علي لهروشي
كاتب
(Ali Lahrouchi)
الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 10:39
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم يعد تحريك الآلة العسكرية الأمريكية في اتجاه المنطقة، تمهيدًا للانضمام إلى ربيبتها إسرائيل، حدثًا عابرًا ولا استعراضًا للقوة كما يحاول البعض التسويق لذلك. فالقطع الحربية التي تقطع آلاف الأميال بحرًا نحو حدود إيران، وحاملات الطائرات التي تُدفع تباعًا إلى المياه الإقليمية المحيطة بها، لا تأتي في رحلة ترفيهية ولا في إطار مناورات روتينية، بل ضمن استعداد عسكري شامل لشن عدوان مباشر وفتاك. من يرفض الاعتراف بهذه الحقيقة إما يتعمد التضليل أو يعيش خارج منطق السياسة والتاريخ. وعليه، فإن السؤال لم يعد إن كانت الحرب ستقع، بل متى ستقع وأين وكيف، مع تحديد الأهداف مسبقًا، كما جرت العادة في كل الحروب الأمريكية السابقة.
اللغة التهديدية نفسها، والسيناريو ذاته، والتكتيكات عينها، استُعملت سابقًا ضد إيران وضد العراق وأفغانستان واليمن وفنزويلا، ولا تزال تُستعمل اليوم بلا أي تغيير. التاريخ حافل بهذه التجارب، ومن يظن أن الولايات المتحدة ستبتكر نموذجًا أخلاقيًا جديدًا في تعاملها مع خصومها و خصوم ربيبتها إسرائيل فهو إما ساذج أو متواطئ. وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل يُعقل أن تبقى الدول المستهدفة بالعدوان الأمريكي-الصهيوني في موقع الانتظار، تراقب اقتراب الأساطيل والقواعد العسكرية، دون أن تبادر باستخدام ما تملكه من قوة قبل بدء العدوان؟ هل المطلوب منها أن تنتظر لحظة بدء الهجوم و العدوان عبر الضربة الأولى كي تُدمَّر بنيتها التحتية وتُشلّ قدرتها على الرد، ثم يُقال لها لاحقًا إن عليها الدفاع عن نفسها؟
صحيح أن الحرب خدعة، لكن الإمبريالية الأمريكية المتغطرسة لا تُخفي نواياها أصلًا، بل تعلنها صراحة عبر وسائل الإعلام الدولية، وتتباهى بتحريك قواتها باتجاه الدولة المستهدفة، وتتصرف وكأن العالم بلا ذاكرة. أي منطق استراتيجي يسمح لإيران أو لغيرها أن تبقى مكتوفة الأيدي، كأرنب يترقب قدوم الثعلب؟ لقد أعلنت أمريكا الحرب فعليًا، وصرّحت برغبتها في معاقبة إيران، متقمصة دور شرطي العالم، ومنحت نفسها حق القتل والتدمير باسم النظام الدولي. و قد كان على صانع القرار الإيراني أن يكون خياره في هذه اللحظة المحرجة واضحًا لا لبس فيه: المبادرة أولًا، والسبق بالهجوم على البواخر الحربية وحاملات الطائرات الأمريكية، وقطع الطريق أمامها قبل وصولها إلى محيط إيران، وفرض معادلة ردع بالقوة، لا بالبيانات ولا بالوساطات. عندها فقط يمكن الحديث عن مفاوضات جدية، لا مفاوضات تحت فوهة المدافع، ولا استسلامًا مقنّعًا يُسوَّق باسم الحكمة.
أما انتظار اللحظة التي تختارها أمريكا وإسرائيل لبدء العدوان، فهو خطأ استراتيجي قاتل، لأن الولايات المتحدة لن تتراجع عن عدوانها مهما كانت النتائج. فالتراجع بالنسبة لها ليس خيارًا سياسيًا، بل هزيمة تاريخية وإهانة إمبريالية مدوّية، وهي تدرك ذلك جيدًا ولن تقبل به. لا سيما أنها اليوم تتحدى القانون الدولي علنًا، وتمارس هيمنتها الفظة بإصدار الأوامر وفرض السياسات وإهانة الدول، بما فيها حلفاؤها الأوروبيون. وبالتالي، فإن أي تراجع أمريكي عن هذا العدوان لن يعني سوى بداية أفول الإمبريالية الأمريكية وانكشاف الغطرسة الصهيونية التي تستظل بها. ومع ذلك، يظل السؤال الداخلي أكثر إلحاحًا من الخطر الخارجي: ألم تستفد إيران بعد من درس الهجوم الصهيوني-الإسرائيلي-الأمريكي الأول خلال السنة الماضية؟
عندما تنفّذ إسرائيل عملية اغتيال أو تخريب أو عدوان داخل أي دولة، أو حين يكون الإعلام الإسرائيلي هو السبّاق في تسريب أخبار عن عمليات وشيكة استنادًا إلى جهاز الموساد، أو حين يُكشف أن الموساد أبلغ نظيره الأمريكي، وتحديدًا وكالة الاستخبارات المركزية، بما سيقع، ينشغل الجميع بالحديث عن تفوق الموساد وبراعته وقدرته على الوصول إلى أي هدف في العالم. لكن نادرًا ما يُطرح السؤال الجوهري: كيف ينجح الموساد فعلًا، ولماذا يفشل الآخرون؟
الجواب لا يكمن فقط في التكنولوجيا أو الذكاء الاستخباراتي، بل في عاملين أساسيين. أولهما طبيعة العقيدة اليهودية التي لا ترتبط بجنسية أو لون أولغة أو حدود أو أسماء. فالكثير من اليهود في مختلف أنحاء العالم مؤمنون ومتشبثون بعقيدتهم دون أن يُظهروا ذلك علانية عبر المظهر أو الاسم أو الطقوس. بعضهم لا يذهب إلى الكنيس، لكنه يظل يهوديًا مئة بالمئة، حاملًا للمبادئ والتعليمات الواردة في الكتب اليهودية، وعلى رأسها الولاء لإسرائيل. وبهذا المعنى، تنتشر عائلات وأفراد ومجموعات يهودية في مختلف دول العالم وبمختلف الجنسيات، تمارس أدوارًا مهنية و حرفية و سياسية ومالية واقتصادية وتجارية وإعلامية وثقافية وعسكرية واستخباراتية، ما وفّر للموساد شبكة بشرية عالمية جاهزة للاستغلال دون إثارة الشبهات. أضف إلى ذلك أن يهوديا قد يدخل بلدًا ما كسائح أو رجل أعمال أو صحفي أو أكاديمي، بينما هو في الواقع عنصر موساد أو متعاون معه، مكلّف بمهمة استخباراتية. وينطبق الأمر ذاته على يهودي أوروبي أو أمريكي أو عربي أو إفريقي أو آسيوي أو حتى إيراني. وهكذا نُقل التطور الصناعي والتكنولوجي والاستخباراتي من الدول التي يتواجد فيها اليهود كمواطنين غير مشتبه فيهم إلى إسرائيل، التي لا تتجسس على أعدائها فقط، بل حتى على حلفائها، لتبقى متفوقة دائمًا.
أما العامل الثاني، وهو الأخطر، فيكمن في هشاشة الدول المعادية للأمريكا ولإسرائيل، خاصة العربية والإسلامية منها، نتيجة أنظمة حكم قمعية تحرم مواطنيها من أبسط الحقوق. ففي هذه الدول لا يتمتع المواطن بحقوق السكن والعمل والتأمين والتعليم والعلاج، ولا بالأجر العادل أو التعويض عن البطالة أو المرض، ولا بضمان حق التظاهر أو حرية التعبير أو استقلال القضاء أو المساواة. فالفساد هنا ليس خللًا عرضيًا، بل أسلوب حكم حيث استفحال الرشوة، النهب، المحسوبية، التزوير، واستغلال نفوذ، و تلفيق التهم و القمع مع غياب تام للمحاسبة، حيث لا يُعامل المسؤول كغيره من أبناء الشعب. ومع ذلك، فإن هذه الشعوب صبورة ومتسامحة، ولا تطلب المستحيل، بل الاحترام والصدق والشفافية، ومصارحتها بكيفية استعمال الأموال العامة وبالوضع المالي والسياسي والاقتصادي الحقيقي للدولة. والسؤال البسيط الذي تخشاه الأنظمة: هل يستطيع المواطن أن ينتزع حق استفادته من خيرات بلاده؟ فإذا تحققت النزاهة والوضوح، تحوّل المواطن إلى أسد يدافع عن وطنه وسيادته واستقراره، لأنه بذلك يدافع عن نفسه وعن مصالحه ومكتسباته. أما إذا أصرّت السلطة على تهميشه وقهره وتجويعه، فقد يتحول إلى نار تحرق الأخضر واليابس، ولا يلومنّ الحاكم إلا نفسه.
هذه الهشاشة هي المدخل الذهبي للموساد وللإمبريالية الأمريكية. فالأجهزة الاستخباراتية تبحث عن الغاضبين والمنتفضين والرافضين للوضع الداخلي، وتُغريهم بالمال وبالانتقام، وتستخدمهم كوقود لإشعال الفوضى. وهذا ما حدث وما يزال يحدث في إيران وغيرها من الدول المعادية للكيان الصهيوني-الأمريكي، حيث يُمارَس الحصار لتجويع الشعوب ودفعها إلى الغضب و الاحتقان، ثم تتذرع الولايات المتحدة بالدفاع عن حقوق الإنسان للتدخل في الشؤون الداخلية للدول التي تصفها بالداعمة للإرهاب، كما هو حال إيران، أو بالداعمة لتهريب المخدرات كما في بعض دول أمريكا اللاتينية.
وفي الوقت نفسه، تمنح بعض الأنظمة اللاديمقراطية فرصًا ثمينة لهذا التدخل، كما هو الشأن في إيران، حيث تُمارَس ضغوط داخلية باسم تطبيق الأحكام الإسلامية، ما يثير انتفاضات ضمنية، مثل رفض الحجاب أو الاعتراض على نتائج الانتخابات أو المطالبة بالاستقلال في الأحواز. بعض هؤلاء اضطروا للهروب إلى الخارج خوفًا من الانتقام الداخلي، فحوّلهم الموساد و مختلف الاستخبارات الدولية إلى أدوات في الخارج، وحوّلوا عائلاتهم ومعارفهم إلى خلايا في الداخل، لتنفيذ أجندات تخريب من قتل وتدمير وإفشال مشاريع علمية مثل حصول البلاد على سلاح متطور، وإرجاع إيران سنوات إلى الوراء. والمأساوي أن هؤلاء العملاء لا يرون في ذلك مساسًا بسيادة وطنهم أو مستقبل شعبهم.
إن تفوّق الموساد ليس صدفة، بل نتيجة استراتيجية تجمع بين عقيدة عابرة للحدود واستغلال ذكي للهشاشة الداخلية للدول المستهدفة. فهل يمكن الاستسلام وترك الصهاينة ينفردون، مرة بعد مرة، بكل دولة، يرتكبون فيها جرائمهم ومجازرهم بحق الأبرياء، في تحدٍّ صارخ للسيادة والقانون الدولي؟
الجواب: أبدًا.
لكن مواجهة الغطرسة الإمبريالية الصهيونية الأمريكية لا تبدأ بالصواريخ وحدها، ولا تُحسم بضجيج السلاح فقط، بل تنطلق أولًا من تقوية الجبهة الداخلية، عبر ديمقراطية حقيقية، وحرية مسؤولة، وعدالة شاملة، واحترام متبادل بين الحاكم والمحكوم، ومصالحة صادقة بين المواطن ودولته، وانتخابات نزيهة، وشفافية فعلية، ورفض قاطع للطائفية والعنصرية، والقضاء على الفقر والتهميش—أي القضاء على كل ما يتغذى منه الكيان الصهيوني الغاشم ويستثمر فيه. فلا وطن بلا شعب… ولا مقاومة بلا كرامة.
لكن المواجهة الحقيقية والعنيفة ضد كل مُعتدٍ لا تبدأ بتجييش الجيوش وحشد العساكر، بل بإسقاط الطغيان الداخلي واجتثاث أسبابه. فلا الإعلام الرسمي، ولا المثقفون المأجورون، ولا المتزلفون والانتهازيون، قادرون على تسويق شعارات الوطنية الزائفة فيما الوطن منهوب، والشعب مقهور، والثروات مسروقة من قبل شردمة الحاكم وأتباعه. لا يمكن خداع الإنسان إلى الأبد، فالشعب هو وحده القادر على الدفاع عن البلاد وصون سيادتها. غير أن شعبًا جائعًا، محتقرًا، مسلوب الكرامة، قد يتحالف مع الشيطان—ضد الحاكم الطاغي. ومن دون ذلك، تبقى كل الأنظمة اللاديمقراطية على شفا حفرة، مهما رفعت من شعارات المقاومة، إذ لا مواجهة حقيقية بلا ديمقراطية حقيقية، كما هو شأن الدول الغربية ، ومع ذلك فلا يمكن لأي عاقل سوى أن يتمنى أن يكون لإيران من المفاجآت ما يجعلها تقلب موازين المعركة المحتملة لصالحها، رغم أن ذلك يعد من معجزات القرن .
فالعقلاء، في كل زمان ومكان، مع السلام لا مع الحروب، ومع الحوار لا مع الدمار، لكن الطغيان—حين يضيق أفقه—قد يفضّل العدوان على السلام، والقوة العمياء على العقل، والمغامرة على الحكمة. ومن هنا، فإن إيران، إن لم تكن تخفي ما يجعلها قوية في هذه المواجهة، فإنها تخاطر بخسارة كل شيء: تخسر شعبها المقهور، المقموعة إرادته، المظلوم والمضطهد من قبل النظام، وتخسر في الوقت نفسه مواجهة العدوان الإمبريالي الأمريكي الإسرائيلي، لأن الشعب الإيراني—الذي كان يمكن أن يكون خط الدفاع الأول—صار اليوم يطلب النجدة من نفس المعتدي، بعدما سُحقت كرامته وسُدّت في وجهه أبواب الأمل ، وهذا لا ينطبق على إيران وحدها بل على كل الأنظمة و الدول التي تقمع و تحتقر و تهمش شعوبها.
أمستردام
#علي_لهروشي (هاشتاغ)
Ali_Lahrouchi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟