أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود الصباغ - حصانة النخبة و-فردنة- الجريمة: جيفري إبشتين مثالاً















المزيد.....


حصانة النخبة و-فردنة- الجريمة: جيفري إبشتين مثالاً


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 02:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


توطئة
لم يكن جيفري إبشتين، المموّل ورجل الأعمال الأمريكي، مجرّد فرد منحرف أو حالة شاذة داخل النظام، بل شكّل مركز ثقل في شبكة بنيوية متكاملة ضمّت شخصيات نافذة، ومؤسسات قانونية، وفضاءات اجتماعية مغلقة، صُمّمت بعناية لإخفاء أنماط الاستغلال الجنسي للقاصرين وإدارتها. تُظهر التحريات القضائية والتقارير الاستقصائية أن عمل إبشتين كان من داخل المنظومة (وليس من هامشها)، فكان الفاعل والوسيط والمستفيد في آن واحد، ضمن نموذج يعيد إلى الأذهان البنية التي صوّرها فيلم 8mm، لا من حيث الفعل الإجرامي ومن حيث منطق التنظيم والإخفاء.
يتجاوز السياق هنا حدود الجريمة الجنسية إلى ما هو أعمق ليشمل العلاقات الاقتصادية والسياسية التي تمنح القدرة على الإفلات من المساءلة. ومن ثمّ، فإن فهم القضية لا يستقيم دون تفكيك البنية القانونية والاجتماعية التي سمحت باستدامة هذا النمط من الانتهاك، وحوّلته من استثناء إلى ممارسة محمية.
علماً أننا ننطلق من الفصل الصارم بين منطق القضاء ومنطق التحليل النقدي، إذ يشكل غياب الإدانة القضائية، أو وجود تسويات قانونية، جزء من آلية اشتغال الحصانة داخل النظام، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال نفياً للحدث. كما نقارب مفهوم "الإفلات من العقاب" بوصفه نتيجة بنيوية، أكثر كن كونه خلل طارئ أو عرضي. ولهذا الغرض، اعتمدنا على طيف متباين-سواء بطريقة مباسرة أم غير مباشرة- من المواد القضائية والوثائق والتقارير الصحفية الاستقصائية وإفادات بعض المسؤولين السابقين ووثائق رُفعت عنها السرية... وما إلى ذلك. ولا نتعامل مع هذه المواد جميعها كأدلة قضائية متكافئة، أو قاطعة، نظراً لاختلاف درجة التثبّت القانوني والسياق الذي أنتجها. ولا نجد أنفسنا مضطرين للقبول بها أو نفيها. فما يهم التحليل -في نهاية المطاف- قراءة الظاهرة كبنية اجتماعية–سياسية تتجاوز مسألة الإدانة الجنائية من عدمها.
....
يُعدّ الاعتقاد بأن وثائق إبشتين تمثل انعكاساً مباشراً وشاملاً لـ "الحضارة الغربية" جملة وتفصيلاً ضرباً من الاختزال المخل، الذي يقع في فخ الطباق الثقافوي؛ فمثل هذه القراءة تسقط الانحطاط الأخلاقي لفئة أو أفراد على ثقافة كاملة، متجاهلة أن السياقات الحداثية ذاتها التي أفرزت تراكم رأس المال والفردانية المتطرفة والسياسات الإمبريالية، هي التي أنتجت أيضاً آليات التنظيم المدني والقدرة على التمثيل السياسي؛ وهي الآليات التي جعلت الحراك المناصر لغزة في الغرب، من حيث الحجم والاستمرارية، يفوق نظيره في العالم العربي.
غير أن القراءة النقدية لهذه "المكتسبات الحداثية" تقتضي الحذر؛ فهي ليست أدوات محايدة، لأنها تؤدي في كثير من الأحيان وظيفة "صمامات الأمان" لامتصاص الغضب الاجتماعي وإدارته عبر قنوات مضبوطة، بما يضمن ألا يتحول إلى تهديد فعلي لعلاقات الإنتاج أو لبنية الهيمنة الطبقية القائمة. إن الركون إلى الإجابات الاختزالية التي تشيطن "الآخر" يعيد إنتاج الأزمات البنيوية، يقدّم حلولاً سهلة لمظاهر الأزمة، ويخفق في فهم الحقائق المركبة، فيعجز عن إنتاج حلول جذرية. [1]
وبتجاوز هذا الاحتراز المنهجي، ندخل إلى صلب التحليل، حيث يصبح من الضروري إعادة تعريف مفهوم "الشبكة العميقة" خارج دلالته التقنية الرقمية. فنحن لا نقف في قضية إبشتين، أمام مواقع مشفّرة أو فضاءات إلكترونية معزولة ، بل أمام نسخة معدلة من فيلم "8mm" [2]؛ أو لقل نسخة واقعية منه، ألا وهي "نادي النخبة المغلق" الذي يعتمد ما يمكن تسميته "التشفير الاجتماعي"؛ حيث تحل اتفاقيات الصمت، والحصانة غير المعلنة، وشراكات الاستخبارات، محل بروتوكولات الحماية التقنية.
نعم هو الأمر كذلك... ففي هذا العالم، يعمل الانحطاط بمنطق "خط الإنتاج الصناعي"، ويصبح القانون أشبه بجدار حماية (Firewall) يمنع وصول العدالة إلى "الخوادم" الكبرى.
وينبغي-لفهم ظاهرة إبشتين- تجاوز صورة "الرجل الشرير المنفرد"، والنظر إليه بوصفه وظيفة ضرورية داخل بنية الرأسمالية المتأخرة (على حد قول الأدبيات الماركسية الغربية). فهو لم يكن قواداً بالمعنى التقليدي، وإنما سمسار رغبات في سوق الابتزاز، حيث يتحول الإنسان –والقاصر تحديداً– إلى سلعة نادرة للتداول داخل سوق نخبوية مغلقة. في هذا السياق، كان إبشتين جزءً من "بنوك معلومات سوداء" تدير بورصة الأسرار، وتراكم ما يُعرف بـ Kompromat، أي "الأصول الأخلاقية" القابلة للاستخدام في الابتزاز السياسي والاقتصادي، بما يضمن توازن الرعب داخل النخبة.
وضمن خصخصة السيادة، تمنح الثروة الفاحشة أصحابها "جغرافيا قانونية خاصة"؛ فجزيرة إبشتين هي أكثر من عقار، إنها "فضاء سيادي مصغر" خارج نطاق الرقابة الفعلية، يسود فيه النزوات... نزوات "المواطن الذي فوق الدولة". هنا تتجسد القاعدة غبر المعلنة: السجن للفقراء، والفضائح للأغنياء، واللعنة على الغرباء.
وتتجاوز القضية في بعدها المنفعي حدود الفساد الأخلاقي لتدخل في صلب العمل الاستخباراتي، إذ تشير الكثير من التقارير والتسريبات إلى اقتران هذه الشبكة بوظائف استخباراتية بوصفها مصيدة عسلHoney Trap، ارتبطت -وفق قرائن عديدة- بجاز الموساد الإسرائيلي. ويكتسب طلب إبشتين من إيهود باراك نفي أي علاقة له بالموساد دلالة خاصة؛ إذ يكشف عن علاقة وظيفية أكثر منها شخصية. وقد سمحت الولايات المتحدة لهذه الشبكة بالعمل على أراضيها إما بوصفها شكلاً من "الاستعانة بمصادر خارجية" في جمع المعلومات، أو لأن النظام السياسي هناك أصبح "مرتهناً" لمواد الابتزاز التي راكمها إبشتين ومشغلوه.
فهم إبشتين أن المال وحده لا يكفي، ولا بد من غطاء أخلاقي ومعرفي. لذلك اخترق مؤسسات أكاديمية مرموقة عبر التبرعات، وقبلت الرأسمالية الأكاديمية الجشعة هذا "المال القذر" مقابل تمويل الأبحاث، لتتحول من حارسة للقيم إلى "غسالة" سمعة. فحين يكون الجاني غربياً أبيض، تسارع المؤسسة إلى عزل الجريمة داخل فردانية الجاني، وفق منطق "التفاحة الفاسدة". ولم تحصل أي من ضحايا إبشتين على عدالة كاملة، وكان الطريق الأسهل هو "شراء الصمت"؛ حيث حولت "صناديق التعويضات" العدالة من عقوبة للجاني إلى "صك مالي للضحية" [3]، بشرط التنازل عن الملاحقة القانونية. أو عبر تسويات دون إدانة؛ حيث يؤمن المال "عدم الاعتراف بالمسؤولية"، ليُغلق الملف قانونياً وتبقى السمعة نظيفة في السجلات الرسمية [4].
لفهم عمق المأزق، علينا استعارة مفهوم التزامن (Synchronicity) من علم النفس التحليلي ومقارنته بما حدث هنا [5].
في عالم إبشتين، نحن أمام نسخة شيطانية من التزامن؛ حيث لا يترك الكون شيئاً للصدفة، بل تتولى الشبكة هندسة الأقدار. إن اجتماع كل هؤلاء الرؤساء والعلماء والأمراء في مكان واحد لم يكن توافقاً قدرياً، بل كان نتاج "سببية خفية" ومحكمة. يلعب إبشتين هنا دور "صانع المصادفات"؛ يضع الطعم على مقعد الضحية في اللحظة المناسبة تماماً، ليظن الهدف أن القدر يبتسم له، بينما هو في الحقيقة يخطو بقدميه داخل خوارزمية ابتزاز أُعدت سلفاً. إنها "شبكة عميقة" تخفي المعلومات والروابط السببية للأحداث، فتحول الجريمة المنظمة إلى سلسلة من "المصادفات السعيدة" للنخبة.
إن وثائق إبشتين تعري "الاستعلاء الأخلاقي" الغربي، وتثبت أن شعارات حقوق الإنسان تسقط فوراً عند حدود مصالح "النخبة البيضاء". ولا تفهم المسألة كفشل عرضي في تطبيق القانون، بل ينبغي قراءتها كنموذج مكتمل لهندسة الحصانة داخل الدولة الليبرالية المتقدمة. هذه الهندسة لا تُبنى عبر جهاز واحد، وإنما من خلال تواطؤ طبقات قانونية واجتماعية واستخباراتية. والفضيحة الحقيقية ليست فيما ارتكبه إبشتين وضيوفه فحسب، بل في النظام الذي سمح بوجوده، وحماه لعقود [6]، وسهل عمل شريكته [7]، ثم قتله (أو تركه يموت) ليحمي الرؤوس الكبيرة.
تكشف هذه الوثائق عن عطب بنيوي عميق في المنظومة الغربية، يتجاوز كونه مجرد انحراف أخلاقي لأفراد، ليطال جوهر "الرأسمالية المتوحشة" وآليات الحماية التي توفرها لنخبها.
نحن هنا أمام مشهدية فجة للنفاق المؤسسي، حيث يشتري المال "الحصانة"، وتتحول العدالة من قيمة مطلقة إلى سلعة خاضعة للتفاوض، فيعاد تعريف الجريمة بناءً على هوية الفاعل وليس على فداحة الفعل.
طيب... وماذا عن الجدوى من فضح شبكة إبشتين ومشغليه؟
يقيناً، لن يحاكم أحد من نخبة النخبة... ولكن الفائدة لنا ليس قضائية (وإن كنا نأمل ذلك)، بل هي فائدة معرفية تاريخية، تتمثل في سقوط القناع الأخلاقي عن الغرب الذي بنى هيمنته طوال قرونٍ ليس فقط بالقوة العسكرية، بل بـ "القوة الناعمة" والادعاء بأنه الوصي على الأخلاق وحقوق الإنسان. لقد أتت هذه الوثائق لتعري هذا الادعاء وتُنهي أسطورة "المؤامرة": فما كان يُسخّف سابقاً ويوصف بنظريات المؤامرة حول فساد النخب العالمية، أصبح الآن وثائق رسمية وحقائق لا تقبل الشك.
جيفري إبشتين هو التجسيد الحي لـ "الجانب المظلم" من تبعات تراكم رأس المال؛ حيث تلتقي السلطة المطلقة بالفساد المطلق، وحيث يصبح القانون مجرد إجراء بيروقراطي لإدارة شؤون الفقراء، بينما يدير الأغنياء شؤونهم بقوانين الغابة المغلفة بالحرير. وعند مقارنة التغطية الإعلامية الغربية لقضيته بقضايا مشابهة في دول غير غربية، نجد أننا أمام "هندسة سردية" متقنة، تعتمد على معايير مزدوجةٍ صارخة؛ من خلال حصر القضية في شخص إبشتين وشريكته غيسلين ماكسويل، وتصويره كـ "تفاحةٍ فاسدة" انحرفت عن القيم الغربية. ولو حدث هذا في دولة إفريقية أو عربية، لكانت العناوين تتحدث عن "فسادٍ ثقافي" أو "انحطاطٍ مجتمعي"، ولتحملت "الثقافة المحلية" أو "الدين" وزر الجريمة.
ورغم ظهور أسماء سياسيين كبار، حرص الإعلام الغربي على فصل "المؤسسة السياسية" عن "السلوك الشخصي"، فقيل إنهم أخطأوا في "اختيار أصدقائهم"، ولم يُقل إن "النظام الديمقراطي الأمريكي يفرز مغتصبين".
....
المصادر:
1. تغطية صحيفة نيويورك تايمز لملف إبشتين وشبة النفوذ المقال الاستقصائي الشامل لعام 2019 حول ثروة إبستين وعلاقاته
https://www.nytimes.com/2019/07/30/business/jeffrey-epstein-net-worth.html وثمة تغطية كاملة للقضية على موقع الصحيفة هناhttps://www.nytimes.com/topic/person/jeffrey-epstein
2.محاكمة غيسلين ماكسويل: المقال التحليلي لمخرجات المحاكمة (2021): https://www.theguardian.com/us-news/2021/dec/29/ghislaine-maxwell-trial-verdict-key-takeaways
3.السجلات القضائية الفيدرالية: رابط مباشر لملف القضية رقم 08-CR-00227 (فلوريدا) التي عقد فيها "صفقة أكوستا": Court Listener: United States v. Epstein (Case No. 9:08-cr-00227)
وثائق رُفعت عنها السرية (كانون الثاني 2024) https://www.documentcloud.org/app?q=%2Bproject%3Ajeffrey-epstein-documents-211659%20
4 التحقيق الاستقصائي حول فضيحة إبستينhttps://www.pbs.org/wgbh/frontline/article/jeffrey-epstein-documents-unsealed/
5.فيلم 8mm https://www.imdb.com/title/tt0134273/
6.Bartlett, Jamie. "The Dark Net", Melville House, 2015. https://books.google.se/books/about/The_Dark_Net.html?id=MGw5BgAAQBAJ&re-dir-_esc=y
....
الهوامش
[1]منهجياً، لا يمكن التعامل مع جميع وثائق إبشتين بوصفها حقائق قضائية مكتملة؛ إذ إن جزءً منها لا يتجاوز كونه مراسلات، إفادات، أو ادعاءات لم تُحسم قانونياً. غير أن هذا لا ينتقص من القيمة التحليلية لـ"ظاهرة إبشتين" بوصفها مؤشراً على انحطاط طبقي–سياسي بالغ العمق داخل النخب الغربية. إن الإحالة إلى هذه الوثائق هنا ليست توثيقية بقدر ما هي بنيوية، تهدف إلى فهم آليات الحصانة الاجتماعية والقانونية، دون الخوض في تفاصيل القضايا الفردية. وعليه، تُدرج الظاهرة ضمن تحليل أوسع للهيمنة الطبقية، وتقاطعات السلطة بالمال، وحدود المساءلة داخل النظام الليبرالي (الرأسمالي المتأخر).
[2] فيلم "8mm": عمل سينمائي (1999) ينتمي إلى سرديات العنف الأقصى(Snuff film) تدور حبكته حول محققٍ خاصٍ يعثر داخل خزنة ملياردير راحل على شريط فيديو يوثق جريمة قتل حقيقية لفتاة قاصر. ونستخدم مثال الفيلم هنا كإحالة رمزية مرجعية لتقاطع الثراء الفاحش مع الانحراف السادي. يمثل الفيلم جهداً مبكراً لمنطق بنيوي سيصبح فيما بعد جزءً من الواقع الرقمي المعاصر، أي تحويل العنف الأقصى إلى مادة قابلة للتداول ضمن فضاءات مغلقة، تُدار بآليات سوقية، ويجري حمايتها بمسافات تقنية ونفسية محسوبة تفصل بين الفعل الإجرامي ومتلقيه. ما يلفت في الفيلم السياق الذي تندرج فيها مشاهد الانتهاك؛ حيث يُعاد تعريف الجريمة بوصفها محتوى، والمشاهدة بوصفها استهلاكاً منزوع المسؤولية. ولا يبدو -ضمن هذا الإطار- الانتقال من الشريط المادي إلى الوسيط الرقمي قطيعة بقدر ما هو استمرار بنيوي. فما تغيّر هو شكل التداول ودرجة الإخفاء، وليس المنطق الناظم. ففي الفيلم يكون الدليل مادياً، محدود النسخ، وقابلاً للتتبع. أما في البيئة الرقمية المعاصرة، أصبح الدليل سيالاً، قابلاً للمحو وإعادة الإنتاج، ويتحرّك ضمن فضاءات تتقاطع فيها التقنية مع هشاشة القانون وتآكل المساءلة الأخلاقية. بهذا المعنى، لا تكمن "النسخة الواقعية" من الفيلم، أي قضية إبشتين، في تشابه المحتوى أو فظاعته. إنما في تشابه البنية التي تنظّم العلاقة بين الفاعل، والوسيط، والمتلقي. ثمة بنية هنا تُعيد تعريف الحدود بين الفضول والمشاركة، وتُحوّل الاستهلاك إلى ممارسة تبدو محايدة، رغم أنها عنصر فاعل في استدامة المنظومة ذاتها. وهنا يبرز الالتباس المفاهيمي حول مصطلح الشبكة العميقة (Deep Web)، الذي يُستدعى غالباً بوصفه مرادفاً تلقائياً للعالم الإجرامي. فيشير المصطلح من الناحية التقنية إلى كل ما هو غير مفهرس بواسطة محركات البحث القياسية من محتوى الإنترنت، وهو حيّز واسع ومحايد في ذاته. أما الإحالة هنا فتشير إلى التوظيف السوسيولوجي للمصطلح للدلالة على "الطبقة المخفية" من النخبة العالمية؛ وهي شبكة بشرية مغلقة تعمل خارج نطاق "فهرسة" القانون والعدالة. وتبدأ الإشكالية عند تلك الطبقات المصمّمة لإخفاء الهُوية، حيث تلتقي البنية التقنية بالسوق والطلب، وتُنتج نمطاً من الانفصال الأخلاقي يسمح بممارسة الانتهاك ومشاهدته وتداوله دون الإدراك بأنه فعل جماعي قائم على سلسلة من المشاركات غير المباشرة. وعليه، لا ينحصر السؤال في وجود هذا العالم أو ندرته، بل في الدرجة التي أصبح فيها ممكناً اجتماعياً وأخلاقياً، دون أن يخلخل تصوّراتنا عن المسؤولية، أو يعيد طرح السؤال الأقدم: متى تتحوّل المشاهدة إلى تواطؤ؟
[3] في أعقاب انتحار إبشتين، أنشأ "برنامج تعويض ضحايا إبستين". جرى الترويج لهذا البرنامج على أنه آلية إنصاف، لكنه عملياً أدى وظيفة مغايرة، فقد تحول إلى آلية إسكات. فالحصول على التعويض كان مشروطاً بتوقيع تنازل قانوني يمنع الضحية من رفع دعاوى قضائية مستقبلية ضد تركة إبشتين أو "شركائه" المحتملين. وبهذه الصيغة أعيد تعريف العدالة من محاسبة الجناة إلى تعويض الضحايا. لقد فام المال هنا بوظيفته الرأسمالية الكلاسيكية حين "اشترى" الصمت والحق العام، فحول الأخير إلى ملف خاص وأغلق باب التقاضي العلني التي قد تكشف مستقبلاً الشبكة الأوسع. وهنا وجد الضحايا أنفسهم(ومعظمهم من النساء) أمام خيارين: إما الاستمرار في معركة قد تستمر 10 سنوات وتنتهي بالإفلاس والانهيار العصبي، أو القبول بالتسوية والانسحاب.
[4]في قضية الأمير أندرو مع فيرجينيا جوفرين، اعتمد فريق الدفاع القانوني استراتيجية تقليدية قائمة على التشكيك في الذاكرة والمصداقية. ومع اقتراب موعد المحاكمة العلنية، جرى التوصل إلى تسوية مالية ضخمة، قُدّرت بأكثر من 12 مليون جنيه إسترليني، مشروطة بعدم الإقرار بالمسؤولية. قانونيًا، أُغلق الملف؛ رمزياً، بقيت سمعة الأمير دون إدانة رسمية، وحُفظت القضية في سجل "التسويات". تمثل هذه الواقعة نموذجاً دقيقاً لكيفية اشتغال الحصانة داخل النظم الملكية–الليبرالية: المال كبديل عن الحقيقة، والتسوية كبديل عن العدالة.
[5] لفهم القصد من التزامنSynchronicity "المصنوع" ومقارنته بالتزامن "القدري" في شبكة إبشتين، نستحضر مفهوم التزامن بالإشارة إلى الواقعة الشهيرة للممثل أنتوني هوبكنز كمثال واقعي. صاغ عالم النفس كارل يونغ هذا المفهوم لتفسير مثل هذه الظواهر بوصفها "مبدأ ربط غير سببي"؛ أي تقاطع الأحداث ذهنياً ومادياً لغرضٍ ذي معنى. وتتلخص القصة في أن هوبكنز كان يتحضر لأداء دور في فيلم "فتاة من بيتروفكا"؛ فبحث عن الرواية في مكتبات لندن كافة دون جدوى، ليعثر بالمصادفة عليها في محطة مترو، وكانت نسخة مليئة بهوامش وملاحظات ساعدته في أداء الدور. وتكتمل دائرة "اللامعقول" حين يلتقى هوبكنز لاحقاً بمؤلف الرواية، جورج فيفر، الذي أخبره بأسى عن ضياع نسخته الشخصية من الرواية المليئة بتعليقاته الجانبية؛ ليكتشفا أن النسخة التي عثر عليها هوبكنز هي ذاتها نسخة المؤلف.
[6] مثال على ذلك ألكسندر أكوستا الذي شغل منصب المدعي العام الفيدرالي لجنوب فلوريدا إبان التحقيقات الأولى مع إبشتين (2008)، ثم وزير العدل في إدارة ترامب. ويُعد المسؤول المباشر عن صياغة "اتفاق عدم الملاحقة" (Non-prosecution agreement) غير المسبوق في تاريخ القضاء الأمريكي، الذي منح "حصانة فيدرالية شاملة" لأي "متآمر محتمل". لم يكتف أكوستا بتخفيف عقوبة إبشتين إلى سجن صوري مدة 13 شهراً (مع حق الخروج للعمل 12 ساعة يومياً)، بل منح "حصانة فيدرالية شاملة" لأي "متآمر محتمل" (Potential co-conspirators) لم يُذكر اسمه في الدعوى، ما شكل درعاً قانونياً حمى شركاء إبشتين الكبار لسنوات. وتكمن أهميته القصوى في تبريره لهذا التساهل أمام فريق الانتقال الرئاسي لترامب لاحقاً، إذ صرّح بوضوح: "قيل لي إن إبشتين ينتمي للاستخبارات، وعلينا تركه وشأنه"؛ ما يُعد الاعتراف الرسمي الوحيد من مسؤول حكومي بوجود غطاء استخباراتي (فوق-قانوني) لهذه الشبكة.
[7] والحديث هنا عن غيسلين ماكسويل ابنة روبرت ماكسويل (إمبراطور الإعلام البريطاني وعميل الموساد المشتبه به، الذي حظي بجنازة دولة في إسرائيل، وقد وصفه شمعون بيريز بقوله "لقد فعل لإسرائيل أكثر مما يمكننا قوله الآن). لم تكن علاقتها بإبشتين عاطفية فحسب، بل "تشغيلية" (مديرة الموارد البشرية للشبكة). تولت مهمتي "تطبيع الشر" ، أي استخدام نفوذها الاجتماعي لتقديم إبستين للملوك والرؤساء (مثل الأمير أندرو وبيل كلينتون) ومنحه غطاء الشرعية. و"صيد الضحايا"، إذ كانت تكسب ثقة الفتيات القاصرات لكونها امرأة، ما يسهل استدراجهن.. وتشير التحليلات والتقارير والقرائن إلى أنها ورثت "ملفات والدها وعلاقاته" مع الموساد، وأن إبستين كان الواجهة المالية لهذه الوراثة. الحكم عليها بالسجن 20 عاماً كان الحل الأمثل للنظام: معاقبة "الوجه القبيح" للجريمة، مع ضمان بقاء "الصندوق الأسود" (قائمة الزبائن) مغلقاً للأبد داخل زنزانتها.



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تهافت رأس المال الاستعماري: خطاب -الواقعية القائمة على القيم ...
- مئوية فرانتز فانون في فلسطين
- عن الطوفان وأشياء أخرى (55)
- توطئة في سوسيولوجيا الإكراه: من دولة القانون إلى دولة الإنفا ...
- فيزياء الإبادة: هندسة -الإنتروبيا- وتقويض الوجود الفلسطيني
- نقد -الواقعية المتخيلة- عند ماجد كيالي: تفكيك الإسقاط السوري ...
- عن -الحيوان- السياسي المعاصر
- صراع سرديات أم صراع على الأرض: فساد الخطاب الأخلاقي عند يو&# ...
- استعادة فلسطين: قراءة في بنية الدول الاستعمارية الاستيطانية
- عن الطوفان وأشياء أخرى (54)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (53)
- عن الطوفان واشياء أخرى (52)
- عن الطوفان وأشياء أخرى(51)
- انتفاضة الحجارة في زمن الإبادة والتطبيع والتنسيق
- قراءة في كتاب ستانلي ميلغرام. الطاعة للسلطة: وجهة نظر تجريبي ...
- انتفاضة الحجارة :بين العفوية و القصدية
- سوريا اليوم... نحو لغة سياسية جديدة
- زمن الضفادع: مجازات الطغيان في التجربة السورية
- جدل الصمت، الحضور الخفي وانكسار الإيمان
- دونالد ترامب وعصر ما بعد الحقيقة في الخطاب السياسي


المزيد.....




- إليكم ثلاثة مصطلحات استخدمتها CNN للبحث في 3 ملايين صفحة من ...
- ليدي غاغا تتحوّل إلى -ساحرة- في إطلالات حفل جوائز غرامي
- فيديو لـ-لحظة خروج صواريخ باليستية من مخازنها في إيران-.. ما ...
- -من جنسيات عربية-.. وزير الداخلية الكويتي يشرف على ضبط -تشكي ...
- حريق غامض في قلب طهران والدخان يغطي أحياء واسعة.. ما الذي حد ...
- فرح ودموع في غزة مع عودة فلسطينيين إلى القطاع بعد فتح معبر ر ...
- قصف روسي جديد يهز كييف بعد وساطة ترامب.. وزيلينسكي يتهم موسك ...
- البرازيل: آلاف في ريو دي جانيرو يحيون طقوس تكريم إلهة البحر ...
- أخبار اليوم: محكمة تونسية تشدد أحكاما بالسجن على معارضين
- فضيحة إبستين ـ ميركل وحزب -البديل- ضمن وثائق التحقيق


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود الصباغ - حصانة النخبة و-فردنة- الجريمة: جيفري إبشتين مثالاً