفاق خطاب الحقوق، وزيف حياد الغرب.
غزة، في لحظتها الأخيرة، لم تكن مجرد جغرافيا محاصرة، بل كاشفا أخلاقيا وسياسيا. هناك، سقطت الأقنعة دفعة واحدة. انكشف منطق الشمال وهو يدير الموت ببرود تقني، ومنطق الجنوب وهو يترك ليقاوم وحده. لكن غزة كشفت أيضا شيئا آخر: أن المقاومة، مهما حوصرت، تظل قادرة على إعادة طرح السؤال الجوهري: من يملك الحق في الحياة؟ ومن يقرّر قيمة الإنسان؟
إدراج فلسطين في هذا التحليل ليس إضافة رمزية، بل ضرورة منهجية. لأنها تختصر الصراع بين عالمين: عالم يريد إغلاق التاريخ باسم القوة، وعالم يرفض الإغلاق باسم الكرامة. ولهذا، فإن كل قراءة لتاريخ المقاومات تتجاهل فلسطين، أو تحيّدها، هي قراءة ناقصة، مهما بدت متوازنة.
إن تشظّي اليسار العالمي اليوم لا يفهم فقط كأزمة تنظيم أو خطاب، بل كأزمة موقع. يسار لم يحسم موقعه من منطق الشمال والجنوب، من الإمبريالية، من الاستعمار الاستيطاني، محكوم عليه بالتيه. بينما أي محاولة لإعادة التأسيس تمرّ حتما عبر إعادة الاعتبار لهذه الجبهات، لا كقضايا تضامن، بل كخطوط تماس مركزية في الصراع العالمي.
هكذا، لا يعود تاريخ المقاومات أرشيفا للماضي، بل خريطة غير مكتملة للحاضر. خريطة تقول إن المستقبل لن يصاغ من مركز واحد، ولا بلغة واحدة، بل من تعدّد المقاومات التي تتقاطع، تتعلّم من بعضها، وتعيد تعريف اليسار بوصفه أفقا عالميا للتحرّر، لا ناديا فكريا مغلقا.
نحن اليوم نعيش لحظة انقلاب تاريخي صامت. عالم يتحرّك بسرعة تفوق قدرة الأطر القديمة على الفهم، وإمبريالية لم تعد بحاجة إلى خطاب أيديولوجي لتبرير ذاتها، لأنها صارت بنية كونية مكتملة: احتلال بلا حرج، قتل مدار تقنيا، شركات عابرة للقارات أقوى من الدول، ومؤسسات مالية تعيد هندسة المجتمعات باسم «الإصلاح». لقد أصبحت الإمبريالية أكثر أممية من أولئك الذين ادّعوا الأممية يوما.
في هذا العالم، لم تعد السيطرة تمارس فقط عبر الجيوش، بل عبر الديون، والتصنيفات الائتمانية، وسلاسل التوريد، والخوارزميات التي تقيس البشر بقدرتهم على الاستهلاك لا بقدرتهم على المقاومة. صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ليسا مؤسستين ماليتين محايدتين، بل ذراعين سياسيتين لإعادة إنتاج التبعية، وتجريد الشعوب من سيادتها الاقتصادية، وبالتالي من قدرتها على القرار.
أمام هذا المشهد، ما المطروح على اليسار؟
أولا، على المستوى الوطني:
لم يعد مقبولا يسار يكتفي بوصف المأساة أو إدارة الغضب. المطلوب يسار يعيد بناء نفسه داخل المجتمع، لا فوقه. يسار يفهم أن المسألة الاجتماعية لم تختف، بل تعمّقت، وأن الفقر، والبطالة، والهشاشة، ليست قضايا تقنية، بل نتائج مباشرة لمنظومة عالمية. يسار يخرج من الجزر التي تحنّط فيها: أحزاب مغلقة، نقابات معزولة، نخب تتحدث بلغة لا يسمعها أحد. المطلوب كسر هذه الحدود المصطنعة، وإعادة وصل ما فصل عمدا: السياسة بالمعيش اليومي.
ثانيا، على المستوى الإقليمي:
لم يعد الصراع قابلا للفهم داخل حدود الدولة–الأمة وحدها. ما يجري في بلد ما هو انعكاس لما يجري في محيطه. الإمبريالية تعمل إقليميا، عبر الأحلاف، والحروب بالوكالة، وإعادة ترتيب الخرائط. يسار يفكّر وطنيا فقط، سيهزم حتما. المطلوب أفق إقليمي جديد، لا يقوم على الشعارات الجوفاء، بل على ربط النضالات، تبادل الخبرات، وفهم العدو المشترك. فلسطين هنا ليست «قضية تضامن»، بل خط تماس مركزي يكشف طبيعة النظام العالمي، ويحدّد موقع كل قوة منه.
ثالثا، على المستوى العالمي:
إذا كانت الإمبريالية قد بنت أممية القتل والنهب، فلا خيار أمام اليسار سوى إعادة بناء أمميته، لا كذكرى تاريخية، بل كضرورة راهنة. أممية جديدة، لا مركز لها، ولا وصاية فيها، تنطلق من الجنوب، من ساحات المقاومة الفعلية، لا من صالونات التحليل. أممية تفهم أن العدو ليس ثقافيا ولا حضاريا، بل بنية اقتصادية–سياسية تنتج الاستغلال أينما حلّت.
لكن هذه المهام لا يمكن إنجازها بأدوات القرن العشرين.
الخوارزميات، التي استخدمت لإدارة الإحباط والتفتيت، يجب أن تستعاد كساحة صراع. لا بوهم الحياد التقني، بل بفهمها كأداة. يسار القرن الحادي والعشرين لا يهرب من التكنولوجيا، بل يطوّعها، يفضح منطقها، ويعيد توجيهها. يجعل منها وسيلة لتنظيم المعرفة، وربط النضالات، وكسر الاحتكار الإعلامي، لا مجرد منصة للتنفيس. هذا يتطلب مراجعة جذرية: في البنية، في الخطاب، وفي طرق العمل.
والخطاب، هنا، ليس مسألة ثانوية. اللغة التي لا تصل إلى الناس، لا تغيّر الواقع. يسار يتحدث بلغة متحفية، محمّلة بمصطلحات مغلقة، هو يسار يكتب لنفسه. المطلوب خطاب ملتصق بلغة الشعب، لا تبسيطيا ولا شعبويا، بل واضحا، حيّا، قادرا على تسمية الأشياء بأسمائها، وعلى ربط المعاناة اليومية بالبنية التي تنتجها. كسر الحدود بين «النظرية» و«الشارع» ليس تنازلا، بل استعادة لوظيفة السياسة.
ما يطلب من اليسار اليوم ليس إعلان النقاء، ولا ترديد الشعارات، بل شجاعة المراجعة. مراجعة الأفكار التي تحوّلت إلى أصنام، والأشكال التي فقدت وظيفتها، والعلاقات التي استنفدت معناها. مراجعة لا تعني القطع مع التاريخ، بل تحريره من الجمود. لأن الأفكار التي لا تتطوّر تموت، حتى لو كانت صحيحة يوما.
نحن أمام لحظة لا تسمح بالحياد ولا بالانتظار. إمّا يسار يواكب هذا العالم المتحرّك، يفهم تناقضاته، ويشتبك معها، أو يسار يتحوّل إلى شاهد على هزيمة طويلة. الإمبريالية لن تتوقّف، لأنها بلا ضمير ولا حدود. وحده تنظيم الغضب، توحيد النضالات، وإعادة بناء الأفق، يمكن أن يفتح كسرا في هذا المسار.
ليس المطلوب أملا ساذجا، بل موقفا.
وليس المطلوب يقينا، بل رهانا واعيا.
رهانا على أن هذا العالم، رغم كل ما يبدو عليه من إحكام، لا يزال قابلا للكسر… إذا وجد من يجرؤ على المحاولة.
و في الشان التونسي ، فلنكن واضحين بلا تجميل:
اليسار في تونس وفي الوطن العربي يقف اليوم على حافة فقدان المعنى، لا لأن أفكاره خاطئة، بل لأن علاقته بالزمن مختلّة. عالم يتغيّر بسرعة غير مسبوقة، وإمبريالية تعيد تنظيم نفسها بوقاحة وفعالية، بينما يسار واسع لا يزال يشتغل بأدوات مستهلكة، وخطاب منفصل، وتنظيمات تعيش على ذاكرة قديمة أكثر مما تعيش في واقع الناس.
الإمبريالية اليوم ليست تلك التي عرفناها في الكتب. هي شبكة عالمية: احتلال مباشر، وحصار، وإبادة، وفي الوقت نفسه ديون، وشروط «إصلاح»، وشركات عابرة للقارات، ومنصّات رقمية تعيد تشكيل الوعي. صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ليسا طرفين خارجيين، بل فاعلين مباشرين في السياسة الداخلية، في لقمة الخبز، في الأجور، في الخدمات، في معنى الدولة ذاتها. ومع ذلك، لا يزال جزء من اليسار يتعامل مع هذه الوقائع كخلفية، لا كجبهة صراع مركزية.
المطلوب من اليسار التونسي والعربي اليوم ليس الدفاع عن تاريخه، بل مساءلته. ليس التمترس خلف الشعارات، بل الخروج من الجزر التي تحنّط فيها:
جزيرة الحزب المغلق،
جزيرة النقابة المعزولة،
جزيرة المثقف الذي يخاطب مثقفا آخر،
وجزيرة الخطاب الذي لا يسمعه من يفترض أنهم معنيون به.
لا يسار بلا شعب، ولا سياسة بلا لغة يفهمها الناس. اللغة هنا ليست مسألة شكل، بل مسألة سلطة. حين نعجز عن تسمية الألم بلغة واضحة، نترك المجال مفتوحا لخطابات زائفة تملأ الفراغ. كسر الحاجز بين الفكر والشارع ليس تنازلا، بل عودة إلى الأصل.
في الإقليم، لا يمكن لليسار أن يظل حبيس الحدود الوطنية بينما تدار المعركة إقليميا. ما يجري في فلسطين، في السودان، في لبنان، في اليمن، وفي غيرها، ليس أحداثا منفصلة، بل فصول من صراع واحد. فلسطين، وغزة تحديدا، ليست اختبارا أخلاقيا فقط، بل اختبارا سياسيا: من لا يحدّد موقعه الواضح من الاستعمار الاستيطاني، والدعم الإمبريالي المطلق له، لا يمكنه الادعاء بأنه يسار.
وعالميا، لم يعد مقبولا يسار يكتفي بإدانة الإمبريالية لفظيا، بينما يعيش عمليا داخل منطقها. إذا كانت الإمبريالية قد صارت أممية في القتل والنهب، فإن أي يسار يبقى محليا في تفكيره محكوم عليه بالهزيمة. الأممية اليوم ليست جزئية نظرية، بل شرط بقاء سياسي.
ثم هناك سؤال العصر: الخوارزميات.
إما أن تبقى أداة لتفتيتنا، أو أن تصبح ساحة نضال. يسار يهرب من التكنولوجيا يسار يسلّم الوعي لخصومه. المطلوب ليس الاستخدام السطحي، بل الفهم، التفكيك، والتطويع: تحويل الفضاء الرقمي إلى أداة تنظيم، وتثقيف، وربط، لا إلى مسرح استعراض أو تنفيس.
كل هذا يفرض مراجعة شاملة:
مراجعة الأفكار التي تحوّلت إلى عقائد جامدة،
الأشكال التنظيمية التي لم تعد تنتج فعلا،
والخطاب الذي انفصل عن نبض المجتمع.
هذه المراجعة ليست ضعفا، بل شجاعة.
والتمسّك بما لم يعد صالحا ليس وفاء، بل هروبا من المسؤولية.
اليسار اليوم أمام خيار تاريخي:
إمّا أن يعيد بناء نفسه كقوة اشتباك مع هذا العالم المتوحّش،
أو أن يظل شاهدا مثقّفا على انتصارات خصومه.
لا أحد سيمنحنا وقتا إضافيا.
ولا أحد سيقاتل نيابة عنا.
هذا زمن الرهان، لا اليقين.
زمن الاختيار، لا الحياد.
إمّا يسار يجدد نفسه ويعود إلى الناس…
أو يسار يترك خارج حركة التاريخ، مهما كان صادق النوايا.
و بالتخصيص ،فاليسار التونسي كان ظهوره في قلب النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، ليس فقط كتيار سياسي، بل كفضاء اجتماعي يجمع بين الفكر الوطني والتحرّر الاجتماعي. كانت البداية متواضعة، لكنها حاضرة بقوة في الشارع، بين العائلات العاملة، والفلاحين، والطلاب. منطق اليسار في تلك الفترة كان بسيطا وواضحا: العدالة الاجتماعية ليست امتدادا للنقاش الفكري، بل ضرورة يومية.
خلال مرحلة ما بعد الاستقلال، تحوّل اليسار من قوة شعبية ناشطة إلى قوة تواجه اختبارات مزدوجة: أولها تحييد الدولة الجديدة، وثانيها مواجهة الانقلاب على المشروع الوطني من الداخل. ومع كل هذه الضغوط، نجح اليسار في فرض بعض المكاسب: القوانين الاجتماعية الأولى، تعزيز التعليم، العمل على رفع الوعي الطبقي، والتشبث بالخطاب الديمقراطي حين غاب في أحيان أخرى. لكن، لم تكن هناك أدوات كافية لتحويل هذه المكاسب الجزئية إلى مشروع مستدام يمتد إلى كل المجتمع.
في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، واجه اليسار التونسي أزمات داخلية حادة. التشتت التنظيمي، الخلافات الأيديولوجية، وانعزال بعض التيارات عن الشارع، خلق فجوات استغلها خصومه السياسيون. ومع ذلك، لم تتوقف مقاومة بعض الجماعات اليسارية عن النشاط الشعبي؛ ناضلوا في النقابات، الجامعات، والأحياء الشعبية، محافظين على ذاكرة نضالية حية، رغم محدودية الموارد والتضييق السياسي.
مع الثورة عام 2011، ظهر اليسار التونسي في مرحلة اختبار جديدة. كانت لحظة فريدة لإعادة صياغة المشهد، لكنها كشفت أيضا حدود اليسار: صعوبة ترجمة الخبرة التاريخية إلى أدوات فعّالة على الأرض، ضعف التعبئة المنظمة، وغياب رؤية استراتيجية واضحة. رغم ذلك، ساهم اليسار في حماية مكتسبات الثورة، في مواجهة المد الإسلامي السياسي، وفي دعم القوانين والحقوق المدنية والاجتماعية، محافظة على توازنه بين الممارسة اليومية والمشروع السياسي العام.
ما حققه اليسار التونسي عبر هذه المراحل ليس هينا:
لقد حافظ على شعور طبقي واجتماعي متصل بالشارع،
قدم خطابا واضحا للعدالة الاجتماعية والحقوق المدنية و كان الشهيد شكري بلعيد ايقونة في هذا المسار،
ونجح أحيانا في فضح السياسات السلطوية والفساد، حتى وإن لم تتحول هذه النجاحات إلى هيمنة سياسية.
لكن المطلوب منه اليوم أكبر وأعمق. ليس المطلوب فقط الدفاع عن مكتسبات الثورة، بل إعادة بناء مشروع سياسي قادر على:
ربط النضالات المحلية بالمستوى الإقليمي والعالمي، مع فهم منطق الشمال والجنوب، واستيعاب التهديدات الجديدة من الإمبريالية متعددة الأبعاد.
تطوير أدوات التنظيم بما يشمل التكنولوجيا والخوارزميات، لتكون أداة للتواصل مع الناس، لتنظيم الوعي، ولربط النضالات، لا وسيلة للتفتيت أو الإلهاء.
مراجعة الخطاب السياسي ليصبح لغة شعبية حية، متصلة بالمعيش اليومي، تخرج من التبسيط الزائف، ومن الجزر التي اعتاد بعض التيارات العيش فيها.
تجاوز الانقسامات الداخلية وتحويل الاختلافات الأيديولوجية إلى قوة، لا إلى سبب للشلل أو الانقسام الدائم.
تحويل الهزائم التاريخية إلى خبرة، لا إلى ذنب مستمر، مع استيعاب أن التراكم السياسي الطويل، وإن كان بطيئا، هو أداة فعّالة لمواجهة التحديات الحديثة.
اليوم، اليسار التونسي أمام امتحان مزدوج:
أولا، امتحان داخلي في قدرته على إعادة بناء نفسه، ليس كجسم تنظيمي فحسب، بل كأفق فكري وسياسي قادر على استيعاب واقع متغير بسرعة، وتحويله إلى فرص.
ثانيا، امتحان خارجي في قدرته على مواجهة خصومه المحليين والدوليين، من نظم السلطة التقليدية إلى الإمبريالية الحديثة، مرورا بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي تضرب العالم كله.
خلاصة المسألة: اليسار التونسي لم يختف، ولم ينته، لكنه مطالب اليوم بخطوة نوعية، خطوة تعيد له مركزه في التاريخ، لا بوصفه تابعا للمشهد، بل كفاعل قادر على تغييره. خطوة تعتمد على المراجعة الجذرية، التجديد المستمر، وفهم العصر كأرضية للسياسة الفعلية. لا مجال للانتظار، ولا مكان للحياد.
أيها الرفاق، أيها الحاضرون،
نقف اليوم على مفترق طريق لم تعرفه أجيال سابقة من نضال اليسار في تونس والعالم العربي. هذا المفترق ليس مجرد اختبار تنظيمي أو فكري، بل اختبار وجودي: هل سيظل اليسار شاهدا على التاريخ، أم سيصبح الفاعل الذي يعيد صياغة مجرى الأحداث؟
لقد قطعنا معا مسارا طويلا، من مقاومات الشعوب في أمريكا اللاتينية، إفريقيا، الوطن العربي، فلسطين، أوروبا، وحتى الشمال العالمي، إلى مقاوماتنا المحلية في تونس. شاهدنا كيف ناضلت الجماهير، وكيف تشكّل الوعي الاجتماعي، وكيف انهارت مشاريع سياسية بسبب قمع الإمبريالية الداخلية والخارجية، بسبب الهزائم، وأحيانا بسبب أخطاء داخلية. رأينا كيف صارت الإمبريالية اليوم أكثر أممية من أصحاب الأممية، أكثر فعالية في الاحتلال، في إدارة الفقر، في تحويل التكنولوجيا، الاقتصاد، والخوارزميات إلى أدوات للسيطرة.
في هذا العالم المتحرك بسرعة، لم يعد مقبولا أن يظل اليسار يعيش على أدوات وعقليات القرن العشرين. لم يعد كافيا أن نحافظ على شعارات الماضي، أو أن نكرر نقاشات ميتة. المطلوب إعادة بناء شاملة وجذرية: إعادة مراجعة كل شيء ، الأفكار، الخطاب، التنظيم، وحتى هويتنا.
أولا: الهوية ، من نحن؟
قبل كل شيء، على اليسار أن يعرف نفسه. ليس فقط بوصفه تيارا تاريخيا أو قوة سياسية، بل بوصفه فضاء شعبيا حيّا، مرتبطا بالناس، بالشارع، بالمعيش اليومي، وبكل مصالح الفئات الأكثر هشاشة. الهوية اليوم ليست مجرد أيديولوجيا أو شعار، بل وضوح موقف، وضوح أهداف، وضوح قيم.
من نحن؟ نحن الذين نرفض الهيمنة، نحن الذين نؤمن بالعدالة الاجتماعية، نحن الذين نربط تحرير الإنسان بالتحرير الوطني والإقليمي والعالمي. نحن الذين نضع الشعب في قلب السياسة، لا في هامشها. نحن الذين لا نخشى مواجهة الإمبريالية، مهما بلغت قوتها، لأننا نعرف أن قوتنا تكمن في التنظيم، في الوعي، وفي الصمود الجماعي.
ثانيا: مراجعة التنظيم وشكله
لا يمكن لليسار اليوم أن يواصل عمله بنفس الأطر القديمة: الأحزاب المغلقة، الهياكل البيروقراطية، الممارسات التقليدية، التكرار الرمزي. يجب إعادة صياغة التنظيم ليصبح متوافقا مع العصر، متحركا، قادرا على التفاعل مع الواقع الرقمي، ومتعدد المستويات. التنظيم اليوم ليس مجرد مكتب، أو اجتماع دوري، أو سلطة داخلية، بل شبكة حية تمتد من الحي، إلى النقابة، إلى الفضاء الرقمي، إلى المستوى الوطني، وربطا بالفضاء الإقليمي والعالمي.
ثالثا: مراجعة الخطاب وتطويره
الخطاب السياسي يجب أن يخرج من القوالب الجامدة واللغة المنفصلة عن الواقع. الخطاب يجب أن يكون ملتصقا بالشارع، حيا، قادرا على شرح المعاناة، تحليل السلطة، كشف الخصوم، وتقديم البديل بشكل واضح وعملي. أي خطاب يظل معزولا عن الناس هو خطاب ميت. علينا كسر كل الحواجز التي فصلت الفكر عن المجتمع، الفكر عن النضال اليومي، الفكر عن المشاعر الحقيقية للشعب.
رابعا: استغلال التكنولوجيا والخوارزميات كأدوات نضالية
الخوارزميات التي استخدمت لتفتيتنا وإضعافنا يجب أن نصنع منها سلاحا. ليس استهلاكا سطحيا، بل تطويرا واعيا للأدوات الرقمية: الربط بين النضالات، التحليل الجماعي، تنظيم المظاهرات، نشر الوعي، وتمكين الشعب من السيطرة على أدواته الخاصة. أي تأجيل أو تجاهل لهذه الحقيقة يعني تسليم الحقل الرقمي لأعدائنا، والسماح لهم بتشكيل وعي الأجيال القادمة دون تدخلنا.
خامسا: الربط بين المحلي والإقليمي والعالمي
اليسار الذي يركز فقط على البعد الوطني، أو يعزل نفسه داخل حدود الدولة، لا يفهم اللعبة. فلسطين، غزة، السودان، لبنان، كل هذه التجارب ليست حكايات عن الآخرين، بل خطوط تماس مباشرة مع واقعنا. علينا ربط كل نضال محلي بنضالات الشعوب الأخرى، وتعلم الدروس، وتبادل الخبرات، وفهم العدو المشترك. الأممية ليست فاصلة فكرية، بل شرط للبقاء السياسي والقدرة على الفعل.
أيها الرفاق، هذه المراجعات ليست خيارا، بل ضرورة للبقاء وللنجاح. كل ما سبق هو واجبنا الآن: الهوية، التنظيم، الخطاب، التكنولوجيا، الربط بين النضالات. كل تفريط في أي من هذه العناصر هو تفريط في المستقبل، هو السماح للخصم بالهيمنة علينا وعلى المجتمع.
اليوم، أمامنا فرصة تاريخية، لكنها تختبرنا بشدة. إمّا أن ننهض:
نعيد بناء اليسار كأفق شعبي حيّ،
نجعل التنظيم ديناميكيا ومتعدد المستويات،
نعيد صياغة الخطاب ليكون لغة الشعب،
نستثمر التكنولوجيا في خدمة النضال،
ونربط نضالاتنا الوطنية بالإقليمية والعالمية…
أو نترك الفراغ لأعدائنا، ونصبح مجرد شاهد على التاريخ، غير قادر على تغييره، غير قادر على حماية الشعب، غير قادر على إعادة الأمل.
القرار أمامكم الآن. الزمان لا ينتظر، الميدان لا يعيد التجارب، والشعب لن يقبل الباطل.
امسكوا أدواتكم، حددوا هويتكم، اربطوا نضالاتكم، وطوّعوا العالم لصالحكم قبل أن يسحب من تحت أقدامكم.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الدولة إلى الثورة: استعادة الماركسية وفق غابرييل روكهيل.
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ...
- السودان بعد العسكرة و الحرب الاهلية: الدولة المدنية كمسار ثو ...
- الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين: أممية الإرهاق وصياغ ...
- الإقطاع الحديث: بين انهيار الرأسمالية، تفكيك الدولة، وعزلة ا ...
- الثقافة الثورية: من المشاع الإنساني إلى الرقمنة والتحرر الجم ...
- من المصانع إلى الخوارزميات: الماركسية ترسم بياناتها
- الديموغرافيا بوصفها سياسة: الدولة، الجسد، والصراع الطبقي في ...
- مجلس السلام في غزّة الإمبريالية حين تدير الإبادة… والرأسمال ...
- الاتحاد بين زمنين: حين تتحول القيادة إلى عائق تاريخي
- أفق اليسار: من الأزمة إلى الفعل
- اليسار بين الانكسار والتاريخ: إما الوحدة الثورية أو النهاية
- الصراع الطبقي: من المشاع الى اليوم ،تاريخ يعاد كتابته بالنار ...
- دفاعا عن التّاريخ الثوري لا عن الاسماء....
- الاشتراكية: من المشاع الأول إلى العلم الثوري و الثورة الدائم ...
- الثورة حقّ لا يتطلّب ترخيصا
- الفاشية الشعبية: حين يصنع الخوف وعيا زائفا، وتصنع الجماهير ط ...
- بين الثورات المغدورة منها، والمسروقة، والمستمرّة: صراع الوعي ...
- الثورة التونسية: ثورة مستمر بين الشرارة الشعبية والالتفافات ...
- الهيمنة الفرنسية، الفرنكفونية، وإصلاح التعليم العالي والمراك ...


المزيد.....




- أوكرانيا تحذر من صفقات أمريكية روسية وتستعد لمحادثات جديدة
- لقاء مرتقب بين نتنياهو وترامب لبحث -ملف إيران-، وويتكوف من ط ...
- قتلى بانهيار جليدي بإيطاليا وعواصف قاسية تضرب إسبانيا والبرت ...
- مظاهرات في برلين وباريس تنديدا بالجرائم الإسرائيلية بغزة
- الدانمارك: موقفنا بات أقوى لكن أزمة غرينلاند لم تُحل بعد
- انتخابات مبكرة في اليابان.. وترجيحات بتعزيز موقع تاكايشي
- استقالة ناشر واشنطن بوست بعد أيام من تسريح ثلث موظفي الصحيفة ...
- لماذا أثار مقترح بإنشاء بنك للأنسجة البشرية والتبرع بالجلد ج ...
- أصفاد وطائرة خاصة: كواليس ترحيل فلسطينيين سرًا من الولايات ا ...
- ماهي اتفاقية خدمات النقل الجوي التي ألغتها الجزائر مع الإمار ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - اليسار في مواجهة الأممية القاتلة: من تشظّي التاريخ إلى بناء الهوية والنضال في القرن الحادي والعشرين.