أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً















المزيد.....



تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 02:49
المحور: الادب والفن
    


1
يتجولُ دارين مجدداً في شوارع مدينةٍ، عصيّة على النسيان، مدينة لا زالَ يأملُ بالعيش فيها، وذلك على الرغم من أنها طردته قبل أكثر من ثلاثة أعوام. وهذا الوقتُ من الربيع المتأخّر، المُحيل المدينة إلى فردوسٍ أرضيّ، يعززُ ذلك الأمل. الشمسُ فوقه على شيءٍ من السخونة، ويلفه برقّة النسيمُ العليل والنقيّ، المتعابث مع أغصان الأشجار وهامات الزهور وأطراف فساتين الحسان. قصرُ سلالة آل " بوند " الملكية، يرنو إلى الجوّال بعينيّ برجه المهيب. فيما برجا الكاتدرائية، يتعانقان في خيالٍ محموم. لقد أعادت هذه المدينة تكوينَ جوّالنا، مثلما يفعلُ المرممُ بتمثالٍ إغريقيّ أو رومانيّ. جبلته بأجوائها الماجنة، بوصفها " أوكسفورد الشمال الإسكندنافي "، حيث الطلبة من الجنسَيْن ينهلون من معين العلاقات الجسدية العابرة، يَدَعون ذكريات ليالي نهاية الأسبوع على شكل سراويل نسائية وواقيات ذكرية، مهملة في الدروب المتفرّعة عن مركز المدينة. ومع كونها مدينة قروسطية، فإن دروبها أفعوانية على شكل شَعر ميدوسا، وسائلها المنويّ المذخّر في تلك السراويل والواقيات، جرى إلى البحر ومنه ولدت أفروديت. إنه يسيرُ على وقع ذكريات ربع قرن، المدوّي في رأسه بنفس أثر وقع صنوج الفاتحين على رأس أنطونيو في عشيّة سقوط الإسكندرية، المخلّد في قصيدة كافافيس. لكن دارين عاجزٌ عن تأليف قصيدةٍ مماثلة، هوَ مَن تركَ الميدان الشعريّ مُبكراً، لكي يصولَ في ميدان السرد.. تركه لأشباه الشعراء ( أمثال زوج الثعالب وربيبهما الأعمى )، الذين شكّلوا هالاتٍ نورانية حول أسمائهم بفضل التنويع على قصائد الآخرين، وبفضل رصيد العلاقات العامة وطنين الإطراء والتملّق والمداهنة.
قبل بعض الوقت، كانَ قطارُهُ القادم من مدينة يافلي، قد دخلَ في رحم محطة مدينة الذكرى. هذه المحطة ذات العمارة الفخمة، المنتمية لطراز القرن التاسع عشر، قد جرى تجديدها جذرياً قبل نحو ثلاث سنين. النصبُ الإيروتكيّ، المُصمم من قبل النحات الكلاسيكيّ برور يورث، ما فتأ شاهراً قضيبه الضخم بوجه المسافرين، وكأنه يُرشدهم إلى أسرار مدينة الخطيئة. عند قاعدة ذلك النصب، ثمة موقف لسيارات الأجرة، تندلعُ منه دردشاتُ السائقين بلغاتٍ أجنبية مختلفة، متفاوتة الأهمية. صلاح، أحد الشقيقين المحظوظين، غادرَ طوعاً هذه المهنة، لكي يُدير استديو إحدى المحطات الكردستانية في ستوكهولم. هذا التحوّلُ الدراماتيكيّ، تحققَ بفضل فخري، الوفيّ لوجبات البيض المقليّ، التي غُذّي بها في مطبخ الشقيقين قبل حصوله على الإقامة. أحمي، استحوذَ أيضاً لمحطةٍ أخرى، ثمة في العاصمة، على برنامج حواريّ ثقافيّ؛ هوَ مَن دأبَ، فيما مضى، على معاداة إيديولوجية أصحابها. كل شيءٍ غير متوقّع أو غير مالوف، يُمكن أن يحدث في ستوكهولم العجوز وجارتها المتصابية، أوبسالا.
ما زالَ الوقتُ مبكراً لمتابعة الجولة، تغريه سماءٌ نيلية صافية، تتراقصُ فيها سحبٌ بلون زهر الكرز في هذا الأوان الربيعيّ. مياهُ النهر تفورُ بزَبدٍ حليبيّ، يحنّ لماضيه الثلجيّ. حنينٌ مماثل، وإن كانَ لماضٍ أكثرَ دفئاً، يدفعُ دارين لمراودة العديد من الأماكن في مدينة الذكرى. إلا أنّ صاحبه اللجوج، أبا عصفور، لا يكفّ بين فينةٍ وأخرى على إزعاجه برنين الهاتف الجوّال. أخيراً، ردّ على المكالمة: " سأكونُ عندك في خلال عشرين دقيقة ". هكذا خسرَ ذلك المقتّر، مبلغَ نصف كرونة ثمناً لمكالمة. وعندئذٍ كانَ المَسيرُ قد بُتر، وأضحى الجوّالُ عند موقف الحافلة، المتّجهة إلى غوتسوندا. ولكن، ربّاه!، مَن هوَ هذا المتشرّد، المكتسي بسترةٍ رثة، مدروزة طولاً من وسطها بخيوطٍ فظة، والذي لا يتورّع عن إلتقاط أعقاب السجائر من الأرض؟ إنه الخالُ الأصغر لأبي عصفور، وكانَ قد طرد مؤخراً من الخدمة في مسجد المدينة، عقبَ شكاوى متعددة عن لصوصيته علاوة على تدخينه الكيف حتى أثناء العمل. وهيَ ذي رائحة ذلك المخدّر، متآنسة مع رائحةٍ مقيتة تنز من جسده القذر وملابسه البالية. هذا المقتّر حدّ العته ـ شأن ابن أخته ـ كانَ قد ارسلَ لحيته الورعة مذ مستهل خدمته في المسجد قبلَ نحو عقدين من الأعوام. عشقه للمال، ابن الحرام!، المعادل لشراهته في تدخين الكيف، جعلَ ظهره محنياً، نتيجة تمرّسه في حمل الرجال المسنين في خلال طقوس حجّ البيت الحرام. معارفه، المنتمون لبلدته الأولى، يُقسمون على أنه يمتلك عدة ملايين كرونات، اكتنزها في مكانٍ ما. وأين سيكنزُ ماله، هذا اللوطيّ، إن لم يكن في غابة أو مقبرة. لقد سبقَ أن اقترنَ بأضخم مؤخرة في المدينة: فتاة سويدية مسكينة، مدمنة على الهيرويين، كانَ يمدّها بالمخدّر قبل أن يتزوجها ويستولدها ثلاثة أطفال. كإبن شقيقته أيضاً، شاءَ التكاثرَ أملاً بزيادة استثماراته. فلما طردته تلك المرأة، فإنه لم يعُد يرغبُ حتى برؤية أولاده.
" أعتقدُ أننا ذاهبان للمكان نفسه؟ "، قالَ المتشرد مُكشّراً عن أسنان صفر متآكلة. كانت رائحته لا تطاق، بحيث أنّ من حوله توغلوا في الحافلة بعيداً عنه. بقيَ دارين متحمّلاً هذا الشقاء دقائقَ عديدة، إلا أن فرغ كرسيّ بجواره. عندئذٍ دعا الآخرَ للجلوس، فيما هوَ هربَ بدَوره إلى أمام. تبيّن فعلاً أنّ ذلك المخلوق في سبيله لزيارة ابن أخته، وقد انتظرَ دارين إلى أن نزلَ في الموقف المقصود. هكذا استقبلهما أبو عصفور، بسحنته المألوفة، المتكدّرة والممتعضة. هذا الأخير، كانَ من المفترض أنه يعيشُ متوحّداً منذ نحو عامين، بعدما حصلت عزة على الطلاق. إلا أنه استغل بمهارة أزمةَ السكن، التي عصفت بأوبسالا آنئذٍ، بأن راحَ يؤجّر حجرتيّ النوم في شقته، بينما هوَ قنعَ بالنوم على أريكة الصالة. كانَ من الممكن أن يتعفّن في هذه الشقة، أو أن يقضي جوعاً، لولا أنّ المستأجرين تعهّدوا شراء ما يلزم من حاجياتٍ وأغذية. عاماً وراءَ عام، كانَ " يوظّفُ " بعضَ أولئك المستأجرين للعمل معه بصفة المرافق الصحيّ، وذلك بالإتفاق مع التأمينات الإجتماعية. هكذا كانَ يُقنعهم، فيما هوَ يعيش على حساب كلّ منهم. ففي حقيقة الأمر، أنها خالته المقيمة في ستوكهولم، الموظفة فعلاً معه، والتي كانت تقاسمه الراتبَ طالما أنها لا تخدمه بحالٍ من الأحوال. شهراً بعد الآخر، كانَ يَعِدُ أحدَ أولئك المخدوعين بالحصول على الراتب، فما أن يتدبّرَ بديلاً له حتى يطرده ببساطة ويُسر: " ألا يكفيك، يا عديمَ الوفاء، أنني كنتُ آويك في شقتي، مجاناً؟ "، كان يقول له وهوَ يهز عصاه في وجهه.
بل إنّ أبا عصفور، لم يتورّع حتى عن استغلال أحد أبناء عمومته بنفس الطريقة. ابن العم هذا، ويدعى " مستي "، كانَ يقيمُ في موسكو عقبَ زواجه من امرأة روسية وإنهائه دراسة الطب. على سبيل المعروف وصلة الرحم، سعى مستي في المستشفى، أين يعمل، لتدبير منحة طبية لقريبه شبه الضرير، تتضمنُ إجراء عملية جراحية لشبكية العين. وقد سافرَ أبو عصفور، بالرغم من شكّه بنجاح العملية. فإنه كانَ محروماً من الجنس منذ عامين، لدرجة أن يستمني نفسه في الحمّام أو في إيلاج وسائد السرير. فلا غرو، وبمجرد وصوله لموسكو، أن يطلب من مستي الإتصالَ بمكتبٍ لتأجير المومسات. استهولَ المبلغَ المطلوب منه لأجل إفراغ شهوته، فشكّ أن قريبه قد حصلَ على كومسيون. وما فاقمَ من نقمته، أن العملية أخفقت بشكلٍ كليّ. فلما عادَ إلى وكره، وبما أنّ " الفلاح لا ينسى ثأره "، فإنه فكّرَ بطريقةٍ يعوّض فيها ماله المهدور. كون الظروف حليفته، كمألوف العادة، تكلل سعيه بالنجاح تقريباً. ففي الأثناء، كانَ الربيعُ العربيّ في ذروة اشتعاله، وقد انضمَ إليه شعبُ سورية أخيراً. عند ذلك، اتصل باين العم، مزيّناً له الأوضاعَ في السويد: " وبكل الأحوال، فإنهم غدوا هنا يمنحونَ اللجوءَ للسوريين بشكلٍ تلقائيّ ". وقد تمكّنَ مستي من إيصال نفسه إلى السويد، مؤملاً أن تلتحق به عائلته بحسَب قانون لم الشمل. بقيَ مقيماً عند ابن عمه عدة أشهر، بصفة المرافق الطبيّ، ودونما تلقي أي أجر بطبيعة الحال. حتى أنه أنفق أيضاً من ماله على ذلك المقتّر الجائع. لما فاضَ الحالُ بمستي، وتكررَ إلحاحه بشأن رواتب الشهر المستحقة، انتهى به الأمرُ إلى الطرد من الشقة مع لكمةٍ شديدة على وجهه من قبضة المُضيف الكريم.
أحد أولئك المرافقين الصوريين، كانَ أثناء زيارة دارين ما يني في الوظيفة السامية منذ ثلاثة أشهر. لقد سبقَ له، " برهان " هذا، أن استدانَ من أبي عصفور مبلغاً جسيماً من المال ( طبعاً بطريقة الربا )، لكي يؤمّن من خلاله الوصولَ إلى السويد. وإذاً اضطرَ الدائنُ أن يستبقيه لديه كمرافقٍ صحيّ، لحين ضمان تسديد ما عليه من مال. فضلاً عن عمل الرجل مجاناً، فإن أبا عصفور كانَ يستولي أيضاً على راتبه الضئيل، الممنوح من جانب السوسيال. المستأجر، " حسّي "، المقيم في الغرفة الأخرى، ما عتمَ أن خرجَ منها كي يُحيي الضيفين. كانَ فتىً رقيقَ البدن، يُعاني من عقدة اغتصابه في السجن حينما كانَ بعدُ في اليونان. ويبدو أن المؤجّر، بصفته كنمّام عريق، استغل هذا السرّ، لكي يبتز الضحية على أكمل وجه. فإنه دعا دارين للحال إلى المطبخ، مخلّفاً علامات استياء على ملامح الخال. فما أن أنفرد بصديقه، إلا وراحَ يقصّ بجذل تفاصيلَ حكاية الإغتصاب. " مسكين حسّي، لولا شفقتي عليه كانَ قد ضاعَ! "، أختتم حديثه وهوَ يتلوّى ألماً وتأثّراً. فتحَ البابُ، لتظهر سحنة اللوطيّ. بما أنه معتادٌ على الطرد من جميع المجالس إلا مجلس الحشيش، فإنه بقيَ واقفاً عند الباب. رائحته الكريهة، سبقَ أن زكمت جدرانَ الشقة؛ فلا تسلْ عن حال ساكنيها، باستثناء ابن الأخت بالطبع. زمجرَ الخالُ مُخاطباً هذا الأخير: " عليك أن تتكلم مع صديقك قهرمان، لأنه أنذرني بإخلاء الشقة في خلال يومين "
" هوَ ليسَ صاحب الشقة، ليعطي نفسه هذا الحق "، قال لخاله فيما كانَ يعبثُ بفتحة أنفه. ثم استطردَ: " على أيّ حال، أتوقع أن يأتي الآنَ. فلا أرغبُ في رؤيتكما تتصارعان، هنا في بيتي ". فهمَ اللوطيّ أنه غير مرحّبٍ به في بيت ابن أخته، فردّ عليه بالقول: " إذاً عليك أن تبلغه بنفسك ، أنه ليسَ صاحب الأمر ". ولكنه بدلاً عن الذهاب، تقدّم من البرّاد وفتحَ بابه: " ألا أجدُ هنا حبّة طماطم أو تفاح، كرمى لخالك؟ "، قالها وهوَ يفحّ هذه المرة. ثم وضعَ ثمرة تفاح بين أنيابه، ودسّ أخرى في جيب سترته. بمجرد ذهاب الخال، أشرعَ دارينُ النافذة و قد كادَ الغثيانُ يسبب له الدوّار. سأله المُضيف: " هل ذهبَ خالي؟ ". ثم أردفَ، بنبرةٍ كلها شفقة: " إته إنسانٌ مسكين! ". عادَ واستأنفَ الكلامَ في صرامة: " سأوبّخ قهرمان حالما أقابله، كونه بذلك التصرّف إنما يُسيء إليّ وليسَ فقط لخالي ".

2
قهرمان، كانَ العشيقَ الأول لعزة. على الأقل، لو كانَ الأمرُ يتعلق بالوطن. ملامحه، كانت تشي بصدق والده حينَ زعمَ أنهم بالأصل من قبيلةٍ سلجوقية، ذابت منذ القِدَم في محيطها الكرديّ. لقد أعجبت عزة بجسمه الرياضيّ، وأيضاً بما يتّسم به من بساطة وطيبة. قالت فيما بعد لدارين، ربما بشيءٍ من مبالغة تعبّر عن هوَسها الجنسيّ: " حالما وَضَعَ قهرمان يده على كتفي، فإنني أنزلتُ سروالي الداخليّ ". كونها آنذاك، مُسيطرة تماماً على رجلها، فإنها طلبتُ منه مساعدة عشيقها في الوصول إلى السويد. أبو عصفور، كانَ يُدرك كل شيءٍ منذ البداية. شأن مسلكه مع دارين، ولمنفعته الشخصيّة دائماً، فتحَ بنفسه رجليّ زوجته لهذا الصديق الجديد. إنما الآنَ، مع هذا العشيق، فإنه فعلَ ذلك لكي يرضي نزوتها ويتجنب غضبتها الضروس. المالُ، من ناحية أخرى، كانت هيَ الوحيدة مَن يَعرف مكانَ كَنزِهِ. ولو رفضَ مساعدة عشيقها، فإنها ستفرّ بالمال معه.
فيما بعد أيضاً، ثمة في السويد، أخذت تلاعبُ طليقها على حبالها كما يفعل معلّمُ السيرك بوحشٍ مُدجّن. ذو القرنين، المُعاني من تصرفات طليقته، كانَ يرددُ كلّ مرةٍ أمام دارين: " الحق عليّ أنا، كوني بلا ناموس.. بلا ناموس! ". عندئذٍ، تذكّرَ دارين كيفَ كانَ صديقه متفرعناً على امرأته، يضربها لأتفه الأسباب. فإنها حتى في ليلة رأس السنة، لم تسلم من بطشه. ففي تلك الليلة، طلبَ منها أن تضع فيديو حفل عرسهما، لكي يراه دارين. " الحفل "، كانَ مقتصراً على عائلتيّ العروسين ولم يكن هناك أيّ مدعو. بالرغم من أنّ جهاز تسجيل كانَ يُذيع أغانٍ كردية، فإن حالة من الكآبة كانت تلفّ الحفل. ربما باستثناء خال العريس، وكانَ مبتلٍ بخفة العقل مذ طفولته، والذي رقصَ طوال الوقت.
على الأثر، شاءت عزة إطلاع الضيف على فيديو آخر، تضمّنَ حفل عرس إحدى شقيقاتها؛ وكأنما فعلت ذلك على سبيل المقارنة. الفيديو، سجّل أولاً إنطلاق موكب كبير للعروس وأقاربها، إنتهاءً بمدينة العريس. الحفل، حضره عددٌ كبير من المدعوين، الكثير منهم أغدقوا المالَ على العروسين ـ كما هيَ عادةُ أهل الريف. كذلك، أحيى الحفلَ مطربٌ محليّ مشهور مع فرقته. تعقيباً على عرض الفيديو الآخر، قال أبو عصفور لإمرأته بصوتٍ كامد: " أهلك رقصوا في عرس شقيقتك، لكنهم أمتنعوا عن ذلك في عرسنا "
" عرسنا! هل تسمّي ذلك عُرساً، بالمقارنة مع عُرس شقيقتي؟ "، ردّت عزة بجسارةٍ غير معهودة. عند ذلك، انتفضَ أبو عصفور: " لم يكن عُرساً؟ فماذا كانَ إذاً، يا امرأة؟ ". قالها، ثم انثتى بصفعةٍ شديدة على وجهها.
وإذاً، عقبَ عودتها مع الأسرة إلى السويد، أضحت عزة في غاية التوتر والعصبية فيما كانت تنتظرُ وصولَ عشيقها، الذي كانَ قد غادرَ الوطن إلى تركيا. في البداية، حينما عادوا، كانَ ثمة مشكلة مستعصية يتوجّب حلها. إنه ذلك المستأجر السويديّ، الذي قامَ بفرش الشقة بأثاث جديد ومُعتبر، رامياً القديمَ البالي في حجرة المستودع. ويلوحُ أنّ الرجلَ أبصرَ، خِلَل العين السحرية، هذا القطيعَ الطارئ، فامتنع عن فتح الباب. عند ذلك، وبإيعاز من رجلها، دسّت عزة المفتاحَ بثقب الباب وفتحته. صرخَ الرجلُ، فيما يرى إندفاعَ الزوجين وأطفالهما الثلاثة: " ليسَ لكم الحق بالإقامة هنا، كوني دفعتُ لنالين منذ أربعة أشهر، مُجدداً، إيجارَ سنة كاملة ". نطق بذلك التحذير، لأن عزة أدخلت أولادها إلى حجرتهم وأوصدت البابَ. قال له أبو عصفور، وهوَ مُتكئ على عصاه يتحسّسُ بحنوّ جلدَ الأريكة: " أنا أجّرتك حجرتيّ نوم، وليسَ الصالون! "
" ما هذا الكلام الغريب؟ أنا مستأجرٌ الشقة كلها، وأنتَ بنفسك أكّدت لي منذ البداية أنك ستستقرّ في بلدك عقبَ نيلك معاش التقاعد المَرَضيّ "، قال الرجلُ. قبل أن يفتح الآخرُ قمه، إذا عزة تخرجُ من الحجرة كعاصفة، صارخة: " كل أثاثنا قد أختفى ". أوضحَ لها المستأجرُ عندئذٍ، بنبرةٍ هادئة: " أثاثكم نقلته لحجرة المستودع ". فبترَ أبو عصفور كلامَ الرجل، صارخاً بدَوره: " بأيّ حق تفعل ذلك؟ ". ثم وجّه كلامه لإمرأته بالسويدية: " إذهبي وأنظري إلى الأثاث في المستودع، لعل قطعه قد تهشمت أو نسيجه قد تهتّك! ".
قالت عزة لدارين، لما وصلت روايتها لهذا الحد: " كدّتُ أن أنفجر بالضحك، لما تكلّم عن أثاثنا. فإنه كما تعلم، لا يليق حتى بالبهائم ". ثم تابعت السردَ، بنبرة تعبّر عن الإشمئزاز والشفقة معاً. فإن ذلك الرجل السويديّ، رضيَ بوجود الأسرة في الصالون ريثما يجدُ شقة أخرى. لكنه طالبَ باسترداد أجرة الثمانية أشهر، التي دفعها للخالة سلفاً. وقد وعده أبو عصفور، حينما ردّ بنبرةٍ معتدّة: " خالتي في مهمّة بالجزائر، لصالح الصليب الأحمر السويديّ. حالما تعودُ، فبوسعكما التفاهم بشأن الإيجار ". هكذا افترشت الأسرةُ أرضَ الصالة، حرصاً على أثاث الرجل. فإنّ أبا عصفور، حالما أخبرته امرأته أنّ الأثاثَ في غاية البذخ والجدّة، بدأ يُخطط حالاً للإستيلاء عليه ـ كغنيمة حرب.
وقالت عزة لدارين، بنفس النبرة السالفة: " مراتٌ عديدة، خرجَ الرجلُ الغريبُ من حجرته، متّجهاً للحمّام، فيما أنا وزوجي عاريان تماماً". ذكّرها دارين عندئذٍ، كيفَ كانَ الحالُ مشابهاً حينما كانَ بضيافتهم. فعلّقت عزة، وهيَ تقرصُ ذراعه: " كنتُ أتعمّدُ إبقاء البابَ موارباً، لكي ترى بنفسك كيف كنتُ أغتصب بوحشية ".
عزة، كانت إذاً تنتظرُ مجيء عشيقها، وهيَ تتقلّبُ كل يومٍ على جمر الغضا. وهذا زوجها، ذات يوم، يتلقى مكالمة على الهاتف الأرضيّ. في البدء، كانَ صوته يختنق، ثم أخذ بالإرتفاع شيئاً فشيئاً حتى إنقلبَ إلى صراخ: " أقولُ لكِ أننا خمسة أنفار ننامُ في الصالة، فلِمَ لا ترسلونها إلى شقيقها الآخر، وهوَ لديه فيلا من دورَيْن؟ ". صمتَ لحظاتٍ، ثم وضع سماعة الهاتف في مكانها. قبل أن تسأله عزة، بادرَ هوَ يخبرها بجليّة الأمر: " خالتي رندة، أنذرها داوود بأنه سيمسكها من شعرها ويرميها إلى الشارع لو عادَ مساءً من المحل ووجدها ما زالت في بيته. السافلُ المأفون! لقد أخبرها، فوق ذلك، أنّ مرضها عصيّ على الشفاء وهوَ لا يرغبً أن تموتَ في بيته "
" وشقيقتها نالين، ألم تعًد بعدُ من الجزائر؟ "
" لا، لم تعُد. الحقيقة، أن أحداً من أشقاء خالتي رندة لا يريدها في بيته "
" وأنتَ، ماذا ترى؟ "
" لو لم يكن لديكِ مانعٌ، سأخابرهم مجدداً، لكي يأتون بها إلينا "
" ولكن أنتَ قلت لهم قبل قليل، كيفَ هوَ وضعنا؟ "
" اسمعي ما أفكّر فيه، وأنتِ قرري: لو أنها ماتت في بيتنا، فكل مصاغها سيكونُ من نصيبنا "، قال ذلك فيما يُخرج طرفَ لسانه كما يفعل الضبعُ إزاء فريسةٍ سهلة. وكانَ جوابُ عزة ( بحَسَب قولها لدارين )، أنها بصقت في إشمئزاز بوجهه. وقالت أيضاً، أنه لم يتأثّر بقدر ما فوجئ بردّة فعلها. ولكنه ما لبثَ أن أجهشَ ببكاءٍ متكلّف، قائلاً بصوتٍ ضارع: " والله أنا ما أقترحتُ ذلك، إلا من خشيتي على خالتي المسكينة لو أنك أيضاً رفضتِ إستقبالها في بيتنا! ". على أيّ حال، عزة رحّبت بالخالة المريضة والمنبوذة.
تبيّنَ أن الخالة رندة، المعانية من سرطانٍ متأخّر، أصابها العتهُ بعدما صدمها داوود بحقيقة حالتها الصحية. لقد سبق أن رفضوا تقديم العلاج لها في المستشفى، كونها حصلت على قرارٍ قطعيّ من إدارة الهجرة بترحيلها من السويد. هكذا أمضت نحوَ ثلاثة أسابيع في ضيافة ابن شقيقتها. وكانت في خلال تلك الفترة، تقفُ في صف عزة كلما اشتبكت هذه مع رجلها في مجادلاتٍ مألوفة، عقيمة. إلى الأخير، ومع إحساسها بدنو أجلها، أصرّت الخالة أن ترجع إلى عائلتها في الوطن. وهذا ما تمّ، بعدما قامت السلطات بتأمين تذكرة سفر عودتها. مضى قرابة الشهر، قبل أن يسمعوا خبرَ موتها.
ذلك المستأجرُ السويديّ، حاولَ في بادئ الأمر أن يكون لطيفاً مع معشر الهمج، الذين اقتحموا حياته دونَ سابق إنذار. كانَ يجتازُ الصراخَ المجنون للأطفال ووالديهم، وهوَ في طريقه إلى الشرفة لتدخين سيجارة. وهناك، يتعثّر أيضاً بأقمطة مليئة ببراز آخر العنقود. عقبَ حلول الخالة المريضة، ونوباتها العصبية المتكررة، أضحى وجودُ المستأجر في الشارع ضرورياً، لكي يتجنّب كل تلك " العصفورية ". صارَ يدخنُ في الشارع، وفيه أيضاً يشربُ جلّ زجاجة النبيذ قبل وصولها للبيت. إلى أن قررَ، أخيراً، التضحية بإيجار الأشهر، التي دفعها سلفاً لنالين. وكانوا جميعاً، بمن فيهم الأطفال، يترقبون بفارغ الصبر أن ينطقَ هكذا قرار. قال للمؤجّر بنبرته الودودة، الهادئة: " أدركُ جيداً أنّ وضعكم صعبٌ جداً، بالأخص مع استقرار تلك المرأة في كنفكم. ولذلك سأنتقلُ للإقامة مؤقتاً لدى شقيقتي، وحينما أعثر على شقة أعودُ وأنقلُ الأثاثَ والأشياءَ الأخرى، التي تخصّني ". بعد نحو شهرين، وكانَ المنزلُ لا يني في حالة حِداد على الخالة، رنّ أحدهم جرسَ الباب. نظرت عزة في العين السحرية، وما لبثت أن تراجعت لتقول لرجلها: " إنه هوَ! ". لقد أعلمها مُسبقاً بتدبيره، الرامي للإستيلاء على أغراض الرجل جميعاً. في هذه المرة، لم تبصق بوجهه؛ وإنما اندفعت من سعادتها، لتغنّي لطفلها الرضيع. مع تكرار رنين الباب، نهضَ أبو عصفور من مكانه ببطء. فتحَ من ثم الباب بشكلٍ موارب: " ماذا تريدُ، يا هذا؟ "
" أريدُ أثاثي وحاجاتي الأخرى، لأنني أحضرتُ سيارة.. "
" ذلك الأثاث، أنا إعتبره تعويضاً لأثاث بيتي، الذي تهشّمَ بسببك! "، قاطعه أبو عصفور بنبرةٍ قوية ثم حاولَ إغلاقَ الباب. لكن الرجلَ كانَ يمسكُ بقبضة الباب، ما جعلَ صوته يَصدى في كل الشقة ذات الحجرات الثلاث: " أنا ذاهبٌ فوراً لإبلاغ البوليس، أيها اللص الوضيع ". على الأثر، انصفقَ البابُ يعنف. لقد ذهبَ الرجلُ، على ما يبدو، لتنفيذ وعيده. قال أبو عصفور لإمرأته، وكانَ ما إنفكّ يرتعشُ: " إذا جاء البوليسُ، فأنتِ خذي الأولاد إلى حجرتهم. أنا سأتولى التفاهمَ معهم "
" ألا يُمكن أن يكون محتفظاً بفواتير أغراضه؟ "
" لايهم، سأقولُ أنني سبقَ واشتريتهم منه نقداً! "، أجابها بثقةٍ يشوبها شيءٌ من القلق. والضبعُ ينتابه هكذا شعورٌ، حينما يسرقُ بيُسر فريسةً اصطادها الفهدُ بعناءٍ بالغ.

3
قبل ذلك بنحو خمس سنين، حدثَ أمرٌ بالغ الأهمية في مكانٍ آخر من الكرة الأرضية. ويلوحُ أنّ الأحداث المزعجة في الوطن، لا بد أن تقعَ وأن يتأثرَ بها معشرُ المهاجرين. مباراة رياضية، تخللها شغبُ جمهورٍ حاقدٍ على الكرد، وذلك على خلفية سقوط النظام العراقي. الشغبُ تحوّل في اليوم التالي إلى مأساة، حينما فتحَ رجالٌ الأمن النار على مشيعين الضحايا، ليُضافوا إلى ضحايا يوم الأمس. ذلك الأرعنُ، الوارث عن أبيه المزرعة السورية، هداه عقله القاصر إلى نقل كرة النار من أثنية إلى أخرى، علّهم جميعاً يشعرون بالخطر؛ وأنه هوَ وحده القادر على حمايتهم: بدأ بتحريض بدو حوران على دروزها؛ ثم بإشعال نار الفتنة بين العلويين والإسماعيليين؛ لتصل كرة النار أخيراً إلى الكرد وجيرانهم أعراب الجزيرة.
هكذا باتَ جوّ المجتمع الكرديّ في أوبسالا، مختنقاً بالقهر والغضب. وهذا كانَ حالُ المدن الأخرى، فنظمت المظاهرات والإعتصامات والإضرابات عن الطعام. هذه الفعاليات، كان تنظيمُ معيّن، بصفته كتلة متماسكة من متشددين قومياً ويسارياً، خبيراً بها. ويُعزى لأنصاره تسميمُ جوّ الوطن بالمزيد من العنصرية، لقيامهم هناك بحرق المؤسسات العامة. كذلك في أوربا، أنزلوا العلمَ الرسميّ من على مباني السفارات ورفعوا العلمَ الكرديّ بمكانه. كثيرون كانوا ينظرون دائماً إلى هذا التنظيم كما لو أنه جمعية ماسونية، تتألف من مجموعة داخلية، مؤمنة بشدّة بأفكار الزعيم، تساندها مجموعة أقل أهمية ممن يُدعون بالكادر. إلى جمهور العامّة، المؤلّفين خصوصاً من حثالة البروليتاريا. شيوعيّ مخضرم، فر إلى باريس مع بدء ثورة جديدة ضد النظام، أطلق على هذه الفئة الأخيرة " البويجية "؛ ليغدو منذئذٍ نعتٌ يشمل الكردَ بشكلٍ عام، سواءً كانوا تحت حكم سلطة عربية أو تركية أو فارسية.
أحمي، مثلما سبق القول، إنما في فضائية ذلك التنظيم، باتَ يعملُ كمقدّم لبرنامج حواريّ ثقافيّ. ثم عُهدَ إليه أمرُ تأسيس إتحادٍ يجمعُ أكبر عدد ممكن من المثقفين، لكي يصبحوا أداة تأثير فعّال لصالح التنظيم. هكذا دعا إلى مؤتمر لأولئك الرهط، تم عقده في بلدة تقع إلى الشمال من أوبسالا. على الرغم من تحفظاته، فإن دارين وافقَ على الإشتراك بالمؤتمر. هذا كانَ أيضاً رأيُ زورو وصلاح، الذين كانا يسعيان للإعتراف العام بموهبتهما الشعرية. الأول، كانَ آنذاك قد سفّر عائلته إلى بريطانيا، فيما هوَ تأخّر لبضعة أشهر كي يُنهي عقدَ عملٍ إلتزم به. فقام بتأجير شقته، المكوّنة من دورَيْن، إلى أسرة تلك المرأة اللئيمة، التي عرفناها بلقب " ثمرة الباذنجان العفنة ". مع أنه أختصّ لنفسه حجرةً في بيته، لكنه كانَ شبه مقيمٍ عند دارين. أحياناً، وهذا أمرٌ ليسَ بذي أهمية، يأتي من مكان عمله بعلبة سمنة سائلة، فيفرغها في طبخة واحدة، لكي لا يستفيد صديقه منها في تالي الأيام. لقد كانَ يعملُ في مستودع ضخم، متخصص بتوزيع الأغذية للمحلات الشرقية في المدينة. حينما دعا دارين إلى بيته، أخيراً، أطعمه على الغداء طبقاً من البيض المقليّ. وقد أصرّ عليه أن ينام عنده، ثمة في الصالة، كون الأسرة المستأجرة عرينها في الدور العلويّ. آنذاك، كانَ ربّ الأسرة وابنه وحيدَيْن بالبيت، بالنظر لسفر الزوجة والابنة إلى تركيا. في ساعةٍ مبكرة من صباح اليوم التالي، أفاق دارين على صراخ منبعثٍ من الدور العلويّ. خرجَ أيضاً زورو من مكمنه، ليرى ما دهى. الأب، هوَ مَن كانَ يصرخُ على ابنه. فما لبثت صديقة هذا الأخير، وهيَ فتاة سويدية حدثة السنّ، أن غادرت المنزل على عجل. سأل المُضيف صديقَهُ، عن لغز هذه الجلبة، فأجابَ بعد وهلة تفكير: " هناك أكثر من إحتمال، الأول أن يكون الأبُ فوجئ بابنه خارجاً من الحمّام وهوَ عارٍ ومنتعظُ الأير. أما الإحتمال الثاني، فهوَ أن الابنُ قد فاجأ أباه وهوَ يتلصصُ من شق الباب على عري صديقته النائمة ويستمني نفسه ". أغرق زورو بالضحك، ثم قال: " أتوسّل إليك لا أريدُ سماعَ الإحتمال الثالث! ".
كما كانت فراسة دارين قد أوحت إليه، فإنّ ذلك المؤتمر تمخّضَ عن لجنةٍ إدارية، جميعُ أعضائها من الموالين للتنظيم آنف الذكر. بناءً على تجربته في الكتابة الساخرة، أغراه أحدهم بتدبيج مقالةٍ عن إنطباعاته بشأن المؤتمر. ذلك الشخص، وكانَ صديقاً مقرّباً من دارين، كانَ يُدير صفحةٍ إلكترونية ذاتَ شعبيةٍ ملحوظة في الوسط الكرديّ. ما لم يتوقّعه كلاهما بحالٍ من الأحوال، أن تستنفرَ هذه المقالة إعلام ذلك التنظيم للردّ عليها بشكلٍ سوقيّ، مبتذل. لما توالت حلقاتُ الكتابة الساخرة، قاموا بتأسيس صفحةٍ عامة، مختصّة بتفنيد كلّ من تلك المقالات، أشركوا فيها نخبة من الكتّاب الموالين للتنظيم. لقد كانَ بينهم مَن أضحى فيما بعد روائياً، ذائعَ الصيت،، يُشار له بالإصبع الوسطى. من ناحية أخرى، فأربع أو خمس من المقالات، كانت منذورة لنقد السيّد دوغان، الذي عرفنا أنه يقترب من العالمية؛ بل وربما صار يتوهّمُ أن جائزة نوبل، كردياً، ستكون من نصيبه مستقبلاً. وكم أسِفَ دارين، فيما بعد، لتورّطه في تلك المقالات الأخيرة، علاوة على كتابة نقدية قاسية، نشرت في أهم موقع إلكترونيّ عربيّ، لاحَ من عنوانها الشماتة بمرض دوغان العضال. فإن دارين، آنَ كتابته لتلك الدراسة النقدية، لم يسمع أبداً بالحالة الصحية لصديقه القديم. سنة واحدة على الأثر، وتوفيَ الرجلُ في إحدى مستشفيات ديار بكر، وكانَ بعدُ في منتصف الحلقة الخامسة من عُمره وبأوج عطائه الأدبيّ.

4
" يأتون متأخرين، لكنهم يتعلمون بسرعة "، على حدّ تعبير أحدهم في وصف حال الريفيين القادمين للمدينة. لعل هذا القول، يُلخص مآلَ سيرورة عزة، ثمة في المهحر. بمجرّد وصول عشيقها إلى السويد، ألحّت على رجلها العودة مع الأطفال إلى الوطن. آنذاك، إقتصرت أضرارُ الشكوى، المقدّمة من ذلك المستأجر السويديّ، على تحقيقٍ عاجل من قبل السوسيال. حينما رفضَ أبو عصفور، المرة تلو المرة، إحضارَ جواز سفره ( بغيَة التأكّد من دعوى المشتكي )، فإنّ تلك الجهة الرسمية ألزمته بدفع مبلغٍ جسيم، كتعويضٍ عن فترة مكوثه في بلده، التي ناهزت العامين. هكذا عادوا إلى البلدة الأولى، وكانَ الوقتُ في مبتدأ الصيف. في صباح أحد الأيام وأثناء غياب زوجها، الذي ذهبَ لزيارة صديقه، أخرجت عزة من المخبأ السريّ كل ماله، المُكتنز. بعدئذٍ إتجهت مع أطفالها إلى منزل ذويها، وهناك سلّمتهم الكنزَ. مساءً، حينما اتصلَ رجلها مع بيت حميه، قالوا له أنها ستبيتُ الليلة لديهم مع الأطفال. عاودَ الإتصالَ في عصر اليوم التالي، وإذا بهم يُبلغونه أن امرأته وأطفالها هم الآنَ في الطائرة، المتّجهة إلى السويد. جنّ الرجلُ، خاصّة لما تفقّد المخبأ السريّ وتأكّد من عدم وجود المال. لاحقاً، كانَ يُردد نفسَ الرقم لكل من يبتغي سماعه: " ثلثمائة ألف كرون، سرقتها مني تلك العاهرة! ".
" المصائبُ تأتي تباعاً "، كما يُقال عادةً. بعودته بدَوره إلى السويد، وجدَ في بريده رسالة من المحكمة، تتضمنُ إدعاءَ امرأته عليه بأنه كان يعرّضها للعنف الجسديّ والجنسيّ منذ اليوم الأول لزواجهما. كانَ في سبيله للإستنجاد بالخالة، وإذا هيَ من بادرت للإتصال: " موقفك خطرٌ للغاية، وقد تُحكم بغرامةٍ كبيرة وربما أيضاً بالسجن. إنني فكرتُ بالأمر، ولكن علينا أولا الوصول إلى تلك العاهرة ". في حقيقة الحال، أنّ عزة زجّت أيضاً في الدعوى باسم نالين، متهمة إياها بمحاولة إغتصابها، حينما انتقلت للإقامة لديها أثناء سفر الزوج إلى ألمانيا لقراءة شعره أمام جمهور إحدى الجمعيات الكردية. كذلك إدّعت أن خالة زوجها هذه، كانت تحرّضه على ضربها وإذلالها؛ وأنها بنفسها كانت تقوم بذلك أحياناً. في الموعد المُحدد للمحكمة، حضرَ أبو عصفور وخالته. ثم تأجلت القضية، بطلبٍ من المحامي. في أثناء ذلك، تمكّنت الخالة من الإجتماع مع عزة على إنفراد. قالت لها، بنبرةٍ تنطوي معاً على إغراءٍ وتهديد: " أقنعتُ زوجكِ بأن تعملي لديه كمرافقٍ صحّي، ولو صدَرَ قرارُ الطلاق من المحكمة. لن تستفيدي شيئاً لو زجّ به في السجن، بل سيتضررُ أهلكِ في البلد. فأنتِ تعرفين، ولا شك، علاقتي ثمة مع آمري الجهاز الأمنيّ! ". رضخت عزة عندئذٍ، بالأخص لأن والدها وأعمامها معروفون في الوطن أنهم من أشد المناصرين لتنظيم ب ك ك، المحظور. في جلسة المحكمة المقررة، تنازلت عن شكواها بحق الزوج وخالته، مقتصرةً على المطالبة بحقها في الطلاق.
والآن عزة أضحت حرّة، يسودُ داخلها سعادةٌ حقّة. كانت ما زالت في أوبسالا، هيَ وأطفالها، محشورين في حجرة استديو بفندقٍ بائس، تعود ملكيته للسوسيال. في المقابل، فعشيقها قهرمان، أخذ بالنأي عنها شيئاً فشيئاً، وذلك بمختلف الذرائع. فتارةً يقولُ أنه في مدينة يافلي لترميم فيلا أحد الأصدقاء، وتارةً أخرى يقولُ أنه في أوبسالا مشغولٌ بمساعدة أحد مواطنيه. الحجّة الأخيرة على الأقل، كانت صادقة. وإنه خفيفو، مَن إلتجأ أولاً إلى ربيبه أبي عصفور، عقبَ عودته من قبرص. إلى أن ضاقَ المُضيف بمصاريفه، فأوعز لقهرمان أن يأخذه لعنده. خفيفو، المُعدّ نفسه خليفة سليمو ( بل إنهما توأمٌ ـ بحسَب مقابلة تلفزيونية ـ يكملان بعضهما البعض شعراً ونثراً )، جابَ كل الجغرافية الخاصّة بذلك الأديب: من مسقط رأسه في إحدى قرى عامودا إلى القامشلي، ومن بيروت وصولاً إلى قبرص فالسويد. بشأن هذا البلد الأخير، فإن خفيفو أجبرَ على العودة إليه بعدما أوقفت التأمينات الإجتماعية راتبه، الذي كانَ يتقاضاه بوصفه مريضاً نفسياً. لم يتعرّف عليه دارين للوهلة الأولى، لما إلتقاهُ ذاتَ يوم في سوبرماركت بمركز غوتسوندا: لقد غدا شائخاً، كما لو أنه في سنّ الثمانين، وذلك بسبب إفراطه بالتدخين والخمرة. إلا نظرته، المُفعمة بالغل والحسد، فإنها بقيت خالدة. ولكن صحته، بالرغم من تدهوره جسدياً ونفسياً، ساعدته على العيش لعقدٍ آخر من الأعوام. إلى أن عُثرَ عليه ميتاً في مسكنه، الكائن بمدينةٍ تقع إلى الشمال من أوبسالا. ذلك جَد، بعدما انتبه الجيرانُ لرائحةٍ مقيتة تفوحُ خِلَل باب الشقة.
في تلك الفترة، كانت براعمُ الربيع العربيّ قد ديست في كل مكان، إن كان بمجنزرات العسكر أو بالحرب الأهلية. نقاشاتٌ كثيرة عن الوضع في سورية، إحتدمت في أحد الأيام بين الأصدقاء في شقة أبي عصفور. حينما قال قهرمان، أن تنظيم ب ك ك، هدفه إعادة النظام للمناطق الكردية، هتفَ المُضيف بحماسة: " فليعُد النظامُ منذ الغد، وإلا فإن مدّخرات الناس بالليرة ستصبحُ بلا قيمة مع تصاعد سعر الدولار! ". عزة كانت أيضاً هناك، وقد أيّدت رأيَ طليقها بما أن أقاربها ينشطون في ذلك التنظيم. أما دارين، فإن أمراً واحداً أثار إهتمامه حارجَ كل ذلك النقاش: لقد سجّلَ في ذهنه محاولاتِ عزة في الكيد لعشيقها القديم، وذلك بوضعه هوَ بمظهر العشيق الجديد. إذ كانت أكثر من مرة، قد خاطبته بتعبير " دارين جان ". بل إنها عندما تكلّمت معه، أخذت بحكّ فرجها. في يوم سابق، عمدت أيضاً إلى إيماءاتٍ مماثلة بوجود طليقها وقهرمان. كانوا قد خرجوا في نزهةٍ إلى بحيرة غرانبيرغ، بما أنّ الطقسَ كانَ رائعاً في أواخر هذا الربيع. إذاك، كانت قد دعته لمساعدتها في شيّ اللحم على نار الموقد، فراحت تحادثه طوالَ الوقت مطلقةً بينَ فينةٍ وأخرى، ضحكاتٍ ماجنة. ثم طلبت منه بعدئذٍ مرافقتها إلى شاطئ البحيرة، لكي تكرر نفسَ الأداء. ولكن، هل كانَ دارين قد أضحى، حقاً، عشيقها الجديد.

5
كانت حياة عزة في البلدة المجاورة لمدينته توشك على البدء، حينما إتصلت به خالة طليقها. طلبت من دارين عنوان بيته، قائلةً أنها ستأخذه للقاء ابن أختها، الذي حلّ ضيفاً على طليقته وأولاده. إذاك، كانَ دارين يعاني من السأم والوحدة، بسبب تكرار سوء الحظ في زيجته الثانية. كانَ يًقيم في شقةٍ صغيرة، بالقرب من مركز مدينة يافلي. إلا أنه كانَ مُرحباً به في شقته الأولى، أين تعيشُ طليقته وطفلهما. في خلال الطريق، بدأت نالين تبث شكواها من تصرفات ابن شقيقتها: " أنا أعطلُ شغلي لأجل أن يجتمع مع أطفاله، فأجلبهم له بسيارتي مساء يوم الجمعة من كل أسبوعين. حينما أخابره وأنا في الطريق من ساندفيكن إلى أوبسالا، إذا هوَ يقول لي أنه في الكنيسة. ماذا يفعل هناك؟ أنهم يقدّمون في العادة، عشاءً من البطاطس المهروسة مع مقانق الخنزير. لا بل إنه يقف في نهاية العشاء قدّام باب مطبخهم، منحنياً على عكازه كالمتسوّل الذليل، لكي يزوّدوه بعلبتين مملوءتين بما فاضَ عن الوليمة. فلما عاتبته على مسلكه، عقبَ خروجنا من الكنيسة، فإنه بدأ بالصراخ في وجهي؛ بأنني سببُ وضعه هذا، واضعاً اللوم عليّ في موضوع طلاقه "، قالتها وهيَ تنفخُ في غيظ . ثم استطردت بعد قليل: " أتعلمْ..؟ لو أنّ القحبة تلك قبلت بالرجوع إليه، لفرشَ لها بالورود كلّ الدرب المؤدي إلى بيته. ولكن ماذا يقول المرءُ عن شخصٍ بلا ناموس، يُساعد عشيقَ امرأته على المجيء إلى السويد؟ ". كانَ واضحاً، أنها تقصدُ قهرمان. استغرَب من بوحها بذلك الأمر، فاعتبره زلة لسان بفعل الغضب: " وعلى الأرجح، أنها تعلمُ بذلك الأمر حتى قبلَ طلاق عزة من زوجها "، فكّرَ دونما تعليقٍ على كلامها.
ثم سألها دارين في شيءٍ من التوجّس: " وهل هوَ من طلبَ منكِ إحضاري إلى ساندفيكن؟ ". ثم ندمَ حالاً على السؤال. ذلك لأنه يعني، بشكلٍ ما، فتحَ صفحةٍ جديدة من التواطؤ. وإذا نالين، تؤكّدُ الأمرَ ببساطة: " نعم، فإنه يأملُ أن يكون لك تأثيرٌ إيجابيّ على عزة، يُمكن أن يُتيحَ عودتها إليه "
" ولكنكِ قبل قليل..؟ "
" أجل، أخذتُ عليه سعيَهُ لإعادتها مع دربٍ مفروشٍ بالورود! "، قاطعته وهيَ تطلقُ ضحكةً مكتومة. ثم استدركت بنبرةٍ جدّية: " فليتصرف بحياته، كما يشاءُ. فأنا والله لا أحملُ سوى همّ أطفاله، المبتلين بأم مستهترة وأب أنانيّ ". بعدئذٍ، بقيا صامتين تقريباً إلى نهاية الطريق. في الأثناء، كانت السيارة تخترقُ الدربَ العريض، المحفوفُ من جانبيه بركام الثلج، الآخذ في الذوبان بفضل شمس مبتدأ الربيع. وكان ذهنُ دارين، بدَوره، ينزاحُ عنه ركامُ السنين، لكي يستعيدَ في لمحةٍ ( كما هوَ مُلخّص الكتاب في الغلاف الأخير ) وقائعَ تفسّرُ ألغاز هذه الأسرة، التي عرفنا ماهيّة عميدها لناحية العقلية والمسلك: كانَ داوود، الخالُ الأكبر، قد ماتَ منذ بضعة أعوام. هوَ مَن هبط بالطائرة في الوطن، لكي يأخذ حقّه من ابن شقيقته، فأخذ بدلاً من ذلك بكتيريا الكبد القاتلة حينما شاءَ إصلاح أسنانه عند طبيبٍ أسعاره زهيدة.. الخالة الصغرى، التي تزوجت وهيَ على مشارف الخمسين، باتت كالكلبة المسعورة مَحْناً، وذلك لأن الرجلَ لا يكاد يخرجُ من السجن إلا ويعود إليه بتهمةٍ جديدة. لقد صارت ملكة البيت المتوّجة، عقبَ وفاة والديها وشقيقها المُعاق، تدورُ وحيدةً في أرجائه لتعقصَ ليلاً بقَ الجدران أو لتلاحق نهاراً الفئرانَ المتسللة من الحديقة. إنها مأزومةٌ، ولا ريب، خاصةً عقبَ طلاق ابن شقيقتها من عزة. وكانت فيما مضى تتلصصُ عليهما في ليالي الجماع اللاهبة، تلتذ كذلك بالصراخ المعذّب، الذي كانَ يملأ سكونَ البيت.. وهذه العانس السحاقية، مَن تجلسُ إلى جانبه وتتكلّم بفصاحة عن الشرف! ما من شكّ أنها ترغبُ بعودة ابن شقيقتها لطليقته، وذلك للتخلص من الأعباء المادية، المترتبة على نقل أولادهما ذهاباً ورجوعاً في سيارتها. ولعلها تحنّ أيضاً إلى جسد عزة، الممتلئ عند النهدين والأرداف، وسبقَ لها أن مرّغته كله بلعاب لسانها بعدما مزّقت الثيابَ بأسنانها.
وهيَ ذي عزة تستقبلهما بملابس أنيقة، ولكنها محتشمة. كذلك شاءت أن تُظهر مهارتها في التدبير المنزليّ، فأولمت عشاءً سخياً من الدولما مع سلطة الفتّوش. لفتَ نظرَ دارين، مَدهوشاً في حقيقة الأمر، ما ظهرَ من حُسن معاملتها لطليقها، بحيث أنها شُغلت عن الأكل لمساعدته وكأنه طفلٌ صغير. إلا أنّ كل ذلك تبددَ، بمجرّد أن غادرت الخالةُ المنزلَ. وهذا المنزلُ، مكوّنٌ من دورَيْن، بثلاث غرف نوم علوية، وبصالة فارهة أرضية فيما حجرة سفرة تفصلها عن المطبخ مع فاصل من شبكٍ خشبيّ. الطفلان الكبيران، كانا يلهوان بألعاب الكومبيوتر، فيما شقيقهما الأصغر يتطفّلُ عليهما. وإذاً، تركت عزة طليقها يعثرُ بنفسه على طريقه إلى الحمّام، فيما هيَ توجّهت للدور الثاني. ما أن عادَ أبو عصفور، فاستوى في مكانه على طرف أريكة الصالة، إلا وكانت طليقته قد نزلت من أعلى. عندئذٍ بُهتَ دارين، فيما كان ينظر إليها وهيَ بقميص نوم رهيف وقصير، يكادُ يكشف سروالها الداخليّ. خاطبت طليقها، فيما تتّجه هذه المرة إلى المطبخ: " عليك بالذهاب إلى السوبرماركت، لكي تجلبَ لي علبتيّ كريما لأجل حلاوة الجبن ". لما إلتفتَ إلى صديقه، لحثّه على مرافقته، فإنها قاطعته بالقول: " دَعْ دارينَ، فإنني أحتاجُ للتكلّم معه على إنفراد ". هنا، همسَ أبو عصفور في أذن صديقه: " ربما حدثتك خالتي، بشأن التكلم مع عزة كي يلين رأسها؟ أرجوك زيّن لها فضائلي، وأنّ من الخير أن نجتمع مجدداً تحت سقفٍ واحد بكل حبّ وحنان الماضي! ". بسبب إنحسار بصره الشديد ليلاً، والذي فاقمه خفوتُ الأنوار في المكان، لم يلاحظ هيئة طليقته، المثيرة.
ما أن غادرَ الأطفالُ مع أبيهم، إلا وأقتعدت عزة على الأريكة من الجهة المقابلة لمجلس ضيفها. تشاغلت بمتابعة برنامج التلفاز، فيما فخذاها الناصعان يتأرجحان في خفّة، كالمروحة، ربما لأجل تهوية ما تحتَ السروال الداخليّ. بعد نحو ربع ساعة، لما لاحظت أن دارين ما فتأ يغضّ بصره عن مفاتنها، قالت بنبرةٍ مكشوفة: " أنتَ لستَ بالغريب، أليسَ حقاً؟ ذلك الأعمى الكريه، فاجأني اليومَ صباحاً بإدخال يده لتحسس فرجي. وقال لي عندئذٍ، كيفَ لإمرأة غير متزوجة أن تحلق عانتها، لو لم يكن لها عشيقٌ؟ ". ثم أعقبت ذلك، بإطلاق قهقهة ماجنة. علّقَ دارين، دونما أن يجاريها بشعور المَرَح: " خالته، ذكرتَ لي في خلال الطريق شيئاً مماثلاً ". لقد كانَ الفضولُ قد دفعه لنوعٍ من الاستجواب. وها هيَ تعترف ببساطة: " إنها تقصدُ قهرمان، كوني حملتُ طليقي على مساعدته للمجيء إلى السويد ". وتابعت بعد وهلة صمت: " لو أنني ما زلتُ أهتمُ به حقاً، لما طلبتُ نقلي وأطفالي إلى ساندفيكن. ولعلمك أيضاً، إنه خابرني ليقولَ أنه قطعَ علاقته بفتاة كردية لبنانية، كانَ يخطط للإقتران بها، بعدما تبيّنَ أنها معقّدة نفسياً ". كانت تتكلّمُ وصدرها يخفقُ من الحنق. ليسَ الكلامُ بحقها ما أزعجها، بل تجاهل الضيف إغواءها السافر، الهادف لنيل الوطر، طالما أنهما وحدهما في المنزل. ثم عادت للقول، وكأنما تأملُ بعدُ بجّره إلى أحضانها: " على أية حال، أنا مطلّقة وحرّة في حياتي. لديّ أكثر من صديق هنا، ولعلك تقابل غداً أحدهم؛ وهوَ يأتي عادةً للحصول على مساعدتي في دراسة اللغة السويدية ". تمتم دارين باقتضاب: " هذا أمرٌ جيّد ". عندئذٍ كانَ قد أحسّ حقاً بالإنتعاظ، وأحرجه أن صوته أخذ بالإختناق. لاحَ أنها انتبهت لحالته، ما جعلها تنهضُ بانشراح قائلة: " آه، لقد نسيتُ تحضيرَ لوازم الحلوى ". ثم آبت بعد قليل، لتحاطبه من مكانها في المطبخ: " أتذكّرُ أنك أرشدتني، فيما مضى، على طريقة إعداد حلوى المدلوقة. ولكن حلاوة الجبن، لا تعرفونها في دمشق؛ أليسَ صحيحاً؟ ". بدَوره، سرّ للجوّ المُستجدّ، الذي نأى عن أسباب الخصام. ردّ بالقول، فيما يتناهضُ إلى ناحيتها: " أنا منذ ربع قرن بعيدٌ عن دمشق، ولا أعلمُ ما جدّ فيها قبل الثورة "
" ثورة الأخوان المسلمين، الذين يبتغون إعادتنا إلى القرن الأول الهجريّ! "، علّقت على كلامه بنبرةٍ ساخرة. كانَ يُدرك، أن كلامها قد باتَ يؤمنُ به الكثيرُ من كرد الشمال، وذلك بتأثير تنظيم ب ك ك من جهة، والخط العروبيّ للمعارضة من جهةٍ أخرى. كانَ إذاك قد أضحى بقربها، يتفحّصُ موادَ الحلوى بيده. إذا بها تمسكُ يده، فتجذبه إلى قبلةٍ ملتهبة. لكنه تخلّصَ من حضنها بلطف، على الرغم من هياج رغبته حينَ اندمجَ جسده مع جسدها.
قال أبو عصفور، بصوتٍ خفيض حالما جلسَ بقربه: " ها، كيفَ كانت الأمورُ؟ ماذا كانَ ردّ فعلها، لما كلمتها أنتَ عن محاسن عودتنا لبعضنا البعض؟ ". أجابه دارين بصوتٍ حزين، لإضطراره للكذب علاوة على الموقف المُشين لأم أولاده: " ما فهمته منها، أنها تقدّرك. لكنها مستاءة من تحرّشك بها، أحياناً ". عند ذلك، أخذ ذو القرنين يفرك يديه بسعادة. بيد أنه تكلّفَ الإمتعاضَ، لما تساءلَ: " كيفَ تكلّمُ هيَ رجلاً غريباً، بما جرى بيني وبينها صباحاً؟ ". ثم عادَ واستدرك بنبرةٍ أخرى: " أنتَ لست غريباً بالطبع، ولكن كلُ شيءٍ وله حدودٌ ".
على سبيل المصادفة، عرضَ التلفازُ في مساء اليوم التالي بثاً حيّاً لمهرجانَ الأغنية الأوربية. وفي أثناء ذلك كانَ نوعٌ آخر من الحلوى، جاهزاً للتقديم. بعد قليل، خاطبت عزة ابنها الكبير، المناهز سنّه العاشرة: " خذ هذا الطبق لأبيك ". ثم جاءت بلوازم أخرى على صينية بلون بشرتها الناصعة، لتمدّ من ثم يدها إلى الضيف بفنجان قهوة مع الحلوى: " تفضّل، دارين جان! ". جلست بعدئذٍ ملتصقة به، وقد وضعت غطاءً من الكتان على أسفل جسمها. وما لبثت أن مدّت جانباً من الغطاء، ليشملَ حضنَ الضيف. عادَ الأطفالُ للإنشغال بالكومبيوتر، ووالدهم راحَ يرتشفُ القهوة بصوتٍ مزعج. إذا عزة تمدّ يدها من تحت الغطاء، لتعابثَ مَن دَعته قبل قليل بالكردية " روحي دارين ". شعَرَ أنّ طليقها يحدّق بهما بعينين سليمتين، فتضرّجَ وجهه من الخجل أو من الخزي. إلا أن الرجلَ كانَ يُدير وجهه إلى ناحية التلفاز، وكانَ متحمّساً لإحدى الفرق الفنية ويراهنُ على فوزها بصوتٍ عالٍ. قبل إنتهاء عرض المهرجان، طلبت عزة من أطفالها الصعودَ إلى الحمّام لاستعمال فرشاة الأسنان. أطاعها الكبيران، فيما الصغيرُ إحتاجَ لصفعةٍ شديدة جعلته يصرخُ باكياً. علّق والده على ذلك، متمتماً: " لم يفعل شيئاً يستحقُ التأديب، حصوصاً وأن الغدَ يومُ عطلة ". ردّت عليه طليقته: " غداً عيدُ ميلاد ابنتي، وعليّ الاستيقاظ مبكراً كي أحضّر للمناسبة ". ثم أردفت بصرامة: " أنتَ أيضاً تحرّك مع ابنك المدلل، ربما ضيفنا بحاجة للنوم ". نهضَ باستياء، وكعادته لم يتمنَ ليلة سعيدة لأيّ من الحاضرين. في ساعةٍ متأخرة من الليل، أفاق دارين على مواء عزة، وكانت قد بدأت بدسّ نفسها في فراشه، كأنها قطة المنزل.
أكثرَ من سبب، حملَ دارين على الإسراع في العودة إلى بيته. إلا أنه لم يرَ من اللائق المغادرة في هذا اليوم بالذات، كونهم سيحتفلون بعيد ميلاد ابنتهم. على ساعة الغسق، كانَ ما زالَ مع أفراد الأسرة، عقبَ عودتهم من تناول الغداء في أحد المطاعم الشرقية. وإنه مَن تعهّدَ الدعوة، كتعبيرٍ عن ردّ حُسن ضيافتهم. إذاك، طلبوا جميعاً صحن دونر كباب مع البطاطس والسلطة. ذو القرنين، أوحى لمن رآه وهوَ يأكل، أنه هاربٌ تواً من مجاعةٍ في القرن الأفريقيّ. كمألوف عادته، مسَحَ أخيراً بقايا الصحن بأصابعة القذرة. سأله دارين ما لو كانَ بحاجةٍ لمساعدة في الوصول إلى الحمّام، فلوّح بتلك الأصابع المقطّرة دسماً: " لا، فإنها ليست متّسخة! ". ثم أطرقَ قليلاً، قبل أن يُخاطب عزة: " هل أعجبكِ الكباب؟ أما أنا فإنه لم يعجبني أبداً. والكوكا كولا، كانت عبارة عن ماءٍ مثلّج ". حدجته طليقته بنظرةٍ قاسية: " لم يعجبك شيئاً، أنتَ من التهمتَ وشربتَ كل شيء؟ ". ثم التفتت إلى المُضيف، وشكرته على الدعوة. وإذاً قفلوا راجعين إلى مركز البلدة عند الغروب، بغيَة شراء هدية عيد الميلاد. في أحد المحلات، كادَ أبو عصفور أن يُحدث فضيحة حينما أرادت عزة شراءَ هدية بمبلغ يفوق الألف كرون: " ما هذا البطر؟ وهل الأولاد هم من يقررون أو الأهل؟ ". ثارت عليه طليقته، وطلبت من دارين اقتياده إلى خارج المكان. ثمة، انثنى عليه هذا الأخير، مقدّماً هذه النصيحة: " هذه مناسبة، لكي تبرهن لطليقتك أنك تغيّرتَ بالفعل ". حالما خرجوا من المحل، تقدّم الوالدُ الكريم من ابنته بيدٍ مرتجفة، تقبضُ على ورقة مائة كرون: " هذه لك ". حملقت عزة بطليقها، وقد لاحَ من علامات سحنتها أنها سترمي الورقة بوجهه؛ لولا أن دارين، غمز لها بعينه أن تتجاوزَ الأمرَ.
يومُ واحد مضى على عودة دارين إلى بيته، لما فوجئ بأبي عصفور وهوَ يُخابره بلهجةٍ مُروَّعة: " عزة في سبيلها لطلب البوليس، فأرجو منك الإتصالَ بها حالاً وبدون تأخير ". في لمحةٍ سريعة، استعاد دارينُ تلميحات ذلك البائس، المُعقّبة إحتلال عزة لفراشه: " على الأرجح، أنه في الليلة الحمراء تلك، كانَ قد وضعَ أذنه على أرضية الحجرة لكي يعرفَ لِمَ إتجهت طليقته إلى الصالة الأرضية. فالأعمى، مثلما هوَ معروفٌ، يُمكنه سماع أخف الأصوات ولو كانت حفيفَ أقدامٍ عارية. لكن دارين لم يضيّع الوقتَ في مشاغلة الفكر. وهيَ ذي عزة، بدَورها، تردّ على مخابرته: " الوحشُ القذر، لقد حاول إرغامي على ممارسة الجنس بالقوة.. لقد اعتصبني تقريباً! والله لأرمينّه في السجن، هذه المرة! ". عندئذٍ، توسّلَ إليها دارين ألا تفعل ذلك: " أنتِ ما زلتِ في مقتبل العُمر، وهكذا قضية ستؤثّر على فرصتك بالزواج مجدداً. فبحَسَب عقلية مجتمعنا الشرقيّ، المُغتصبة هيَ المنبوذة وليسَ الغاصب ". بدا أنها فهمت من كلام دارين، أنه هوَ العريسُ القادم، وذلك بالنظر لنجاحها في مشاركته الفراش، وأيضاً كونه قد أخفقَ في زواجه الثاني. إلا أنّ أبا عصفور، من ناحيته، متطلّبٌ حتى وهوَ قابَ قوسين من فقدان حريته. إذ رجعَ للإتصال بدارين، باكياً بحرقةٍ كما لو أنه طفلٌ انتزعت منه دميته: " لقد طردتني عزة من بيتها، وربما من حياتها أيضاً. أنا ضائعٌ بلا أيّ أمل من دونها! أتوسّل إليك، أقبّل يديك، اتصل معها من جديد. لقد استمعتْ إليك قبل قليل، وصرفتْ النظرَ عن طلب البوليس. فحاول هذه المرة، لعلها تتراجعُ عن عزمها على طردي! ".



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
- خمسة أسابيع في دمشق 4
- خمسة أسابيع في دمشق 3
- خمسة أسابيع في دمشق 2
- خمسة أسابيع في دمشق
- المهاجران من المسرح إلى السينما
- فيلم الطفولة الكردية، المغتالة
- فيلم اليهودي والضياع الأخير
- فيلم الكردي وحروب الآخرين
- مصير أسرة في فيلم سوري
- تراب الغرباء والتلاعب بالتاريخ
- الترحال؛ منحوتة للطفولة والمدينة
- الطحين الأسود ولعنة المكان
- اللجاة؛ البيئة الدرزية سينمائياً
- حسّيبة؛ الشام بحسَب يوميات إمرأة
- شيء ما يحترق؛ عن الدرزي النازح
- الطحالب؛ حكاية جرح سوري
- باب المقام، المفتوح على الشغف
- سُلّم إلى دمشق؛ التقمّص عشيّة الثورة
- الليل؛ الفنتاسيا والواقع


المزيد.....




- رواية -مقاتل غير شرعي-.. شهادة من جحيم معتقل سدي تيمان الإسر ...
- بختم اليونسكو.. منمنمات -بهزاد- تعيد رسم ملامح الأمل في أفغا ...
- هوس المرآة.. عندما يتحول الإعجاب بالمشاهير إلى كارثة
- الفساد في العالم العربي: صراع المنظومة وثقافة المجتمع
- اغتيال الثقافة في الرّقة؟
- التطور لغةً ونقداً: سيمياء الحركة
- حين تُدار الثقافة على مقاعد الصداقة
- افتتاح معرض دمشق الدولي للكتاب وسوريون للجزيرة مباشر: لا رقا ...
- تأجيل موعد الانتهاء من وضع اختبارات اللغة للحصول على الجنسية ...
- خريف الكتاب بمعرض القاهرة.. أي طريق لإنقاذ القراءة في مصر؟


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً