أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - الأيزيديين بين التشويه والحقيقة















المزيد.....

الأيزيديين بين التشويه والحقيقة


خالد الياس رفو

الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 08:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كل قراءة تاريخية عميقة في هوية الأيزيديين، أحد أقدم شعوب ميزوبوتاميا، تقود بالضرورة إلى حقيقة صادمة مفادها أن ما سُمّي عبر القرون بالمصادر التاريخية والدراسات الأكاديمية حول الأيزيديين لم يكن في جوهره تاريخاً بالمعنى العلمي، بل كان في كثير من الأحيان انعكاساً مباشراً لذهنية السلطة الدينية والسياسية التي أنتجته.
في الحقيقة لم تُكتب تلك البحوث ... الدراسات والنصوص لفهم الأيزيديين، بل لإخضاعهم أو لتبرير اضطهادهم أو لإقصائهم من الذاكرة التاريخية وإخراجهم من سياق الوجود الحضاري المشروع.

لهذا تتكرر فيها الاتهامات ذاتها بأقنعة متعددة.
مرة يُتصوَّر الأيزيديون كطائفة منشقة عن الإسلام ومرة كديانة حديثة العهد وأخرى كمزيج مشوّه من الإسلام ... المسيحية أو امتداد للصوفية أو للزرادشتية أو للمثرائية.
وفي أقصى حالات التشويه يُختزل الأيزيديون في أكثر الصور ابتذالاً وهو عباد الشيطان أو يُقال عنهم قوم بلا نبي وبلا كتاب، إذن بلا إيمان، أي كفرة خارجون عن المنظومات الدينية السائدة.

هذا التناقض وحده كافٍ لطرح السؤال الجوهري:
كيف يمكن لهوية واحدة أن تُنسب في آن واحد إلى كل هذه الأصول المتناقضة؟!
الجواب هو أن الخلل ليس في الأيزيديين أنفسهم، بل في تلك المصادر ... الدراسات والبحوث الأكاديمية.

الأزمة ليست أزمة هوية، بل أزمة "معرفة واعتراف".
أغلب ما كُتب عن الأيزيديين كُتب من خارجهم، بل من خصومهم العقائديين، دون أي اعتبار لروايتهم الذاتية ولا لفهم بنيتهم الرمزية ولا إدراك لفلسفتهم الدينية والحياتية ولا إدراك لطبيعة دينهم الشفهي ولا احترام لمنطقهم الكوني الخاص ولا لتاريخهم الموغل في القدم.
قورنت الأيزيدية من قبل غالبية من كتب عنهم، سواء من خارجهم أو من داخلهم، قسراً بمعايير أديان لاحقة عليها زمنياً.
حين يرى المؤرخ المسلم لدى الأيزيديين الختان يفترض أنه بسبب التأثر بالإسلام وحين يرى لدى الأيزيديين تعميداً بالماء يربطه بالمسيحية وحين يرى تقديساً للنور والنار يُسقط عليه المثرائية أو الزرادشتية.

وهكذا لم يُطرح السؤال الصحيح: من الأقدم؟ ومن أخذ عن من؟!
الحقيقة التاريخية أن الأيزيديين ليسوا طائفة دينية طارئة ولم ينشؤوا من قوم أو دين آخر، بل هم شعب ميزوبوتامي أصيل جذوره ممتدة في عمق "سومر وأكد وبابل وآشور".
هوية الأيزيديين "إثنية دينية" وليست مشروعاً تبشيرياً يهدف للتوسع والهيمنة والسلطة ولا حركة تأسيس عقائدي، بل استمرارية حضارية. وهم شعب وديانة ارتبطت بالأرض ... الطبيعة ودورات الحياة وفكرة الخلق الأولى.
إن الديانة الأيزيدية نشأت من الوجود لا من الفتح ومن الجغرافيا لا من الغزو ومن الاستمرارية لا من الانقطاع.

في اللغة الأيزيدية يُطلق على الخالق اسم "خودي"، أي الكائن الذي أوجد ذاته بذاته وهو مفهوم ديني فلسفي عميق يعبّر عن تصور أزلي للوجود الإلهي يسبق الأديان النبوية.
هذا الفهم يؤسس لتوحيد مبكر لا يقوم على الوساطة ولا يحتاج إلى نبي، إذ تقوم العلاقة بين الإنسان والخالق على صلة مباشرة أخلاقية كونية قائمة على الوعي الداخلي والإدراك الروحي لا على الطاعة القسرية أو الخضوع المفروض.

أما المعنى اللغوي والفلسفي الحقيقي لكلمة "أيزيدي" فيرتبط بدلالات روحية وأخلاقية سامية، إذ تُفهم على أنها الروح الخيّرة أو السائرون في الطريق القويم، أي المؤمنون بالخالق المقدس.
ويُرى في أصل التسمية أنها مشتقة من ألفاظ قديمة مثل "أزدان، يزدان، أو أيزي، أيزد" وهي تسميات تشير إلى الله في اللغات الإيرانية القديمة، كما ترتبط أيضاً بجذر "يزاتا" الذي يعني المقدس أو الجدير بالعبادة.

ومن هذا المنظور فإن دلالة الاسم لا يمكن أن تُنسب إلى انتماء سياسي أو نسب تاريخي لشخصية أو خليفة، بل تعود إلى جذور لغوية وروحية ضاربة في القدم تدور حول مفاهيم النور ... القداسة والحضور الإلهي في الوجود.
كما يُفسَّر المصطلح بمعنى "غير الملوّثين أو المتعزّزين بالله" في إشارة إلى النقاء الروحي والسمو الأخلاقي.

فلسفياً تعني التسمية "عبدة الله" بالمعنى الروحي المباشر، أي الذين يؤمنون بالخالق "خودي" دون وسيط ويقيمون علاقتهم به على أساس الوعي والصفاء الداخلي.
وتشير بعض الدراسات الأثرية واللغوية إلى أن مدلول الكلمة يحمل معاني الخير والطهارة والنقاء الروحي بما يعكس رؤية كونية تعتبر الإنسان كائناً أخلاقياً مرتبطاً بالمقدس ارتباطاً مباشراً.

وعليه فإن اسم "أيزيدي" لا يُنسب إلى سلطة تاريخية ولا إلى شخصية بعينها، بل ينتمي إلى منظومة مفاهيم لغوية وفلسفية قديمة مثل "أيزي، أيزدا وأزدان، يزدان" وهي ألفاظ تتمحور حول معنى الخلق ... النور والوجود الإلهي الحاضر في الكون.
ويعبّر الاسم في جوهره عن تصور روحي مبكر للإله الأزلي غير المخلوق، المُدرَك بوصفه وجوداً مطلقاً يتجاوز الشكل البشري والحدود الزمنية والتاريخية.

الطقوس التي تُستخدم اليوم لتشويه الأيزيدية ليست دليلاً على الاقتباس، بل شاهداً على القِدم.
الختان، التعميد، تقديس النور، احترام العناصر الأربعة (التراب ... الماء ... النار والهواء) كلها طقوس كونية سبقت الديانات الإبراهيمية بقرون طويلة.
السؤال العلمي الصحيح ليس لماذا توجد عند الأيزيديين طقوس مشابهة لديانات أخرى، بل لماذا يُفترض تلقائياً أنهم أخذوها من ديانات جاءت بعدهم تاريخياً.

الأيزيدية أقدم زمنياً من الأديان الإبراهيمية ولم تنشق عنها، بل إن الكثير من الرموز والطقوس انتقلت تاريخياً من الديانات الأرضية الميزوبوتامية إلى الأديان اللاحقة بعد إعادة تفسيرها وتأويلها ضمن أطر لاهوتية جديدة.

أما الزرادشتية فلا تمثل أصل الأيزيدية، بل كانت تجربة اجتهاد ديني نسبياً داخل فضاء روحي أقدم. ويذهب بعض الباحثين إلى أن زرادشت نفسه خرج من بيئة روحية أيزيدية كانت امتداداً لمنظومات دينية أقدم في ميزوبوتاميا.
ليست العلاقة علاقة أصل وفرع، بل علاقة تشابك حضاري داخل حقل روحي مشترك.

الشمس عند الأيزيديين ليست إلهاً بل رمزاً وهي قبلة رمزية لا معبوداً. هي رمز نور الخالق ومصدر الحياة على الأرض وهذا فهم فلسفي رمزي لا وثني.
كما استُخدم النور رمزاً في ديانات كثيرة وظل عند الأيزيديين رمزاً وليس بديلاً عن الخالق.

لم يبدأ الشعب الأيزيدي عبر تاريخه الطويل حرباً، لكنه كُتب عليه أن يكون الضحية. طوال التاريخ تعرّض الأيزيديون لعشرات حملات الإبادة فقط لأنهم رفضوا الانصهار والذوبان في ثقافات أخرى.
لا تحمل الأيزيدية أي مشروع غزو ولم يفرض الأيزيدي دينه على أحد ولم يبن دولته على إقصاء غيره ومع ذلك وُصم بالكفر واستُحل دمه وسُبيت نساؤه ودُمّرت مقدساته.

وهنا تتكشف الحقيقة الأخطر: تشويه الهوية كان دائماً تمهيداً للإبادة، فقبل أن يُقتل الجسد يُقتل المعنى وقبل أن تُدمّر القرى تُدمّر الصورة الذهنية وقبل أن تُسفك الدماء يُسفك الوعي.

الأيزيدية ليست لغزاً غامضاً، بل مرآة تكشف خوف الآخر من المختلف القديم الذي لم يخضع لأحد. وهي ديانة الحياة لا الفتح، ديانة الأرض لا السيف، ديانة الوجود لا الإقصاء.
وإن كان ثمن بقائها هو أن تُشوَّه في الكتب، فقد أثبت التاريخ أن الديانات التي لا تموت هي تلك التي لا تحتاج إلى تبرير وجودها بالقوة ولا إلى حماية الحقيقة بالسلاح، لأنها ببساطة متجذّرة في الوجود نفسه.



#خالد_الياس_رفو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوريا بين الدم والذاكرة والأقليات تحت تهديد الوجود
- الحق بين سطوة الجهل وجرأة الوعي
- قلام تباع وأخرى تكتب للتاريخ
- تحالف القضية الأيزيدية من الأمل إلى واقع سياسي ملموس
- الهوية الأيزيدية استعادة الذاكرة الرافدينية بين الأسطورة وال ...
- الجذور التاريخية والهوية الرافدينية للشعب الأيزيدي
- معبد لالش النوراني روح وحضارة تتحدى الزمن
- لالش بين القداسة والصفقات
- التطرف الديني.. طاعون العصر الذي يحصد الأبرياء
- إحدى عشرة سنة من الصمت...
- جرائم متكررة بحق الأقليات ... كنيسة مار إلياس جرس إنذار للعا ...
- إزالة تمثال الراوندوزي.. أول خطوة نحو التعايش الحقيقي
- مؤتمر الحوار الإيزيدي - الإيزيدي و الاصلاح
- مصير الأيزيديين بين الاعتراف بالإبادة وخطر الترحيل
- الإبادة مستمرة ماذا فعل قادتنا؟-
- القضية الإيزيدية وموقف المؤسسات العراقية (التشريعية، التنفيذ ...
- مجلس النواب العراقي وتقسيم الغنائم
- زيارة دمشق وتناقضات العدالة
- قانون الإبادة الجماعية الإيزيدية - خطوة ضرورية لتحقيق العدال ...
- الجولاني بين ماضيه الدموي و الحاضر المنفتح ...


المزيد.....




- مراسلة CNN ترصد تصرفًا نادرًا لترامب خلال اجتماع مجلس الوزرا ...
- نظرة داخل عالم سائقي القطارات فائقة السرعة
- هروب مقاتلين من -داعش-.. مخاوف جدية من عودة إرهاب التنظيم ال ...
- عاجل | الجيش الإسرائيلي: قواتنا رصدت 8 إرهابيين خرجوا من مخا ...
- كارني يرفض تدخل إدارة ترمب في مساعي ألبرتا للانفصال عن كندا ...
- فنزويلا تنهي احتكار الدولة للنفط وواشنطن تخفف عقوباتها وتعيد ...
- جاسبر جيفرز.. قائد قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة
- البلاستيك.. من ابتكار صناعي إلى تحدٍّ بيئي
- أقدم -فولكس فاغن بيتل- في العالم تعود إلى الطرق
- المصمّمون يكسرون القوالب التقليدية في أسبوع الموضة الرجالي ف ...


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - الأيزيديين بين التشويه والحقيقة