أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أقبال المؤمن - إشاعة قيم النزاهة… معركة وعي















المزيد.....

إشاعة قيم النزاهة… معركة وعي


أقبال المؤمن

الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 13:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد الفساد في كثير من المجتمعات ظاهرة طارئة أو سلوكاً معزولاً، بل تحوّل في أحيان كثيرة إلى ‏ثقافة مُطبَّعة تُمارس علناً وتُبرَّر سراً، وسط صمت مجتمعي مقلق وتراجع واضح لقيم النزاهة ‏والمسؤولية. فالأخطر من الفساد ذاته، هو الاعتياد عليه والتعامل معه كجزء من الواقع اليومي‎.‎
إن الحديث المتكرر عن النزاهة يفقد معناه عندما يبقى حبيس الشعارات والخطابات، بينما تمارس ‏على أرض الواقع أنماط متعددة من المحسوبية، واستغلال النفوذ، والتجاوز على المال العام، دون ‏محاسبة حقيقية أو رادعة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لقيم النزاهة أن تنتشر في بيئة لا ‏تكافئ النزيه ولا تعاقب الفاسد؟
ثقافة الفساد لا تنمو من فراغ، بل تجد بيئة حاضنة في ضعف الرقابة، وتسييس القوانين، وازدواجية ‏المعايير، حيث يُحاسَب الضعيف ويُحصَّن المتنفذ. ونتيجة لذلك، تتآكل ثقة المواطن بالمؤسسات، ‏ويصبح الالتزام بالقانون خياراً خاسراً في نظر الكثيرين‎.‎
الإعلام، الذي يُفترض أن يكون خط الدفاع الأول عن النزاهة، يجد نفسه أحياناً مقيداً أو متردداً أو ‏منشغلاً بقضايا هامشية، في حين تحتاج المعركة ضد الفساد إلى إعلام جريء ومسؤول، لا يخشى ‏كشف الخلل، ولا يساوم على الحقيقة، ولا يكتفي بنقل البيانات الرسمية‎.‎
إن إشاعة قيم النزاهة تتطلب أولاً الاعتراف بعمق الأزمة، والتوقف عن تلميع الواقع، والانتقال من ‏مرحلة التبرير إلى مرحلة المواجهة الصريحة. فالنزاهة لا تُفرض بالقوانين وحدها، بل تُبنى بإرادة ‏سياسية حقيقية، ومحاسبة عادلة، ومجتمع يرفض الصمت، ويؤمن بأن السكوت عن الفساد مشاركة ‏فيه‎.‎
فالنزاهة تمثل إحدى القيم الإنسانية الأساسية التي يقوم عليها استقرار المجتمعات وتقدمها، فهي ليست ‏مجرد التزام قانوني، بل سلوك أخلاقي يومي يعكس وعي الفرد ومسؤوليته تجاه نفسه ومجتمعه. وفي ‏المقابل، يشكل الفساد خطراً حقيقياً يهدد التنمية ويقوض الثقة بين المواطن والمؤسسات‎.‎
إن إشاعة قيم النزاهة تبدأ من الإيمان بأن لكل فرد دوراً في مواجهة الفساد، مهما كان موقعه أو ‏وظيفته. فالنزاهة تُمارس في احترام الوقت، والحفاظ على المال العام، والالتزام بالقانون، ورفض ‏الواسطة والرشوة، وعدم السكوت عن الخطأ‎.‎
وتبرز أهمية التوعية في ترسيخ هذه القيم، لا سيما عبر مؤسسات التعليم والإعلام، حيث يسهم غرس ‏مبادئ الأمانة والشفافية منذ المراحل الأولى في بناء جيل واعٍ يدرك أن الفساد ليس قدراً محتوماً، بل ‏سلوك يمكن مقاومته وتغييره‎.‎
كما يؤدي الإعلام دوراً محورياً في تعزيز ثقافة النزاهة، من خلال نشر الوعي، وتوضيح مخاطر ‏الفساد على المجتمع والاقتصاد، وتسليط الضوء على النماذج الإيجابية التي تمثل قدوة حقيقية في ‏النزاهة والعمل المسؤول‎.‎
إن مكافحة الفساد لا تتحقق بالعقوبات وحدها، بل عبر بناء ثقافة مجتمعية رافضة له، تشجع على ‏النزاهة وتكافئ الملتزمين بها. فحين تصبح النزاهة قيمة مشتركة، يتحول المجتمع بأكمله إلى خط ‏دفاع قوي في مواجهة الفساد‎.‎
أما في العراق، لم يعد الحديث عن الفساد قضية هامشية أو ظرفية، بل أصبح واحداً من أكثر الملفات ‏إلحاحاً وتأثيراً على حياة المواطن اليومية، بدءاً من الخدمات الأساسية، مروراً بالإدارة والوظيفة ‏العامة، وصولاً إلى ثقة المواطن بمؤسسات الدولة. والأخطر من حجم الفساد نفسه، هو تحوّله لدى ‏البعض إلى واقع معتاد يُتعامل معه بالتكيّف أو الصمت، في ظل تراجع واضح لقيم النزاهة ‏والمساءلة‎.‎
لقد أفرزت سنوات طويلة من الأزمات السياسية والاقتصادية والإدارية بيئة معقدة، سمحت بانتشار ‏أنماط مختلفة من الفساد، مثل المحسوبية، والوساطة، واستغلال المنصب، والتلاعب بالمال العام. ومع ‏غياب التطبيق الصارم للقانون في بعض المفاصل، أصبح المواطن يشعر أن النزاهة خيار أخلاقي ‏مكلف، بينما يحقق الفساد مكاسب سريعة لأصحابه‎.‎
فالمواطن العراقي لا يلمس الفساد بوصفه مفهوماً مجرداً، بل يواجهه يومياً في تفاصيل حياته البسيطة: ‏معاملة متأخرة في دائرة رسمية، خدمة لا تُنجَز إلا بـ«واسطة»، وظيفة تُمنَح لغير المستحق، أو ‏مشروع خدمي يُعلن عنه ولا يرى النور. في هذه التفاصيل تتجسد ثقافة الفساد، ويتحوّل غياب النزاهة ‏من مشكلة إدارية إلى عبء اجتماعي واقتصادي يطال الجميع‎.‎
في الوظيفة العامة، تتجلى أزمة النزاهة بوضوح عندما يُهمَّش معيار الكفاءة لصالح العلاقات ‏الشخصية أو الانتماءات، فيشعر الموظف النزيه بأن جهده لا يُقدَّر، بينما يُكافأ من يجيد الالتفاف على ‏القوانين. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الواقع إلى رسالة سلبية مفادها أن النزاهة لا تصنع مستقبلاً، ‏وأن الالتزام الوظيفي خيار خاسر في بيئة لا تحميه‎.‎
أما في ملف الخدمات، من الكهرباء والماء إلى البلديات والصحة، فإن ضعف النزاهة ينعكس مباشرة ‏على جودة ما يُقدَّم للمواطن. فمشاريع تُرصد لها أموال كبيرة، لكنها تُنفَّذ بشكل ناقص أو متعثر، ‏ووعود خدمية تتكرر دون نتائج ملموسة، ما يعزز شعور الإحباط ويفتح الباب أمام فقدان الثقة بالدولة ‏ومؤسساتها‎.‎
وفي ما يخص التعيينات، يشكّل غياب العدالة والشفافية أحد أبرز مصادر الاحتقان المجتمعي، ولا ‏سيما بين فئة الشباب. فحين يرى الخريج أن فرص العمل لا تُمنَح على أساس الاستحقاق، بل عبر ‏الوساطة أو النفوذ، تتراجع قيمة التعليم والاجتهاد، ويتعمق الإحساس باللاعدالة، الأمر الذي يهدد السلم ‏الاجتماعي ويضعف الانتماء الوطني‎.‎
إن إشاعة قيم النزاهة في هذا السياق ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة لإصلاح الحياة اليومية للمواطن‎. ‎فهي تعني موظفاً ينجز المعاملة دون مقابل غير مشروع، ومشروعاً خدمياً يُنفَّذ وفق المواصفات، ‏وتعييناً يستند إلى الكفاءة لا العلاقات. وهي أيضاً تعني وجود قانون يُطبَّق على الجميع، ومحاسبة لا ‏تميّز بين موقع وآخر‎.‎
ولهذا فالنزاهة في السياق العراقي ليست قيمة نظرية فقط، بل حاجة وطنية ملحّة لاستعادة ثقة الشارع ‏بالدولة. فهي تعني إدارة عادلة للموارد، وتكافؤ الفرص، وتقديم الخدمات دون تمييز، واحترام كرامة ‏المواطن. وعندما تُطبَّق النزاهة بانتقائية، أو تُرفع كشعار دون ممارسة فعلية، تتحول إلى مفهوم فاقد ‏للمصداقية‎.‎
أن معركة النزاهة في العراق ليست معركة نخبوية، بل قضية مجتمع بأكمله‎. ‎فمواجهة ثقافة الفساد ‏تبدأ من الفرد، لكنها لا تنجح دون إرادة مؤسسية حقيقية وإعلام واعٍ وتعليم مسؤول. وبقدر ما ننجح في ‏تحويل النزاهة من شعار إلى ممارسة يومية، نخطو خطوة حقيقية نحو دولة القانون والمؤسسات، ‏ونفتح أفقاً لمستقبل أكثر عدلاً واستقراراً‎.‎



#أقبال_المؤمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زهران ممداني. المرشح الذي جعل السياسة تتكلم بلسان الناس
- الديمقراطية الأمريكية بين التنفس الإعلامي والاحتضار القيمي
- من سيحكم العراق بعد الانتخابات 2025
- تقاطع الخطاب الاعلامي العراقي - المشكلة ام الحل
- العبادي بين مطرقة الاحزاب وسندان الانتفاضة
- الدكتاتورية المزدهرة في العراق
- فن المقال النقدي
- لهنريك أبسن دمى في العراق
- وليم شكسبير الفلاح السياسي
- مشاهد يندى لها الجبين القتل الجماعي ..والرسوب الجماعي.. و جل ...
- لا قول بعد ما قالَ العِراقُ
- من يعرف داعش لا يصدق انها في الموصل
- العراق لا يحتاج الى قائد معجزة
- اكرام الميت دفنه
- ارهابي في سورية و ثوري في العراق
- الغائب الحاضر سعد قيس مرادونا
- واحد زائد واحد كم الناتج يا ساسة العراق
- مرتزقة السياسة وسياسة المرتزقه
- العراق ! اين هو من دولة العراق ؟
- هل بات التغيير الجذري في العراق قاب قوسين او ادنى ؟


المزيد.....




- وزير الخارجية الإيراني لـCNN: الاتفاق مع أمريكا ممكن بشرط
- السعودية تعلن عزمها تخصيب وبيع اليورانيوم
- نقاش حاد بين مذيع الجزيرة مباشر ووزير إسرائيلي سابق حول فتح ...
- وثائق إبستين تكشف عن نقاشات بشأن خليفة لبوتين
- رئيس مجلس النواب الأمريكي يرجح إنهاء الإغلاق الحكومي الثلاثا ...
- كيف سعت إسرائيل لتفريغ فتح معبر رفح من مضمونه؟
- محللون: هكذا تحاول إسرائيل تكرار نموذج الضفة في غزة
- بدء تشغيل معبر رفح بعد الإغلاق الإسرائيلي شبه الكامل له
- -إعصار القنبلة- ينحسر وموجة البرد القطبية لا تزال مستمرة.. م ...
- مصر.. المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يمنع ظهور هاني مهنا إعلام ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أقبال المؤمن - إشاعة قيم النزاهة… معركة وعي