أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إبراهيم اليوسف - جيل الشباب الكردي المهاجر يواصل الذاكرة ويستعيد الحضور















المزيد.....

جيل الشباب الكردي المهاجر يواصل الذاكرة ويستعيد الحضور


إبراهيم اليوسف

الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 02:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


جيل الشباب الكردي المهاجر
يواصل الذاكرة ويستعيد الحضور

إبراهيم اليوسف

كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم العادات، ثم الإحساس الخفي بالانتماء، وهكذا يصحو المرء يوماً فلا يجد ما يدلّه على اسمه سوى وثيقة رسمية باردة.
كبر أطفالنا- هنا- وهم لا يملكون مشهداً واحداً من قريتهم أو حارتهم. أحدهم وصل رضيعاً، آخر جاء في الثالثة، ثالث لم يرَ البلاد قط إلا عبر روايات الأهل. ظننتُ أن هذه المسافة ستخلق فجوةً صامتة، وأن الدعوات إلى لقاءات ثقافية أو ندوات تعريفية لن تجد آذاناً صاغية. حاولتُ مراراً جمعهم حول طاولة حوار، فكان الحضور جد قليل، وجوه مترددة، مجاملات عابرة، كأن الأمر واجب اجتماعي لا أكثر. شعرتُ آنذاك أن الهوّة تتسع، وأن النداء لا يبلغ ما أريده له!
غير أن الوقائع الأخيرة قلبت الحسابات رأساً على عقب، إذ إن الحرب التي استهدفت الكرد أيقظت في دواخلهم طاقة هائلة لم أكن أتوقعها. فجأةً، صار الشاب الكردي الذي طالما كنا نريده أن يحضر نشاطاً ثقافياً، أو حتى اجتماعياً، أول الواصلين إلى الوقفة التضامنية. الشابة التي كانت تلوذ بالصمت صارت تحمل علماً أكبر من قامتها. الأخبار المؤلمة لم تمرّ عليهم مرور العابر، بل هزّت أعماقهم هزّاً. هكذا انقلبت المعادلة، فبدلاً من برود متوقَّع نشأت حرارة اندفاعية لا تحتاج إلى حثٍّ أو توجيه.
إذ تصلهم المقاطع الدامية عبر الشاشات، تراهم يتابعون التفاصيل بالألمانية تارةً وبالكردية تارةً وبالعربية تارةً أخرى. حزنهم واضح، غضبهم صريح، أسئلتهم مباشرة. لم يعد الأمر حكاية يرويها الأب أو الأم، إنما صار قضية تخصّهم شخصياً. من هنا أخذوا زمام المبادرة، يخبر أحدهم أصدقاءه الألمان، يدعو زملاءه من جنسيات شتّى، يشرح لهم ما يحدث بلغة البلد الذي يعيشون فيه. وهكذا خرجت القضية من إطار العائلة إلى المجال العام.
حضورهم في الفعاليات لافت. يصلون باكراً، يجهزون اللافتات، يرتبون الشعارات، يتناقشون حول العبارات الأنسب. نشاط منظم، سلوك منضبط، احترام للقوانين المحلية، إصرار على أن يكون الصوت حضارياً لا فوضوياً. رأيتُ في تصرفاتهم وعياً ناضجاً لا يشبه عفويتنا القديمة. جيلنا تعلم تحت ضغط الخوف والملاحقة، إذ تشكل وعيه وسط صراع البيت مع مدرسة كانت تحاول محو الاسم. أما هؤلاء فقد كبروا في فضاء مفتوح نسبياً، فتكوّن إدراكهم بثقة أعلى وخطاب أوضح.
لكم كنا نتلعثم وهم يصرّحون، إذ كنا نهمس وهم يرفعون الصوت، حيث كنا نخشى التجمع وهم ينظمون صفوفهم بلا تردد. هذا الفرق لا يسوغ الاستخفاف به. خبرتهم مزدوجة. لغة الأم حاضرة في البيت، ولغة المجتمع الجديد حاضرة في الشارع، لذلك استطاعوا مخاطبة الداخل والخارج في آنٍ واحد. طالما إن هناك قوة مزدوجة تمنحهم قدرة على الشرح والإقناع، لا على الشكوى فحسب.

وهكذا فقد تحققت مفارقة عجيبة. ظننا أن البعد سيضعف الصلة، فإذا بالبعد يشدّها أكثر. ظننا أن الغربة ستذيب الهوية، فإذا بها تصقلها. كأن التهديد الخارجي أيقظ فيهم إحساساً دفيناً بالمسؤولية، فلم ينتظروا وصاية أحد، إنما تحركوا بدافع ذاتي. فلطالما يخبر الشاب أباه بموعد الوقفة، لا العكس. تشرح الفتاة لأمها خلفيات حدث سياسي، لا تنتظر شرحاً. حيث ثمة انقلاب أدوار يبعث على الدهشة، إذ صار الأبناء يقودون الخطوة.
من هنا، يتضح أن الرهان الحقيقي لم يكن على استعادة الماضي حرفياً، إنما على صناعة علاقة جديدة مع الجذور. هؤلاء لم يعيشوا القرى والجبال كما عشناها، إنما صنعوا لها صورة ذهنية خاصة. صورة مشحونة بالإرادة لا بالحنين وحده. ارتباطهم ليس بكاءً على أطلال، بل عملاً يومياً، مشاركةً، تنظيماً، ضغطاً مدنياً. من هنا يكتسب فعلهم قيمة عملية لا خطابية.
يبقى أن الطريق لا يخلو من أصوات متحجرة تصرّ على التقوقع داخل خنادق ضيقة. تلك الأصوات تحاول جرّ الشباب إلى خلافات قديمة لا طائل منها. غير أن أثرها محدود، إذ إن الجيل الجديد لا يملك ترف الانقسام، لأنه يدرك أن المعركة أخلاقية قبل أن تكون شعاراتية، وأن وحدة الصف ضرورة لا زينة. لذلك يتجاوز الاستفزاز، يركّز على المشترك، يواصل العمل بصبر.
أراقبهم فأشعر أن خوفي القديم كان مبالغاً فيه. القلق الذي رافقني سنوات تبدد تدريجاً. أمامي جيل يمسك بلغته بإصرار، يتحدث عن بلاده بثقة، يترجم ألمه إلى فعل منظّم. هذا المكسب لا يُقاس بعدد الحاضرين في قاعة ندوة، إنما يُقاس بعدد القلوب التي قررت أن تقول "نحن هنا". هكذا كسبنا رهاناً صعباً، رهان الامتداد، إذ إن السلسلة لم تنقطع، بل ازدادت متانةً.
لكم هو مبهج أن جيل المهاجر لم ينسَ الاسم، بل أعاده إلى الشارع، إلى الساحة، إلى لافتة مرفوعة تحت مطر أوروبي بارد. صورة بسيطة، لكنها تختصر الحكاية كلّها. جيل الشباب الكردي المهاجر الذي يشكل اليوم قوة وعيٍ فعلية لا امتداداً عاطفياً فحسب، إذ يتعامل مع الهوية باعتبارها مسؤولية يومية تُمارَس في الشارع، والمدرسة، والجامعة، ومواقع العمل، لا أطلال سردية غير مُهتم بها قد تكرر في المناسبات، لأن خبرتهم المزدوجة في اللغة والثقافة منحتهم قدرة على الشرح، والتأثير، والتنظيم، بما يفوق ما امتلكته أجيال سابقة عاشت تحت وطأة الخوف والملاحقة، لذلك فهم يتحركون بثقة أعلى وخطاب أوضح وحضور مدني منضبط، لاسيما إن حماسهم لا ينبع من حنينٍ مجرد، إنما من فهم إنساني وفكري وأخلاقي يجعلهم أسرع استجابة، وأكثر التزاماً، وأشد صلابة، في الدفاع عن قضيتهم. وها هي مشاهدهم اليومية تنم عن أن السلسلة لم تضعف في محطة الهجرة، بل ازدادت متانةً، وأن الذاكرة لم ولن تتآكل، بل انتقلت إلى أيدٍ أكثر وعياً، وطاقة، وجرأةً وقدرةً، وإمكانية على التواصل مع الآخر، وتحويل الشعور إلى فعل منظم، بعد أن عمل جيل آبائهم وأجدادهم ما كان في وسعهم أن يقوموا به، تحت وطأة ظروف قاسية، وتحديات كبرى.



#إبراهيم_اليوسف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بطاقة بحث عن اتفاق نيسان الكردي: عندما يهضم ابن البيت حقوق أ ...
- نكسة كانون
- المرسوم ١٣ وحدود الاعتراف قراءة في مكانة اللغة ا ...
- المبادرات الكردية التضامنية في الخارج حضور واسع وحضاري وانضب ...
- عسكرة العشيرة من بيت حماية إلى خزان دم تفكيك الداخل عبر الضغ ...
- الرئيس مسعود بارزاني وكردستان سوريا
- التمثيل الكردي مسؤولية لا امتياز: المطلوب توقيع يجسد إرادة ش ...
- في بؤس استخدام مصطلح- التحرير- الملفق
- التوقيع على البيانات بين المسؤولية وفخ الإيقاع
- في الذكرى الحادية عشرة لانتصار كوباني البطلة قرابين جديدة عل ...
- في الحصار الثاني على مدينة كوباني: الممر الإنساني بين أبي بك ...
- حسين الشرع يشهر سكين التحريض في وجه الهدنة والكرد
- قامشلي في عشية مئويتها! خطاب التعايش في مواجهة مخطط آلة الإر ...
- كوباني تحت الحصار مدينة تُعاقَب بالجوع والعطش
- وقائع التهجير من الحسكة ذعر الحصار وفزع الطرق وشبح الحرب!
- لاحصانة لقاتل: الحرب ليست رخصة للوحشية
- إنهم يثأرون من الحجارة و الموتى أيضاً! تحطيم شواهد مقابر الش ...
- ضفيرة ابنة الجبال الشماء حفيدة ليلى قاسم
- آلية التعتيم الإعلامي الغربي: التغطية على مجازر الكرد عبر تض ...
- نظرية الحرب الاستباقية دفاعاً عن الذات: تركيا والحرب على أرض ...


المزيد.....




- جاستن بيبر يكشف عن وشم لصورة زوجته هايلي في حفل غرامي
- رأي.. كاثرين راسل تكتب: الأطفال في صميم الأخوّة الإنسانية.. ...
- أخبار اليوم: إجلاء 50 ألف شخص تحسبا لفيضانات في المغرب
- فتح معبر رفح أمام عدد محدود من الأشخاص يوميا وإجلاء دفعة أول ...
- بين -اللاءات- والمطالب.. ماذا يحمل وفد إيران لمفاوضات تركيا؟ ...
- خمسة مواقع.. الحكومة المصرية تكشف لغز الروائح الكريهة في منا ...
- القضاء الفرنسي يلاحق إسرائيليتَين بتهمة التواطؤ في الإبادة ب ...
- حضور عربي وإقليمي في المفاوضات الأمريكية الإيرانية المرتقبة ...
- رعاية صحية أم سوق طبية؟
- القوات الكردية تفرض حظر تجوّل في القامشلي قبيل دخول قوات الأ ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إبراهيم اليوسف - جيل الشباب الكردي المهاجر يواصل الذاكرة ويستعيد الحضور