|
|
الموت البطيء …
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 13:51
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ ما يرفض العقل العربي الاعتراف به ، أو يُدفع قسرًا إلى تجاهله ، هو أن الجغرافيا العربية ليست سوى مساحة مفتوحة للنفوذ العسكري الأمريكي ، تنتشر فوقها قرابة 27 قاعدة عسكرية تضم ما يقارب 70 ألف جندي وضابط ، موزعة بعناية على دول مثل سوريا والعراق والأردن والسعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين ، هذا الواقع ينسف عمليًا أي ادعاء بوجود سيادة وطنية حقيقية ، ويجعل الاستقلال العربي ، في جوهره ، استقلالًا شكليًا لا يتجاوز حدود الخطاب الرسمي ، فيما يعيش المواطن العربي حالة لا تختلف كثيرًا عن واقع الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال ، حيث تُدار الأرض بقرار خارجي وتُقيَّد الإرادة السياسية من الخارج ، ولئن كان الوجود العسكري الأجنبي يشكل تهديدًا مباشرًا لما تبقى من سيادة ، فإن الخطر الأعمق والأكثر تدميرًا يكمن في الانهيار الديمغرافي والاجتماعي الذي يتقدم بصمت ، فالنموذج النيوليبرالي ، الذي فُرض بوصفه قدرًا اقتصاديًا لا بديل عنه ، لم يكتفِ بإفقار الطبقات الوسطى ، بل دمّر البنية الاجتماعية ذاتها ، ودفع أعدادًا متزايدة من الناس إلى العزوف عن الزواج أو الارتماء في دوامة الطلاق ، لقد تحولت الأسرة ، التىّ كانت حجر الأساس في الاستقرار المجتمعي ، إلى عبء اقتصادي ثقيل ، في ظل ارتفاع كلفة الحياة إلى مستويات يعجز عن تحمّلها المواطن العادي ، بل وحتى من يُصنَّفون ضمن الفئات الميسورة يعانون من السمنة المفرطة في الكماليات ، فالنيوليبرالية ليست نموذجًا اقتصاديًا فاشلًا فحسب ، بل مشروع هدم شامل للإنسان والمجتمع ، هي ليست خللًا في السياسات ، بل سياسة بحد ذاتها ، جوهرها تحويل الإنسان من كائن اجتماعي إلى وحدة استهلاكية معزولة ، ومن مواطن إلى رقم ، ومن أسرة إلى عبء ، وما يجري في العالم العربي ليس نتيجة سوء إدارة أو أخطاء عابرة ، بل ثمرة طبيعية لتبني هذا النموذج بوصفه «الحل الوحيد»، في حين أنه في الحقيقة أداة ضبط وسيطرة وإفراغ للمجتمعات من قدرتها على الاستمرار " " عبد الله ، أحمد - الوجود العسكري الأجنبي في الوطن العربي " ، 👈 وفي ظل النيوليبرالية ، تُفرَّغ السيادة من معناها ، وتتحول الدولة إلى وسيط جباية لا أكثر ، فيما يُترك المواطن وحيدًا في مواجهة سوق متوحش لا يعترف إلا بالربح ، لا تعليم يحمي ، ولا صحة تصون ، ولا عمل يضمن الحد الأدنى من الكرامة ، ومع هذا التفكك الممنهج ، يصبح الحديث عن الزواج أو تكوين أسرة ضربًا من الترف أو الخيال ، بل مغامرة غير عقلانية في عالم صُمم خصيصًا ليعاقب من يحاول الاستقرار ، فالنيوليبرالية لا تقتل الأسرة عرضًا ، بل تستهدفها عمدًا ، لأنها آخر ما يربط الفرد بجماعة ، وآخر ما يمنحه معنى خارج منطق السوق ، لذلك تُرفع كلفة الحياة إلى مستويات غير محتملة ، ويُعاد تعريف النجاح بوصفه قدرة فردية معزولة على النجاة ، لا قدرة جماعية على الاستمرار ، وهكذا ، يُدفع الناس دفعًا إلى العزوف عن الزواج ، أو إلى تفكيكه عند أول أزمة ، في عملية استنزاف بطيئة للبنية الديمغرافية ،" حمدان، فاطمة. الأسرة العربية في زمن العولمة " .
وما يُسوَّق على أنه «حرية اختيار» ليس إلا إكراهًا اقتصاديًا مقنّعًا ، فالإنسان لا يختار العزوف عن الزواج لأنه متحرر ، بل لأنه محاصر ، ولا يؤجل الإنجاب لأنه واعٍ ، بل لأنه عاجز ، فالنيوليبرالية تجيد قلب الضحية إلى متهم ، وتحويل العجز إلى قرار ، والانهيار إلى «نمط حياة» ، فالتجربة اليابانية ، التىّ يُنظر إليها غالبًا بإعجاب تقني ساذج ، تكشف النهاية المنطقية لهذا المسار : مجتمع متقدم صناعيًا ، متآكل إنسانيًا ؛ مدن بلا أطفال ، بيوت بلا عائلات ، واقتصاد بلا مستقبل ، هذه ليست أزمة ثقافة ، بل أزمة نموذج ، أي نموذج يربح فيه السوق ويخسر الإنسان ، وتستمر فيه الدولة شكليًا بينما ينهار المجتمع فعليًا ، فإن المجتمعات لا تنهار فقط تحت القصف أو الاحتلال المباشر ، بل تنهار أيضًا عندما يُسحب منها معنى العيش ، وعندما يصبح البقاء البيولوجي هو السقف الأعلى للطموح ، فإن الحديث عن التنمية أو التقدم يتحول إلى خدعة لغوية ، لأن ببساطة النيوليبرالية لا تبني دولًا ، بل تُدير أطلالًا ، ولا تصنع مستقبلًا ، بل تؤجل الانفجار …
تواجه اليابان أزمة سكانية حادة تتسارع فيها وتيرة انخفاض المواليد وتراجع عدد السكان ، رغم أنها دولة صناعية متقدمة اقتصاديًا وتكنولوجيًا ، فبعد عقود من القوة الاقتصادية ومعدلات النمو المرتفعة في صادراتها وإنتاجها الصناعي ، تشهد البلاد انخفاضًا مستمرًا في عدد المواليد نسبيًا وفي معدلات الزواج ، مما وضعها في قلب أزمات ديموغرافية عالمية ، تشير البيانات الرسمية إلى أن عدد الأطفال المولودين في اليابان عام 2024 بلغ 720,988 الطفل ، وهو أدنى رقم منذ بدء تسجيل هذه البيانات سنة 1899، مع انخفاض بنسبة تقارب 5% مقارنة بالعام السابق ، كما انخفضت معدلات الزواج والخصوبة ، فيما ارتفع عدد الوفيات إلى مستويات قياسية ، مما أدى إلى فجوة كبيرة بين عدد المواليد والوفيات ، ووفقًا لإحصاءات وزارة الصحة والعمل والشؤون الاجتماعية ، فإن الولادات في عام 2023 كانت 727,277، بمعدل خصوبة إجمالي يبلغ 1.20 طفلًا لكل امرأة ، وهو أقل من مستوى الإحلال المطلوب للحفاظ على توازن السكان (2.1 طفلًا) ، كما تراجعت معدلات الزواج إلى أقل من 475 ألف عقد زواج في ذلك العام ، هذه الأرقام تشكل دلالة واضحة على تعمّق أزمة الشيخوخة في المجتمع الياباني ، حيث يزداد عدد السكان المسنين مقابل انخفاض الفئات الشابة ، مما يضغط على سوق العمل ونظام الضمان الاجتماعي ، وتشير التوقعات إلى أن البلاد قد تواجه انكماشًا سكانيًا كبيرًا في العقود المقبلة ما لم تتغير السياسات الاجتماعية والاقتصادية بشكل جذريً ، وقد ربط محللون هذا التراجع بعوامل متعددة ، من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة ، ضغوط العمل ، ضعف التوازن بين العمل والأسرة ، وتأخر سن الزواج ، إضافة إلى تأثيرات ثقافية تؤثر على قرارات الأفراد بشأن تكوين الأسرة .
في ظل هذا الواقع ، كثّفت الحكومة اليابانية من برامج الدعم المالي للأسر ، الحوافز السكنية ، وتسهيلات تتعلق برعاية الأطفال مثل خفض ساعات العمل للنساء ، لكنها حتى الآن لم تنجح في كبح تراجع الولادات ، وتشير البيانات إلى أن معدل الخصوبة قد انخفض في 2024 إلى حوالي 1.15 طفلًا لكل امرأة ، وهو رقم يقل كثيرًا عن مستوى الإحلال المطلوب ويعكس تحديًا عميقًا أمام جهود الإصلاح …
لا يمكن الحسم تاريخيًا في تحديد أقدم جماعات الصعاليك على وجه الأرض ، سواء أكانوا من العرب أم اليابانيين أم من غيرهم من المجتمعات الأوروبية ، غير أن بعض المقاربات الحضارية ترجّح أسبقية الصعلكة العربية ، استنادًا إلى مركزية مكة المكرمة بوصفها أول بيت وُضع للناس ، وما ارتبط بها من تشكّل مبكر للبنى الاجتماعية خارج الأطر السلطوية ، وفي المقابل ، ورغم الطبيعة الجغرافية لليابان باعتبارها جزيرةً معزولة نسبيًا عن القارة الآسيوية " الكورية " ، فقد شهد المجتمع الياباني نشوء جماعات منظمة ذات طابع شبه إجرامي يعود تاريخها إلى ما بعد تفكك طبقة الساموراية عقب الحروب الأهلية ، حيث تحوّل عدد من المحاربين السابقين إلى تشكيلات عُرفت لاحقًا بالعصابات المنظمة ، والتىّ نظر إليها المجتمع في بعض المراحل بوصفها «أشرارًا شرفاء» نتيجة إلتباس أدوارها بين الحماية والعنف ، إلا أن هذا القبول الاجتماعي النسبي أسهم في توسّع نفوذ تلك الجماعات ، فسيطرت على أنشطة غير مشروعة شملت بيوت الدعارة ، وتجارة المخدرات ، والتلاعب بالأسواق المالية ، ما انعكس سلبًا على البنية الاجتماعية ، وأدى إلى إنهاك الاقتصاد الأسري ، وتفكك الروابط العائلية ، وترسيخ أنماط قيمية بديلة ، وفي سياق التحولات الديموغرافية والاجتماعية الأوسع ، برزت ظاهرة العزوف عن الزواج والإنجاب في اليابان ، يقابلها ازدياد ملحوظ في تربية الحيوانات الأليفة ، حيث تشير البيانات السكانية إلى أن عدد القطط والكلاب المنزلية تجاوز 16 مليونًا ، متفوقًا على عدد الأطفال دون سن ال 15 عشر ، ويُعزى ذلك إلى متطلبات نمط الحياة المعاصر القائم على ساعات العمل الطويلة ، وارتفاع تكاليف تربية الأطفال ، مقابل انخفاض نسبي في كلفة تربية الحيوانات وقدرتها على التكيّف مع العيش المنزلي الفردي ، وقد انعكس هذا التحول في ازدهار سوق مستلزمات الحيوانات الأليفة ، التىّ اقتربت قيمتها السوقية من تريليوني " ين ياباني " ، وتشمل مجالات الرعاية البيطرية ، والأغذية المتخصصة ، والإكسسوارات عالية الكلفة ، وتجدر الإشارة إلى أن هذه التحولات لم تعد حكرًا على المجتمع الياباني ، إذ بدأت بعض المجتمعات العربية تشهد مظاهر مشابهة ، تمثلت في تنامي ثقافة تربية الحيوانات الأليفة لأسباب اجتماعية واقتصادية متقاربة ، مع ما يرافق ذلك من أعباء مالية متزايدة وتنافس اجتماعي ، بما يعكس انتقال أنماط سلوكية وقيمية عبر العولمة الثقافية ،" المراجع: ابن خلدون، المقدمة، دار الفكر؛ جامعة طوكيو؛ تقارير علم الاجتماع الجنائي "، 👈 حيث تظهر مقارنة المجتمعين الياباني والعربي بأن ضغوط الحياة المعاصرة ، من أعباء اقتصادية وطول ساعات العمل وتراجع الاستقرار الأسري ، تؤثر على الأولويات الاجتماعية للإنسان ، وفي كلتا الحالتين ، ينعكس ذلك في تغيّر أنماط العلاقات الأسرية وتنامي النزعة الفردية أو تعايشُ أفرادِ الجنس الواحد مع بعضهم البعض، كما هو الحال في المجتمع الألماني، حيث يكثر الشذوذ أو اللجوء كالمجتمعات الصينية إلى وسائل ارتباط بديلة كالدُّمى والألعاب الإلكترونية وغيرها ، مما يؤكد أن التحديات الاجتماعية الحديثة ذات طابع إنساني شامل ، بغضّ النظر عن الاختلاف الثقافي … والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ذو الفقار يلقّن العالم درسًا📕 في الرجولة - الضوء وال
...
-
من المال🏦إلى البحر🚢: كيف انتقل التنافس والصر
...
-
التنوّع الحضاري في سوريا القديمة وأثره في تشكّل الهوية التار
...
-
انتفاضتان في عالمٍ واحد : الشعب الأمريكي 🇺🇸«
...
-
تحولات الوعي الإنساني بين جيل القنبلة النووية💣 المحر
...
-
إشعال🔥الحرب مع إيران يعني سقوط الخطوط الحمراء: هتلر
...
-
من الظل إلى الواجهة : كيف تحوّل المتحف المصري🇪Ӻ
...
-
ترقّب👈هروب حميدتي من السودان بعد فرار الزبيدي من الي
...
-
هل تأخَّر العرب في إنقاذ ما تبقّى من حاضرهم ؟، هاهو ترمب يعي
...
-
العقيدة الأمريكية🇺🇸 🪢بين الصدمة والص
...
-
من السدّ إلى البنية التحتية للسكك الحديدية 🚂 : تحليل
...
-
انعكاس وجه الطفل المسيح على أرض فلسطين 🇵🇸 ال
...
-
ميناء بربرة 🚢بوابة تل أبيب إلى القرن الإفريقي : أجند
...
-
كريستيانو رونالدو : تحفة كروية أنجبتها البرتغال 🇵
...
-
بين الوهم والصدمة : ظنَّ الإسرائيليون أنهم يفرضون واقعًا جدي
...
-
رحلة الإنسان التقنية 🛜 : من الحجر والورق إلى العالم
...
-
حافي القدمين : عندما يُختزل الوطن في حذاء ، ويبقى الإنسان ره
...
-
جيبٌ هنا وآخرُ هناك… وقناةٌ بديلة: أُطابّق الحصار على مصر
...
-
التحذير الأخير للرئيس ابي احمد في أديس أبابا 🇪Ӻ
...
-
الصعود الآسيوي يعيد تشكيل موازين القوى💪… وواشنطن
...
المزيد.....
-
إليكم ثلاثة مصطلحات استخدمتها CNN للبحث في 3 ملايين صفحة من
...
-
ليدي غاغا تتحوّل إلى -ساحرة- في إطلالات حفل جوائز غرامي
-
فيديو لـ-لحظة خروج صواريخ باليستية من مخازنها في إيران-.. ما
...
-
-من جنسيات عربية-.. وزير الداخلية الكويتي يشرف على ضبط -تشكي
...
-
حريق غامض في قلب طهران والدخان يغطي أحياء واسعة.. ما الذي حد
...
-
فرح ودموع في غزة مع عودة فلسطينيين إلى القطاع بعد فتح معبر ر
...
-
قصف روسي جديد يهز كييف بعد وساطة ترامب.. وزيلينسكي يتهم موسك
...
-
البرازيل: آلاف في ريو دي جانيرو يحيون طقوس تكريم إلهة البحر
...
-
أخبار اليوم: محكمة تونسية تشدد أحكاما بالسجن على معارضين
-
فضيحة إبستين ـ ميركل وحزب -البديل- ضمن وثائق التحقيق
المزيد.....
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
المزيد.....
|