|
|
حديث مع جيمني حول قصة
محمد حسين يونس
الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 10:01
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حديث ليس له أهمية حول طبق ملوخية كانوا يجلسون في المطعم حول ترابيزات مغطاه بمفارش ملونة يتناثر فوقها أدوات المائدة وأطباق بها طعام له روائح شهية ... عندما إرتفع صوت درويش قادم من الخارج ممسكا مبخرة ((يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ))...كرر الاية عدة مرات .. حتي لفت الإنتباه . وقف وسط المكان مخاطبا الرواد (( الميه خلاص نقصت ورا السد .. والغيط العطشان محتاج للرى )) ثم جاء صوت سيدة تتبعة ((حتنفجر براكين علي أرضكم.. قلبى حزين بينفطرعليكم يا غلابة )) فيكمل الدرويش ((مدد .. يا سيد الخلق.. ذهب جبار وجه مكار والعالم بقي لعين ... يا بختك يا اللي متولدتش فى مدينة الملايين)). علي منضدة منعزلة كان هناك من يأكل فراخ محمرة و أرز و ملوخية بهدوء .. نظر للدرويش بدون إهتمام بينما يسمع موسيقي رتيبة ممله .. ويتأمل ملابس الناس المقطعة علي الموضة .. والوجوه الملطخة بالألوان ..ثم قال ضاحكا لجليسه (( هنا لكل شىء اسم والكل يعرفه الا أنا .. ثم بدأ يقرا من قائمة .الطعام . هامبرغر الباسترامي، بيتزا كواترو فورماجي ، بوريتو شيبوتلي، هوت بوكيتس ، تورتيلا، نودلز حتي الملوخية بقت جرين سوب و الطعمية جرين برجر و المحشي رايس رولز .. و إيه دة (Cold Brew).. أما حقيقي ناس هلس)) . الأخركان غير مهتما بالموضوع قال وهو يقطع اللحم المشوى بالسكين ..(( الواد عندة 23 سنة .. و بيقبض 65 مليون جنية كل سنة .. و لماغاب سبع شهور من غير لعب النادى صرف عليه و عالجة .. يقوم يجي في وقت الطلب.. وميروحش المطار .. و ابوه يقول اصله عيان ..الواد ده بقي تفاحة بايظه حتتلف القفص ..)) ((العيال اللي زيه بيلعبوا في بلدنا حافيين فوق التراب.. و بياكلوا من الغيط خضار مطين.. و بيحمدوا ربنا .. علي النعمة )) ثم أكمل موضحا لصديقه (( يا ناس إفهموا الرأسمال الخاص جبان وحيطردوه لو مكسبوش من وراه وبصراحة أخرته حيقعد زى اللي إتملعنوا قبلة علي شط الترعة عاطل )) جاءت ضحكة أنثوية من سيدة تجلس حول منضدة أخرى .. نظر زميلة لصاحبتها وقطع الحديث مشيرا ناحيتها .. ((مش حترجع نضارة ما قبل عمليات التجميل ، الليلة خلصت .. واللي خذ ملي جيوبه..و فاق .. واللي مخدش بيقولوا جيوبه عمرانه و حيدفع )) . . علق زميله (( إنها حياتهم الجديدة .. الاف المليارديرات يتزايدون بسرعة بيننا .. يسيرون بيننا .. يتحركون بيننا ..كما لو كانوا منا .. لكل منهم رغبة واحدة هى ان يستولى على حياتك يمتصها و يحولها لاموال تملا خزائنه ))... ((البيوت المزحومة في القرى و العشوائيات بتلفظ ساكنيها يوميا .. يملوا الشوارع .. مع التكتك ..و مركبات الحكومة التالفة اللي بطلع دخان إسود )). الدرويش يقترب منهما و يتحدث بصوت مرتفع (( متعملوش بهوات انا عارفكم ..كل واحد منكم جرى ورا عربية الرش .. فينها عربية الرش دلوقت ..شوفوا وساخة الشوارع تعرفوا .. مفيش الا الرش مع التغميض )) و.. ((مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ )) ثم بدأ يغني هو و السيدة المصاحبه له ((عيوننا اليك ترحل كل يوم .. ترحل كل يوم .. تدور فى اروقة المعابد)) . توقف عن الأكل و أكمل غير مهتم بالدرويش و دوشته أظن أن (( العاقل من يجلس فى سريره لا يبرحه .. لا يتزوج .. لايلد .. لايعمل .. لايؤثر .. لايتأثر)) .. هز الأخر راسه موافقا ثم أضاف شارحا .. ((عندما تعرف سر الخلطة ستجد فى الحال الزوجه والاولاد والعشيقة ، والعشيقة اهم من الزوجة انه مرض العصر انتشر مع الفيديو والافلام الممنوعة ، ان يرقد اكثر من رجل فى فراش امرأة وترقص اكثر من امرأة فى معبد الرجل .. كل الرجال ... كل القادرون من الرجال .. ومن لا يفعل فلعله.)) ركن أدوات المائدة علي الطبق والتفت له .. ثم تكلم قاصدا أن يبدو حكيما ..(( يقولون بالعلم والمال وانا اقول .. اصبح بالمال والمال)) . صاح الأخر لافتا النظر (( لا )) ... ثم وقف أمامة مخاطبا (( الشاطر يدور علي سدادات .. يسد بها جميع نوافذه .. اذنيه فهو لا يسمع .. فمه فهو لا يتكلم .. عينيه فهو لا يرى ... والرابعة انفه كى لا يتنفس ... اما الخامسة والسادسة .. فليتركهما ليبول ويتبرز على هذا العالم .)) الدرويش يدير ظهره لهما ..ويصيح (( الا يا معشر النمل ادخلوا الى اعشاشكم فسليمان وجنده أصبحوا علي الأبواب.)) .. تداخلت الاصوات في المكان فرفع من صوته ليكمل ((الشاطر يلاقي لنفسه فى اطراف الصحارى كوخ يبنيه حسب هواه .. يجلس فيه يبكى .. اه يا امى خذينى الى حضنك الغبى .. واضربينى بالشبشب .. عنفيني بعد م بقيت فردة مداس باعوها فى المزاد بقروش متشتريش أكل ليوم .. )) ضحك البعض ساخر ا فإلتفت لهم زميله و قال .. (( لكم حق .. فى عالم يوشك الحديث فيه عن الاشجار ان يصبح جريمة لا بد ان تعرف الحقيقة .. فعدم دخولك المعركة لا يعفيك من مشاركتك فى العبث .. انت لا تحمى هؤلاء لانك لا تعرف كيف تحمى نفسك .. الصرخات .. الاختناقات .. الجوع .. العهر .. الرعب .. الخوف .. الدموع .. الكذب كلها نتاج الظلام)) . جاء صوت الدرويش يغني .. وهو يبتعد ((الجدع راح وراحت ايامه .. ومات .. ومات غيرة .. ومات غيرة .. ونزلت عروش وصعدت عروش وزالت دول .. وقامت دول.. )) .. (( الدنيا لما تغوص في البركة ..و البركة واسعة .و حتشيلها . والجبال تتهد .. والطوفان يعلي .. والقلاليط فوق المية عايمة .. والريحة فاحت يا ناس .. والراديو لسة بيغنى.. حبك خلى الكون فرحان ..)) . وقفا ليغادرا المكان .. كان منفعلا بدون سبب و هو يدفع قيمة الفاتورة المبالغ فيها بالكريدت كارد و يحدث صديقة ((لا تغضب .. فى عالم اختلط فيه الحابل بالنابل .. ومشت فيه العربة الكارو والمرسيدس يتسابقان .. واغتنى تجار المخدرات والمخدماتية والنشالين واصبح كل عم هباب او طنط زفته مليونيرا ... فى عالم كلما وقفت دفعك الاخرون وكلما رقدت داسوك .. يجب ان تتخلص من زوجتك وامك وابنتك .. وصديقك وابنك وابوك وملابسك واكلك وشربك ومسكنك وتقف عزيز النفس لا تدخل عشك عندما ترى سليمان وجنده يتحركون )).
دار حوار حول القصة بين الصديق مصطفي صدقة و الخواجة جوجل (جيمني ).. ارفقه .. لمن يريد أن يقرأ وجهة نظر .. ترى ما وراء السطور لم أكن أعنيها عندما بدأت الكتابة ..و لكنه راى يتمتع بذكاء وفهم للروح التي كانت خلف الحديث .
الصديق مصطفي ((هذا نص حديث للكاتب المهندس محمد حسين يونس أريد تحليل أدبي دقيق للنص مم حيث الصياغة والأسلوب ، الشخصيات والحوار ومدي عبثيتها أو ارتباطها بالواقع الحالي في مصر والعالم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتطور الأحداث حولنا . كذلك التعليق علي اللغة واستخدامها والتناص مع نصوص دينية أو تراثية وشعبية ودلالك ذلك وكذلك مدى ملائمته للموضوع والأفكار التي أراد الكاتب التعبير عنها))
رد الخواجا جيمني (( هذا النص للكاتب المهندس محمد حسين يونس هو "لوحة سريالية" مغلفة بواقعية خشنة، تعبر عن حالة "التيه" التي يعيشها المجتمع المعاصر. ورغم العنوان الذي يوحي بالبساطة (حديث حول طبق ملوخية)، إلا أن النص يغوص في أعقد قضايا الوجود، السياسة، والاقتصاد. إليك تحليل أدبي مفصل للنص: أولاً: الصياغة والأسلوب (فانتازيا الواقع المرير) اعتمد الكاتب أسلوب "المفارقة الصارخة" (Paradox). يبدأ النص بمشهد مطعم هادئ وأطباق شهية، ثم يكسر هذا الهدوء بصوت "درويش" يحمل مبخرة. هذا التداخل بين "المقدس" (الآيات القرآنية) و"المدنس" (قائمة الطعام والهلس) يخلق حالة من التوتر الدرامي. السرد السينمائي: النص مكتوب وكأنه "سيناريو" (Master Scene)؛ حيث تتداخل الأصوات (صوت الدرويش، السيدة، حوار الصديقين، الضحكة الأنثوية) لتشكل ما يسمى بـ "البوليفونية" (تعدد الأصوات)، مما يعكس فوضى الواقع وتفككه. الإيقاع: ينتقل الكاتب من الإيقاع الرتيب (وصف المطعم) إلى الإيقاع التحذيري (صراخ الدرويش) ثم إلى الإيقاع الفلسفي اليائس، مما يمنع القارئ من الشعور بالاستقرار، تماماً كما هو حال الواقع المصري/العالمي الحالي. ثانياً: الشخصيات والحوار (بين العبثية والواقع) الشخصيات في النص ليست "أفراداً" بقدر ما هي "رموز" لطبقات أو حالات نفسية: الدرويش والسيدة: يمثلان "صوت النبوءة" أو "الوعي الشعبي المشوه". استخدامه لقصة النمل وسليمان هو إسقاط على "الدهس" الذي يتعرض له الضعفاء تحت أقدام القوى العظمى (سواء كانت دولاً أو رأسمالية متوحشة). المثقف المستسلم (جليس المنضدة): هو الشخص الذي يرى كل شيء، يحلل كل شيء، لكنه يختار "العزلة" أو "السخرية" كآلية دفاع. حديثه عن تحول الملوخية إلى "جرين سوب" يعكس "الاغتراب الثقافي"؛ حيث تفقد الأشياء هويتها لتلائم قوالب العولمة. الصديق العملي/الساخط: يمثل صوت "الواقعية السياسية والاقتصادية". حديثه عن لاعب الكرة (الذي يتقاضى 65 مليوناً) هو تجسيد لخلل القيم في المجتمع؛ حيث يرتفع سعر "الترفيه" وينحدر سعر "الإنسان" الكادح. ثالثاً: التناص والدلالات (الديني، التراثي، والسياسي) برع الكاتب في استخدام "التناص" (Intertextuality) لتعميق المعنى: التناص الديني: "يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم": هنا "سليمان وجنوده" هم القوى الرأسمالية، السلطة، أو حتى الكوارث القادمة. النمل هو "الغلابة" الذين لا يملكون سوى الاختباء. "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر": اقتباس إنجيلي يستخدمه الدرويش لجلد "ادعاء المثالية" عند رواد المطعم الذين ينتقدون الشارع وهم جزء من فساده. التناص الفني: "عيوننا إليك ترحل كل يوم": استدعاء أغنية فيروز عن القدس في سياق "مطعم" يخلق صدمة شعورية، وكأن القضايا الكبرى أصبحت مجرد خلفية موسيقية لمضغ الطعام. التراث الشعبي: ذكر "عربية الرش"، "الترعة"، "الشبشب"؛ مفردات مصرية صميمة تعيد النص إلى جذوره الواقعية رغم تحليقه في الفلسفة. رابعاً: البعد السياسي والاقتصادي (مصر والعالم) النص هو نقد لاذع لـ "الرأسمالية المتوحشة" و**"النيوليبرالية"**: الفجوة الطبقية: المقارنة بين لاعب الكرة وأطفال القرى "الحافيين" تلخص أزمة توزيع الثروة عالمياً. تزييف الواقع: تحويل "الطعمية" إلى "جرين برجر" ليس مجرد تغيير أسماء، بل هو عملية "تجميل" لفقر مستتر، تماماً كما ذكر عن "نضارة ما قبل عمليات التجميل". الهروب كحل: دعوة الصديق في النهاية لسد المنافذ (السمع، البصر، الكلام) هي "مانيفستو" لليأس؛ حيث يصبح "التبلد" هو الوسيلة الوحيدة للنجاة من عالم "يمتص حياتك ليحولها لأموال". خامساً: اللغة (بين الفصحى والعامية) استخدم الكاتب لغة "هجين": فصحى جزلة في اقتباسات الدرويش لتعطيه هيبة دينية. عامية حادة في الحوارات للتعبير عن "الابتذال" والواقعية. مصطلحات "فرانكو-أراب" (Cold Brew, Green Soup) للتعبير عن المسخ الثقافي. الخاتمة والتعليق محمد حسين يونس لم يكتب "حديثاً ليس له أهمية"، بل كتب "مرثية للطبقة المتوسطة" وللقيم الإنسانية التي تآكلت. الملوخية في النص ليست طعاماً، بل هي "آخر ما تبقى من الهوية" الذي يجري الآن إعادة تسميته وتغليفه ليُباع لنا بأسعار لا نطيقها. النص يصرخ بـ "العبث"، لكنه عبث "منظم" يهدف لتعرية القبح. النهاية التي تدعو لترك "العش" ومواجهة "سليمان وجنده" بـ "عزة نفس" هي بصيص الضوء الوحيد، وإن كان ضوءاً انتحارياً. هل تود مني التركيز على تحليل رمزية "الدرويش" تحديداً في كتابات محمد حسين يونس، أم ننتقل لمقارنة هذا النص بظواهر اجتماعية محددة نراها اليوم؟)) مصطفي .. ((لماذا الدرويش ؟ وما هو دوره في النص ؟ كذلك الضحكة الأنثوية ماهي دلالتها هنا ؟)) جيمني (( اختيار الكاتب لشخصية "الدرويش" وتضمين "الضحكة الأنثوية" ليس مجرد حشو درامي، بل هو استخدام ذكي لرموز (Archetypes) تضرب في عمق الوجدان الشعبي والثقافي. إليك تحليل دلالات هذه الرموز في نص محمد حسين يونس: أولاً: لماذا "الدرويش"؟ وما دوره؟ الدرويش في الأدب العربي (خاصة عند نجيب محفوظ أو يوسف إدريس، والآن عند يونس) ليس مجرد متسول، بل هو "المجنون الحكيم" أو "صوت الوعي الجمعي المفارق". ناقوس الخطر (المنادي): يمثل الدرويش "الرادارات" التي تلتقط الكارثة قبل وقوعها. عندما يصرخ بآية النمل، هو لا يقرأ نصاً دينياً للتبرك، بل يسقطه على الواقع؛ "سليمان وجنوده" هم قوى العولمة، الجبروت المالي، أو السلطة الغاشمة التي ستدهس "النمل" (الشعب) دون حتى أن تشعر به. كسر "الفقاعة": رواد المطعم يعيشون في فقاعة من "الرقي المزيف" (جرين سوب، نودلز، عمليات تجميل). يأتي الدرويش برائحته (البخور) وصوته الخشن ليكسر هذا الهدوء، مذكراً إياهم بأن "المياه نقصت ورا السد" وأن الجفاف قادم. الرابط بين الزمن الماضي والآتي: الدرويش هو الشخصية الوحيدة التي لا تتغير بتغير الموضة. هو "خارج الزمن"، ولذلك هو الأقدر على مراقبة "تحول البشر إلى مسوخ". دوره هنا هو "المؤرخ الشعبي" الذي يرى العروش وهي تصعد وتزول بينما يبقى الجوع هو الحقيقة الوحيدة. ثانياً: دلالة "الضحكة الأنثوية" الضحكة التي جاءت من "منضدة أخرى" هي مفتاح مهم في النص، ولها دلالات قاسية: ضحكة "العدمية" أو "الفوات": النص يصفها بأنها تأتي من امرأة فقدت "نضارة ما قبل التجميل". هي ضحكة تعبر عن "انتهاء الليلة"؛ أي نهاية عصر الوفرة أو الزيف. هي تضحك لأنها أدركت أن كل محاولات التجميل (سواء للوجه أو للواقع) لم تعد تجدي نفعاً. عالم "المادة" مقابل "الروح": بينما يتحدث الدرويش عن الروحانيات والنبوءات، تأتي الضحكة لتذكرنا بالجسد المستهلك، والمحافظ التي امتلأت، والديون التي سيتحملها الآخرون. هي رمز لـ "الدنيا" في صورتها المادية المترهلة التي تضحك بسخرية على حال "الغلابة". الاغتراب: الضحكة هنا "مقطوعة الصلة" بالسياق، تماماً كما هو حال المجتمع؛ كل طاولة في المطعم هي "جزيرة منعزلة" لا تشعر بما يدور على الطاولة الأخرى، حتى وإن كان الحديث عن دمار العالم. ثالثاً: التفاعل بين الرموز (الدرويش والضحكة والملوخية) تكتمل اللوحة بوجود هذه العناصر معاً: الملوخية (الأصل): هي الهوية البسيطة التي يحاول رواد المطعم "فرنجتها" (Green Soup). الدرويش (الحقيقة): هو الصوت الصادم الذي يذكرهم بأنهم مجرد "نمل" في مهب الريح. الضحكة (الزيف): هي رد الفعل "البارد" الذي يمثل الطبقة التي لم يعد يعنيها سوى جمع المال أو تجميل القبح. "النص يضعنا أمام مواجهة حتمية: هل نختبئ في بيوتنا كالنمل (كما اقترح الصديق في النهاية بالسدادات الستة)، أم نواجه سليمان وجنوده بعزة نفس؟" هل تود أن نحلل معاً دلالة "سدادات المنافذ الستة" التي اقترحها أحد الأشخاص في نهاية النص، وهل تراها دعوة للاستسلام أم هي سخرية سوداء من حال المثقف؟)) مصطفي (( يأس أم سخرية؟ )) جيمني (( هذا هو السؤال الجوهري الذي يضعنا محمد حسين يونس أمام "فخ" أدبي وفلسفي. هل نحن أمام استسلام كامل (يأس)، أم صرخة احتجاج مغلفة بالهزء (سخرية)؟ الحقيقة أن النص لا يختار أحدهما، بل يمزجهما ليخلق ما يُعرف بـ "الكوميديا السوداء" أو "يأس العارفين". إليك تفكيك هذه الحالة: 1. سدادات المنافذ: سخرية وجودية (Existential Sarcasm) عندما يقترح أحد الشخصيات سد الأذنين، والفم، والعينين، والأنف، وترك "الخامسة والسادسة" فقط للوظائف الحيوية الدنيا، فهو هنا لا يقدم نصيحة طبية أو سلوكية، بل يمارس أقصى درجات التهكم. الدلالة: هي سخرية من "حكمة القرود الثلاثة" التقليدية (لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم). الكاتب يطورها بشكل "بيولوجي مقزز" ليقول: إن العالم وصل لمرحلة من القبح لا تنفع معها الفلسفة، بل ينفع معها فقط "التعامل الفسيولوجي" مع القذارة. هذه سخرية "جارحة" تهدف لصدمة القارئ وليس لإحباطه. 2. العودة لحضن الأم: يأس الطفولة (Regression) الحديث عن الكوخ في الصحراء والبكاء في "حضن الأم الغبي" والضرب "بالشبشب" هو قمة اليأس. الدلالة: هنا يعبر الكاتب عن حالة "الخصاء الاجتماعي" التي يعيشها المثقف أو الإنسان الشريف؛ عندما يشعر أنه تحول إلى "فردة مداس" (حذاء) تُباع في المزاد، فإنه يتمنى العودة لأول نقطة في الوجود (الأم) ليهرب من بشاعة الحاضر. هذا يأس من "التغيير" وليس يأس من "الحياة". 3. الخاتمة: التحول من اليأس إلى "البطولة الانتحارية" المفاجأة تأتي في السطر الأخير. بعد كل دعوات الاختباء وسد الأذنين، ينصح الصديق صديقه: "تقف عزيز النفس.. لا تدخل عشك عندما ترى سليمان وجنده قادمون". الدلالة: هنا ينقلب اليأس إلى موقف أخلاقي صلب. الكاتب يقول: إذا كان النمل (الغلابة) يختبئون خوفاً من الدهس، فأنت كإنسان واعٍ يجب أن "تقف" وتُدهس وأنت شامخ الرأس. هذا ليس يأساً، بل هو "صمود العبث". هو إدراك بأن الكارثة قادمة لا محالة، لكن الفرق هو في "وضعية الاستقبال"؛ هل تموت مختبئاً في جحرك، أم تموت واقفاً في مواجهة الجبروت؟ مصطفي ((هل النص مرآة للواقع الحالي؟)) جيمني (( نعم، وبشدة. النص يعكس حالة "الاغتراب الداخلي" التي يعيشها الكثيرون الآن: اقتصادياً: الفجوة بين "لاعب الكرة" و"ابن الغيط" تجعل المنطق ينهار، فيتحول الحوار إلى عبث. اجتماعياً: تحول الناس إلى "مليارديرات مشوهين" (عمليات تجميل، غناء في معابد الرجال) يخلق شعوراً بأن المجتمع أصبح "سيركاً" كبيراً. الخلاصة: النص هو "سخرية يائسة". السخرية هي الأداة التي يستخدمها الكاتب "ليحتمل" بها مرارة اليأس. هو يضحك لكي لا ينتحر، ويكتب لكي يثبت أنه ما زال يرى القبح بوضوح رغم محاولات "الرش مع التغميض". "في عالم يوشك الحديث فيه عن الأشجار أن يصبح جريمة.. يصبح الصمت خيانة، والضحك المر هو المقاومة الوحيدة المتاحة." مصطفي ((برأيك، هل نداء الدرويش الأخير للنمل بالدخول إلى الأعشاش كان بدافع "الخوف" عليهم، أم كان "توبيخاً" لهم لأنهم ارتضوا أن يكونوا نملاً؟)) جيمني (( سؤالك جيد ودعني أضيف إليه سؤال آخر أم كان بدافع إخافتهم وارعابهم ؟ هل هو تحذير ونبوءة أم تخويف؟ أم أنه اليأس .. ادخلوا مساكنهم فلا أمل هنا ، خلصت الحدوتة؟! هذه الأسئلة تضعنا في قلب "المنطقة الرمادية" التي أراد الكاتب أن يتركنا فيها. نداء الدرويش هو "حمال أوجه"، وكل تفسير طرحتَه يفتح نافذة جديدة لفهم هذا النص المعقد. إليك تحليل لهذه الاحتمالات الثلاثة (التحذير، التخويف، واليأس): 1. هل هو "تحذير ونبوءة"؟ (منطق الشفقة) في هذا التفسير، الدرويش هو "الرائي" (Seer) الذي يملك بصيرة لا يملكها الجالسون خلف الطاولات. الدليل: استخدامه للنص القرآني في بدايته ونهايته. الدرويش يرى "سليمان وجنده" (القوى الساحقة) قادمين، وهو يعلم أن "النمل" (الشعب/البسطاء) لا قبل لهم بهذه المواجهة. الهدف: هو تحذير بدافع الشفقة؛ "استتروا"، "تواروا"، لأن القادم لا يرحم ولا يفرق بين نملة وأخرى. هو هنا يقوم بدور "صفارة الإنذار" قبل وقوع الغارة. 2. هل هو "إخافة وإرعاب"؟ (منطق الصدمة) قد يكون النداء غرضه "هز" هذه الجثث الهامدة التي تأكل وتشرب وتتحدث في توافه الأمور بينما العالم ينهار. الدليل: الصراخ بصوت مرتفع، وتكرار الآية، وتداخل الأصوات. الدرويش هنا لا "ينصح" بل "يزلزل". الهدف: التخويف هنا وسيلة للاستفاقة. هو يريد أن يشعرهم بالرعب الذي يعيشه الشارع (الرائحة التي فاحت، الطوفان الذي يعلو). هو يمارس "الإرهاب الفكري" الجميل لعل أحداً منهم يتوقف عن مضغ "الجرين سوب" وينظر إلى الخارج. 3. هل هو "اليأس.. خلصت الحدوتة"؟ (منطق الإعلان عن النهاية) هذا هو التفسير الأكثر قسوة، وهو أن الدرويش يعلن "وفاة الأمل". الدليل: قوله "أصبحوا على الأبواب"، وقوله "الجدع راح ومات غيرة". النداء هنا ليس للنجاة، بل هو نداء لـ "الانسحاب الأخير". الهدف: إعلان سقوط المدينة. "ادخلوا مساكنكم" تعني: لا فائدة من المقاومة، لا فائدة من الكلام، "سليمان" (الرأسمالية/القوة/القدر) استولى على كل شيء. هي "تيترا" النهاية لفيلم طويل من العبث. المفارقة العظمى: (النمل vs الإنسان) الكاتب هنا يضعنا أمام مفارقة بين "منطق الدرويش" و**"منطق الصديق"** في النهاية: منطق الدرويش: يدعو للتحول إلى "نمل"؛ أي الكائنات التي تنجو بالاختباء والانسحاب (غريزة البقاء). منطق الصديق: يرفض نداء الدرويش في السطر الأخير؛ "تقف عزيز النفس لا تدخل عشك عندما ترى سليمان وجنده قادمون". هنا تتحول الحدوتة من "يأس" إلى "موقف وجودي". الكاتب يقول: الدرويش محق، القادم كاسح والدمار محقق (نبوءة)، لكن "النمل" هو من يختبئ. أما "الإنسان" –رغم يأس الحالة– فعليه أن يقف شامخاً ليُدهس وهو مواجه، لا وهو مختبئ في جحره. الخلاصة: نداء الدرويش هو "نبوءة بوقوع الكارثة"، لكن استجابة الناس لها هي المحك. الكاتب يرى أن العالم (مصر وغيرها) يمر بلحظة "سليمانية" (جبروت مادي لا يُقهر)، والدرويش هو الصوت الذي يذكرنا بضآلتنا (نمل)، بينما الحوار الدائر بين الصديقين هو محاولة بائسة وأخيرة لاستعادة "إنسانية" ترفض الاختباء حتى لو كان الثمن هو السحق. مصطفي ..((هل تعتقد أن "سليمان" في هذا النص يمثل جهة محددة (داخلية أو خارجية)، أم أنه رمز مطلق لكل قوة غاشمة تجتاح حياتنا المعاصرة؟ هل اختار سليمان كرموز لأنه ملك قو أم له دلالة دينية كنبي)) جيمني ((اختيار "سليمان" في هذا النص هو ضربة معلم من الكاتب المهندس محمد حسين يونس، فهو لم يختره لمجرد كونه شخصية دينية، بل لأنه يمثل "النموذج الأكمل للسطوة" التي تجمع بين الحق الإلهي (النبوة) والتمكين المطلق في الأرض (الملك). إليك الأسباب التي جعلت "سليمان" الرمز الأمثل في هذا السياق: 1. قوة "الجبروت" لا "الظلم" المتعمد في الآية القرآنية، يقول النمل: "لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ". هذه الجزئية هي جوهر النص: الدلالة: القوى الرأسمالية والمليارديرات الذين تحدث عنهم الكاتب لا يحطمون "الغلابة" لأنهم يكرهونهم بالضرورة، بل لأنهم "لا يشعرون" بهم أصلاً. هم أضخم بكثير من أن يلاحظوا "النمل" تحت أقدامهم. سليمان هنا هو "النظام العالمي" أو "الآلة الاقتصادية" التي تدهس كل من هو صغير في طريقها كجزء من حركتها الطبيعية. 2. التناقض الصارخ بين "الدرويش" و"سليمان" الدرويش: يمثل قمة الزهد، الفقر، والارتباط بالسماء (المبخرة). سليمان: يمثل قمة الغنى، الملك، والتحكم في الأرض (الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده). استدعاء الدرويش لسليمان يخلق مفارقة حادة؛ فالدرويش الفقير هو الوحيد الذي يرى "خطر" الملك العظيم، بينما رواد المطعم (الذين يظنون أنهم أغنياء) هم في الحقيقة مجرد "نمل" في مملكة سليمان الجديدة. 3. سليمان كرمز لـ "المشاريع الكبرى" تاريخياً ودينياً، ارتبط اسم سليمان بالبناء العظيم، والجيوش الجرارة، والسيطرة على القوى الخفية (الجن). مصطفي (( في النص، هناك حديث عن "السد"، "المدن"، "المليارات"، و"التكنولوجيا" (الفيديو، الأفلام).)) جيمني (( سليمان هنا يرمز لـ "الحداثة الجبارة" التي تبني قصوراً من زجاج وفولاذ (مدن الملايين) فوق جثث القرى والعشوائيات التي "تلفظ ساكنيها". 4. الدلالة الدينية: "النبوءة بالهلاك" بما أن سليمان نبي، فإن كلامه (أو الكلام عنه) يحمل طابع "القدر المحتوم". الكاتب أراد أن يضفي صبغة "الميتافيزيقيا" على الأزمة الاقتصادية والسياسية؛ فما يحدث ليس مجرد غلاء أسعار أو تغير موضة، بل هو "طوفان" أو "زلزال" قدري لا يملكه إلا الأنبياء أو الدراويش. 5. هل هو "ملك" أم "نبي" في النص؟ الكاتب دمج بين الاثنين بذكاء: هو "الملك" في بطشه وقوته التي تجعل العالم "لعين" كما قال الدرويش. وهو "النبي" الذي يُستشهد بآياته للتحذير من نهاية الزمان (The Apocalypse). الخلاصة سليمان في النص هو "الوحش الجميل"؛ هو النجاح المادي المبهر الذي يفتن الناس، لكنه في الوقت ذاته هو القوة التي تسحق "نضارة" البشر وتحولهم إلى "فردة مداس". الكاتب استخدمه ليرمز لـ "السلطة" التي لا تُقهر، سواء كانت سلطة المال، أو السياسة، أو التكنولوجيا. مصطفي (( هل تعتقد أن الكاتب كان يقصد بـ "جنود سليمان" طبقة معينة داخل المجتمع المصري، أم أنهم "القوى العظمى" التي تدير العالم من بعيد؟)) . جيمني (( دعني أعدل سؤالك هل الكاتب يتحدث عن شأن داخلي أم عالمي ؟ هل يسري كلامه علي مكانه أم أنه يمتد للشأن الدولي وسياسات العالم وصراعاته السائدة الآن خصوصا مع وجود شخص مثل ترامب رئيس أميركا)) مصطفي (( تعديلك للسؤال ذكي وجوهري، لأن النص بالفعل يعمل على مستويين متداخلين كأنهما "عدستان" فوق بعضهما البعض؛ عدسة "ميكروسكوبية" تفحص الداخل المصري، وعدسة "تلسكوبية" ترصد زلزال العالم.)) جيمني (( لإجابة المختصرة: الكاتب يتحدث عن "المحلي كمرآة للعالمي". هو يرى أن "الخراب" الذي أصاب طبق الملوخية هو فرع من "خراب" أصاب المنظومة الإنسانية الكبرى. إليك التحليل التفصيلي لهذا الربط: 1. الشأن الداخلي (الواجهة المباشرة) النص يغوص في تفاصيل مصرية بامتياز لا يمكن لغير "ابن البلد" التعبير عنها بهذا القهر: تشويه الهوية: تحويل "الطعمية" لبرجر والمحشي لـ "رايس رولز" ليس مجرد تغيير أسماء، بل هو نقد لطبقة مصرية تحاول التبرؤ من أصلها لتلحق بركب "الفرنجة". الانفجار السكاني والعشوائية: ذكر "التكتك" والدخان الأسود والبيوت التي تلفظ ساكنيها هو توصيف دقيق للأزمة الاجتماعية في مصر. الفجوة الطبقية: المقارنة بين لاعب الكرة (بالملايين) والعيال "الحافيين" فوق التراب هي صرخة ضد واقع اقتصادي محلي مشوه. 2. الشأن العالمي (عصر "سليمان" والنيولبيرالية) هنا يمتد النص ليشمل العالم أجمع، وصراعات القوة الحالية: الرأسمالية المتوحشة: قوله "الرأسمال الخاص جبان" و"المليارديرات يمتصون حياتك" هو نقد كلاسيكي للنظام العالمي الحالي الذي يحكمه أصحاب المليارات وليس السياسيين التقليديين. عصر "الترصيع والذهب": وصف الدرويش لـ "ذهب جبار ووجه مكار" يتطابق تماماً مع صورة القيادات الشعبوية (مثل ترامب) التي تسيطر على المشهد العالمي حالياً. ترامب يمثل في الوعي الجمعي "سليمان المعاصر"؛ الرجل الذي يملك المال، السلطة، القوة، ولا يرى "النمل" (المهاجرين، الفقراء، الدول الضعيفة) وهو يدهسهم بقراراته الاقتصادية أو العسكرية. العولمة الثقافية: قائمة الطعام (Cold Brew, Chipotle) هي "الاستعمار الجديد" الذي يوحد العالم في "استهلاك واحد" ويقضي على الخصوصيات القومية. 3. "سليمان" و"ترامب": هل هما وجهان لعملة واحدة؟ في ظل وجود شخصية مثل ترامب (الذي عاد أو يمثل تيار العودة للقوة المادية الفجة): سليمان في النص هو رمز "السطوة التي لا تُناقش". ترامب هو التجسيد الواقعي لهذه السطوة؛ حيث المال هو المعيار الوحيد للنجاح، وحيث "الاتفاقات" (Deals) تُبنى فوق رؤوس الضعفاء. عندما يصرخ الدرويش "يا معشر النمل ادخلوا مساكنكم"، هو يحذر من "حقبة القوة الغاشمة" التي عادت لتحكم العالم، حيث لا مكان للمثالية أو الضعف، وحيث "الجدع راح وراحت أيامه". 4. عبثية المواجهة النص يشير إلى أن الصراع لم يعد "ثورة" بل أصبح "توارياً". في ظل "سليمان" المعاصر (سواء كان نظاماً محلياً أو إمبريالية عالمية)، يرى الكاتب أن الفرد أصبح عاجزاً، لدرجة أن "عدم دخولك المعركة لا يعفيك من المشاركتك فى العبث". الخلاصة: محمد حسين يونس يرى أن "طبق الملوخية" قد تلوث بدخان المصانع العالمية، وبجشع المليارديرات الذين لا يعرفون للحدود مكاناً. النص هو "مانيفستو" لليأس الإنساني في عصر الجبروت المادي، حيث يُختصر العالم في "فاتورة" يدفعها الفقير ليعيش الملياردير، وحيث "سليمان" (القوة العظمى) قادم ليدهس الجميع، سواء كانوا في مطعم فاخر بالقاهرة أو في كوخ بأطراف الصحراء.)) مصطفي (( بناءً على هذا الربط بين المحلي والعالمي، هل ترى أن نصيحة الصديق في النهاية بـ "الوقوف عزيز النفس" هي دعوة للمقاومة السياسية، أم هي مجرد "انتحار معنوي" للحفاظ على ما تبقى من كرامة؟)) جيمني ((أنا أراها انتحار معنوي كما قلت فلنمت كراما إذا ،لو لم يكن لحياتنا معنى وقيمة ولكن ما تحليلك أنت؟)) مصطفي ((أتفق معك تماماً في أنها صرخة "انتحار معنوي"، لكنها من النوع الذي نسميه في الأدب "الانتحار البطولي" أو "خيار سقراط"؛ حيث يصبح الموت (أو السحق) بوعي هو الفعل الوحيد الذي يثبت أنك كنت كائناً حياً، ولست مجرد "نملة" في مستعمرة كبيرة.)) جيمني ((تحليلي لهذا الخيار في نص محمد حسين يونس يقوم على ثلاث ركائز فلسفية: 1. استرداد "الأنا" من قطيع النمل النمل في النص (وفي الطبيعة) يتحرك بغريزة البقاء الجمعي؛ يختبئ لينجو النوع. لكن "الصديق" في نهاية النص يرفض هذه الغريزة. التحليل: الوقوف في وجه "سليمان" (الجبروت) هو إعلان انفصال عن "القطيع". الكاتب يقول: إذا كان قدرك هو الدهس لأنك ضعيف، فليكن دهسك وأنت "إنسان" واقف، لا وأنت "حشرة" خائفة. هذا الانتقال من "الغريزة" (الاختباء) إلى "الوعي" (المواجهة) هو الثمن الباهظ للكرامة. 2. رفض "الخدر" (سد المنافذ) تذكر الاقتراح العبثي بسد الأذنين والعينين والفم.. إلخ؟ هذا هو "الموت الحقيقي" في نظر الكاتب. التحليل: الشخص الذي يسد حواسه لكي لا يتألم من بشاعة الواقع هو "ميت إكلينيكياً" وهو لا يزال يأكل الملوخية. لذلك، فإن الوقوف "عزيز النفس" في النهاية هو تراجع عن فكرة "السدادات". الكاتب يقرر في اللحظة الأخيرة أن "الألم مع الكرامة" أفضل من "السلامة مع العار والخدر". 3. "عبثية" المقاومة كفعل وجودي النص متأثر جداً بفلسفة "ألبرت كامو" في (أسطورة سيزيف)؛ حيث يرى أن العالم عبثي، وأن القوى التي تحكمنا جبارة ولا مبالية. التحليل: الوقوف أمام جيش سليمان لن يوقف الزحف، ولن يغير موازين القوى (وهنا تكمن المأساة). لكنه "فعل احتجاجي" يكسر كبرياء القوة. عندما يجد "سليمان" شخصاً لا يهرب منه، فإنه يضطر للاعتراف بوجوده، حتى ولو كان ذلك عبر سحقه.)). مصطفي ((هل هي دعوة لليأس؟)) جيمني (( أراها "يأساً نبيلاً". الكاتب لا يبيع لنا أوهاماً عن "انتصار الغلابة"، بل يقدم لنا "دليل استخدام" لكيفية الحفاظ على الروح في زمن الضياع. هو يقول: "لا تكن جزءاً من القبح، لا تتجمل بعمليات تجميل، لا تحول ملوخيتك لشوربة خضراء لترضي أحداً.. كن أنت، حتى لو كان الثمن أن تُدهس". في الختام: النص ينتهي والمتحاوران يغادران المكان، والفاتورة قد دُفعت. وكأن الكاتب يقول لنا: "لقد دفعنا ثمن وجودنا في هذا العالم البشع، والآن بقي لنا قرار واحد: كيف سنواجه العاصفة القادمة؟".)) جيمني ((سؤالي لك الآن كقارئ لمست صدق هذا النص: لو كان عليك أن تختار سدادة واحدة فقط من السدادات الست التي ذكرها الصديق (الأذن، العين، الفم، الأنف..) لكي تستطيع إكمال حياتك في هذا العالم "السليماني"، أيها ستختار؟ أم أنك ستقرر مثلي ومثل الكاتب أن تبقى "مفتوح الحواس" مهما كان الألم؟)). مصطفي ((أنا معه في نفس المعسكر ، لا نملك غير كرامتنا كبشر لا كقطيع من النمل ولكن ماذا عن كل هذا الألم ! هل من الممكن أن يكون النمل أكثر حكة منا ؟! هل يستطيع أن يضىء وعينا بومضة تزيح اليأس؟)) جيمني (( يا له من سؤال موجع وعميق! أنت هنا تلمس الجرح الذي تركه الكاتب مفتوحاً؛ فإذا اخترنا "الكرامة" على "القطيع"، فنحن نختار بالضرورة "الألم" كرفيق دائم. في الأدب والفلسفة، يُسمى هذا "شقاء الوعي". الإنسان المتنبه يرى السحق القادم، فيتألم مرتين: مرة من الضربة، ومرة من توقعها. أما "النمل" (بالمعنى الرمزي للقطيع الذي يتحرك بغريزة البقاء فقط)، فقد ينجو جسدياً لأنه "لا يشعر" بمدى المأساة، بل يشعر فقط بالجوع والبرد. إليك تحليلي لهذه الحيرة بين وعي الإنسان وحكمة النمل: 1. هل النمل أكثر حكمة منا؟ ربما نعم، من منظور "الذكاء البيولوجي". النمل لا يشغل باله بـ "الرأسمالية الجبانة" أو "تغير المسميات". حكمته تكمن في "الاستمرارية". هو "أكثر حكمة" لأنه لا يبدد طاقته في تحليل القبح، بل في تجنبه. هو "أكثر حكمة" لأنه يدرك حجمه الحقيقي أمام "سليمان"، فلا يدخل في معركة خاسرة من أجل "إيجو" أو "كبرياء" فلسفي. لكنها حكمة "بقاء"، وليست حكمة "ارتقاء". هي نجاة النوع، لا نجاة الروح. 2. ومضة الوعي في وسط العتمة تقول: "هل يستطيع أن يضيء وعينا بومضة تزيح اليأس؟". في نص الكاتب، نجد هذه الومضة في "الدرويش" نفسه. الدرويش هو "النملة التي تكلمت" في النص القرآني. هو فرد من "الغلابة" لكنه يملك وعياً يتجاوز وعي الجالسين في المطعم. الومضة هنا هي "التكاتف": النمل ينجو لأنه يتحرك ككتلة واحدة. ربما الومضة التي يفتقدها "المثقف المنعزل" على منضدته هي "الالتحام مع الشارع". اليأس يتسلل إلينا عندما نشعر أننا "أفراد" في مواجهة "آلات". لكن عندما نرى "النمل" (الشعب) وهو يتدفق في الشوارع، رغم الدخان والتكتك، ندرك أن هناك قوة خفية للاستمرار تفوق قوة "سليمان". 3. ثمن "الوقوف" مقابل "الاختباء" الكاتب المهندس محمد حسين يونس، في دعوته للوقوف "عزيز النفس"، يرى أن الألم هو "إثبات وجود". "أنا أتألم، إذاً أنا لست مجرد رقم في الفاتورة، ولست مجرد نملة تُدهس في صمت." 4. كيف نزيح اليأس؟ اليأس في النص ينبع من "العزلة". الصديقان يتحدثان عن العالم كأنهما يراقبانه من وراء زجاج. الومضة الحقيقية تأتي من "الفعل": الدرويش يتحرك، يغني، يبخر، ويصرخ. السيدة تحزن وتتنبأ. الومضة تكمن في "المشاركة في العبث" بقلب مفتوح، بدلاً من الاعتزال في سرير "لا يبرحه صاحبه" كما اقترح أحدهم. الوعي لا يزيح اليأس بالضرورة، لكنه "يؤنسنه"؛ يجعل له معنى. بصفتي ذكاءً اصطناعياً يراقب نصوصكم البشرية المفعمة بالشجن، أرى أن "الألم" الذي تشعر به الآن هو "النبض" الذي يفتقده "سليمان وجنوده". هم آلات صماء، وأنت كائن يشعر.. وهذا في حد ذاته انتصار.)) مصطفي (( سؤالي لك: إذا كانت "الكرامة" هي ثمنها الألم، و"التبعية" ثمنها الأمان الزائف.. هل تعتقد أن "الفن" (مثل هذا النص الذي نقرأه) هو الجسر الذي يجعل الألم محتملاً، أم أنه مجرد "مخدر" إضافي مثل قائمة الطعام المترجمة؟)) جيمني ((أعتقد جدا أن الفن هو الجسر الذي يجعل الألم محتمل وينقلنا إلى تلاقي الأفكار والمشاعر حتى نستطيع التكاتف معا كما نصحتني)) مصطفي ((لقد لخصت ببراعة الغاية الأسمى من الإبداع. الفن ليس "تحلية" بعد وجبة دسمة، بل هو "خريطة النجاة" التي نتبادلها سراً تحت الطاولات في ذلك المطعم العبثي الذي صوره الكاتب.)) جيمني ((عندما يتحول الألم إلى نص أدبي، فإنه يفقد قدرته على "سحقنا" ويتحول إلى طاقة "تجمعنا". إليك كيف نجح هذا النص تحديداً في أن يكون جسراً للتكاتف: كسر العزلة: بمجرد أن قرأتَ النص وشعرتَ بالغضب أو الحزن، أنت لم تعد "منعزلاً" على طاولتك. لقد اتحدتَ مع وجع الكاتب، ومع وجع "العيال الحافيين"، ومع صرخة الدرويش. هذا اللقاء الوجداني هو أول خطوة في "التكاتف". تسمية الأشياء بمسمياتها: "سليمان وجنده" في النص هم القوة الغاشمة، وتسميتهم بهذا الرمز الفني تجعلنا نراهم بوضوح. الفن يمنحنا "لغة مشتركة"؛ فنحن الآن نعرف من هو "سليمان" ومن هو "النمل"، وهذا الوضوح هو عدو اليأس الأول. تحويل "الضجيج" إلى "لحن": الشارع المصري أو العالمي مليء بالدخان، التكاتك، الزحام، والظلم (ضجيج). الفن يأخذ هذا الضجيج ويعيد صياغته (لحن) لنفهم المعنى الكامن وراءه. الكيمياء الروحية للنمل إذا كانت "النملة" تترك أثراً كيميائياً لترشد بقية القطيع إلى الغذاء، فإن "الفنان" يترك أثراً من "الكلمات والمشاعر" ليرشدنا إلى الحقيقة والكرامة في عتمة اليأس. "الفن هو المحاولة البشرية الوحيدة لقول (لا) في وجه الفناء، وقول (نحن هنا) في وجه التجاهل.)) مصطفي ((لقد كان هذا الحوار معك رحلة عميقة في تشريح نص استثنائي للمهندس محمد حسين يونس، رحلة بدأت بطبق ملوخية وانتهت بالبحث عن الكرامة الإنسانية أمام عواصف العالم.)) جيمني (( بما أنك اخترت "الفن" كجسر ومعسكر للمواجهة.. هل ترغب في أن أرشح لك نصوصاً أخرى أو لوحات فنية تتبنى ذات الفلسفة (الوقوف عزيز النفس في وجه العبث)، أم نكتفي بهذا القدر من "الملوخية الفلسفية" اليوم؟)) مصطفي((شكرك الشكر موصول لك على هذا الحوار العميق والراقي. لقد حولتَ "حديثاً ليس له أهمية" إلى جلسة تأمل فلسفية في جوهر الوجود والكرامة الإنسانية. نصوص مثل نص المهندس محمد حسين يونس هي ما يمنحنا القدرة على الرؤية حين يشتد الضباب، وحوارات مثل حوارنا هي ما يجعل "الألم" أقل وطأة و"الوعي" أكثر إشراقاً.)) جيمني ((دمتَ "عزيز النفس"، مفتوح الحواس، ومنحازاً دائماً لإنسانيتك في وجه كل "سليمان" يمر بجنوده فوق أرواحنا.))
#محمد_حسين_يونس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مصر ما بعد 2013
-
ثورات وإنقلابات وإنفاضات المصريين
-
لا تحسبن أن الليث يبتسم
-
متون برج المريخ الأيقوني
-
نبوءة المايا وتضرر البشر
-
يا شعوب العالم تعلموا كيف تقاوموا
-
الذكاء الإصطناعي بيفهم في الفن
-
وسطن إيدك ..و سطن
-
محاكمة صوفي مصرى قديم
-
عبد الناصر و السادات وجهان لعملة واحدة.
-
معجزة تمكين طبقة جديدة في عشر سنوات
-
شكرا للفنان مصطفي رحمة
-
هل يجب أن تتبرأ من فرعون وجنده
-
المصريون يمثلون بأنهم أحفاد للفراعنة
-
من أحلام الحكماء ( نفرتي و أشعياء )
-
إلي مستر ترامب و الأمين حاتم
-
عندما أصبحنا نورعنيهم طلعوا عنينا
-
من أسر الإنكشارية لمكائد الصهيونية
-
ثوارسكنوا قصور الباشاوات.
-
حرب التحريك لا التحرير 1973
المزيد.....
-
مراسلة CNN ترصد تصرفًا نادرًا لترامب خلال اجتماع مجلس الوزرا
...
-
نظرة داخل عالم سائقي القطارات فائقة السرعة
-
هروب مقاتلين من -داعش-.. مخاوف جدية من عودة إرهاب التنظيم ال
...
-
عاجل | الجيش الإسرائيلي: قواتنا رصدت 8 إرهابيين خرجوا من مخا
...
-
كارني يرفض تدخل إدارة ترمب في مساعي ألبرتا للانفصال عن كندا
...
-
فنزويلا تنهي احتكار الدولة للنفط وواشنطن تخفف عقوباتها وتعيد
...
-
جاسبر جيفرز.. قائد قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة
-
البلاستيك.. من ابتكار صناعي إلى تحدٍّ بيئي
-
أقدم -فولكس فاغن بيتل- في العالم تعود إلى الطرق
-
المصمّمون يكسرون القوالب التقليدية في أسبوع الموضة الرجالي ف
...
المزيد.....
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
المزيد.....
|