منصور رفاعي اوغلو
الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 04:21
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يلاحظ كثيرون أن الخطاب القومي التركي—داخل تركيا وخارجها—يتسم بمبالغة واضحة في استعراض حب الوطن: الأعلام في كل مكان، الشعارات القومية الحادّة، ربط أي نقد بالخيانة، وتحويل “الوطن” إلى فكرة مقدسة لا تُمس. هنا يبرز السؤال: هل هذا مجرد حب طبيعي للبلد، أم أنه علامة على شيء أعمق؟
بين الوطنية والمبالغة
حب الوطن شعور إنساني مشروع، بل وضروري. لكن حين يتحول إلى استعراض دائم ومبالغ فيه، يصبح مؤشرًا سياسيًا ونفسيًا في آن واحد. في الحالة التركية، لا يبدو الأمر عفويًا فقط، بل مُنتَجًا ومُعاد إنتاجه عبر التعليم، والإعلام، والخطاب الرسمي، وحتى الحياة اليومية.
هذه المبالغة لا تنبع من فائض ثقة، بل غالبًا من قلق عميق على الهوية.
عقدة التاريخ غير المحسوم
ورثت الجمهورية التركية تركة ثقيلة من الدولة العثمانية: إمبراطورية انهارت، شعوب انفصلت، وتاريخ لم يُحاسَب عليه بالكامل. بدل مواجهة هذا الماضي بتعقيداته، جرى تبسيطه وتحويله إلى أسطورة قومية نظيفة.
عندما لا يُحلّ الماضي، يتحول إلى هوس في الحاضر.
المبالغة في الوطنية هنا تعمل كـتعويض نفسي عن أسئلة لم يُسمح بطرحها:
ماذا حدث للأقليات؟
لماذا ما زالت بعض الهويات مرفوضة؟
ولماذا يخاف النظام من الاعتراف بالتعدد؟
الخوف من التفكك
الدولة التركية الحديثة بُنيت على فكرة الأمة الواحدة واللغة الواحدة والهوية الواحدة. أي تشكيك في هذه الصيغة—كالمسألة الكردية، أو الأرمنية، أو حتى المعارضة السياسية—يُنظر إليه كتهديد وجودي.
لذلك يصبح استعراض حب الوطن أداة دفاع:
كلما ارتفع صوت الاختلاف، ارتفع الصوت القومي أكثر.
ليس ثقةً بالنفس، بل خوفًا من الانقسام.
الوطنية كبديل عن الديمقراطية
في كثير من الأحيان، تُستخدم الوطنية المبالغ فيها لتغطية أزمات داخلية:
تضييق على الحريات،
فشل اقتصادي،
تآكل مؤسسات الدولة.
حين تغيب العدالة والمساءلة، يُقدَّم “حب الوطن” كبديل جاهز:
لا تسأل، لا تنتقد، فقط أحبّ واصمت.
وهنا تتحول الوطنية من قيمة جامعة إلى أداة إقصاء.
ماذا تقول المبالغة حقًا؟
المبالغة في استعراض حب الوطن ليست دليل قوة، بل غالبًا:
علامة على هشاشة الهوية الرسمية،
أو خوف من مواجهة الذات،
أو محاولة لإسكات الأسئلة الصعبة.
الوطن الواثق من نفسه لا يخاف من النقد،
ولا يحتاج إلى الصراخ ليقنع الآخرين بحبه.
خلاصة
ليس كل حب وطن مبالغة، لكن كل مبالغة تخفي شيئًا ما.
وفي الحالة التركية، يبدو أن هذا “الشيء” هو قلق تاريخي، وخوف سياسي، وصراع غير محسوم مع التعدد والذاكرة.
الوطنية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأعلام ولا بحدة الشعارات،
بل بقدرة الدولة والمجتمع على الاعتراف، والعدل، والتعايش دون خوف.
#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟