أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد ساجت قاطع - دور الأحزاب السياسية في تعزيز الانقسام المجتمعي (تفكيك صناعة العداء للاحتجاج والرقابة الشعبية)














المزيد.....

دور الأحزاب السياسية في تعزيز الانقسام المجتمعي (تفكيك صناعة العداء للاحتجاج والرقابة الشعبية)


محمد ساجت قاطع
كاتب وباحث عراقي

(Mohammed Sajit Katia)


الحوار المتمدن-العدد: 8604 - 2026 / 1 / 31 - 09:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن أخطر ما أفرزته التجربة السياسية في العراق بعد عام 2003 هو الفساد المالي، أو الترهل الإداري، أو انهيار الخدمات فحسب، بل ذلك الشرخ العميق الذي أُدخل على بنية المجتمع نفسه، حين تحوّل الانقسام من نتيجة عرضية للصراع السياسي إلى أداة حكم واعية، تُدار وتُغذّى وتُستثمر بصورة منهجية من قبل الأحزاب الحاكمة.
فقد نجحت هذه الأحزاب، عبر منظومتها الإعلامية والدعائية، في إعادة تشكيل الوعي الجمعي على نحو يجعل المجتمع منقسمًا على ذاته، لا حول البرامج والسياسات، بل حول الهويات والخوف والولاءات الضيقة. وأخطر تجليات هذا الانقسام يتمثل في الفصل المصطنع بين فئتين اجتماعيتين: فئة ترى في الاحتجاج والتظاهر وسيلة مشروعة للضغط السياسي والإصلاح، وفئة أخرى جرى إقناعها بأن بقاء الأحزاب الفاسدة هو ضمانة لبقاء المذهب والطائفة، وأن زوال هذه القوى يعني سقوط “الاستحقاق السياسي للمكوّن”.
في أي مجتمع متنوع، يُفترض أن يكون الاختلاف في الرؤى والمصالح والتوجهات أمرًا طبيعيًا وصحيًا، بل شرطًا من شروط الحيوية السياسية. غير أن ما جرى في العراق هو شيء مختلف تمامًا: تحويل التعدد إلى شقاق، والخلاف إلى تهديد وجودي، والسياسة إلى صراع هويات.
لم يعد الخلاف يدور حول برامج اقتصادية، أو سياسات عامة، أو نماذج حكم، بل حول: من يمثل الطائفة؟ ومن يحمي المذهب؟ ومن يهدد “الوجود الاجتماعي” للمكوّن؟ وهكذا أُفرغ المجال السياسي من مضمونه المدني، وأُعيد بناؤه على أساس نفسي–هويّاتي، يسهل التحكم به وتوجيهه.
في العلوم السياسية تُعدّ الرقابة الشعبية – عبر التظاهر والاحتجاج والضغط الجماهيري – إحدى أهم أدوات ضبط السلطة وإجبارها على الإصلاح وتقليل الفساد. فالنخب الحاكمة، في أي مكان من العالم، لا تتنازل عن امتيازاتها طواعية، ولا تُغيّر سياساتها بدافع أخلاقي مفاجئ أو “صحوة ضمير”، بل حين تواجه ضغطًا اجتماعيًا منظمًا يهدد شرعيتها واستقرارها.
لكن الأحزاب العراقية أدركت هذه الحقيقة مبكرًا، فعملت على تجفيف منابع هذا الضغط، لا بالقمع الأمني فقط، بل – وهو الأخطر – بإعادة تعريف الاحتجاج في الوعي العام بوصفه فعلًا مشبوهًا وعدائيًا.
جرى تسويق معادلة خبيثة مفادها أن الاحتجاج ليس سوى: تخريب، أو عمالة، أو مؤامرة خارجية، أو عداء للدين والمذهب، أو تهديد لحقوق المكوّن. وبذلك لم يعد المتظاهر مواطنًا يطالب بحقه، بل صار في المخيال الشعبي “أداة بيد السفارات”، أو “مشروع فوضى”، أو “عدوًا لهوية الجماعة”.
اعتمدت الأحزاب على منظومة متكاملة من الأدوات الخطابية والإعلامية، يمكن تلخيصها في أربعة مسارات رئيسية:
أولًا: خطاب التخوين، عبر ربط كل فعل احتجاجي بمشاريع خارجية، وتكرار مفردات من قبيل: العمالة، التآمر، الاختراق، والسفارات.
ثانيًا: التديّن المُسيّس، من خلال تصوير الاحتجاج كخروج على “أولياء الأمر”، أو تهديد للمذهب، أو خدمة لأعداء الدين.
ثالثًا: التخويف الوجودي، عبر إحياء ذاكرة الصراعات والاضطهادات الماضية، والتلويح الدائم بشبح “العودة إلى زمن المظلومية”، لإقناع الجمهور بأن أي تغيير سياسي يعني كارثة جماعية.
رابعًا: الإعلام الحزبي، المتمثل في قنوات ومنصات لا تنقل مطالب المتظاهرين، بل تعيد تركيب الحدث بصورة انتقائية، تضخّم الأخطاء الفردية، وتُخفي الجوهر السياسي للمطالب.
وهكذا تشكّل وعيٌ زائف يرى في السلطة – مهما فسدت – درعًا طائفيًا، لا جهازًا إداريًا يفترض محاسبته ومراقبته.
بهذه الهندسة النفسية والإعلامية، حققت الأحزاب ما هو أخطر من كسب الانتخابات: شلّ المجتمع سياسيًا.
فبدل أن يكون الشارع قوة ضاغطة على القرار السياسي، تحوّل إلى ساحة خوف وريبة. وبدل أن تكون المظاهرات فعلًا وطنيًا جامعًا، أُعيد تعريفها بوصفها تهديدًا اجتماعيًا.
والنتيجة كانت واضحة: انكفاء الاحتجاجات إلى مطالب خدمية جزئية، تفكك الخطاب الإصلاحي السياسي، غياب الضغط المنظم لتغيير بنية النظام، وبقاء الفساد محميًا بغطاء “الشرعية الطائفية”.
وبعد انتفاضة تشرين، تقلّص الفعل الاحتجاجي إلى تظاهرات مناطقية أو فئوية – تتعلق بالخدمات، أو التعيينات، أو العقود – بينما غابت المطالب الكبرى المرتبطة بإصلاح النظام السياسي نفسه، وتفكيك منظومة المحاصصة، ومحاسبة النخب المتحكمة بالدولة.
ولم تكتفِ الأحزاب بهذا كله، بل عملت في الدورة النيابية الحالية على زجّ شخصيات لا تمتلك أي مشروع تشريعي أو رقابي حقيقي، بل تؤدي وظيفة واحدة تقريبًا: إدامة الانقسام المجتمعي وتعزيزه.
نواب لا يظهرون في ملفات الفساد، ولا في مشاريع القوانين، ولا في مراقبة أداء الحكومة، لكنهم ينشطون في تأجيج الصراع الهويّاتي، واستفزاز الجمهور الاحتجاجي، وتخوين الخطاب الوطني، وتصوير أي استقلال سياسي بوصفه “خضوعًا لمشاريع خارجية”. وهكذا يصبح البرلمان نفسه امتدادًا للآلة الدعائية، لا مؤسسة رقابية تمثل الإرادة العامة.
ختامًا، ولكي نفهم دوافع أحزاب السلطة في تبنّي هذه الاستراتيجية، لا بد من طرح السؤال الآتي: ما الذي تجنيه هذه الأحزاب من وراء تعزيز الانقسام المجتمعي؟
والجواب بسيط في ظاهره، عميق في نتائجه: لأن المجتمع الموحّد يطالب، والمجتمع المنقسم يتخاصم. لأن المجتمع الواعي يراقب، والمجتمع الخائف يطيع. ولأن السلطة الفاسدة لا تعيش في بيئة نقد، بل في بيئة ذعر وهويات متصارعة.
لقد نجحت الأحزاب الحاكمة، عبر بروبوغاندا كثيفة ومستمرة، في تحويل أخطر أدوات الإصلاح – أي الرقابة الشعبية – إلى فزاعة اجتماعية، وفي استبدال الصراع السياسي الطبيعي بصراع وجودي زائف، يحرس فسادها ويطيل عمرها.
وما لم يُستعد المعنى الحقيقي للاحتجاج بوصفه حقًا مدنيًا وضرورة سياسية، وما لم يُفكك هذا الوعي المصنّع الذي يخلط بين السلطة والطائفة، ستبقى الدولة رهينة نخبة لا تخشى المحاسبة، لأن المجتمع نفسه جرى تدريبه على الخوف منها، لا على محاسبتها.


» محمد ساجت السليطي (كاتب وباحث عراقي)...



#محمد_ساجت_السليطي (هاشتاغ)       Mohammed_Sajit_Katia#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرتزقة الأحزاب... والسعار الاجتماعي في العراق
- حين لا يكون الخطاب الوطني مُربحاً
- السياسة والوعي في العراق: مصنع خرافات يعمل بلا كهرباء
- قابل إنته تفتهم أكثر من القاضي..!!؟
- العراق بين أزمة الوعي وفساد السلطة
- من تشرين العظيمة إلى نيبال
- العراق والتفكير الأحادي في فهم الظاهرة السياسية
- بين سلطة الله وسلطة الحاكم
- لماذا نحتاج إلى نقد الدين السياسي؟
- بين لاهوت التحرير ولاهوت الطاعة
- الدين السياسي عدو الإصلاح
- الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا قمع
- كيف تُنتج الدولة رجال دينها؟
- من الدين لله إلى الدين للسلطة
- الدين بين الرسالة والأداة
- بين التحالف والخيانة... فرقٌ كبير
- آثار ظاهرة وعّاظ السلاطين على الدين والمجتمع
- الوجه النفسي لظاهرة وعّاظ السلاطين: الحاجة إلى الحماية بدل ا ...
- مثقفو التبرير: حين يتحول الفكر إلى أداة بيد السلطة
- تأثير الغباء الاجتماعي على الشعوب: قراءة في نظرية ديتريش بون ...


المزيد.....




- أقنعة مخيفة وغامضة.. عرض أزياء يثير الذعر في باريس
- قرود -فرفت- طليقة لا يُعلم كيف أتت تثير فوضى بمدينة أمريكية ...
- ليلة دامية في غزة: غارات إسرائيلية تقتل 11 فلسطينياً.. وخلا ...
- كارثة بيئية في غزة.. مئات آلاف الأطنان من النفايات تحوّل الأ ...
- وزير الدفاع السعودي يؤكد لواشنطن ضرورة مهاجمة إيران.. ماذا ج ...
- لماذا وافقت إيران على وساطة تركيا هذه المرة؟ وهل تنجح أنقرة؟ ...
- كيف يُمكن إنقاذ سيدي بوسعيد التونسية من الانزلاقات الأرضية؟ ...
- كيف تستعد تركيا لأي تحرك أمريكي محتمل ضد إيران؟
- تقرير: حوال مليوني قتيل في حرب أوكرانيا معظمهم من الروس
- الخارجية الألمانية تنشر فيلما دعائيا لأوروبا يضم عبارة -فور ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد ساجت قاطع - دور الأحزاب السياسية في تعزيز الانقسام المجتمعي (تفكيك صناعة العداء للاحتجاج والرقابة الشعبية)