أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمريكية ..القسم الثالث















المزيد.....



نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمريكية ..القسم الثالث


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 17:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الفصل الثامن: الحلفاء المرتهنون… حين تتحول القوة إلى عبء

الجزء الأول: تشريح ظاهرة التحالف في مرحلة الأفول الإمبراطوري

بَدْءٌ مِن القلب: عندما يتصدع عرش القيادة

كُلّ إمبراطورية، في أوجِ سُلطانها، تَنسج حولها دائرةً مِن الحُلفاء؛ ليست هؤلاء الحلفاء إلاَّ مرايا تُعيد لها صورةَ قوَّتها، وأسيجةً تُحكم بهَا سياجَ نفوذها، وأذرعاً تَمُدُّ بها شرايين هيمنتها. لكنَّ اللحظة الأكثر خطراً في حياة الإمبراطورية، تلك اللحظة المُعْتمة التي تسبق الغروب، هي حين تبدأ تلك المَرايا في كسر صورتها، وتلك الأسيجة في إيواء مَن يَنْفُذون منها، وتلك الأذرع في الاستناد عليها حتى تُرهق عضلاتها. هنا، في هذا المنعطف المصيري، تتحول القوة إلى عبءٍ يُثقل الكاهل، والتحالف إلى ارتهانٍ يسلُب الإرادة، والولاء إلى انتظارٍ حذرٍ لنهاية المسرح كله.

الولايات المتحدة اليوم تجلس على عرشٍ تتصدع قوائمه، ليس لأن حلفاءها قد تخلوا عنها في وضح النهار، بل لأنَّهم تمسَّكوا بها أكثر مِن اللازم، في علاقة اشتباكٍ خانقة. في مرحلة الصعود، كان الحلفاء أصولاً استراتيجية، ورأس مالٍ سياسيّاً، وأجنحةً تُحلِّق بها عبر القارات. في مرحلة الأفول، صاروا خصوماً خفيين، أو كتَّابَ سيناريو للانسحاب المرحلي، ينتظرون تَلوُّح ضعفها ليفاوضوا على نجاتهم، بل وعلى حصتهم من التركة قبل أن تُرْفَع الأكفان. وهذا هو مأساة القوة العظمى في زمن الأفول: تُحاصر بالولاءات الزائفة، والمطالب المتزايدة، والذاكرة الانتقائية، قبل أن تُحاصر بالعداءات الحقيقية على جبهات المعركة. إنه حصار الوديعة المرهونة: لا يمكن التخلي عنها، ولا يمكن استرداد قيمتها الكاملة.


سوسيولوجيا التحالف: بين الاعتماد المُتبادل والتبعية القسرية

التحالف في عُرف العلاقات الدولية ليس عُرفاً أخلاقياً، ولا ميثاقَ أخوةٍ روحي، بل هو حسابٌ دقيقٌ للمنفعة، وجبروتٌ متبادلٌ في زمن القوة. لكنَّ هذا الحساب الهندسي البارد يختلُّ تماماً، وتنقلب معادلاته رأساً على عقب، حين تتغير موازين القوة في الخفاء، وحين تبدأ الأرضية تحت الأقدام بالاهتزاز. فالتحالف الذي ينشأ على أساس التبادلية والندية الظاهرة، يصير في مرحلة الترهل علاقة رِبويَّة معقدة: تدفع الإمبراطورية الآن – من كرامتها، ومن خزينتها، ومن دماء أبنائها – للحصول على ولاءٍ مؤجلٍ في مستقبلٍ غامض، لكن المستقبل قد يأتي بعُملةٍ مُنخفضة القيمة، أو بسُلعةٍ (الولاء) قد فقدت بريقها وانتهت صلاحيتها.

الولايات المتحدة، بعد أن قضتْ عقوداً تَنسج بحرفيةٍ لا مثيل لها شبكة تحالفات كونية، كنسيج عنكبوت فاخر يغطي الكرة الأرضية، تجد نفسها اليوم مُقيدة بتلك الشبكة نفسها، سجينةً في القصر الذي بنته. فكلُّ حليفٍ – من أوروبا العجوز إلى شرق آسيا الناهض، من دويلات النفط إلى ديمقراطيات الحدود – يشبه مُستثمراً ذكياً، أو ربما مقامراً، اشترى سَندات الإمبراطورية بأعلى سعرٍ في ذروة تفاؤل السوق. الآن، والمؤشرات الاقتصادية والعسكرية والثقافية تشير إلى انخفاضٍ محتمل، بل وانكشافٍ لهشاشة تلك السندات، يريد كلُّ مستثمر استرداد أمواله، أو على الأقل ضمانات إضافية، قبل الانهيار المُتخيَّل. وهذا الخوف الجماعي يُترجَم إلى ضغوط لا تنتهي، ومساومات لا تهدأ: مزيد من الأسلحة المتطورة، مزيد من الضمانات الأمنية المُطلقة، مزيد من المواقف السياسية التي يجب أن تُتَّخذ نيابةً عن الحلفاء، حتى لو كانت تُقوِّض المصلحة الإستراتيجية العليا للإمبراطورية نفسها، وحتى لو دفعتها إلى حروب بالوكالة، أو إلى مواجهات مباشرة، لم تعد تقوى على كلفتها المادية أو المعنوية.

والأسوأ مِن ذلك، أنَّ الحلفاء في هذا المسرح المُعتم يُصبحون خبراء في فن "ابتزاز الضعف". فهم يدركون، بغريزة السياسي الباقي، أنَّ الإمبراطورية المتراجعة تخشى الفضيحة أكثر مما تخشى الهزيمة العسكرية الواحدة. فإظهار التململ، أو تسريب الخلاف إلى وسائل الإعلام، أو التلميح العلني بالبحث عن حليف بديل (كالتحول الناعم نحو الصين، أو الهمس مع روسيا)، يصير سلاحاً فعالاً لا يُرد، سلاحاً لانتزاع التنازلات من قلب ضعف القائد الذي لم يعد يقدر على فرض الانضباط القديم. وهكذا، تتحول شبكة الأمان إلى شبكة صيد، ويصبح الحامي هو المطلوب لحماية نفسه من أولئك الذين كان يحميهم.



التشريح التاريخي: أصداء الماضي في حاضر الإمبراطورية

لست الظاهرة وليدة اللحظة؛ فسجلات التاريخ تنطق بأصداءٍ مماثلة. روما، في قرونها الأخيرة، وجدت نفسها مثقلة بأعباء "حلفاء" البرابرة الذين تحولوا من حماة الحدود إلى غزاة القلب، ينتظرون إشارة السقوط ليقبضوا ثمن خدمتهم الطويلة. والإمبراطورية البريطانية، حين أشرق عليها غروب الهيمنة، وجدت دول الكومنولث تتطلع إلى أفُقٍ جديد، تاركةً الأم الحاضنة لتواجه مصيرها وحيدة. هذا النمط المتكرر يكشف قانوناً سرياً: التحالف ابن الشرعية والقدرة. فإذا وهنت الشرعية بشكوك القيم، وتراجعت القدرة تحت وطأة التمدد، تحول الابن من سند إلى منافس، ومن تابع إلى شريكٍ مُتسوِّلٍ يخشى الشريك الأكبر ولا يستغني عنه.

العوامل الاقتصادية: عبء الالتزامات في زمن التقلص

يُقاس ثقل التحالف اليوم بالميزانيات قبل أن يُقاس بالجيوش. فالالتزامات الدفاعية الأمريكية الممتدة من أوروبا عبر الخليج إلى المحيط الهادئ هي ثقل مالي هائل. حماية الممرات البحرية، تمويل البنى التحتية العسكرية للحلفاء، برامج المساعدات العسكرية والاقتصادية – كلها تحولات من موارد الإمبراطورة إلى خارج حدودها في وقت تحتاج فيه إلى إصلاح بنيتها الداخلية. الاقتصاد الذي كان يغذي الهيمنة يصبح ضحية لها، حيث تتدفق الثروة للحفاظ على ولاء خارجي بينما تتآكل القاعدة الصناعية والتقنية الداخلية. الحليف هنا يصبح "عميلاً" فاخراً، لا يمكن إسقاطه لخطورته، ولا يمكن إرضاؤه إلا بتكلفة باهظة تُضعف الجوهر.

العوامل الجيوسياسية: الاختناق في شبكة المصالح المتشابكة

الشبكة التحالفية التي صممتها واشنطن لاحتواء الخصوم (كالاتحاد السوفيتي سابقاً) أصبحت اليوم مصدر اختناق. فكل تحرك أمريكي في بحر الصين الجنوبي يجب أن يحسب حسابه لردود فعل طوكيو وسيول وتايوان. وكل خطوة في أوروبا الشرقية تُقيَّد بمخاوف برلين وباريس. وفي الشرق الأوسط، تتعثر السياسة بين مطالب تل أبيب الأمنية وتحفظات الرياض الإستراتيجية. هذه التشابكات تحول السياسة الإمبراطورية إلى سياسة "أقل مقاومة" تجاه الحلفاء، غالباً على حساب الرؤية الإستراتيجية الطويلة المدى. الإمبراطورية تصبح أسيرة الجغرافيا السياسية التي رسمتها، عاجزة عن المناورة السريعة التي تتطلبها لعبة القوى المتغيرة.

العامل النفسي-السياسي: سيكولوجيا الارتهان والخوف من الفراغ

هناك بعد نفسي عميق لأزمة التحالف. فالنخب الحاكمة في الإمبراطورية تعيش رهاب "الفراغ الاستراتيجي". فكرة فقدان حليف، ولو كان صغيراً، تُرى ليس كتعديل تكتيكي، بل كبداية انهيار多米诺 للهيبة والنفوذ. هذا الخوف يُستغل ببراعة من قبل الحلفاء الذين يقدمون أنفسهم كحماة "للمنظومة الليبرالية" أو "الاستقرار الإقليمي"، مقدمين فاتورة الحماية للقمة التي تدفعها واشنطن. في المقابل، تعيش نخب بعض الحلفاء في رهاب الاعتماد ذاته، فتتذبذب بين الاستمرار في الملاذ الأمريكي والمخاطرة بالبحث عن استقلالية أكثر كلفة، مما يخلق علاقة قلق متبادل بدلاً من الثقة الإستراتيجية.

من الارتهان إلى إعادة التشكيل… أو الانهيار

الخيار الذي يواجه الإمبراطورية في أفولها ليس بين التخلي عن حلفائها أو الإصرار على القيادة القديمة. الخيار الأعمق هو بين إدارة الأفول بنعمة أو السقوط في فخ الارتهان. هذا يتطلب جرأة لإعادة تعريف التحالف: من علاقة حماية أحادية إلى شراكات أكثر توزعاً للمسؤوليات، وأقل التزامات مفتوحة. قد يعني تقليص الوجود المباشر لقبول دور أكثر توازناً، والانتقال من "الضامن الوحيد" إلى "القوة الموازنة الأولى" بين قوى إقليمية. إن لم تفعل ذلك، ستستمر في دفع ثمن ولاءات شكلية بينما تستنزف قواها الحقيقية، حتى تأتي لحظة لا يعود فيها الحلفاء بحاجة حتى للابتزاز، لأنهم سيتجهون ببساطة إلى مراكز القوى الجديدة، تاركين الإمبراطورية مع عبء تاريخي ضخم وحدها. حينها، سيكون التحول من القوة إلى العبء قد اكتمل، ليس بانقلاب الحلفاء، بل باستنفاد الإمبراطورة نفسها في خدمة صورة لم تعد موجودة إلا في مرايا مكسورة.


……..

(الجزء الثاني: أمثلة حية: تشريح تحالفات أمريكا المرهقة

أوروبا: الحليف الذي صار منافساً

كانت أوروبا الغربية، بعد الحرب العالمية الثانية، النموذج الأمثل للتحالف الأمريكي: أنقذتها أمريكا من الخراب المادي والأيديولوجي، فدافعت عنها من الشيوعية بظل نوويٍ رحيمٍ وقواتٍ شاهقة، وشاركتها في بناء نظام عالمي ليبرالي جعل من الأطلسي محور الكون. لكن اليوم، يبدو المشروع الأوروبي وكأنه نبتة طفيلية نَمَت تحت ظل البلوط الأمريكي حتى استطالت جذورها وفروعها لتصبح شجرةً ضاربةً في التربة، تتنافس معه على الضوء والماء، وتشكو من هَيمِنَة ظلّه الذي طالما احتسبته نعمة.

المظاهر التي تكشف التحول ليست عَرَضية بل هي تشققات جيوتكتونية في قاعدة التحالف:

· الاستقلالية الاستراتيجية المعلنة: مشروع الجيش الأوروبي الموحد، وإن كان يعاني من مخاضٍ عسير، فهو أكثر من مشروع عسكري؛ إنه إعلانٌ صريح عن نيّة الوجود السيادي. فرنسا، بقيادة ماكرون، تردد صداها مقولة ديغول التاريخية: "أوروبا للأوروبيين" لكن في عالم متعدد الأقطاب. إنه صراعٌ على الروح: أهي أوروبا فرعٌ لإستراتيجية أمريكية، أم كيانٌ له مقاصده الخاصة؟ لقد باتت واشنطن ترى في باريس، وبرلين الحذرة أحياناً، منافساً على قيادة الغرب ذاته، لا شريكاً تحت القيادة.
· الخلاف الجيوسياسي العميق: بينما تتجه أمريكا، بقلقٍ محموم، نحو المواجهة الحتمية مع الصين كمعركة القرن، تفضل أوروبا (وخاصة ألمانيا ذات البطون التجارية) لغة الحوار والتبادل الاقتصادي، وتخشى أن تكون مجرد بيادق في رقعة الشطرنج الكبرى. والخلاف حول كيفية التعامل مع روسيا ما بعد أوكرانيا سيكون أكبر اختبار لهذا التحالف المُتهالك: فبينما قد ترى واشنطن في روسيا عدوًا يجب إضعافه إلى الأبد، قد ترى برلين وباريس قوةً أوراسيةً لا بد من استعادتها إلى حظيرة التوازن الأوروبي، حتى ولو على حساب الوحدة الأطلسية.
· التنافس الاقتصادي المُعلن: قوانين حماية البيانات (مثل الـ GDPR) التي تقيد عمالقة السيليكون فالي، ودعم الصناعات الخضراء في "الصفقة الخضراء الأوروبية" التي تشوّه سوق المنافسة، محاولات فرض ضرائب رقمية على الشركات التكنولوجية الأمريكية - كلها معارك تخوضها بروكسل ببرودة دبلوماسية، لا كخصم عدائي، بل كمنافس شرعي يضع مصالح مواطنيه فوق ولاءات الأمس. إنها حرب باردة اقتصادية داخل البيت الغربي نفسه.

أمريكا، إذن، لم تعد تَحمي أوروبا من خطر خارجي، بل تراقب، بشكٍ مُتزايد، تحولها إلى كتلةٍ قاريةٍ مترفة، مستقرة، تميل نحو الانكفاء على مصالحها الإقليمية، وقد تتحالف، في يومٍ من الأيام، مع منافسيها في صفقة براغماتية تدفن قرنَ الهيمنة الأمريكية. الحليف الذي كان يُشَغَّلُ كحاجزٍ أمام الأعداء، صار كياناً يحتاج إلى احتواء.

اليابان وكوريا الجنوبية: حلفاء تحت طائلة الاختيار القاسي

في شمال شرق آسيا، حيث تتصادم الصفائح التكتونية للقوى العظمى، يقف الحليفان الأقوياء لواشنطن ليس كالفرسان في الواجهة، بل كرهائن على خط النار. لكن ولاءهما ليس مطلقاً، ولا نشوةً أيديولوجية، بل هو رهين بحسابات وجودية مُرعبة، وبذاكرة تاريخية مُعقدة، وبنظرة إلى مستقبلٍ قد لا يكون فيه الحامي الأمريكي قوياً بما يكفي، أو مخلصاً بما يكفي.

المعضلة اليابانية: الشبح الدستوري والتهديد الواقعي
اليابان، تلك القوة الاقتصادية العظمى المحاصَرة بدستورٍ سلمي (المادة التاسعة) نحتَه المنتصر الأمريكي، وبشيوخةٍ ديموغرافية، تجد نفسها بين مطرقة التهديد الصيني المتصاعد والكوري الشمالي النووي، وسندان الذاكرة التاريخية التي تمنعها من التحول العسكري الكامل. دعم أمريكا حيويٌ لبقائها، وكأنه جهاز تنفس صناعي للسيادة. لكنها تدرك، في غرفة عملياتها السرية، أن هذا الدعم قد يجعلها الهدف الأول والأكثر قابلية للتدمير في أي صراعٍ مع بكين. لذا، نراها تتسلح ببطءٍ مؤلم، وتستثمر في "قدرات الردع" والإسقاط البعيدة المدى، وتلعب دوراً دبلوماسياً حذِراً مع الصين، مفتوحةً على خطوط اتصال خلفية. إنها حليفٌ يطلب الحماية لكنه يخشى أن تتحول الحماية إلى إشعالٍ للفتيل. إنها تدفع ثمن التأمين على بيتٍ قد يكون أول ما يحترق.

المأزق الكوري الجنوبي: المخاطرة الأخلاقية وحلم الاستقلال
سول، التي تعيش تحت ظل آلاف الصواريخ الكورية الشمالية، تربطها بأمريكا معاهدة دفاع قوية هي أقدس ما لديها. لكن هذه المعاهدة تخلق نوعاً خطيراً مِن "المخاطرة الأخلاقية": فجرأة كوريا الجنوبية في المواجهة، أو في سياسات التوحيد، قد تزيد لأنها تعلم، في قرارة نفسها، أن أمريكا ستتدخل حتماً لإنقاذها من الانهيار. وفي الوقت نفسه، الشارع الكوري الجنوبي، خاصة الأجيال الشابة، منقسم بين الولاء التقليدي لواشنطن والرغبة الوطنية العميقة في استعادة زمام المبادرة في شبه الجزيرة، بما في ذلك تقارب محتمل مع بيونغ يانغ بمعزل عن الهيمنة الأمريكية. الحلم الكوري الموحد هو شبحٌ يخيف واشنطن لأنه قد يعني انزياحاً جيوسياسياً هائلاً.

هنا، يتحول الحلفاء من أصول إلى "رهائن إستراتيجيين" مُكلفين. وجودهم نفسه، وجغرافيتهم، يُجبران أمريكا على الالتزام بمواقف دفاعية ثابتة، قد تدفعها إلى حربٍ لا تريدها، في وقتٍ لا تختاره، دفاعاً عن مصالح قد لا تتوافق كلياً مع مصالحها القومية في لحظة الصراع. إنهم حلفاءٌ في القلق، وشركاء في التردد.

إسرائيل: التحالف العاطفي الذي تحول إلى مسؤولية سياسية سامة

لا يوجد حليف أكثر تعقيداً وإثارةً للشقاق في المشهد الأمريكي من إسرائيل. فتحالفٌ ولد من رحم المحرقة والذنب الغربي والرغبة المُلحة في وجود ملاذ آمن لليهود، تحوَّل مع الزمن من علاقة حماية إلى علاقة تكافلية معقدة، ثم إلى عبء سياسي وأخلاقي متصاعد، كحملٍ من الرصاص في حقيبة الدبلوماسية الأمريكية.

تطور العبء: من المَلجأ إلى الدولة-الحاجز

1. المرحلة التأسيسية (1948-1967): دعمٌ أخلاقي واستراتيجي لدولة ناشئة، يُنظر إليه في واشنطن كحقٍّ وتعويضٍ تاريخي.
2. مرحلة الشريك الإستراتيجي (1967-2001): إسرائيل كـ "حاملة طائرات غير قابلة للغرق" في مواجهة النفوذ السوفييتي والقومية العربية. هنا، تحول الدعم إلى استثمار إستراتيجي ذي عائد أمني ملموس.
3. مرحلة التبعية المفرطة والتسمم (2001-الآن): مع صعود اليمين الإسرائيلي المتشدد وتبني سياسات الاستيطان الواسع ورفض حل الدولتين، تحول الدعم الأمريكي من أداة لتحقيق السلام والاستقرار إلى غطاءٍ سياسي وعسكري ومالي لاستمرار الاحتلال وترسيخ نظام الأبارتايد. أصبحت أمريكا سجينة لتحالفها العاطفي: تستخدم الفيتو في مجلس الأمن دفاعاً عن سياسات تتعارض صراحة مع القانون الدولي والقيم الليبرالية التي تدعي الدفاع عنها، مما يفقدها مصداقيتها كقوة عادلة.

كلفة التحالف اليوم: استنزاف الروح قبل المال

· الاستنزاف السياسي: فقدان المصداقية في العالم العربي والإسلامي ليس مؤقتاً، بل هو بنيوي. كما يتآكل الدعم في أوساط متزايدة من الرأي العام الأوروبي وحتى داخل شرائح من النخبة الأمريكية نفسها. لقد ربطت واشنطن مصيرها بمشروع استعماري استيطاني في عصر ما بعد الاستعمار.
· الاستنزاف الأمني: الخطر الأكبر هو التورط في حربٍ مع إيران دفاعاً عن سياسات إسرائيل التي تدفع نحو المواجهة. لقد تحولت إسرائيل من أصلٍ يخفف العبء الأمريكي في الشرق الأوسط إلى عبءٍ يزيد من احتمالية اندلاع حرب كارثية.
· الاستنزاف الأخلاقي والداخلي: التناقض الصارخ بين خطاب الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان عالمياً، ودعم سياسات فصل عنصري يومية، يمزق الضمير الأمريكي الليبرالي ويغذي الانقسام السياسي الداخلي. إسرائيل لم تعد مجرد حليف، بل هي "الطفل المدلل" السيكوباتي الذي يدرك أن أبويه (اللوبي المؤثر والرأي العام المسيحي الصهيوني) لن يستطيعا مقاومة طلباته، مهما كانت غير منطقية أو خطيرة على البيت نفسه. إنها علاقة سادية مازوخية، حيث تدفع الإمبراطورة ثمن ولاءٍ تستعبده هي بنفسها.

السعودية و محميات الخليج الصهيو أمريكية : زواج المصالح في عزّ الشك

كانت العلاقة مع السعودية أبسط معادلة في تاريخ السياسة الخارجية: النفط الوفير والمطلق مقابل الأمن المطلق والظل الملكي. لكن انهيار هذه المعادلة البدوية مع تحول أمريكا إلى مصدِّرٍ رئيسي للطاقة، وكشف هشاشة الأنظمة الخليجية بعد رياح الربيع العربي العاتية، وتحولها البراغماتي نحو شراكات متعددة مع روسيا والصين، كل ذلك جعل من هذا التحالف علاقةً سائلة، مليئة بالشكوك المتبادلة، كزواج مصلحةٍ بعد فقدان الشغف.

العلاقة السائلة: من التبعية إلى تسوق القوى
لم تعد الدكاكين الجيوسياسية في الرياض وأبوظبي والدوحة تبيع بضاعة واحدة. إنها أسواق مفتوحة:

· السعودية تشتري منظومة صواريخ إس-400 من روسيا، لا لحاجتها العسكرية فحسب، بل كإشارة سياسية صارخة لواشنطن عن استقلالية القرار.
· الإمارات تستقبل الرئيس السوري بشار الأسد وتوسع تعاونها الاستراتيجي والعسكري مع الصين، موازنةً بين جميع الأقطاب.
· قطر، بثروتها الغازية الهائلة، تحافظ على علاقات متينة مع إيران وحركات الإسلام السياسي، لاعباً على جميع الحبال.

هذه ليست خيانات، بل هي لغة العصر الجديد: "لدينا خيارات أخرى". إنهم يخبرون واشنطن أن عصر الامتياز الوحيد قد ولى.

هؤلاء الحلفاء لم يعودوا أتباعاً، بل أصبحوا "مستأجرين متقلبين" لقوة أمريكا. يستأجرون الحماية عندما يشعرون بالخطر المباشر (كضربات الحوثيين)، ويتجهون لمن يدفع أكثر أو يطلب أقلّ من الشروط السياسية والأخلاقية عندما تسنح الفرصة. الولاء تحول إلى عقدٍ مؤقت، قابِل للإلغاء أو المراجعة في أي لحظة. أمريكا لم تعد المُزوِّد الوحيد للأمن، بل هي عَرَضٌ في سوق تنافسية، عليها أن تثبت جدارتها وفعاليتها باستمرار، وأن تتنازل عن شروطها، كي لا تخسر الزبون لصالح منافسٍ شرس. إنه تحول من العلاقة الرأسية إلى العلاقة الأفقية، حيث يجلس "الحلفاء" على طاولة المفاوضات وهم يقلبون أوراق العروض المتعددة، بينما تترقب الإمبراطورية قلقةً، عارفةً أن قوتها لم تعد المُنجذِر الوحيد في هذا الفضاء الجيوسياسي المتشظي.


……..

الجزء الثالث: آليات تحول التحالف إلى عبء: كيف تصبح القوة نقمة

آلية "الفخ الاستراتيجي": حين يُجبر الحليف الإمبراطورية على خوض حروبه

هذه هي الآلية الأكثر خبثاً وحكمةً في آن: حيث يتحول التعهد بالحماية من وسيلة للردع إلى وعدٍ بالانتحار الجماعي. هنا، حليف صغير أو متوسط، يعاني من نزاع وجودي مع جار أعظم منه قوة، يستخدم ظلَّ الإمبراطورية وعهدَها ليس كدرعٍ دفاعي، بل كسيفٍ هجومي. فهو يتبنى مواقف متصلبة، ويقدم على مغامرات خطرة، وهو يعتقد في قرارة نفسه أن الغطاء الاستراتيجي الأمريكي سيحميه من كل العواقب، أو أن الإمبراطورة لن تتجرأ على التخلي عنه في لحظة الحسم مخافة فقدان المصداقية. والنتيجة الحتمية؟ تجد الإمبراطورية العظمى نفسها محشورة في زاوية، على شفا حربٍ كبرى مدمرة، لا لدفاع عن مصلحة حيوية لها، بل دفاعاً عن مصالح هامشية، أو عن خط أحمر رسمه حليفٌ طموح على جدار الجغرافيا.

تايوان: النموذج الأمثل لفخ الشك المتبادل

تدرك الصين، بعقلية استراتيجية تمتد لآلاف السنين، أن التزام أمريكا بحماية تايوان هو التزامٌ غائم، متعمد الغموض، كسحابةٍ تحجب الرؤية. وتدرك تايوان، بعقلية الدولة المحاصَرة، أن هذه الحماية ليست مطلقة، بل هي مشروطة بسلوكها وبتوازن القوى. هذه "الاستراتيجية الغامضة" التي ابتكرتها واشنطن، وكانت تهدف في الأصل إلى ردع كلا الطرفين – ردع الصين عن الغزو، وردع تايوان عن إعلان الاستقلال – تحولت في الواقع إلى لعبة خطيرة بالوكالة. لقد شجعت الغموضُ تايوانَ على المضي، خطوةً خطوة، في سياسات الاستقلال الذاتي الثقافي والدستوري، معتمدةً على أن واشنطن لن تسمح بابتلاعها. وفي المقابل، شجعت الصينَ على اختبار الحدود الأمريكية وثباتها، عبر اختراقات جوية وبحرية متكررة، لترى أين ينكسر الإرادة. أمريكا واقعة في قلب الفخ: أي تراجع أو توضيح للغموض قد يُفسر على أنه تخلي، فيشجع الصين على التقدم. وأي تأكيد مبالغ فيه أو زيارة رفيعة المستوى قد يُفسر على أنه تفويضٌ مطلق، فيشجع تايوان على المغامرة نحو نقطة اللاعودة. الحليف هنا (تايوان) لم يعد مجرد محمي، بل أصبح قائدَ رقصة على حافة البركان، يجرُّ الوصيَّ (أمريكا) معه في كل دورة، وكل دورة تقرب الجميع من الحمم. إنه فخ الشك الذي يتحول إلى يقين المأساة.

آلية "الابتزاز بالضعف": فن استخراج التنازلات من الإمبراطورية المرهقة

عندما تظهر تشققات في واجهة القوة، ويتسرب إشعاع الضعف من ثغرات الهيبة، يتحول الولاء من فضيلة إلى سلعة، ومن مبدأ إلى سعر. الحلفاء، بغريزة فطيرة، يدركون أن الإمبراطورية في زمن الاستنزاف المتعدد الجبهات – الاستنزاف الاقتصادي، والاجتماعي، والعسكري – لا تستطيع تحمل خسارة حليف آخر، ولا تستطيع احتمال فضيحة انهيار تحالفٍ آخر. فيستخدمون هذه الورقة الرابحة، ورقة "التهديد بالمغادرة"، كورقة مساومة عليا لاستخراج التنازلات، وكأنهم أطباء يقدمون الدواء للإمبراطورية المريضة مقابل مضاعفة الأجر.

تركيا تحت أردوغان: حالة دراسية في براغماتية القوة الناشئة.
بعد أن كانت حجر الزاوية المتين في الجناح الجنوبي الشرقي لحلف الناتو، وأداةَ الاحتواء الأمامية ضد الاتحاد السوفيتي، أصبحت تركيا سيداً بارعاً في فن المساومة الاستراتيجية. لقد فهمت أن قيمة الحليف تزداد ليس فقط بطاعته، بل أحياناً بإزعاجه، طالما أن هذا الإزعاج محسوب ويمكن تسعيره. وهكذا، نراها تقدم عرضاً متعدد المشاهد من الابتزاز المدروس:

· تهديدٌ متكرر، تحول إلى حقيقة، بشراء منظومات الدفاع الجوي الروسية إس-400، ليس للحاجة الفنية فحسب، بل كطلقة تحذيرية لواشنطن عن قدرة أنقرة على اللعب في الحقل الخصم.
· تعطيلٌ استراتيجي لانضمام السويد وفنلندا إلى حلف الناتو، مستخدمةً الفيتو غير الرسمي كورقة ضغط لحمل الحلف على الاعتراف بمطالبها الأمنية (والمتمثلة في تصنيف جماعات كردية معينة كإرهابية).
· شن عمليات عسكرية في شمال سوريا تتعارض كلياً مع أهداف واشنطن وتقف بالضد من حليفتها الميدانية هناك (قوات سوريا الديمقراطية الكردية).
كل هذه الخطوات ليست انقلاباً على التحالف، بل هي إعادة تفاوض عليه من الداخل. الثمن؟ الحصول على مكاسب ملموسة: تجنب العقوبات الأمريكية القاسية، الحصول على تكنولوجيا عسكرية متقدمة (كمقاتلات إف-35، وإن كانت المعركة حولها مستمرة)، الاعتراف الضمني أو الصريح بمصالحها الإقليمية كقوة إقليمية عظمى لا تُهمش. تركيا تقدم درساً قاسياً للحلفاء القدامى والجدد: في زمن أفول الإمبراطورية، يمكن للحليف المزعج، الذي يعرف كيف يلوح بورقة الخروج من دون أن يغادر، أن يحصل على أكثر بكثير مما يحصل عليه الحليف المطيع الوديع. إنها لعبة "الخطر المدروس" حيث يصبح التهديد بالانشقاق أكثر قيمة من الانضباط الثابت.

آلية "تحويل الحماية إلى إعاقة": كيف يمنع الحليف الإمبراطورية من التكيف مع العصر

أحياناً، لا يكمن العبء الأكبر للحليف فيما يطلبه من أسلحة أو أموال، بل فيما يمنعه من تحركات ومرونات. التحالفات القديمة، التي تشكلت في حقبة زمنية وذهنية استراتيجية مختلفة، تتحول مع الزمن إلى قوالب حديدية، تُجمّد السياسات والإمكانات في صيغ لم تعد ذات جدوى. إنها تشبه درعاً ثقيلاً من العصور الوسطى في معركة حديثة: قد يحميك جزءاً من جسدك، لكنه يُعيق حركتك ويجعلك هدفاً سهلاً للنيران السريعة. الإمبراطورية تصبح أسيرة الهيكل الذي بنته، عاجزة عن الرقص على نغمات المتغيرات الجديدة لأن أقدامها مقيدة بأغلال الالتزامات القديمة.

الناتو والعلاقة مع روسيا: من أداة دفاع إلى عقبة أمام السلام.
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، استمر حلف الناتو في التمدد شرقاً، ككيان يبحث عن دور بعد اختفاء عدوه التقليدي. كان هذا التمدد مدفوعاً برغبة ملحة لدول أوروبا الشرقية في الهرب من الهيمنة الروسية القديمة إلى حضن الحماية الغربية، وبتصور أمريكي سائد أن روسيا الضعيفة لن تقوى على الرد، وأنه يمكن دفع الحدود الجيوسياسية إلى أقصى ما يمكن دون عواقب. اليوم، الناتو - في تجليّه الحالي - هو أكبر عائق أمام أي تسوية سياسية معقولة ومعقدة مع روسيا. أي حديث جدي عن إعادة ترتيب هندسة الأمن الأوروبي، أو إيجاد مخرج دبلوماسي من مأزق أوكرانيا، يصطدم فوراً بعقيدة التحالف، وبمخاوف أعضائه الجدد الذين يرون في أي حوار مع موسكو خيانةً لمبدأهم الأساسي: أن روسيا عدو لا يمكن الوثوق به. الحلف هنا لم يعد أداة مرنة في يد صانع السياسة الأمريكية، بل تحوَّل إلى "سجن فكري وجيوسياسي" يحبس الإمبراطورية في استراتيجيات الماضي، ويرفض أي محاولة لإعادة تعريف العلاقة مع الخصم السابق بناءً على معطيات الحاضر. إنه يحول الدفاع عن الحلفاء إلى غاية في حد ذاتها، بدلاً من أن يكون وسيلة لتحقيق الاستقرار. وهكذا، بدلاً من أن يكون الناتو أداةً لتحقيق أمن أمريكا، أصبح التزام أمريكا بالناتو هو الذي يحدد – ويُعقّد – سياستها تجاه روسيا، حتى عندما تتطلب المصلحة الوطنية مرونة أكبر.


آلية "التطبيع مع التبعية": إضعاف الإرادة الذاتية للحليف

هنا، تخلق الحماية المفرطة ثقافة من الاعتماد المرضي لدى الحليف، فيتخلى عن تطوير قدراته الذاتية، ويصبح عبئاً سلبياً مستمراً. فبدلاً من أن يكون شريكاً قوياً، يصبح حملاً لا يستطيع الاعتماد على نفسه. الدول الخليجية، لسنوات طويلة، اعتمدت بشكل شبه كلي على المظلة الأمريكية الأمنية، فأهملت بناء جيوش وطنية حقيقية قادرة على الدفاع عن سيادتها، وكرست مواردها في شراء أسلحة متطورة بدون بناء القدرة على استخدامها أو صيانتها بشكل مستقل. النتيجة: مع أولى بوادر التقلص الأمريكي أو إعادة التوجيه، تجد هذه الدول نفسها في فراغ أمني مخيف، مما يدفعها إلى الذعر والبحث عن بدائل بطريقة فوضوية (كالاتجاه نحو روسيا أو الصين) أو إلى ممارسة ضغوط هائلة على واشنطن لتبقي على وجودها. الحماية هنا تخلق عجزاً، والعجز يخلق طلباً مستمراً على المزيد من الحماية، في حلقة مفرغة.

آلية "صراع الولاءات: عندما يصبح الحليف جسراً للخصم"

في عالم معقد متشابك المصالح، قد يصبح الحليف الاقتصادي أو الثقافي للدولة «أ» هو الحليف العسكري أو السياسي للدولة «ب». هذه الازدواجية تحول الحليف إلى قناة تسرب، أو جسر غير مقصود، تنفذ عبره تأثيرات الخصم إلى قلب الإمبراطورية. المثال الأبرز هو العلاقة بين أعضاء الناتو (خاصة ألمانيا) وروسيا عبر مشروع «السيل الشمالي 2» للغاز. فبينما كانت واشنطن تنظر إلى موسكو كخصم استراتيجي وتريد عزل اقتصادها، كانت برلين – حليفة واشنطن العسكرية – تعمق اعتمادها الاقتصادي والطاقي على هذا الخصم. هذا الجسر الاقتصادي قوّض فاعلية العقوبات الغربية، وخلق انقساماً داخل الحلف، ومنح روسيا رافعة ضغط هائلة على أوروبا. الحليف هنا، بفعل مصلحته الوطنية الضيقة، حوّل نفسه إلى ثغرة في جدار الاحتواء الذي تريد الإمبراطورية بناءه.

تشريح سيكولوجية العبء – عبادة الماضي وخوف المستقبل

في النهاية، تتلخص آليات التحول من القوة إلى العبء في أزمة نفسية جماعية. الإمبراطورية تعاني من "عبادة الماضي": التعلق بصيغ تحالفية كانت ناجحة في ذروة قوتها، ورفض الاعتراف بأن هذه الصيغ قد تكون هي نفسها سبب ضعفها الحالي. والحلفاء يعانون من "خوف المستقبل": الخوف من عالم بلا وصي أمريكي، مما يدفعهم إلى التشبث به أكثر، وابتزازه أكثر، مما يسرع من عملية الأفول. هذه الديناميكية النفسية تخلق حلقةً هدامة: الإمبراطورة تفرط في البذل لإثبات أنها لا تزال القائدة، والحلفاء يفرطون في الطلب ليطمئنوا على أن الحماية باقية، وفي النهاية، ينفد مخزون القوة الأولى وينفصم عقد الثقة الثانية. الخروج من هذا المصير يتطلب جرأة نادرة: جرأة الإمبراطورية على كسر الأصنام القديمة لتحالفاتها وإعادة بنائها على أسس جديدة من المساواة والمسؤولية المشتركة الحقيقية، وجرأة الحلفاء على تحمل قدر أكبر من المسؤولية عن أمنهم، وقبول عالم لا يكون فيه الظل الأمريكي هو المظلة الوحيدة تحت الشمس.


……..


الجزء الرابع: العواقب: ثمن الولاءات الباهظة

الاستنزاف الاقتصادي: كلفة رعاية العالم

تطفو على سطح الأرقام الرسمية حقيقةٌ ساحقة: إنفاق الولايات المتحدة على الدفاع، وهو إنفاقٌ يُغذى بشريانٍ سميك من الالتزامات التحالفية، يفوق إنفاق الدول العشر التالية مجتمعةً. لكن تحت هذا السطح، في قاع المحاسبية الوطنية، تكمن الأرقام الأشباح والأعباء السرطانية التي تلتهم قوة الأمة من الداخل. إنها ليست كلفة القوة، بل كلفة إدامة وهم الهيمنة عبر شبكة من الوعود التي تحولت إلى ديون مُرهِقة.

كلفة الانتشار العالمي:
جيوشٌ راكدة على أراضٍ بعيدة. صيانة
القواعد العسكرية العملاقة في اليابان، وألمانيا، وكوريا الجنوبية، والتواجد الدائم في الخليج، ليست مجرد خطوط دفاع أمامية. إنها مدن عسكرية شبه مستقلة، تستهلك عشرات المليارات سنوياً في رواتب، وبنى تحتية، وتموين، وتمارين. كل دولار يُنفق على قاعدة "كادينا" في أوكيناوا، أو على تعزيز الوجود في "العديد" بقطر، هو دولار يُسحب من حساب الاستثمار الداخلي العاجل: من تحديث شبكات الكهرباء العتيقة، ومن جسور آيلة للسقوط، ومن تعليم متخلف، ومن أبحاث أساسية تتراجع أمام منافسين جادين. الإمبراطورية تعيد تدوير ثروتها إلى الخارج لحماية نظامٍ عالميٍ بينما يتآكل أساسها الوطني.

كلفة المساعدات العسكرية:
الإعانة الدائمة التي تحولت إلى امتياز. إسرائيل، مصر، الأردن، وبقية المستفيدين، لم يعد يتلقون مساعدات استثنائية، بل يحصلون على "حق مكتسب" في الميزانية الأمريكية، كقطاعٍ من كبريات الشركات التي لا يمكن المساس بإعاناتها. إنها تحويلاتٌ سنوية ثابتة، تخرج من خزينة دافعي الضرائب الأمريكيين لتدخل في ميزانيات التسليح والاستقرار السياسي لدول أخرى، غالباً ما تستخدمها في صراعات لا تخدم المصلحة الأمريكية، أو في قمع داخلي يُناقض الخطاب الأمريكي. لقد تحولت المساعدات من أداة سياسية مرنة إلى ريعٍ استراتيجيٍ ثقيل، وأي محاولة لمراجعته تثير عاصفة من اللوبيات والاتهامات بخيانة التحالف.

كلفة فرص الضياع: تحريف مسار العبقرية التكنولوجية. أخطر الكُلف هي التي لا تُحسب بالدولار، بل بالزمن والعبقرية الضائعة. فالأموال الضخمة، والأبحاث المتطورة، والعبقرية الهندسية الأمريكية، تُوجه جزئياً لتطوير أسلحة وأنظمة تلائم حروب وحاجات حلفاء محدودي الرؤية. إنفاق مليارات على أنظمة الدفاع الصاروخي "الثادي" لمواجهة صواريخ بدائية من الحوثيين أو حماس، أو تكييف القوات لمهام مكافحة التمرد في أفغانستان، كل ذلك يحرف المسار عن السباق التكنولوجي الحاسم: السباق مع الصين على السيادة في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والفضاء، والطاقة النظيفة. الإمبراطورية تُجبر على خوض سباق تضييع الوقت، بينما الخصم يركض في سباق المستقبل.

التشتيت الاستراتيجي: فقدان بوصلة الأولويات والروح

إذا كان الاستنزاف مادياً، فإن التشتيت هو روحاني استراتيجي. لقد تحولت "القوة العظمى الوحيدة" إلى "رجل الإطفاء الوحيد" في عالم مليء بالحرائق المتعمدة والعرضية. الانشغال الدائم بحماية أوروبا من طموحات روسيا، وإسرائيل من هاجس إيران، وتايوان من مطامع الصين، ودول الخليج من بعضها البعض ومن أطيافها الداخلية، جعل أمريكا تفقد أهم ميزة للقائد: القدرة على التركيز على الهدف الأعظم.

الصين، الخصم الاستراتيجي الأوحد الذي يهدد ليس حدودها، بل مركزيتها في النظام العالمي، تستفيد من هذا التشتيت الذهني والمواردي إلى أبعد حد. فهي تبني، وتبتكر، وتستثمر في "القوة الشاملة" بينما أمريكا تُصلح، وتتدخل، وتحتوي، وتُطفئ. تطلق بكين مبادرة الحزام والطريق بينما ترسل واشنطن حاملة طائرات إلى البحر الأبيض المتوسط لردع نزاع ثانوي. القيادة التي يجب أن تُوجه كل طاقاتها العصبية والمالية نحو المنافسة الكبرى في المحيط الهادئ، تجد نفسها مشتتة في مهام شرطية وإطفائية من البحر الأحمر إلى أوكرانيا، ومن سوريا إلى ساحل أفريقيا. إنه تشتيت يصل إلى درجة الانفصام الاستراتيجي: فالجسد في آسيا، ولكن العقل والقلب منشغلان بصراعات الشرق الأوسط القديمة، والأعصاب مشدودة على الخطوط الأمامية في أوروبا الشرقية.

فقدان المبادرة: حين يتحكم التابع بالسيد ويقرر الجدول الزمني للصراع

في علاقة التحالف الصحيحة، تقود الإمبراطورية ويتبع الحليف، تضع الأجندة ويستجيبون. لكن في العلاقة المرتهنة، تذوب السيادة، وتنقلب الأدوار. يتحول الجدول الزمني للأزمات الدولية وفقاً لنزوات وتصرفات ومخاوف الحلفاء، لا وفقاً لخطة الإمبراطورية الإستراتيجية. تصبح أمريكا ردة فعلٍ دائمة في مسرحٍ يحركه آخرون.

هنا تتجلى المأساة بأبشع صورها:

· في الشرق الأوسط: قرار نتنياهو، أو أي حكومة إسرائيلية متطرفة، بشن عملية عسكرية واسعة على غزة أو باجتياح لبنان، لا يُتخذ في القدس وحدها، بل يُتخذ أيضاً مع حساب رد الفعل الأمريكي المسبق. وهو غالباً ما يُتخذ مع العلم أن واشنطن، في النهاية، ستمنع أي عقاب حقيقي، وستوفر الغطاء الدبلوماسي، وسترسل المزيد من الذخيرة. وهكذا، يجر الحليف الأمريكي إلى أزمة إقليمية ودولية، ويُلزمها بمواقف تتعارض مع مصالحها الأوسع، ويستنزف رأس مالها السياسي، كل ذلك وفقاً للجدول الزمني والتكتيكي الذي فرضه هو.
· في مضيق تايوان: أي زيارة برلمانية أمريكية رفيعة المستوى، أو أي بيان تايواني يلمح إلى هوية منفصلة، هو قرار قد يتخذ في تايبيه لتحقيق مكاسب سياسية داخلية. لكن أثره يقذف بواشنطن وبكين إلى حالة من المواجهة الخطرة. الحليف الصغير يصبح من يُقرر متى وكيف تُختبر الحدود مع الخصم العملاق، مجبراً الإمبراطورية على التصعيد أو التراجع في لحظات لا تختارها.
· في أوروبا الشرقية: خطابٌ تصعيدي من رئيس بولندا أو بلطيق، أو تمرين عسكري على الحدود الروسية، قد يُتخذ لأسباب انتخابية محلية أو لشحن المشاعر الوطنية. لكن هذا الخطاب يُصعب، بل ويُحبط أي جهد دبلوماسي أمريكي أو أوروبي لإيجاد مخرج تفاوضي من أزمة أوكرانيا. الحليف الطموح يضع العصي في عجلات الدبلوماسية، ويرفع سقف المواجهة، ويلزم الجميع بموقف متصلب.

الإمبراطورية في هذا المشهد لم تعد صانعة الأحداث، لم تعد المحرك الأساسي للتاريخ الجيوسياسي. لقد تحولت إلى "كائن استجابي" ضخم، ينتقل من أزمة إلى أخرى، يطفئ حرائق أشعلها آخرون، ويدافع عن خطوط لم ترسمها، ويخوض معارك لم تختر وقتها ولا مكانها. إنها قوة عظمى تفتقد إلى أعظم مزايا القوة: حرية المبادرة. إنها تشبه عملاقاً مقيداً بخيوط يمسك بها حلفاؤه، كلٌ يجذبها نحو معركته الخاصة، حتى يتشوه اتجاه سير العملاق وينفد قواه في شدٍ وجذبٍ لا ينتهي. في النهاية، الثمن ليس مالياً ولا عسكرياً فحسب، بل هو ثمن الروح الاستراتيجية ذاتها: القدرة على رؤية المستقبل وصناعته. وهذا، ربما، هو أغلى ثمن تدفعه الإمبراطورية في سوق الولاءات الباهظة.


………



الجزء الخامس: مأزق الخروج: لماذا لا تستطيع أمريكا التخلي عن حلفائها؟

المصيدة النفسية: خوف الفضيحة وسحر الهيبة

يمثل التخلي عن حليف، في الميتافيزيقا السياسية الأمريكية، أكثر من مجرد مناورة تكتيكية؛ إنه كسر لتابو مؤسس، وخرق للأسطورة الذاتية. إنه اعتراف ليس بالضعف المؤقت فحسب، بل بزوال الحقبة، بنهاية الاستثنائية الأمريكية. الثقافة السياسية التي نسجت حول نفسها هالة "المدينة على تل"، "الملاذ الأخير للحرية"، "القوة الخيرة"، لا تستطيع استيعاب فعل يبدو كنبذ للولاء، أو كخيانة للعهد. فالحماية هنا ليست عقداً سياسياً، بل هي سردية أخلاقية.

لذلك، تفضل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بغض النظر عن انتمائها، الاستمرار في دفع الثمن الباهظ، حتى لو تطلب ذلك سحب الدم من شرايين القوة الوطنية، على مواجهة العار التاريخي لـ "التخلي عن صديق في ساحة المعركة". إنها لعنة "سايغون" و"كابول" التي تطارد المخيلة الاستراتيجية؛ صورة المروحيات وهي ترفع آخر الأمريكيين من فوق السطح بينما يلوح الشركاء المحليون يائسين. هذه الصورة لا تعبر عن هزيمة عسكرية بقدر ما تعبر عن إفلاس أخلاقي في الرواية الأمريكية عن الذات.

الهيبة، ذلك المورد النفيس والغامض الذي تُبنى عليه

الإمبراطوريات ويسقط بفقدانها، تصبح هنا أقوى من كل حِسابٍ رياضي للمنفعة والقوة. إنها أشبه بعقدٍ شيطاني: فكلما شعرت الإمبراطورية بهشاشة هيبتها الواقعية، ازداد تمسكها الطقوسي بمظاهرها، وأصبح إنقاذ مظهر الولاء أكثر أهمية من الحفاظ على جوهر القوة. إنها تحارب من أجل الظل بعد أن بدأ الجسد بالاضمحلال. الحفاظ على الحليف، حتى لو كان طفيلياً أو متهوراً، يتحول إلى طقس لتجديد الإيمان بالذات الإمبراطورية، إلى تعويذة ترددها واشنطن لطمأنة نفسها: "ما زلنا هنا، ما زلنا مسؤولين، ما زلنا نحن".

مصيدة الاعتماد المتبادل:
الشبكة التي تحبس صانعها
لا يمكن فهم قيد التحالف الأمريكي دون تشريح الكيان الحيوي المعقّد الذي نما حوله على مدى سبعين عاماً. لقد تجاوز الأمر العلاقة بين الدول ليتحول إلى بناء ضخم من الاعتماد المتبادل العصي على التفكيك. إنه لا يشبه بناءً من الحجارة يمكن هدمه، بل يشبه نسيجاً حياً من الأوعية الدموية والأعصاب المشتركة بين جسدين، فصلها يعني نزفاً مميتاً أو شللاً لكليهما.

هذا الواقع يتجسد في طبقات:

· البيروقراطية التحالفية المتشابكة: آلاف الضباط الأمريكيين الذين تلقوا تدريبهم في أوروبا عبر الناتو، والمئات من الدبلوماسيين الذين أمضوا حياتهم المهنية في إدارة العلاقة مع اليابان أو إسرائيل، وعشرات الآلاف من رجال الأعمال والمستشارين والمحامين الذين بنوا ثرواتهم على تجارة الأمن والاستثمار بين أمريكا وحلفائها. هؤلاء ليسوا مجرد موظفين؛ هم حراس المعبد، وحَمَلة الذاكرة المؤسسية، وهم يشكلون لوبياً داخل الدولة العميقة الأمريكية يقاوم أي تغيير جذري في عقيدة التحالف، لأنه ببساطة يهدد هويتهم المهنية ومصالحهم الحيوية.
· مجمع التحالف الصناعي-العسكري: لقد تحول تصدير الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية للحلفاء من سياسة إلى اقتصاد قائم بذاته. خطوط إنتاج مقاتلات إف-35، أو أنظمة الدفاع الصاروخي، أو السفن الحربية، مُصممة لخدمة سوق تحالفية واسعة. أي تقلص في هذه الشبكة لا يعني خسارة عقد، بل يعني إعادة هيكلة كاملة لقطاع صناعي، وفقدان فرص اقتصادية، وبطالة في دوائر انتخابية مؤثرة. الحليف هنا هو "زبون مضمون"، والعلاقة معه هي "خط إنتاج مستمر".
· البنية المؤسسية العالمية: الناتو، اتفاقيات التعاون الأمني الثنائية مع اليابان وكوريا، ترتيبات القواعد الدائمة – هذه ليست اتفاقات ورقية، بل هي هياكل مؤسسية ضخمة ذات ميزانيات، وقوانين، وإجراءات مشتركة. تفكيكها يتطلب جهداً إدارياً هائلاً، ونقاشاً قانونياً معقداً، وخلق بدائل قد تكون أكثر كلفة. إنها تشبه إدارة إمبراطورية: التكلفة الحقيقية ليست في الفتوحات، بل في إدارة المقاطعات. وأمريكا قد أصبحت مسؤولة عن إدارة مقاطعاتها التحالفية، وصعودها وهبوطها أصبح جزءاً من النظام الإداري الداخلي نفسه.


خطر الفراغ الاستراتيجي: الخوف من الذي سيأتي بعدنا

يطفو فوق كل الحسابات الاستراتيجية في واشنطن شبحٌ واحد مرعب: شبح الفراغ. السؤال الذي يلاحق صانع القرار في الليالي المظلمة ليس "كم يكلفنا هذا الحليف؟" بل "من سيملأ المكان إذا غادرنا؟". الجواب الذي يقشعر له الأبدان هو: الصين، أو روسيا، أو الإرهاب، أو الفوضى. هذا الخوف الوجودي من "تأثير الدومينو" المُعاكس – حيث لا تسقط الدول في أحضان الشيوعية كما كان في الحرب الباردة، بل تسقط في أحضان منافسٍ جديد أو في هاوية الفوضى – يشل إرادة التغيير.

خسارة حليف في هذا السياق الجيوسياسي لا تُقاس فقط بفقدان قاعدة عسكرية أو شراكة تجارية. إنها تُقاس بنقل تلك القوة، وتلك الجغرافيا، وتلك الموارد، إلى المعسكر المنافس. تخيل كوريا الجنوبية، محبطة من الضمانات الأمريكية المتذبذبة، تبدأ في الانخراط في دائرة بكين الاقتصادية والأمنية ببطء. تخيل السعودية، محقة في شكوكها حول التزام واشنطن، توقع معاهدة دفاع طويل الأمد مع الصين. تخيل ألمانيا، في لحظة أزمة أطلسية، تعلن حيادها وتوقف التعاون الاستخباراتي مع واشنطن. هذه الكوابيس هي التي تُبقي صناع السياسة الأمريكية مستيقظين في الليل.

وهكذا، يتحول الحلفاء من أصول إلى رهائن جيوسياسيين، لا يمكن التخلي عنهم لأن قيمتهم السلبية (منعهم من الانضمام إلى الخصم) أصبحت أعلى من قيمتهم الإيجابية. أمريكا تمسك بهم ليس لأنهم أقوياء، بل لأنها تخشى من أن يصبحوا أسلحة في يد منافسيها. إنها تشبه لاعباً في لعبة "كرسي الموسيقى" يعلم أن الموسيقى ستتوقف يوماً، فيتشبث بكل كرسي خوفاً من أن يجلس عليه الآخر، حتى لو كان الكرسي مهترئاً أو مؤذياً. هذه الديناميكية تخلق مفارقة مأساوية: الإمبراطورية التي تخشى الفراغ تُجبر على ملئه باستمرار، حتى بأحجارٍ ثقيلة تهدد بإغراق السفينة. إنها تحاول منع ظهور عالم متعدد الأقطاب بحزمها على أقطابها القديمة، لكن في فعل الحزم هذا، تستنزف نفسها وتسرع من ظهور العالم الذي تخشاه.



المأزق الدستوري والسياسي الداخلي: حلفاء كقضية هوية

أصبح العديد من التحالفات، خاصة مع إسرائيل وبعض الدول الأوروبية، قضايا هوية داخل المشهد السياسي الأمريكي المنقسم. أي محاولة لإعادة تقييم هذه العلاقات تواجه ليس فقط مقاومة بيروقراطية، بل عاصفة من السجال الأيديولوجي. اليمين المسيحي الصهيوني، واللوبيات العرقية المؤثرة، والنخب الليبرالية المؤمنة بـ "الغرب" ككيان ثقافي، جميعهم يرون في هذه التحالفات امتداداً للهوية الأمريكية ذاتها. النقاش يتوقف عن كونه استراتيجياً ليصبح ثقافياً وجودياً: "من نحن إذا تخلينا عن إسرائيل؟" "هل نحن مستعدون للتخلي عن أوروبا، مهد حضارتنا؟". في هذا المشهد، يصبح انتقاد الحليف مساوياً لانتقاد جزء من الذات الأمريكية، مما يجعل أي مراجعة عقلانية مهمة شبه مستحيلة في خضم الحرب الثقافية الداخلية.

مأزق السيولة المعلوماتية: الاعتماد على عيون وآذان الحلفاء

لقد نسخت أمريكا جزءاً هائلاً من قدراتها الاستخباراتية العالمية على شبكة من الحلفاء. المحطات الأرضية في النرويج، مراكز التنصت في ألمانيا واليابان، التعاون الاستخباراتي العميق مع إسرائيل والسعودية والأردن – كل هذه تشكل نظاماً عصبياً عالمياً. التخلي عن حليف ليس خسارة لقاعدة عسكرية فحسب، بل هو بتر جزء من هذا النظام العصبي. إنه فقدان لمصادر حيوية للمعلومات في مناطق حرجة، وفقدان القدرة على رصد التهديدات المشتركة (كالإرهاب أو الانتشار النووي). البديل هو بناء قدرات ذاتية جديدة، وهي عملية مكلفة للغاية وبطيئة، تترك فترة فراغ استخباراتي خطيرة. الإمبراطورية عمياء دون حلفائها، وهذه العمى المؤقت هو رهان لا تستطيع المجازفة به.

الخلاصة: العقد الفاوستي للهيمنة

في النهاية، يتبين أن مأزق الخروج هو الثمن النهائي للعقد الفاوستي الذي أبرمته أمريكا مع فكرة الهيمنة العالمية. في ذروة قوتها، باعت جزءاً من سيادتها وقدرتها على المناورة من أجل ولاء العالم، أو جزءٍ منه. والآن، وقد بدأ العقد ينتهي، تكتشف أن الشيطان – ممثلاً في شبكة التحالفات المرتهنة – يأتي ليقبض روح القوة التي باعتها. لا تستطيع التخلي لأن التخلي هو اعتراف بالموت، ولا تستطيع الاستمرار لأن الاستمرار هو استنزاف بطيء حتى الموت. الخيار الحقيقي لم يعد بين البقاء أو الخروج، بل بين إدارة الأفول بذكاء يحفظ بعض القوة للغد، أو السقوط في العراء محاولةً يائسة للحفاظ على صورة الأمس. إنه اختبارٌ نهائي للحكمة في لحظة الأفول، حيث تصبح القدرة على التخلي عن بعض الأعباء دليلاً على القوة
الحقيقية الباقية، وليس على الضعف.



……



الجزء السادس: نحو تحالفات جديدة: هل من مخرج؟


إصلاح أم تخلي؟ خياران صعبان أمام مرآة التاريخ

تقف الإمبراطورية على شرفة أفولها، وقد انتصبت أمامها مرآتان تعكسان خيارين كليهما مر: مرآة الإصلاح الشاق، ومرآة التخلي المؤلم. ليس ثمّة خيار ثالث برّاق، فالصورة الوردية للقيادة الأبدية قد تحطمت. الخياران يمثلان معادلةً وجودية بين الحفاظ على المظهر مع فقدان الجوهر، أو تقبّل انكماش المظهر من أجل الحفاظ على نواة جوهرية قابلة للحياة.

الخيار الأول: إصلاح التحالفات الحالية – الجراحة في جسد مترهل. هذا المسار أشبه بمحاولة إصلاح سفينةٍ عملاقة وهي في عرض المحيط، تتسرب منها المياه من عشرات الثغرات. يتطلب ذلك مقاصدَ حديدية وأدواتٍ قطعية:

· إعادة توزيع الأعباء: من الإعانة إلى الشراكة. يجب تحويل منطق العلاقة من "الراعي والرعية" إلى "الشركاء في المخاطرة". هذا يعني إجبار الحلفاء، بأدب الدبلوماسية أو بصرامة الحساب، على دفع القسط الحقيقي لحمايتهم، ليس مالياً فحسب (زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 2% أو 3% من الناتج المحلي هي بداية هزيلة)، بل استراتيجياً: تحمّل الصف الأمامي في الردع، والمشاركة الفعلية في المهام القتالية الخطرة، وتقديم تنازلات سياسية (كفتح الأسواق أو تقاسم التكنولوجيا) مقابل الضمان الأمني. يجب أن يصبح الرفضُ استثناءً مكلفاً، لا عادةً ميسورة.
· إعادة تعريف الالتزامات: إنهاء لعبة الغموض القاتل. "الغموض الاستراتيجي" حول تايوان أو حدود الردع في بحر الصين الشرقي لم يعد وسيلةَ ردع، بل أصبح مصدرَ خطر. يحتاج الأمر إلى ضماناتٍ أكثر وضوحاً، وأقل غموضاً، ترسم خطوطاً حمراء لا لبس فيها. هذا قد يحدّ من حرية المناورة، لكنه يمنع الحلفاء من الانزلاق نحو الهاوية وهم يتكئون على غموض الوصي. الوضوح هو ترياق المغامرة.
· فرض قيود على الاستقلال: ربط الحبل بالرقبة. يجب ربط الدعم الأمريكي العسكري والدبلوماسي والمالي بسلوك الحليف، وخاصة فيما يتعلق بعدم جرّ أمريكا إلى صراعات جانبية أو مغامرات أحادية. يجب أن يكون هناك ثمنٌ لشنّ حرب في غزة، أو لشراء أسلحة من الخصم، أو لتقويض سياسات واشنطن الإقليمية. ليس هذا تهديداً، بل هو تأكيدٌ على أن التحالف عقدٌ ذو طرفين وله شروط.

الخيار الثاني: التحول الانتقائي – فنُّ التخلي من أجل البقاء. إذا كانت الجراحة مستحيلة، فالبديل هو البتر الاستراتيجي. هذا المسار لا يقلّ إيلاماً، لكنه قد يكون أكثر واقعية:

· "التقليم الاستراتيجي": فلسفة البستاني الحكيم. التخلي المتدرج والمدروس عن الحلفاء الأقل أهمية جيوسياسياً، أو الأكثر تكلفة وسماً سياسياً. قد يعني هذا سحبَ القوات الدائمة من مناطق أصبحت هادئة نسبياً (كأجزاء من أوروبا الغربية)، أو إنهاءَ تحالفات مع دول أصبحت عبئاً أخلاقياً واستراتيجياً (كبعض الأنظمة الاستبدادية التي لم تعد تلعب دوراً محورياً). الهدف: تركيز الموارد والنفوذ على عدد محدود من التحالفات الحيوية حقاً، والتي تشكل أعمدةَ الردع ضد القوى المنافسة الحقيقية (الصين، روسيا).
· استبدال التحالفات الأحادية بتحالفات مرنة: من الزواج الدائم إلى الخطبة المؤقتة. التحرك من نموذج الحلف الثنائي التقليدي الراسخ (أمريكا-حليف)، الذي يشبه عقد زواج دائم، إلى نماذج تحالفية أكثر مرونة وأقل التزاماً. هذه هي "تحالفات المهمة" أو "التجمعات المرنة". النموذج الناشئ هو التجمُّعات الرباعية أو الثلاثية (كواد في المحيط الهندي، أو أوكوس بين أمريكا وبريطانيا وأستراليا). هذه التحالفات ليس لها مقر دائم أو ميثاق شامل، بل تلتقي لهدف محدد (مواجهة الصين، تأمين الملاحة) ثم قد تتباعد. إنها تمنع التحول إلى عبء دائم.

فلسفة جديدة للتحالف في عصر التعددية القطبية: من الميثاق إلى المصحلة

لن تنجح أي إصلاحات تكتيكية دون ثورة في الفلسفة التي تحكم التحالف. تحالف القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن يلبس ثوب القرن العشرين، فالجسد قد تغير والمخاطر اختلفت. نحن بحاجة إلى منطق جديد:

· منطق المرونة على الديمومة: يجب أن تُصمم التحالفات كأدوات مرنة لغرض محدد ولفترة محدودة، وليس كالتزامات أبدية مقدسة. يجب أن تنتهي صلاحية التحالف بانتهاء التهديد المشترك الذي أوجده، أو أن يتحول بشكل جذري. نحن بحاجة إلى "تحالفات قابلة للانحلال"، تخضع لمراجعة دورية صارمة، كي لا تتحول إلى هياكل عظمية بلا روح تُثقل كاهل الجميع.
· منطق المصالح لا الأيديولوجيا: لقد انتهى زمن التحالفات الأيديولوجية العظمى (الرأسمالية مقابل الشيوعية). مستقبل التحالف يقوم على أساس المصالح المتقاطعة الملموسة والمباشرة: أمن سلاسل التوريد، حماية طرق الطاقة، التعاون التكنولوجي، مكافحة تغير المناخ، مواجهة أزمات صحية عالمية. هذه المصالح قد تجمع أمريكا مع خصوم سابقين (كفيتنام أو الهند) وقد تفرقها عن حلفاء قدامى (إذا تعارضت مصالح اقتصادية). البراغماتية الصرفة هي لغة العصر.
· منطق التوزيع والتكامل: يجب الاعتراف بشكل صريح بأنه لا توجد قوة واحدة، حتى الولايات المتحدة، قادرة على رعاية النظام العالمي كله. هذا يتطلب تقبّلاً واقعياً لفكرة "مناطق نفوذ" أو "مجالات مسؤولية". قد يعني هذا تفويضاً أكبر لأوروبا في إدارة أمنها الإقليمي، أو لدول الخليج في إدارة استقرار الطاقة، أو لليابان والهند في موازنة الصين في آسيا. دور أمريكا يتحول من "الشرطي العالمي" إلى "المنسق الأعلى" أو "ضامن التوازن الإقليمي". القيادة تصبح أكثر ذكاءً وأقل ظهوراً.

الخاتمة: دروس الإمبراطوريات السالفة – لماذا يعيد التاريخ عزف اللحن، ويغير الإيقاع فقط؟

التاريخ لا يعيد نفسه بحذافيره، لكنه يهمس بنغمات مألوفة لأولئك الذين يصغون. إنه يعزف لحن صعود وسقوط الإمبراطوريات، مع تغييرات طفيفة في الإيقاع والآلات. الإمبراطورية الرومانية لم تسقط فجأة بغزو البرابرة، بل انهارت من الداخل بعد أن أرهقت نفسها مادياً وبشرياً في حماية حدود شاسعة لم تعد تملك مواردها، وخدمة حلفاء (القبائل الجرمانية) تحولوا من حراس الحدود إلى غزاة القلب. والإمبراطورية البريطانية لم تغب عنها الشمس دفعة واحدة، بل أفقدها بريقها التدريجي عبء إدارة مستعمرات ومحميات شتى، لم تعد قادرة على حمايتها ولا راغبة في استيعاب كلفتها، بينما كانت قوى جديدة تطلع.

الدرس الجوهري الذي تقدمه أمريكا اليوم، وهي تتعثر في متاهة تحالفاتها، هو أن القوة الحقيقية ليست في عدد الحلفاء الذين تحتكيهم تحت عباءتك، بل في القدرة على اختيارهم بحكمة شديدة، والتخلي عنهم بشجاعة أشد، حين يتحولون من أصول إلى خصوم خفيين. التحالف الذي لا يُعزِّز القوة، يُضعفها. والحليف الذي لا يُشارك في تحمل العبء، يصبح هو العبء نفسه. الولاء المطلق الذي لا يتوقع مشاركة هو وهمٌ استعماري بائد.

الإمبراطورية الذكية هي التي تدرك أن الولاءات، كالنباتات في حديقة القوة، تحتاج إلى تقليمٍ منتظم بين الحين والآخر. التقليم ليس قسوة، بل هو شرط للنمو والصحة. فهو يزيل الأغصان الميتة التي تستنزف الغذاء، ويكشف الفروع المتشابكة التي تخفي الآفات، ويسمح للضوء بالوصول إلى القلب الحيوي للشجرة. من دون تقليم، تتحول الحديقة إلى غابةٍ كالحةٍ وخانقة، تخفي بين أوراقها الكثيفة أعداءها وحلفاءها على حد سواء، حتى يصبح التمييز بينهم مستحيلاً، والنجاة منهم معاً محفوفة بالمخاطر.

والولايات المتحدة، في مفترق الطرق المصيري هذا، عليها أن تختار بسرعة وحسم: إما أن تمسك بمقصّات التقليم الاستراتيجي، وتواجه الآلام قصيرة الأمد لقطع الأغصان الطفيلية، كي تبقى الشجرة قوية وقادرة على الإثمار لعقود قادمة. أو أن تظلّ سجينةً للغابة الكثيفة التي غرستها بنفسها، تتشابك في أغصانها، ويغيب عنها نور الشمس، حتى تسقط عليها وهي واقفة، ثقيلةً بثقل من التقطتهم ولم تطلقهم، محاصرةً بمن أوتتهم ولم تتركهم.

المستقبل لا ينتمي إلى من لديه أكبر عدد من الحلفاء، بل إلى من يفهم، في عمق روحه الجيوسياسية، أن القوة الأكثر دواماً هي تلك التي تعرف متاذا تحتضن، ومتى تترك.



دراسة حالة عملية: تحول الناتو – من حلف دفاع إلى اتحاد مصالح مرن

كيف يمكن تطبيق الفلسفة الجديدة على أقدم التحالفات؟ يجب أن يتطور الناتو من منظمة دفاع جماعي تركز على روسيا، إلى منصة أمنية أوروبية أطلسية مرنة. هذا يعني:

· تفويض المزيد من المهام الدفاعية البحتة في أوروبا الشرقية للقوات الأوروبية، مع بقاء الضمان النووي الأمريكي كسقف ردع.
· تحويل الناتو إلى إطار لمعالجة تحديات جديدة: الهجائن السيبرانية، حروب المعلومات، الأمن الاقتصادي، مع مشاركة أكبر من دول غير أوروبية (كاليابان وكوريا الجنوبية) كشركاء مراقبين دائمين.
· جعل العضوية أكثر تدرجاً: "عضوية كاملة" مع ضمانات شاملة للأعضاء المعرضين لخطر مباشر (دول البلطيق)، و"عضوية شراكة" مع التزامات محدودة للدول الأقل تعرضاً.

إستراتيجية "التحالف المزدوج" في آسيا: إدارة الصراع دون حرب
كيف تبني أمريكا تحالفات تردع الصين دون أن تدفع نحو الحرب؟

الإجابة في تحالف هرمي مرن:

· الطبقة الأولى: تحالفات حديدية ثنائية مع اليابان وأستراليا والفلبين وربما تايوان (بضمانات واضحة)، تكون فيها الالتزامات قاطعة لكن محدودة النطاق الجغرافي.
· الطبقة الثانية: تحالفات إقليمية مرنة مثل "الرباعية" (كواد) مع اليابان والهند وأستراليا، تركز على التعاون الأمني البحري والاقتصادي والتكنولوجي دون التزام دفاعي كامل.
· الطبقة الثالثة: شبكة شراكات اقتصادية أمنية مع دول جنوب شرق آسيا، تقدم بدائل لـ "الحزام والطريق" الصيني من خلال استثمارات في البنى التحتية المرتبطة بأمن سلاسل التوريد.


الخلاصة النهائية: فن الانسحاب المنتصر

الدرس الأكبر من تاريخ الإمبراطوريات هو أن الأفول ليس مرادفاً للانهيار. يمكن إدارة الأفول ببراعة تحفظ للدولة مركزاً محترماً في النظام العالمي الجديد. مفتاح ذلك هو "الانسحاب المنتصر": وهو القدرة على سحب القوات والالتزامات من أماكن غير حيوية، مع الحفاظ على الهيبة عبر إطار من الشراكات الجديدة المرنة. هذا يتطلب:

· القوة الداخلية أولاً: أي إستراتيجية تحالف جديدة يجب أن تبدأ بإعادة بناء القاعدة التصنيعية والتكنولوجية الأمريكية، واستعادة التماسك الاجتماعي. الحلفاء يحترمون القوة، لا الوعود.
· الدبلوماسية كبديل للقوة: تطوير أدوات دبلوماسية واقتصادية فائقة الفعالية (عقوبات ذكية، دبلوماسية طاقة، تحالفات تكنولوجية) لتكون أدوات ضغط بديلة عن الوجود العسكري المباشر.
· رواية جديدة: يجب صياغة رواية أمريكية جديدة للعالم لا تعتمد على فكرة "الشرطي العالمي" بل على فكرة "المهندس الرئيسي للتوازنات" و"الشريك الأفضل لمن يريد التقدم". الرواية القديمة انتهت، والحلفاء ينتظرون رواية جديدة يقنعهم بالبقاء تحت مظلتها.



……


الفصل التاسع: الاقتصاد الأمريكي تحت الضغط - تشريح الجسد الذي ينزف ذهباً

الجزء الأول: من وول ستريت إلى الشارع الرئيسي - رحلة في جغرافية القلق الاقتصادي

أسطورة الحلم الذي يتحول إلى كبيسة

كان الاقتصاد الأمريكي، ولا يزال، أعجوبة العصر الحديث، معجزةً ماديةً أذهلت العالم بكثرتها وسرعة تقلبها. إنه ليس مجرد أرقام تومض على شاشات وول ستريت، بل هو قصة إنسانية عظيمة، ملحمةٌ مكتوبة بأحلام الملايين: مهاجرون عبروا المحيطات بجيوب فارغة وقلوب مليئة بالأمل، مزارعون تحولوا بقوة الإرادة إلى صناعيين عمالقة، مخترعون في مرائب متواضعة حوّلوا خيالهم إلى إمبراطوريات تكنولوجية تمسك بخيوط الوجود الحديث. إنه حكاية الرأسمالية في أبهى صورها وأقساها: جشعةٌ تبتلع الأسواق، مبتكرةٌ تستخرج المستقبل من أحشاء الحاضر، متجددةٌ كالأفعى التي تخلع جلدها، قادرةٌ على اجتراح المعجزات من فراغ القاعات البورصية وصخبها.

لكن كل أسطورة تحمل، كنقيضٍ سري، بذور فنائها في أحشائها. فالقدرة المطلقة على الخلق تحمل جرثومة القدرة المدمرة على التدمير. الابتكار اللامحدود الذي يبني قصور السيليكون الشفافة في وادي السليكون، يهدم في الوقت ذاته، وبلا رحمة، مصانع الصلب العتيقة في رِست وبيتسبرغ، تاركاً وراءه هيكلاً عظمياً من الصدأ وذاكرةً جماعيةً من الحنين والألم. الغنى الفاحش الذي يتخلق في أبراج مانهاتن الزجاجية، يتعايش مع الفقر المدقع الذي يعضّ على أحياء ديترويت وحي برونكس، كوجهين لعملة واحدة مهترئة. والنمو الذي كان يُقاس ذات يوم بعلو ناطحات السحاب واتساع الطرق السريعة، صار يُقاس اليوم بارتفاع الجدران – ليست تلك التي على الحدود فحسب، بل الجدران غير المرئية التي تفصل بين عالمين: عالم الأغنياء حيث الفرص تتكاثر كالفطر، وعالم الفقراء حيث الأبواب تُوصد واحدة تلو الأخرى؛ بين المندمجين في قطار التقدم السريع، والمهمشين الذين تُركوا على الرصيف يشاهدون غبار مروره؛ بين ماضي المجد الذي يُحكى كأسطورة، ومستقبل الغموض الذي يُعاش ككابوس.

اليوم، ينزف هذا الجسد العملاق، وهذا النزيف ليس مادياً بحتاً. الدم الذي يسيل من شرايينه ليس أرقام الدولارات فحسب، بل هو سائل أعمق: ثقة تبخرت في المؤسسات، أمل تحول إلى ركام من اليأس المقنع، وإيمان بمشروع أمريكي بدأ يبدو كسراب في صحراء القلق الاجتماعي. لقد تحول الحلم الأمريكي من وعدٍ جماعي شامل إلى سلعة خاصة، تُشترى بأغلى الأثمان ويُحرم منها الكثيرون.

القلب النابض: الفيدرالي بين مطرقة التضخم وسندان الركود

في المبنى الرخامي الضخم للبنك الاحتياطي الفيدرالي بواشنطن، في قاعاته الصامتة المفروشة بالسجاد الكثيف، يجلس رجال ونساء يقررون بمجرد إشارة أو تصويتٍ هادئٍ مصير ملايين البشر عبر الكوكب. إنهم حراس المعبد الاقتصادي الأعلى، كهنة دين المال الحديث، يرتدون ثياب التكنوقراطية ويحملون صولجان السياسة النقدية. إنهم ليسوا منتخبين، لكن قراراتهم تهز عروش المنتخبين. معبدهم، الذي طالما بدا منيعاً كهرم، يعاني اليوم من زلزالٍ وجودي لم يشهدوا مثله منذ أربعين عاماً، زلزال يهدد بشرخ أسسه التي بُنيت عليها عقيدة السوق الحرة.

مفارقة العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين (2020-2024): معادلة الإنقاذ التي تحولت إلى فخ.

لإنقاذ الجسد الاقتصادي من سكتة جائحة كوفيد-19، قام الفيدرالي، كطبيب جراح في غرفة الطوارئ، بأقصى إجراء ممكن: فتح شرايين النظام المالي على مصراعيها. لقد خفض سعر الفائدة إلى الصفر، محوّلاً النقود إلى سلعة مجانية تقريباً، وشرع في برنامج شراء سندات غير مسبوق، حاقناً تريليونات الدولارات في العضلة الاقتصادية المتشنجة. كانت النقود الرخيصة بمثابة الأدرينالين للقلب: أنعشت أسواق الأسهم حتى وصلت إلى ذرى سريالية، أطلقت العنان لطفرة في الأصول من العقارات إلى العملات الرقمية، ودفعت بالاستهلاك بقوة.

لكن هذا الأدرينالين، بجرعته الهائلة، أطلق من قمقمه تنيناً نائماً: تنين التضخم. فالنقود الوفيرة، المقترنة بشلل في سلاسل التوريد العالمي وصراعات جيوسياسية دفعت بأسعار الطاقة للارتفاع، خلقت عاصفة كاملة. لم يعد التضخم مجرد رقم إحصائي، بل تحول إلى وحش يأكل القوة الشرائية للأجور، ويذيب مدخرات الطبقة المتوسطة، ويجعل لقمة العيش اليومية معركة.

فجأة، وجد حراس المعبد أنفسهم في دور مختلف: ليس المنقذ، بل المحارِب. لقتل التنين، اضطر الفيدرالي إلى قلب سياسته رأساً على عقب، وبدأ في رفع أسعار الفائدة بأسرع وتيرة منذ ثمانينيات القرن الماضي. كل رفع للفائدة هو ضربة موجعة موجهة إلى رأس التضخم، لكن شظاياها تصيب كل شيء حولها. أصبحت التكلفة باهظة: فالشركات الصغيرة، التي هي نسيج الاقتصاد الحيوي، تجد نفسها عاجزة عن الاقتراض للنمو أو حتى للبقاء. سوق الإسكان، حلم التملك الذي هو جوهر الحلم الأمريكي، يتجمد إذ تصبح القروض العقارية باهظة التكلفة. أحلام الشبان في شراء بيتهم الأول تتبخر أمام أرقام الدفعات الشهرية الفلكية.

إنها معادلة مستحيلة، واختيار تراجيدي: خيار بين سرطان التضخم الذي ينخر ببطء في القوة الحقيقية للناس، وبين علاج كيميائي قاسٍ (رفع الفائدة الحاد) يدمر الخلايا السليمة – النمو والوظائف – مع الخبيثة. الفيدرالي، ذلك القلب النابض الذي كان يُفترض به تنظيم إيقاع الجسد، أصبح اليوم نفسه مصدراً للارتجاف المرعب، يُضخّم حالة القلق بدلاً من أن يهدئها. لقد تحول من مهندس الاستقرار إلى رمز للمخاطرة العظمى.


تشريح الشريان المسدود: تآكل البنية التحتية والأساس المادي

إن قوة أي اقتصاد لا تقاس بأسعار أسهمه فحسب، بل بصلابة عظامه وأوتاره: الجسور، الطرق، الموانئ، شبكات الكهرباء والماء. هنا يكمن أحد أعمق تناقضات أمريكا: قوة برمجية هائلة تعمل على بنية تحتية مادية عجوز. شبكات الكهرباء عرضة للانهيار تحت وطأة الطقس المتطرف، الجسور تحمل تصنيف "معيب"، أنظمة النقل العام في كثير من المدن هي ذكرى من عصر مضى. هذا التآكل ليس جمالياً فقط، بل هو ضريبة اقتصادية يومية تدفعها الشركات عبر التأخير، وتدفعها الأسر عبر الوقت والوقود المهدر. إنه استعارة مادية لتراجع القدرة على التكيف والحفاظ على الأساسيات. الاستثمار الهائل الموجه للحروب والتحالفات الخارجية عبر العقود، جاء على حساب الاستثمار الداخلي في شرايين الوطن نفسه، فظهر الانقسام بين جبروت القوة العسكرية العالمية وهشاشة الأساس المدني الداخلي.

رئة الاقتصاد المختنقة: أزمة سلاسل التوريد وتقلص العولمة

كانت العولمة هي الرئة التي تنفس من خلالها الاقتصاد الأمريكي لعقود، مستورداً كفاءة التصنيع الرخيص ومصدراً هيمنته التكنولوجية والمالية. لكن الجائحة والحرب في أوكرانيا والتوتر مع الصين كشفت عن اختناق خطير في هذه الرئة. الاعتماد المفرط على سلاسل توريد ممتدة وهشة، خاصة من آسيا، حول الوفرة إلى ندرة مفاجئة، من أشباه الموصلات إلى الأدوية. لم يعد الأمر مجرد انتظار أطول لسيارة جديدة، بل أصبح مسألة أمن قومي واقتصادي. إعادة شحن هذه الرئة تتطلب عملية جراحية كبرى: "إعادة التصنيع" محلياً أو في دول صديقة، وهي عملية مكلفة وبطيئة وتتحدى عقوداً من منطق التكلفة/المنفعة. الاقتصاد الذي اعتاد على الوفرة والسرعة، يجد نفسه الآن يتعلم درس النقص والانتظار، مما يضغط على الأسعار ويقوض قدرة التخطيط لدى الشركات.


الجهاز العصبي المشلول: السياسة والاستقطاب كعاملين معطلين

لا يعمل الاقتصاد في فراغ، بل في حيز السياسة. وهنا يصل التناقض الأمريكي إلى ذروته المأساوية: أقوى اقتصاد في العالم مُقيد بجهاز سياسي عصبي مشلول تقريباً بسبب الاستقطاب الحاد. فكرة "المشروع الوطني" التي مكنت من بناء السكك الحديدية العابرة للقارة أو شبكة الطرق السريعة أو برنامج الفضاء، تبدو اليوم كأسطورة قديمة. الموازنة الفيدرالية تتحول إلى ساحة معركة كلما اقترب موعد رفع سقف الدين، مهددة بشلل الحكومة أو بتخلف عن سداد كارثي. الاستثمارات الكبرى في البنية التحتية أو الطاقة الخضراء، وإن تمت، تأتي بعد صراعات مرهقة وتنازلات تجردها أحياناً من فعاليتها. هذا الشلل يرسل إشارات سلبية مستمرة للسوق العالمي وللمستثمرين المحليين عن عدم قدرة النظام على معالجة أزماته الطويلة الأجل، مما يزيد من حالة عدم اليقين التي هي سم الاقتصاد.

الاستجابة المحتملة: بين صدمة التجديد واستمرار التدهور

أمام هذا المشهد المركب، لا توجد إجابات سهلة، بل مخاض عسير بين مسارات:

1. مسار التجديد الجذري: ويتطلب إعادة تعريف العقد الاجتماعي والاقتصادي. استثمارات حكومية ضخمة وجريئة في البنية التحتية والتعليم والبحث، ممولة بضرائب تصاعدية على الثروات الفاحشة والأرباح الآتية من التلاعب المالي. إعادة هيكلة الصناعة نحو السيادة الاستراتيجية في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والتصنيع الدوائي. هذا المسار يشبه العلاج الفيزيائي الشاق بعد فترة طويلة من الخمول.
2. مسار الترقيع الإداري: وهو الأكثر احتمالاً: الاستمرار في ردود الفعل قصيرة الأمد، معالجة الأعراض (التضخم) دون المرض المزمن (الاستقطاب، تآكل البنية، التفاوت). هذا يعني تقلبات متكررة بين التحفيز والتقشف، مع استمرار تراكم المشاكل الأساسية.
3. مسار التفتت واللامركزية: حيث تفقد الحكومة الفيدرالية قدرتها على الفعل، وتتحول المبادرة إلى الولايات والمدن والقطاع الخاص، مما يخلق فسيفساء من النجاحات المحلية بجوار فشل وطني، ويعمق التفاوتات الإقليمية.

الخاتمة: اقتصاد على مفترق طريقين
الاقتصاد الأمريكي يقف عند مفترق تاريخي. طريق واحد يؤدي إلى دوامة من التدهور الداخلي، حيث يستمر النزيف الذهبي نحو الخارج بينما تضعف الأوعية الدموية الداخلية، ويصبح التفاوت سمة دائمة، وتفقد العملة هيمنتها ليس لصعود منافس فحسب، بل لضعف الأساس الذي تقف عليه. والطريق الآخر، الأكثر وعورة، يؤدي إلى مراجعة مؤلمة لكن ضرورية للذات: تقليص الهيمنة الخارجية المكلفة لصالح إعادة الاستثمار الداخلي، تحويل القوة المالية والعسكرية إلى قوة تجديدية مدنية، واستعادة فكرة أن الاقتصاد ليس آلة لصنع المليارديرات فحسب، بل هو نسيج للحلم المشترك. النزيف يمكن إيقافه، لكن ذلك يتطلب أن تتوقف يد عن مدها للخارج، وتحولها إلى تضميد الجراح في الداخل.


……..


الفصل التاسع: الاقتصاد الأمريكي تحت الضغط - تشريح الجسد الذي ينزف ذهباً

الجزء الثاني: جبهات النزف - تشريح الجروح السبعة

الجرح الأول:

جبل الدين الذي يلامس السحاب - عبء الأجيال القادمة
الرقم مُخيف في تجرده: 35 تريليون دولار. لكن الأرقام المجردة تظل بكماء، لا تنقل رعدة الهول ولا سعة الكارثة. فلنحاول إذن تحويل هذا الشبح المجرد إلى صور تُدركها الحواس:

· لو وضعنا هذا الدين على شكل أوراق نقدية من فئة دولار واحد، لصنعنا ستارة مالية تمتد من الأرض إلى القمر – ذهاباً وإياباً – أربع عشرة مرة، نسيجاً من الورق الأخضر يحجب نور الحقيقة الاقتصادية.
· لو أردنا سداد هذه الديون اليوم، لوجب على كل أمريكي – رجالاً ونساءً وأطفالاً، حديثي الولادة وعجائز المُسنّين – أن يدفع من جيبه ما يزيد على مائة ألف دولار، فدية عن ولادته في كنف الإمبراطورية المُثقَلة.
· والأفظع: خدمة الدين وحدها، تلك الفوائد المركبة التي لا تنام، تبتلع سنوياً مبالغ تفوق الإنفاق العسكري الأمريكي بكامله. إنها حرب باردة تُخاض في مكاتب المحاسبين، حيث العدو هو الفائدة المركبة، والضحايا هم أحلام الأجيال المقبلة.

كيف وصل القطار إلى حافة الهاوية؟ إنها رواية تراكمية من القرارات التي فضلت الحاضر على المستقبل:

1. حروب بلا نصر: أفغانستان والعراق والحرب العالمية على الإرهاب – لم تكن مجرد حروب عسكرية، بل كانت آلات لحرق التريليونات. كل قذيفة أطلقت، وكل قاعدة شُيدت، وكل تعويض دُفع، كان سنداً ماليّاً على مستقبل أميركا، يُوقع عليه الجنرال والسياسي بدماء الجنود وحبر الميزانية.
2. ضرائب المغامرة: في عهود بوش وترامب تحديداً، تحولت المقاربة الضريبية إلى مقامرة كبرى. خفض الضرائب على الثروات والشركات العملاقة، في وهم أن الوفرة ستنزل كالمطر على الجميع. النتيجة؟ نزيف هائل في الإيرادات العامة بينما كانت الالتزامات تتراكم. لقد باعوا السقف ليصلحوا الأرضية.
3. وعود اجتماعية بلا تمويل: أنظمة الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية لكبار السن (ميديكير) هي شهادة على رحمة الدولة، لكنها صممت في زمن ديموغرافي مختلف. اليوم، ومع تقاعد جيل "الطفرة السكانية" وانكماش القوة العاملة، تحولت هذه الوعود النبيلة إلى فجوة تمويلية هائلة، كثقب أسود في الميزانية يبتلع الموارد.
4. إنقاذات من رأس المال لأجل رأس المال: أزمتا 2008 و2020 كشفتا عن المفارقة العظمى. عندما تهدد مصالح وول ستريت، تُفتح خزائن الدولة على مصراعيها (برامج التيسير الكمي والإنقاذ). التريليونات تُخلق من لا شيء لإنقاذ النظام المالي. ولكن عندما ينهار حلم المواطن العادي في بيت أو وظيفة، تكون الاستجابة ضئيلة وبطيئة. لقد تم خصخصة الأرباح وتعميم الخسائر، وتمت مصادرة المستقبل المالي للدولة لضمان استمرارية اللعبة المالية الحالية.

المشكلة الجوهرية: سرعة النزيف.
في العام 2000، كان الدين العام 5 تريليونات. اليوم، هو 35 تريليوناً. هذا النمو ليس طبيعياً؛ إنه مسرطن. إنه ينمو بسرعة تفوق بكثير نمو الاقتصاد الحقيقي (الناتج المحلي الإجمالي). هذه المعادلة تعني ببساطة أن الدين لم يعد أداة لتمويل النمو، بل أصبح آلة تلتهم النمو المستقبلي قبل أن يولد. إنه كمن يستلف ليدفع فوائد دينه القديم، في دوامة هابطة لا مخرج منها إلا بصدمة كبرى. الجبل لم يعد صامتاً؛ إنه يهدد بالانزلاق.

الجرح الثاني:
التضخم - اللص الخفي الذي يعيد هندسة المجتمع
كان التضخم في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي عدواً واضح المعالم، واجهه بول فولكر، رئيس الفيدرالي آنذاك، بحربه الصليبية القاسية، رافعاً الفائدة إلى 20% لكسر ظهره. لكن التنين الذي استيقظ بعد جائحة 2020 هو وحش مختلف، أكثر تعقيداً وشراً.

أولاً: تضخم هجين، مولود من رحم أزمات متعددة:

· جزء نقدي: من فتح صنابير السيولة اللانهائية أثناء الجائحة، حيث أُغرق السوق بنقود رخيصة بحثت عن أي أصل لشرائه.
· جزء سلعي: من انهيار سلاسل التوريد العالمية، التي تحولت من آلة للإنتاج الفائق الكفاءة إلى شبكة معقدة من الاختناقات. انتظار حاوية في ميناء لوس أنجلوس لم يعد مجرد تأخير لوجستي، بل أصبح سعراً إضافياً يدفعه المستهلك.
· جزء جيوسياسي: من حرب أوكرانيا التي حولت أسواق الطاقة والغذاء العالمية إلى ساحات معركة، وأعادت مفهوم "التضخم المستورد" بقوة.
· جزء بنيوي: من التحول الجيوسياسي الأعمق نحو إعادة التصنيع والتقارب بين الأمن الاقتصادي والقومي، الذي يجلب معه كلفة أعلى للإنتاج بعيداً عن مصانع الصين الرخيصة.

ثانياً: تضخم غير عادل، يصمم لسرقة الفقراء وإثراء الأغنياء:
التضخم ليس ضريبة عمياء. إنه ضريبة تراجعية. فلننظر إلى سلة شراء الأسرة المتوسطة والعاملة:

· الطعام والضروريات: ارتفع بأكثر من 25%. الخبز والحليب والبيض لم تعد أموراً مسلّماً بها.
· الوقود والطاقة: ارتفع بنسبة قاربت 50% في ذروته. الذهاب إلى العمل أصبح رفاهية تُحسب.
· الإسكان والإيجار: ارتفع بنسبة 30% أو أكثر. السقف فوق الرأس أصبح هو نفسه مصدر القلق الأكبر.

وفي المقابل، ماذا حدث لثروة الأغنياء؟

· محافظ الأسهم والعقارات: استمرت في الارتفاع. الأزمة بالنسبة لهم كانت فرصة للشراء بأسعار منخفضة والانتظار.
· الأصول الرقمية والأعمال: رأت تقلبات، لكن رأس المال الكبير كان قادراً على التحوط والاستفادة.

النتيجة: التضخم كـ آلة لإعادة توزيع الثروة من الأسفل إلى الأعلى. فهو يأكل القيمة الحقيقية للأجور الثابتة والمدخرات الصغيرة، بينما يزيد من قيمة الأصول المالية والعقارات التي يتركز ملكيتها في أيدي القلة. إنه يوسع هوة التفاوت دون حاجة لقرار سياسي واحد.

ثالثاً: التضخم كصدمة نفسية جماعية:
العودة إلى السبعينيات ليست اقتصادية فقط، بل نفسية. عودة شبح "الركود التضخمي" (ستاغفلاشن) حيث يرتفع السعر وينخفض النمو، تجر معها شعوراً عميقاً بأن الدفة قد خرجت من أيدي القيادة. الثقة في الدولار كخزان للقيمة تهتز. الثقة في أن الغد سيكون أفضل من اليوم تتآكل. يصبح المواطن عدو نفسه، مستهلكاً يحاول أن يشتري اليوم قبل أن يرتفع السعر غداً، مساهماً دون قصد في دورة التضخم التي تخنقه.

الجرح الثالث:

تآكل الطبقة الوسطى - انكسار عمود الديمقراطية الفقري
الطبقة الوسطى الأمريكية لم تكن مجرد فئة اقتصادية؛ لقد كانت المعجزة الاجتماعية والسياسية التي أذهلت العالم. كانت الحلم متجسداً: عائلة، بيت بمروج خضراء، سيارتان، تعليم جامعي للأبناء، تقاعد مضمون. هذه الطبقة كانت الضامن العملي للاستقرار الديمقراطي، الحاجز الحيّ ضد التطرف، والمحرك الدؤوب للابتكار والطلب الاستهلاكي الذي يدير عجلة الاقتصاد.

اليوم، يشهد هذا العمود الفقري انكساراً بطيئاً ومؤلماً. مؤشرات الانهيار تتحدث بلغة الأرقام المؤلمة:

· الدخل الحقيقي المتحرك للخلف: رغم أن الأجور الاسمية ترتفع، إلا أن التضخم يأكلها بشراهة. القوة الشرائية للأسرة المتوسطة اليوم أقل مما كانت عليه قبل عقدين، في أفضل الحالات. التقدم تحول إلى سباق في مكانه، بل إلى تراجع بطيء.
· حلم التملك الذي تحول إلى سراب: شراء بيت، وهو حجر الزاوية في الحلم الأمريكي، أصبح بعيد المنال عن 70% من الأمريكيين تحت سن 35. أسعار المساكن قفزت بوتيرة جعلت الادخار للدفعة الأولى مهمة تستغرق عقوداً، بينما ارتفعت أسعار الفائدة على القروض إلى مستويات مخيفة.
· دين التعليم: شهادات مقيدة بالسلاسل: الدين الطلابي تجاوز 1.7 تريليون دولار. كل شاب أو شابة يتخرجان من الجامعة ومعهما عبء مالي يعادل ثمن بيت صغير، لكن دون أن يملكاه. هذا الدين يؤجل بدء الحياة، ويكبح الطموح، ويخلق جيلاً من المستقلين اقتصادياً حتى في سن متقدمة.
· غروب الشمس بلا مدخرات: ما يقرب من 50% من الأمريكيين فوق سن 55 ليس لديهم مدخرات تقاعد كافية. فكرة التقاعد الكريم، بعد عمر من العمل، تتبخر. كثيرون سيعملون حتى الموت أو سيعتمدون على معاش حكومي هزيل.

النتيجة النهائية ليست اقتصادية بحتة، بل هي سياسية وجودية:
الطبقة الوسطى تتقلص، والنسيج الاجتماعي يتحول إلى شكل ساعة رملية: قلة صغيرة مترفة في الأعلى، وكتلة كبيرة تعاني في الأسفل، وخصر متوسط يضيق يومياً. هذه ليست مشكلة توزيع ثروة فحسب، بل هي أزمة للديمقراطية الليبرالية نفسها. لأن الديمقراطية المستقرة تحتاج إلى وسط عريض ومستقر، يملك الحصة في النظام ويثق به. مجتمع مقسّم بشدة بين نُخبة منعزلة وجمهور محبط هو تربة خصبة للشعبوية والتطرف وفقدان الإيمان بالمشروع المشترك. انكسار العمود الفقري يعني أن الجسد السياسي كله قد يصاب بالشلل.


الجرح الرابع:
العجز التجاري - اقتصاد الاستهلاك في عالم الإنتاج
كل عام، تستهلك أمريكا من العالم سلعاً وخدمات أكثر مما تبيع له بما يقارب تريليون دولار. هذا العجز التجاري المزمن ليس خللاً تقنياً في الميزان، بل هو عرض لتحول جوهري في هوية الاقتصاد الأمريكي.

أولاً: التحول من أمة المُصنِّعين إلى أمة المستهلكين:

· في منتصف القرن العشرين: كانت أمريكا "ترسانة الديمقراطية". تصدّر السيارات والطائرات والآلات الثقيلة والمنتجات الزراعية الفائضة. كانت مصانع ديترويت وبيتسبرغ قلب القوة العالمية.
· في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين: ما الذي تصدره أمريكا حقاً؟ خدمات مالية من وول ستريت، برمجيات وتقنيات رقمية من وادي السليكون، محتوىً ثقافياً من هوليوود، وأسلحة متطورة. بينما تستورد كل شيء ملموس تقريباً: من الهواتف والتلفزيونات إلى الملابس والأثاث، ومن مكونات السيارات إلى الأدوية. لقد انتقلت القيمة المضافة من تحويل المواد الخام إلى تحويل الأفكار والبيانات، بينما تركت العملية الصناعية الثقيلة للآخرين.

ثانياً: العجز كاعتماد استراتيجي خطير:

هذا العجز يعني أن المستوى المعيشي الأمريكي المترف ممول بالدين الخارجي. الدول التي تحقق فوائض تجارية مع أمريكا (مثل الصين سابقاً، ودول آسيا وأوروبا حالياً) تستثمر أموالها مرة أخرى في الخزينة الأمريكية (شراء سندات الدين). بمعنى آخر، الصين تمول استهلاك الأمريكيين لمنتجاتها. هذه حلقة غريبة وغير مستقرة. إنها تجعل أمريكا رهينة للثقة التي يوليها لها الدائنون الأجانب. أي تحول جذري في هذه الثقة قد يؤدي إلى هزة عنيفة في قيمة الدولار ومستوى المعيشة.

ثالثاً: فقدان السيادة الصناعية والمرونة:

الاعتماد على الواردات في سلاسل حيوية (أشباه الموصلات، المكونات الطبية، المعادن النادرة) هو نقطة ضعف استراتيجية في زمن المنافسة الجيوسياسية. لقد كشفت الجائحة وأزمة الشحن عن هشاشة هذا النموذج. القدرة على إنتاج ما تحتاجه في أوقات الأزمات لم تعد مجرد مسألة كفاءة اقتصادية، بل أصبحت مسألة أمن قومي. العجز التجاري هو الوجه الاقتصادي لفقدان التحكم بالمصير الصناعي.



الجرح الخامس: التفاوت المتزايد - انقسام السفينة إلى طبقات

لم يعد التفاوت مجرد فجوة في الدخل، بل هو هوة في التجربة الحياتية تتسع بسرعة. بينما يتضاعف ثراء أغنى 1%، يكافح الملايين للبقاء فوق خط الفقر. هذا التفاوت يغذي:

· اقتصاداً مزدوجاً: حيث قطاعات مثل التكنولوجيا والتمويل تدر أرباحاً خيالية، بينما قطاعات التعليم والرعاية الصحية والخدمات تكافح.
· جغرافيا الانقسام: تزدهر مدن مثل سان فرانسيسكو وبوسطن، بينما تتدهور مدن سابقة العزة في حزام الصدأ.
· تآكل التماسك الاجتماعي: عندما لا يعيش الناس في نفس العالم الواقعي، تذوب فكرة "المصلحة الوطنية المشتركة". السياسة تتحول إلى صراع هويات وطبقات، لا إلى حوار حول إدارة الازدهار.

الجرح السادس: شيخوخة السكان والأزمة الديموغرافية - من يقود العربة؟

يتقاعد جيل "الطفرة السكانية" الضخم، بينما ينخفض معدل المواليد. هذه المعادلة تهدد بتقليص القوى العاملة، وزيادة الضغط على أنظمة المعاشات والرعاية الصحية إلى حد الانهيار، وتباطؤ النمو الاقتصادي الهيكلي. إنها أزمة تلوح في الأفق ستجبر أمريكا على إما رفع سن التقاعد بشكل كبير، أو زيادة الهجرة بشكل جذري، أو تقليص الوعود الاجتماعية – وكلها خيارات سياسية متفجرة.

الجرح السابع: تدهور البنية التحتية - العظام التي تصدأت

الجسور المتآكلة، شبكات الكهرباء الهشة، أنظمة المياه القديمة، والمطارات المزدحمة – ليست مجرد مضايقات يومية. إنها ضريبة خفية على الكفاءة الاقتصادية، وتشير إلى عقود من الإهمال الاستثماري. بينما تبني الصين مدناً حديثة وطرقاً سريعة فائقة السرعة، تبدو الكثير من البنى التحتية الأمريكية كمتاحف عن عصر مضى. هذا التدهور يقوض القدرة التنافسية على المدى الطويل ويجعل التعافي من الكوارث الطبيعية أكثر صعوبة.

النزيف المشترك ونقطة اللاعودة

هذه الجروح السبعة لا تعمل بشكل منفصل. إنها نظام معقد من الدوائر المفرغة: الدين يحد من الاستثمار العام في البنية التحتية والتعليم، مما يقوض النمو المستقبلي والقدرة التنافسية، مما يزيد العجز التجاري ويبطئ زيادة الأجور، مما يزيد التفاوت ويضعف الطبقة الوسطى، مما يزيد الضغوط السياسية لزيادة الإنفاق الاجتماعي أو خفض الضرائب، مما يزيد الدين... وهكذا.
الخروج من هذه الحلقة يتطلب أكثر من إصلاحات تقنية. يتطلب مصالحة وطنية مع خيارات صعبة: زيادة الاستثمار العام والضرائب معاً، إعادة هيكلة الوعود الاجتماعية، إعادة توجيه الأولويات من الاستهلاك المستند إلى الدين إلى الاستثمار المنتج، وقبل كل شيء، استعادة فكرة التضامن الاجتماعي والتضحية من أجل الجيل القادم. النزيف يمكن إيقافه، لكن ذلك يتطلب أن تتوقف يد عن التمزيق الخارجي، وأن تتوجه جميع الأيدي إلى تضميد الجراح الداخلية قبل فوات الأوان، قبل أن يتحول النزيف إلى نزف قاتل.


……..

جبهات النزف - تشريح الجروح السبعة

الجرح الثامن: العجز التجاري - تشريح الاعتماد الاستراتيجي وفقدان السيادة

ثانياً: الاعتماد على الصين - الشريان الحيوي المعرّض للقطع
لم يعد الاعتماد على الصين مجرد علاقة تجارية؛ لقد تحول إلى تشابك حيوي وشريان وجودي في جسد الاقتصاد الأمريكي. إنه ليس مجرد استيراد سلع، بل هو استيراد أجزاء من السيادة الوطنية والمرونة الاستراتيجية.

· تشريح الاعتماد: من الهواتف إلى مقومات الحياة:
· الإلكترونيات والأجهزة: أكثر من ٨٠٪ من الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وألعاب الفيديو تأتي من الصين أو تجمع بمكونات صينية حاسمة. هذا الاعتماد حوّل التكنولوجيا، رمز الابتكار الأمريكي، إلى سلعة خاضعة لإرادة بكين.
· السلسلة الدوائية الحيوية: ما يقرب من ٩٠٪ من المكونات الصيدلانية النشطة (APIs) التي تدخل في صناعة الأدوية الأمريكية تأتي من الخارج، والصين هي لاعب مهيمن. خلال الجائحة، كشف توقف الشحنات عن هشاشة قاتلة: نقص في المضادات الحيوية، أدوية التخدير، ومكونات لقاحات. كانت أمريكا عاجزة عن إنتاج أساسيات صحتها بنفسها.
· المعادن الأرضية النادرة: وهي عناصر حيوية للصناعات العسكرية والتكنولوجيا الفائقة (من مقاتلات الجيل الخامس F-35 إلى توربينات الرياح والبطاريات الكهربائية). تهيمن الصين على أكثر من ٨٠٪ من تكريرها العالمي. هذا يمنح بكين مقدرة غير مسبوقة على خنق التصنيع الأمريكي المتطور بكبسة زر.
· الملابس والسلع الاستهلاكية: بينما تبدو أقل حيوية، فإنها تمثل الاعتماد النفسي والثقافي على نموذج الاستهلاك الرخيص والمفرط، الذي يغذي العجز ويقوض الصناعات المحلية المتبقية.
· الاعتماد كسلاح جيوسياسي (Weaponized Interdependence):
لقد أدركت الصين أن هذا التشابك ليس نقطة ضعف لها وحدها، بل هو نقطة ضغط هائلة. فقد استخدمت حظر الصادرات الموجه ضد اليابان وكوريا الجنوبية سابقاً. التهديد الضمني باستخدام هذه الأداة ضد أمريكا يلوح في خلفية أي صراع جيوسياسي، من تايوان إلى بحر الصين الجنوبي. أمريكا تجد نفسها في مفارقة: حريتها في المناورة العسكرية والسياسية ضد منافسها الاستراتيجي الأكبر، مقيدة بخوفها من قطع الشريان الاقتصادي الذي يغذي مجتمعها.

ثالثاً: فقدان الوظائف الصناعية - النسيج الاجتماعي الذي تمزق وخواء الروح الإنتاجية
فقدان ٥ ملايين وظيفة صناعية منذ عام ٢٠٠٠ هو أكثر من مجرد رقم اقتصادي؛ إنه كارثة أنثروبولوجية واجتماعية. كل وظيفة صناعية كانت تدعم شبكة من الوظائف الثانوية (النقل، الخدمات المحلية) وتخلق هوية مجتمعية مبنية على الكرامة والإنتاج.

· التشخيص المزدوج: الصين والأتمتة:
· الصين كعامل صدمة سريع: فتح الأسواق العالمية وانتقال الإنتاج إلى الصين في تسعينيات القرن الماضي وأوائله، مثل صدمة عنيفة لمجتمعات "الحزام الصناعي الصدئ". لم يكن الأمر متعلقاً فقط بالأجور الأرخص، بل بسياسة صينية مقصودة لجذب التصنيع عبر إعانات ضخمة وتقليل العوائق البيئية والعمالية. لقد خسر العامل الأمريكي المنافسة ليس أمام عامل صيني فحسب، بل أمام دولة-شركة تقدم إعاناتها كسلاح.
· الأتمتة كعامل تآكل طويل الأمد: الروبوتات والذكاء الاصطناعي لم يحلا محل العامل الصيني فحسب، بل حلّا محل العامل الأمريكي نفسه. المصانع التي عادت إلى أمريكا (قلة منها) عادت كـ "مصانع ظلام" مُدارة بالكامل تقريباً بالآلات. الوعود بإعادة التصنيع لا تعني إعادة الوظائف بالضرورة. هذه الموجة التكنولوجية تقضي ليس على عضلات العامل، بل على مهاراته الإدراكية الروتينية أيضاً.
· النتائج الاجتماعية المدمرة:
· مجتمعات الأطلال: مدن مثل ديترويت، وكرستون، ويونغستاون تحولت إلى متاحف للحنين، حيث يذكر شارع رئيسي واحد مهجور بمجد صناعي ولّى. هذا ليس انكماشاً اقتصادياً فحسب، بل هو موت رمزي لهوية كاملة.
· أزمة الذكورة والكرامة: ارتبطت الوظيفة الصناعية تقليدياً بهوية الرجل المعيل وبفخر "العمل اليدوي الماهر". فقدانها خلق أزمة هوية عميقة، ساهمت في موجات من اليأس، إدمان المواد الأفيونية، وتوجه سياسي غاضب وعنيف أحياناً. لقد تحول الحلم الأمريكي من "البحث عن السعادة" عبر العمل والإنتاج، إلى البحث عن النجاة عبر المساعدات الاجتماعية أو الوظائف الخدمية الهشة.
· فقدان المعرفة الحرفية: مع اختفاء المصانع، اختفت أيضاً المدارس المهنية والحرفية التي كانت تنقل المعرفة عبر الأجيال. أمريكا تخسر ليس الوظائف فحسب، بل قدرتها على إعادة بناء مهارات التصنيع نفسها، مما يجعل أي حديث عن "إعادة التصنيع" معقداً للغاية.

رابعاً: امتياز الدولار - السيف ذو الحدين الذي ينقلب على صاحبه
يُمكن العجز التجاري الهائل فقط لأن العالم لا يزال يقبل الدولار كعملة الاحتياطي والتبادل العالمية. هذا "امتياز غاشم" يسمح لأمريكا بالعيش فوق إمكانياتها وتمويل عجزها بطباعة العملة التي يقبلها الآخرون. لكن هذا الامتياز يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية كبرى.

· ماذا لو بدأ العالم يشك؟
· التوجه نحو "إزالة الدولرة": تشجع الصين وروسيا والدول الناشئة منذ سنوات على إجراء التجارة الثنائية بعملات محلية، لتجنب العقوبات الأمريكية وتقليل الاعتماد على الدولار. نجاح جزئي لهذه السياسة سيقلل من الطلب على الدولار.
· الأصول الرقمية والعملات المشفرة: بينما لا تشكل تهديداً مباشراً حالياً، فإنها تمثل نموذجاً ناشئاً لنظام مالي موازٍ يمكن أن يقدم بديلاً للمدفوعات عبر الحدود خارج النظام المصرفي التقليدي الذي يهيمن عليه الدولار.
· اليوان الرقمي: تطور الصين لعملتها الرقائية (e-CNY) بعناية، ليس فقط كأداة رقابة داخلية، بل كوسيلة لتقديم نظام دفع دولي بديل أكثر كفاءة ومراقبة، يجذب الدول التي تخشى من هيمنة النظام المالي الأمريكي.
· عواقب فقدان الهيمنة:
في يوم قد يقرر العالم التخلي عن الدولار جزئياً، ستضرب أمريكا بـ ضربة ثلاثية:
1.
التضخم الجامح: عودة الدولارات المكتنزة في الخارج إلى الداخل ستغرق السوق محلياً وتتسبب في تضخم مريع.
2.
انهيار مستوى المعيشة: ستنهار القدرة على الاستيراد الرخيص، وسيرتفع سعر كل شيء، من البنزين إلى الملابس.
3.
نهاية التمويل السهل: ستنهار قدرة الحكومة على تمويل عجزها بسهولة، مما سيرغمها على خفض إنفاقها بشكل حاد أو زيادة الضرائب بشكل جنوني، أو الإفلاس.
الدولار لم يعد مجرد عملة؛ إنه أساس النظام الأمريكي العالمي. تآكل هذا الأساس هو أخطر تهديد وجودي، لأنه سيسحب البساط من تحت كل القوة الأمريكية الناعمة والصلبة معاً.

الجرح الخامس: شيخوخة السكان - الساعة الديموغرافية التي تدق ناقوس الخطر

المشكلة الأبطأ والأعمق لا تُقاس بأشهر أو سنوات، بل بعقود، لكن تداعياتها ستحدد مصير القرن الأمريكي. إنها تحول جيولوجي في التركيبة السكانية، يهدد بتغيير طبيعة المجتمع الأمريكي من جذوره.

· قراءة في الأرقام: من أمة شابة إلى قارة عجوز:
· اليوم: ٥٤ مليون أمريكي فوق ٦٥ سنة (١٦٪ من السكان) يشكلون قوة سياسية واقتصادية هائلة.
· عام ٢٠٣٠: ٧٤ مليون (٢١٪). سيكون واحد من كل


…….

الفصل التاسع: الاقتصاد الأمريكي تحت الضغط - تشريح الجسد الذي ينزف ذهباً

الجزء الثالث: التأثيرات الجيوسياسية - كيف يضعف الاقتصاد القوة الأمريكية

الدولار والقدرة التنافسية - من نعمة النفوذ إلى نقمة الضعف

الدولار: من سلاح استراتيجي مطلق إلى نقطة ضعف قاتلة

لأكثر من سبعة عقود، لم يكن الدولار مجرد عملة؛ كان البلورة السحرية التي حولت القوة الاقتصادية الأمريكية إلى هيمنة جيوسياسية مطلقة. كان السلاح السري الذي لا يُرى، والذي صاغ النظام العالمي على صورته. لقد كان الآلية التي جعلت من العجز قوة، ومن الضعف منعة:

· عملة النفط والسلاح: بموجب اتفاقية ١٩٧٣ مع السعودية، تحول النفط، شريان الحضارة الصناعية، إلى سلعة تُسعَّر وتُباع بالدولار فقط. كل برميل يشتريه العالم كان يشكل طلباً إضافياً على العملة الأمريكية، ويرسخ هيمنتها.
· سلاح العقوبات المالي: أصبح النظام المالي العالمي، المتمركز في نيويورك ولندن، امتداداً للسياسة الخارجية الأمريكية. القدرة على فصل دولة أو شركة أو فرد عن هذا النظام – ما يُعرف بـ "عقوبة الإعدام المالي" – كانت أقوى من أي حملة عسكرية. لقد جمدت هذه العقوبات ثروات، وخنقت اقتصادات، وأذلت أنظمة.
· امتياز التمويل اللانهائي: سمح قبول العالم للدولار كاحتياطي رئيسي لأمريكا بأن تعيش باستمرار فوق إمكانياتها. العجز التجاري والفجوات في الميزانية تم تغطيتها ببساطة عن طريق طباعة العملة التي يقبلها العالم بشراهة. كانت تحصل على السلع والخدمات الحقيقية مقابل أوراق خضراء تطبعها.

لكن اليوم، يتحول هذا السلاح الساحر إلى لعنة. لقد بدأت قانون النتائج العكسية بالعمل: كل استخدام للقوة المالية يُسرع من تآكل الأساس الذي تقوم عليه. لم يعد الدولار نعمة، بل تحول إلى نقطة ضعف جيوسياسية مفتوحة.

أولاً: الثورة الهادئة: التحرك العالمي بعيداً عن الدولار
لم يعد البحث عن بديل ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية لعدد متزايد من الدول، مدفوعاً بخوف مزدوج: خوف من التعرض للإذلال عبر العقوبات، وخوف من الخسائر الناجمة عن أي هزة في الاقتصاد الأمريكي.

· تحالفات ما بعد الدولار: الصين وروسيا، كرد فعل على العقوبات، بنيا نظاماً متكاملاً للمدفوعات الثنائية بعملتيهما الوطنية، يتجاوز نظام "سويفت". التجارة بينهما باليوان والروبل لم تعد هامشية، بل أصبحت القاعدة.
· تسونامي البريكس: تحولت مجموعة البريكس من نادٍ اقتصاديّ فضفاض إلى ورشة عمل نشطة لبناء البدائل. العمل على إنشاء نظام تسويات دولي جديد، واستخدام سلة عملات في التجارة بين الأعضاء، لم يعد شعاراً بل خطة عملية تكتسب زخماً مع كل جولة عقوبات أمريكية جديدة.
· الضربة في القلب: نهاية احتكار النفط؟ المفاوضات السرية والعلنية بين السعودية والصين حول تسعير جزء من صادرات النفط باليوان، هي أكثر من صفقة تجارية. إنها زلزال جيوسياسي. إذا تحققت، حتى لو جزئياً، فإنها ستحطم أحد أعمدة نظام الدولار الذي ظل صامداً منذ نصف قرن. إنها إشارة أن ولاء "الحليف" الاستراتيجي لم يعد مضموناً عندما يتعارض مع المصالح الاقتصادية الحيوية.

ثانياً: سلاح ذو حدين: كيف أدت العقوبات إلى تآكل الهيمنة
لقد تحولت العقوبات الأمريكية من أداة ردع انتقائية إلى إستراتيجية اعتيادية. لكن كل عقوبة كانت بمثابة نداء إيقاظ للعالم:

· عقوبات إيران: علمت أوروبا أن مصالحها الاقتصادية يمكن أن تُداس من قبل واشنطن.
· عقوبات روسيا الشاملة: كشفت للهند والصين ودول الجنوب أن أي ادخار أو ثروة بالدولار يمكن مصادرتها إذا خالفت السياسة الأمريكية. هذا لم يدفع العالم إلى الانصياع، بل دفعه إلى تسريع التخلي التدريجي عن النظام الذي يمنح واشنطن هذه القوة. لقد حوّل "الامتياز الغاشم" إلى "عبء الشك".

ثالثاً: الدين كرهان جيوسياسي: حين يصبح المُقرض هو الحَكَم
عندما يكون دينك الوطني مُصدراً للعالم، فإنك تفقد جزءاً من حريتك. العجز الأمريكي الضخم، الممول بشراء الدول الأجنبية لسندات الخزينة، تحول إلى أداة رهينة في أيدي الخصوم والمنافسين.

· اليابان والصين كدائنين أكبر: تمتلك هاتان الدولتان معاً ما يقرب من ٢.٥ تريليون دولار من دين أمريكا. في أي مواجهة جيوسياسية حادة، مثلاً حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي، تُصبح هذه الحقيقة ظلاً مخيفاً. إن احتمال التصفية التدريجية أو حتى التهديد بها، هو ورقة ضغط هائلة. أمريكا تخوض منافسة استراتيجية مع دولة (الصين) هي في الوقت نفسه أحد أهم ممولي ديونها. إنها معادلة تناقضية خطيرة.
· فقدان الاستقلالية المالية: أي تحرك أمريكي عدائي قد يُقابل برد فعل مالي يهز أسواق السندات، ويرفع تكلفة الاقتراض على الحكومة الأمريكية إلى مستويات غير محتملة. هذا يفرض قيوداً خفية ولكنها قوية على صناع القرار في واشنطن. القوة التي كانت تستخدم المال كسلاح، أصبحت هي نفسها مُقيدة به.

وهكذا، يتحول الدولار من درع الإمبراطورية إلى أكبر ثغراتها. النزيف الاقتصادي الداخلي (العجز، الديون) يضعف الثقة العالمية في العملة، مما يقوض بدوره القدرة على استخدامها كأداة للقوة، في حلقة مفرغة تنتهي بفقدان أحد أهم أركان الهيمنة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.


القدرة على المنافسة مع الصين: سباق الوجود على مضمار مهترئ

بينما تركز أمريكا على إطفاء الحرائق الداخلية – التضخم، الديون، الاستقطاب – تواجه في الصين منافساً لا يتفرغ إلا للسباق. هذه ليست منافسة بين شركتين، بل هي مقارنة بين نموذجين حضاريين، بين آلتين جيوسياسيتين. وعند وضع المؤشرات الأساسية جنباً إلى جنب، تظهر صورة مقلقة:

المعيار الصين الولايات المتحدة الدلالة الجيوسياسية
الدَّين الحكومي/الناتج حوالي ٨٠٪ (مع ارتفاع دين الشركات والأسر) ١٣٠٪ وتتصاعد تتحرك أمريكا بحقيبة ظهر مليئة بالصخور، بينما تحمل الصين حقيبة معتدلة. هذا يعطي بكين مرونة مالية أكبر للتجارب والاستثمارات الاستراتيجية الطويلة الأجل، بينما تنفق واشنطن جزءاً كبيراً من طاقتها على خدمة الدين فقط.
معدل النمو السنوي حوالي ٥٪ (متراجع ولكن مخطط ومركّز) حوالي ٢٪ (متقلب ويعتمد على الاستهلاك) الصين تُضاعف حجم اقتصادها كل ١٤ سنة تقريباً، بينما أمريكا تحتاج إلى ٣٥ سنة. في السباق الطويل، الفارق يُترجم إلى فجوة قوة لا تُجبر.
معدل الادخار الوطني أعلى من ٤٥٪ حوالي ٧٪ المجتمع الصيني يمول استثماراته المستقبلية بنفسه بوفرة. المجتمع الأمريكي يعيش على الائتمان والاستهلاك. الادخار هو وقود الاستثمار الاستراتيجي الذي لا تعوضه الأسواق المالية العميقة وحدها.
جودة البنية التحتية حديثة، شاملة، وطموحة: شبكة قطارات فائقة السرعة (أطول من بقية العالم مجتمعاً)، مطارات متطورة، موانئ آلية. متهالكة وتاريخية: تقارير الهندسة المدنية تصنفها بدرجة "D+". انهيارات متكررة تذكر بعصر مضى. البنية التحتية هي عظام الدولة وعضلاتها. عظام الصين شابة وقوية، تسمح بحركة سريعة وكفاءة عالية. عظام أمريكا مصابة بهشاشة، مما يبطئ حركتها ويجعلها أكثر تكلفة وأقل موثوقية.
التحدي الديموغرافي حاد وسريع، لكن الدولة تتحضر له بقرارات صارمة (رفع سن التقاعد، حوافز للأسر). المجتمع لا يزال ينظر للمستقبل بمنطق التخطيط المركزي. بطيء وقاتل، لكن النظام السياسي المشلول عاجز عن معالجته بجرأة. الجدل يدور حول تقليص المزايا لا إصلاح النظام. المجتمع ينقسم بين المطالبة بحقوق الماضي والخوف من المستقبل. الصين تواجه العاصفة الديموغرافية وهي تبني السفينة وتعد الطاقم. أمريكا ترى السحابة السوداء تقترب وهي تتجادل على من يملك المظلة.
الابتكار والمرونة قوة ناشئة وقوية في التطبيق: تقدم سريع في مجالات (5G، الطاقة النظيفة، المركبات الكهربائية). نظام يعمل بتوجيه مركزي يسمح بتوجيه الموارد نحو أهداف استراتيجية. قوة تاريخية عظمى في الأساس: تتفوق في الأبحاث الأساسية، الإبداع الفردي، وجذب العقول. ولكن النظام السياسي والمالي قصير الأجل لا يحوّل الابتكار بالضرورة إلى منفعة صناعية واستراتيجية واسعة. أمريكا تبتكر البذور في مختبراتها، الصين تزرع الحقول وتحصده. الصين تتعلم بسرعة وتطبق على نطاق واسع. المعركة ليست على من يخترع الفكرة الأفضل، بل على من يحول الابتكار إلى قوة اقتصادية وجيوسياسية ملموسة.

الخلاصة الجيوسياسية: سباق الوجود على مضمارين مختلفين
الصين تركض في سباق اقتصادي-تكنولوجي-جيوسياسي موحّد. استثماراتها في الطرق السريعة والذكاء الاصطناعي والطاقة الشمسية وحتى القواعد الخارجية (مثل جيبوتي) هي جميعاً حلقات في سلسلة واحدة: بناء قوة شاملة.
أمريكا، بالمقابل، تجري في سباقات منفصلة ومتعارضة أحياناً. سباق عسكري للحفاظ على الهيمنة، سباق مالي للحفاظ على ثقة الأسواق، سباق سياسي داخلي للبقاء في السلطة، وسباق اجتماعي للحد من الانفجار. الموارد والانتباه والطاقة الوطنية مشتتة.

النتيجة هي سباق غير متكافئ. الصين تصنع سياساتها الاقتصادية لخدمة أهدافها الجيوسياسية الطويلة المدى ("الحلم الصيني"). أمريكا، في كثير من الأحيان، تضطر إلى تشويه سياستها الجيوسياسية واستنزاف قوتها لمعالجة أوجه القصور الاقتصادية الداخلية قصيرة المدى.

في النهاية، القوة العسكرية التي لا يُدعمها اقتصاد قوي، مرن، ومستقل، هي قشرة جوفاء. والقوة الاقتصادية التي لا تترجم إلى تفوق تكنولوجي وبنية تحتية رصينة، هي ثراء عابر. أمريكا تخاطر بأن تصبح مثل لاعب قوي لكنه منهك، يرتدي درعاً لامعاً من الماضي، بينما منافسه الأصغر سناً والأقل إرهاقاً يبني المستقبل من حوله، حجراً حجراً. المعركة ليست على من يملك أكبر حاملة طائرات اليوم، بل على من يملك القدرة على بناء اقتصاد وصناعة وتكنولوجيا تنتج حاملات طائرات الغد، وتنتج معها نظام العالم القادم.



الدولار: من سلاح استراتيجي مطلق إلى نقطة ضعف وجودية

أسطورة السلاح السري: عصر الهيمنة النقدية غير المسبوقة
لأكثر من سبعة عقود، لم يكن الدولار مجرد عملة؛ كان البلورة السحرية التي حولت القوة الاقتصادية الأمريكية إلى هيمنة جيوسياسية مطلقة. كان السلاح السري الذي لا يُرى، والذي صاغ النظام العالمي على صورته. لقد كان الآلية التي جعلت من العجز قوة، ومن الضعف منعة:

· عملة النفط والسلاح: بموجب اتفاقية ١٩٧٣ مع السعودية، تحول النفط، شريان الحضارة الصناعية، إلى سلعة تُسعَّر وتُباع بالدولار فقط. كل برميل يشتريه العالم كان يشكل طلباً إضافياً على العملة الأمريكية، ويرسخ هيمنتها. لقد حوَّل هذا "البترودولار" الطاقة الجيولوجية إلى قوة جيوسياسية، حيث دفعت كل دولة في العالم تقريباً ضريبة غير مرئية لواشنطن بمجرد شرائها للطاقة.
· سلاح العقوبات المالي الفتاك: أصبح النظام المالي العالمي، المتمركز في نيويورك ولندن، امتداداً للسياسة الخارجية الأمريكية. القدرة على فصل دولة أو شركة أو فرد عن هذا النظام – ما يُعرف بـ "عقوبة الإعدام المالي" – كانت أقوى من أي حملة عسكرية. لقد جمدت هذه العقوبات ثروات، وخنقت اقتصادات، وأذلت أنظمة، كل ذلك بنقرة على لوحة المفاتيح في واشنطن. كانت أمريكا تحكم من خلال حسابات بنكية أكثر مما تحكم من خلال حاملات الطائرات.
· امتياز التمويل اللانهائي (The Exorbitant Privilege): سمح قبول العالم للدولار كاحتياطي رئيسي لأمريكا بأن تعيش باستمرار فوق إمكانياتها. العجز التجاري والفجوات في الميزانية تم تغطيتها ببساطة عن طريق طباعة العملة التي يقبلها العالم بشراهة. كانت تحصل على السلع والخدمات الحقيقية (سيارات، إلكترونيات، سلع مصنعة) مقابل أوراق خضراء تطبعها، وهو تبادل غير مسبوق في التاريخ الاقتصادي. كان هذا الامتياز يشبه سحر الخلق من العدم.


التحول الجيولوجي: من النعمة إلى النقمة، حين تنقلب الآية

لكن اليوم، يتحول هذا السلاح الساحر إلى لعنة. لقد بدأت قانون النتائج العكسية بالعمل: كل استخدام للقوة المالية يُسرع من تآكل الأساس الذي تقوم عليه. لم يعد الدولار نعمة، بل تحول إلى نقطة ضعف جيوسياسية مفتوحة، شبيهة بسفينة ضخمة محفورة في قاعها ثقوب، بينما طاقمها مشغول بتزيين صواريها.

أولاً: الثورة الهادئة والعظيمة: التحرك العالمي الاستراتيجي بعيداً عن الدولار
لم يعد البحث عن بديل ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية لعدد متزايد من الدول، مدفوعاً بخوف مزدوج: خوف من التعرض للإذلال عبر العقوبات، وخوف من الخسائر الناجمة عن أي هزة في الاقتصاد الأمريكي.

· تحالفات ما بعد الدولار: الصين وروسيا، كرد فعل مباشر على العقوبات، بنيا نظاماً متكاملاً للمدفوعات الثنائية (مثل نظام التحويلات المالية الروسي SPFS والنظام الصيني CIPS) يعمل بعملتيهما الوطنية، ويتجاوز نظام "سويفت" التقليدي. التجارة بينهما باليوان والروبل لم تعد هامشية، بل أصبحت القاعدة. إنها إعادة تأسيس للسيادة المالية على أنقاض النظام الغربي.
· تسونامي البريكس والنظام العالمي البديل: تحولت مجموعة البريكس من نادٍ اقتصاديّ فضفاض إلى ورشة عمل نشطة لبناء البدائل الجيوسياسية. العمل على إنشاء نظام تسويات دولي جديد، واستخدام سلة عملات في التجارة بين الأعضاء، لم يعد شعاراً بل خطة عملية تكتسب زخماً مع كل جولة عقوبات أمريكية جديدة. توسع البريكس ليشمل قوى إقليمية كبرى (مصر، إيران، الإمارات، إثيوبيا، السعودية) هو إشارة واضحة على أن النظام القديم يفقد شرعيته.
· الضربة في القلب: نهاية احتكار النفط؟ المفاوضات السرية والعلنية بين السعودية والصين حول تسعير جزء من صادرات النفط باليوان، هي أكثر من صفقة تجارية. إنها زلزال جيوسياسي يهز أحد أعمدة نظام الدولار الذي ظل صامداً منذ نصف قرن. إنها إشارة أن ولاء "الحليف" الاستراتيجي لم يعد مضموناً عندما تتضارب المصالح الاقتصادية الحيوية مع الولاء السياسي. إذا تحققت، حتى لو جزئياً، فإنها ستحطم الصيغة السحرية "النفط = الدولار = القوة الأمريكية".

سلاح ذو حدين قاتل: كيف أدت العقوبات إلى تآكل الهيمنة الذاتية

لقد تحولت العقوبات الأمريكية من أداة ردع انتقائية وحكيمة إلى إستراتيجية اعتيادية وعشوائية الخطورة. لكن كل عقوبة كانت بمثابة نداء إيقاظ للعالم، ودرساً في هندسة النظام المالي العالمي:

· عقوبات إيران: علمت أوروبا، الحليفة التقليدية، أن مصالحها الاقتصادية ومشاريعها (مثل اتفاقية النووي INSTEX) يمكن أن تُداس من قبل واشنطن دون اكتراث. هذا ولَّد شكوكاً عميقة داخل الحلف نفسه.
· عقوبات روسيا الشاملة والاستثنائية: كانت لحظة التنوير للهند والصين ودول الجنوب العالمي. كشفت لهم أن أي ادخار أو ثروة بالدولار يمكن مصادرتها وتجميدها بين عشية وضحاها إذا خالفت السياسة الأمريكية. هذا لم يدفع العالم إلى الانصياع، بل دفعه إلى تسريع التخلي التدريجي والاستباقي عن النظام الذي يمنح واشنطن هذه القوة. لقد حوّل "الامتياز الغاشم" إلى "عبء الشك والخطر".
· مصادرة الاحتياطيات الأجنبية: تجميد مليارات الدولارات من احتياطيات أفغانستان وفنزويلا وروسيا حوَّل الثقة الدولية في الدولار من ثقة عمياء إلى حسابات بارانويدية. الدول بدأت تسأل: "إذا كان هذا مصير أعداء أمريكا اليوم، فماذا عن حلفائها المختلفين معها غداً؟".


الدين كرهان جيوسياسي: حين يصبح المُقرض هو الحَكَم والرهينة في آن


عندما يكون دينك الوطني مُصدراً للعالم، فإنك تفقد جزءاً من حريتك. العجز الأمريكي الضخم، الممول بشراء الدول الأجنبية لسندات الخزينة، تحول من مصدر قوة تمويلية إلى أداة رهينة في أيدي الخصوم والمنافسين، وورقة ضغط هائلة.

· اليابان والصين كدائنين أكبر: تمتلك هاتان الدولتان معاً ما يقرب من ٢.٥ تريليون دولار من دين أمريكا. في أي مواجهة جيوسياسية حادة، مثلاً حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي، تُصبح هذه الحقيقة ظلاً مخيفاً في غرف صنع القرار. إن احتمال التصفية التدريجية، أو حتى مجرد التهديد الضمني بها، هو ورقة ضغط هائلة لا تحتاج إلى استخدامها، يكفي وجودها. أمريكا تخوض منافسة استراتيجية وجودية مع دولة (الصين) هي في الوقت نفسه أحد أهم ممولي ديونها. إنها معادلة تناقضية خطيرة تختزل مأساة الإمبراطورية المثقلة بالديون.
· فقدان الاستقلالية المالية واليد العليا: أي تحرك أمريكي عدائي أو حتى حازم قد يُقابل برد فعل مالي صامت ولكنه مدوٍّ في أسواق السندات. رفع العوائد على سندات الخزينة الأمريكية يعني رفع تكلفة الاقتراض على الحكومة الأمريكية إلى مستويات غير محتملة، مما يعيق قدرتها على التمويل. هذا يفرض قيوداً خفية ولكنها قوية على صناع القرار في واشنطن. القوة التي كانت تستخدم المال كسلاح، أصبحت هي نفسها مُقيدة بخيوط ذهبية يمسك بها من تريد مواجهتهم.

وهكذا، يتحول الدولار من درع الإمبراطورية وصولجانها إلى أكبر ثغراتها وسلاسلها. النزيف الاقتصادي الداخلي (العجز، الديون) يضعف الثقة العالمية في العملة، مما يقوض بدوره القدرة على استخدامها كأداة للقوة، في حلقة مفرغة تنتهي بفقدان أحد أهم أركان الهيمنة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. إنه انقلاب في قوانين القوة: من القوة الناعمة المالية إلى الضعف الاستراتيجي المالي.

القدرة على المنافسة مع الصين: سباق الوجود على مضمار مهترئ

بينما تركز أمريكا على إطفاء الحرائق الداخلية – التضخم، الديون، الاستقطاب – تواجه في الصين منافساً لا يتفرغ إلا للسباق. هذه ليست منافسة بين شركتين، بل هي مقارنة بين نموذجين حضاريين، بين آلتين جيوسياسيتين في لحظة مصيرية. وعند وضع المؤشرات الأساسية جنباً إلى جنب، تظهر صورة مقلقة تكشف عن سباق غير متكافئ:

الصين: الدولة-الحضارة في سباقها الطويل

· الادخار كثقافة واستراتيجية: معدل ادخار يزيد عن ٤٥٪ من الدخل القومي (مقابل ٧٪ في أمريكا) ليس فرقاً اقتصادياً عابراً، بل هو فجوة حضارية وجيوسياسية. هذا الادخار هو الوقود الذاتي لآلة الاستثمار الصينية العملاقة، مما يمكنها من تمويل مشاريع البنية التحتية الضخمة (الحزام والطريق، المدن الذكية) والبحث العلمي الطموح دون الاعتماد الكلي على الأسواق المالية المتقلبة أو رأسمال أجنبي.
· التخطيط الاستراتيجي طويل المدى: "صنع في الصين ٢٠٢٥"، "الرؤية ٢٠٣٥"، مبادرة الحزام والطريد – كلها ليست شعارات بل خرائط طريق شاملة تنسق بين السياسة الصناعية، والتعليم، والبحث العلمي، والسياسة الخارجية. الصين تلعب لعبة "الغو" الاستراتيجية، حيث كل حركة تخدم شبكة مترابطة تهدف إلى السيطرة على رقعة اللعب بأكملها على المدى البعيد.
· المرونة البيروقراطية والتجريب المحسوب: النظام الصيني قادر على اتخاذ قرارات مصيرية في أيام أو أسابيع (كما رأينا في سياسات "صفر كوفيد" ثم التحول السريع عنها) وتجربة سياسات في مناطق محددة قبل تعميمها. هذه المرونة، رغم تكلفتها الاجتماعية أحياناً، تمنح بكين سرعة في التكيف لا تستطيع الديمقراطيات ذات النظام الحزبي المعطل منافستها.

أمريكا: التنين العجوز المثقل بأمراض العظمة

· الديمقراطية المعطلة والمستقطبة: النظام السياسي الأمريكي، في وضعه الحالي، يعجز عن إنتاج توافق وطني حول أي مشروع إصلاحي طموح. النقاش حول رفع سقف الدين، وهو أمر روتيني للبقاء، يتحول كل مرة إلى مسرحية مأساوية على حافة الهاوية. الحرب الثقافية تأكل طاقات الأمة وتجعل من المستحيل تقريباً الحديث بلغة "المصلحة الوطنية العليا".
· الرأسمالية المالية قصيرة النظر: نظام الحوافز في وول ستريت يكافئ الربع السنوي، وليس العقد القادم. هذا يجذب الاستثمارات نحو عمليات إعادة شراء الأسهم لتعزيز قيمتها قصيرة الأجل، وليس نحو الاستثمارات الطويلة الأمد في البحث والتطوير أو تحديث المصانع. رأس المال يهرب من الصعب إلى السهل، من الإنتاج إلى التمويل.
· المجتمع المنقسم والطبقة الوسطى المتآكلة: كما فصلنا سابقاً، انقسام السفينة إلى طبقات يخلق توتراً اجتماعياً يشتت الانتباه ويستهلك الطاقة السياسية. القيادة مشغولة بإدارة الصراع الداخلي أكثر من تركيزها على المنافسة الخارجية.

السباق الوجودي على الجبهات الحاسمة:

1. جبهة التكنولوجيا والرقائق: أمريكا ما زالت تتفوق في الابتكار الأساسي (التصميم)، لكن الصين تبني بسرعة هائلة قدراتها في التصنيع المتقدم والتطبيق على نطاق واسع. حرب أشباه الموصلات هي الحرب الباردة الجديدة.
2. جبهة الطاقة الخضراء والتحول البيئي: الصين تنتج أكثر من ٨٠٪ من الخلايا الشمسية في العالم، وتسيطر على سلسلة توريد البطاريات الكهربائية. أمريكا تحاول اللحاق من خلال قوانين ضخمة (قانون خفض التضخم) لكنها تبدأ من خلفية كبيرة.
3. جبهة القواعد والقوة الناعمة: أمريكا تعتمد على شبكة قديمة من القواعد العسكرية والتحالفات. الصين تبني قوتها الناعمة عبر الاستثمارات الضخمة والبنية التحتية عبر "الحزام والطريق"، مكتسبة نفوذاً اقتصادياً يتحول ببطء إلى نفوذ سياسي.

الخلاصة الجيوسياسية القاسية:
الصين تركض في سباق اقتصادي-تكنولوجي-جيوسياسي موحَّد برؤية واستمرارية. أمريكا تجري في سباقات منفصلة ومتعارضة أحياناً: سباق عسكري للحفاظ على الهيمنة، سباق مالي للحفاظ على ثقة الأسواق، سباق سياسي داخلي للبقاء في السلطة، وسباق اجتماعي للحد من الانفجار.
النتيجة هي أن الموارد والانتباه والطاقة الوطنية الأمريكية مشتتة. في حين أن الصين تصوغ سياساتها الاقتصادية لخدمة أهدافها الجيوسياسية الطويلة المدى ("الحلم الصيني" وإحياء الأمة)، تضطر أمريكا في كثير من الأحيان إلى تشويه سياستها الجيوسياسية واستنزاف قوتها لمعالجة أوجه القصور الاقتصادية الداخلية قصيرة المدى والناجمة عن الإهمال المتراكم.

في النهاية، القوة العسكرية التي لا يُدعمها اقتصاد قوي، مرن، ومستقل، هي قشرة جوفاء قد تتصدع عند أول اختبار حقيقي. والقوة الاقتصادية التي لا تترجم إلى تفوق تكنولوجي وبنية تحتية رصينة، هي ثراء عابر. أمريكا تخاطر بأن تصبح مثل لاعب قوي لكنه منهك، يرتدي درعاً لامعاً من الماضي، بينما منافسها الأصغر سناً والأقل إرهاقاً يبني المستقبل من حوله، حجراً حجراً. المعركة ليست على من يملك أكبر حاملة طائرات اليوم، بل على من يملك القدرة على بناء اقتصاد وصناعة وتكنولوجيا تنتج حاملات طائرات الغد، وتنتج معها نظام العالم القادم. وهنا يكمن التحدي الوجودي: هل تستطيع أمريكا، وهي تنزف ذهباً من جروحها الداخلية السبعة، أن تفوز بسباق البناء بينما هي لا تزال منشغلة بإدارة تراثها من الهدم والهيمنة؟ السؤال معلق، وإجابته ستحدد مصير القرن.


……


الجزء الرابع: سيناريوهات المستقبل - أين يتجه القارب الأمريكي في بحر الأزمات؟

السيناريو الأول: الانهيار البطيء (سيناريو القصور الذاتي والانحدار الحتمي)

هذا هو المسار الأقل مقاومةً، والأكثر ترجيحاً، والأكثر خداعاً في آن. إنه ليس سقوطاً دراماتيكياً يُسمع دويُّه للعالم، بل هو تدهور عضوي بطيء، أشبه بشيخوخة إمبراطورية لا تعترف بقدمها، تظل تتحرك بكرامة واهنة بينما تنسلُّ القوة من عظامها قطرة قطرة. إنه سيناريو القصور الذاتي للمأساة، حيث تستمر كل الاتجاهات الحالية في امتدادها المنطقي، دون صدمة كافية لإيقاظ الأمة، ولا حكمة كافية لتصحيح المسار.

· الدَّين: الصعود نحو نقطة اللاعودة. يستمر جبل الدَّين في النمو، ليس كاستثمار في المستقبل، بل كترياق مؤقت للأزمات الحاضرة. خدمة الدَّين تتحول إلى البند الأكبر في الميزانية الفيدرالية، متجاوزةً الإنفاق الدفاعي. الحكومة تُحوِّل ثروة الأجيال القادمة إلى فائدة يدفعها للدائنين، محاصرة في حلقة مفرغة: تحتاج إلى الاقتراض لدفع فوائد ما اقترضته. الاقتصاد يصبح خادماً للدَّين، لا الدَّين خادماً للاقتصاد.
· التضخم: الحُمّى المزمنة. لا يتحول إلى تضخم مفرط جامح، بل يستقر عند مستويات "مرتفعة بشكل مزعج" (٣٪٤٪). هذه الحُمّى المنخفضة المستمرة تكفي لمواصلة تآكل المدخرات وقوة الأجور الحقيقية، دون أن تصل إلى درجة تستدعي العلاج الصادم. تصبح حياة أكثر صعوبة بشكل غير محسوس، كالماء الذي يسخن ببطء والضفدع الذي لا يقفز.
· الطبقة الوسطى: التلاشي المستمر. تستمر الهوة في الاتساع. يتحول المزيد من الأسر من "متوسطة" إلى "هشة"، ثم إلى "فقيرة عاملة". حلم التملك يتحول إلى رفاهية للجيل القديم وللأغنياء الجدد. يختفي العمود الفقري للديمقراطية، ليحل محله مجتمع منقسم بين قلة من "المالكين" المحميين بأصولهم، وأغلبية من "المستأجرين" في اقتصادهم وفي حياتهم.
· الحصة العالمية: الانكماش النسبي. تفقد أمريكا، بلا ضجيج، حصتها في الناتج الاقتصادي العالمي لصالح الصين ودول نامية أخرى. ليس لأن اقتصادها يتقلص بالمعنى المطلق، بل لأنه ينمو ببطء أكبر في عالم سريع النمو. نفوذها الاقتصادي يتضاءل، وقدرتها على فرض الشروط تضعف، وشركاؤها يبدأون بإعادة حساباتهم باتجاه بكين أو بروكسل أو حتى نيودلهي.
· الدولار: زوال الهيمنة دون انهيار. تتراجع هيمنة الدولار، ليس عبر انهيار مفاجئ، بل عبر التآكل التدريجي. تزداد حصة اليوان واليورو وحتى الذهب في الاحتياطيات الدولية. يستمر الدولار كعملة مهمة، لكنه لم يعد الاحتياطي الأوحد والأعلى. تفقد أمريكا تدريجياً "الامتياز الغاشم" الذي مكنها من تمويل عجزها، مما يرفع تكلفة الحياة والعسكرة عليها.

هذا هو سيناريو "الروما الأمريكية": لا غزواً بربرياً مدمراً، بل انحداراً داخلياً طويلاً، حيث تتراكم المشاكل وتُحلّ بترقيعات، وتفقد المؤسسات شرعيتها ببطء، ويتعلم العالم العيش في فلك قوى أخرى، حتى يأتي يوم ننظر فيه إلى الوراء ونسأل: "متى بالضبط توقفت عن أن تكون القوة العظمى الوحيدة؟"

السيناريو الثاني: الإصلاح المؤلم (سيناريو اليقظة الجراحية)

هذا هو مسار الأمل العقلاني، لكنه أيضاً مسار المعجزة السياسية. إنه سيناريو افتراض أن الأمة، عند حافة الهاوية، ستستجمع إرادتها وتتحد لإجراء جراحة استباقية كبرى في جسدها الاقتصادي والاجتماعي. إنه يتطلب كسر جميع المحرمات السياسية والاقتصادية التي تراكمت على مدى نصف قرن.

· الإصلاح الضريبي:

إعادة كتابة العقد الاجتماعي. لن يكون مجرد رفع ضرائب على الأغنياء، بل إعادة تصميم كاملة للنظام الضريبي. إغلاق الثغرات الهائلة التي تسمح للشركات العملاقة والأفراد فائقي الثراء بدفع أقل من عامل متوسط. فرض ضرائب على الثروة (Wealth Tax) وضرائب على المعاملات المالية الطفيلية. هذا ليس انتقاماً طبقياً، بل استعادة لمبدأ المواطَنة الاقتصادية، حيث يدفع كل فرد قسطاً عادلاً من ثروته لتمويل البنية التحتية المشتركة والأمن الاجتماعي الذي يحميه.
· الاستثمار الضخم: إعادة بناء الأساس. استثمارات بمستويات لم تشهدها منذ عصر "الصفقة الجديدة" أو نظام الطرق السريعة بين الولايات. لكن هذه المرة، ليس في الخرسانة فحسب، بل في رأس المال البشري والمادي الذكي: تحديث كل شبكة الكهرباء لتكون ذكية وصديقة للبيئة، بناء شبكة اتصالات فائقة السرعة وأمنة في كل ريف ومدينة، إعادة تأهيل كل جسر خطر، وضخ استثمارات غير مسبوقة في التعليم العام والتدريب المهني والبحث العلمي الأساسي. تحويل الاقتصاد من نموذج استهلاكي إلى نموذج استثماري.
· إصلاح نظامي المعاشات والصحة: مواجهة الحساب الديموغرافي. سيتطلب ذلك بصراحة وواقعية قاسية: رفع تدريجي لسن التقاعد مع ضمانات للوظائف الشاقة، وإعادة هيكلة برنامج "ميديكير" للرعاية الصحية للمسنين للتركيز على الوقاية والكفاءة بدلاً من الإنفاق غير المحدود، وخلق حوافز قوية للادخار التقاعدي الشخصي. إنها مقايضة مؤلمة بين وعود الماضي وواقعية المستقبل.
· إعادة توجيه الإنفاق العسكري: من الهيمنة العالمية إلى السيادة الوطنية. ليس بالضرورة خفضاً كبيراً في الميزانية، بل تحويلاً جذرياً في أولوياتها. تقليص الانتشار العالمي المكلف في مهام شرطية، والتركيز على تحديث القدرات التقنية والردعية لحماية المصالح الحيوية. تحويل جزء من مئات المليارات التي تنفق على حماية أوروبا الغنية والشرق الأوسط المتقلب إلى استثمار في الأمن القومي الحقيقي: الصحة العامة، المرونة التكنولوجية، والأمن السيبراني.

المعوق الحاسم: الإرادة السياسية المستحيلة.

هذا السيناريو الجميل على الورق يصطدم بحائط صدٍّ جبلي: الاستقطاب السياسي السام والجمود المؤسسي. إنه يفترض أن حزباً سيتجرأ على فرض ضرائب على مؤيديه الأثرياء، وأن الآخر سيوافق على خفض مزايا تقاعدية لمؤيديه المسنين، وأن الكونجرس ككل سيوافق على تقليص النفوذ العسكري الإمبراطوري. في الوقت الحالي، هذه شبه مستحيلة. لذلك، فإن الإصلاح المؤلم ربما لن يحدث إلا بعد صدمة كبرى تجعل الألم الحالي للإصلاح يبدو أخف من ألم الانهيار.

السيناريو الثالث: الأزمة الكبرى (سيناريو العاصفة المثالية)

هذا هو كابوس أسواق المال والمحللين الاستراتيجيين. إنه ليس انهياراً بطيئاً، بل زوبعة مالية واجتماعية عنيفة تمزق النسيج الأمريكي وتعيد تشكيل النظام العالمي بين عشية وضحاها. احتمال حدوثه ضعيف إحصائياً في أي سنة معينة، لكن تراكم عوامل الخطر يجعله خطراً وجودياً حقيقياً لا يمكن تجاهله.

· أزمة الديون السيادية: "اليوم الذي ترفض فيه الأسواق تمويل أمريكا".

يمكن أن تبدأ بأزمة سياسية حمقاء: جمود في الكونجرس يمنع رفع سقف الدَّين، أو تصويت برلماني في بلد دائن كبير (كاليابان) يهدد ببيع السندات الأمريكية. فجأة، تتشقق ثقة العالم. تتسارع عمليات البيع، وتقفز عوائد السندات إلى مستويات قياسية (٧٪، ٨٪، ١٠٪). تصبح الحكومة الأمريكية غير قادرة على تمويل نفسها إلا بطباعة أموال بشكل هستيري، مما يطلق العنان للمرحلة التالية.
· التضخم الجامح: العودة إلى جمهورية فايمار.

الدَّولار المطبوع بلا غطاء يفيض في السوق المحلية. يتسارع التضخم من ٥٪ إلى ٢٥٪ إلى ١٠٠٪ على أساس سنوي. المدخرات تتلاشى، الأجور لا تواكب، وأسعار الغذاء والوقود تصبح هاجساً يومياً. تنهار فكرة المال نفسه كخزان للقيمة. تعود المقايضة، ويزدهر الاقتصاد الأسود.

· انهيار الدولار: فقدان التاج.

مع فقدان الثقة المحلي والدولي، يهبط الدولار هبوطاً حراً أمام العملات الأخرى والذهب. أمريكا، التي كانت تستورد الوفرة، تجد أن وارداتها أصبحت باهظة الثمن بشكل مهول. انخفاض قيمة العملة يُترجم مباشرة إلى فقر جماعي مفاجئ.
· الاضطرابات الاجتماعية الكبرى: تمزق العقد الاجتماعي. على وقع هذه الأزمات، تنفجر الانقسامات العرقية والطبقية والجغرافية المكبوتة. تصبح الشوارع ساحات غضب. تظهر دعوات انفصالية من ولايات غنية (كاليفورنيا، تكساس) لا ترغب في إنقاذ الحكومة الفيدرالية الفاشلة. تختبر الديمقراطية الأمريكية أقسى اختباراتها منذ الحرب الأهلية.

محركات الكارثة المحتملة: قد يأتي الشرارة من حرب مع الصين فوق تايوان، أو أزمة طاقة عالمية كارثية، أو انهيار أحد البنوك "الأكبر من أن يفشل" في وول ستريت، مترافقاً مع عجز سياسي تام. هذا السيناريو هو الدمار الخلاق في أسوأ تجلياته. سيكون نهاية النظام العالمي الحالي وبداية حقبة جديدة مجهولة، حيث تخرج أمريكا منها ضعيفة وجريحة، وقد لا تتعافى أبداً إلى مكانتها السابقة.

السيناريو الرابع: المعجزة الأمريكية الجديدة (سيناريو الفينيق)

هذا هو السيناريو الذي تعيش عليه الأسطورة الأمريكية، وهو ليس مجرد أمنيات، بل إمكانية تاريخية متجذرة في سجل الأمة في لحظات الشدة. إنه سيناريو التجدد الثوري، حيث تتحول الأزمة إلى حافز، والضعف إلى بصيرة، والتهديد إلى اختراق.

· الاختراق التكنولوجي المُحوِّل: ليست أي تقنية، بل تكنولوجيا تعيد تعريف مقومات القوة.
· الاندماج النووي (Fusion Energy): لو تحقق وتم تسويقه، فسيكون "الكأس المقدسة" للطاقة: نظيف، آمن، غير محدود تقريباً، ورخيص جداً. سيقضي على أزمة الطاقة، ويقلل التضخم الهيكلي، ويعيد الصناعات الثقيلة إلى أمريكا، ويغير الجغرافيا السياسية العالمية بين عشية وضحاها.
· الذكاء الاصطناعي العام (AGI) المُنتِج: ليس الذكاء الاصطناعي الذي يستبدل الوظائف، بل الذي يرفع الإنتاجية البشرية إلى عنان السماء. طبيب بمساعدة ذكاء اصطناعي يشخص أمراضاً مستعصية؛ مهندس يصمم مدناً كاملة في ساعات؛ عامل في مصنع يُشغل خط إنتاج بأكمله بكفاءة لا تُصدق. هذا يمكن أن يطلق موجة نمو إنتاجي تعوض عن شيخوخة السكان وتعيد تنافسية الصناعة.
· ثورة المواد الحيوية والتخلق (Bio-Revolution): علاجات جينية تعكس الشيخوخة أو تمنع الأمراض المزمنة، مما يطيل العمر الإنتاجي والصحي للمواطنين، ويقلل تكاليف الرعاية الصحية بشكل جذري.
· الهجرة كإستراتيجية تجديد ديموغرافي واقتصادي: بدلاً من الخوف منها، تتبنى أمريكا سياسة هجومية لجذب العقول والطموح العالمي. تبسط إجراءات الحصول على "تأشيرة المواهب" لكل حامل دكتوراه أو مخترع أو رائد أعمال. تستقطب ملايين الشباب المتعلم من أوروبا الشيخة، وآسيا، وأفريقيا. هؤلاء المهاجرون الجدد يصبحون دافعاً ديموغرافياً، ومصدراً للابتكار، وممولين لأنظمة المعاشات عبر ضرائبهم. تعود أمريكا لتكون بوتقة انصهار العالم، لا بجداريه.
· الإصلاحات الذكية والمرنة: ليست إصلاحات الصدمة المؤلمة، بل إصلاحات ذكية تستفيد من التكنولوجيا الجديدة وتتفادى المعارب السياسية.
· نظام ضريبي آلي يغلق الثغرات تلقائياً.
· أنظمة معاشات وصحية "شخصية محفزة" مرتبطة بالادخار الذاتي والمبكر.
· شراكات عامة-خاصة جريئة لتحديث البنية التحتية باستثمارات عالمية.
· تحالفات تكنولوجية مع الحلفاء (مثل AUKUS) لاحتكار الاختراقات، بدلاً من تحالفات عسكرية مكلفة للحروب القديمة.

لماذا لا يزال هذا ممكناً؟

لأن أمريكا، رغم كل عللها، ما تزال تملك النظام الإيكولوجي الابتكاري الأغنى في العالم (الجامعات، رأس المال المغامر، ثقافة ريادة الأعمال)، والقدرة على جذب المواهب، والمجتمع المفتوح (نسبياً) للتجربة. إنها تملك رأس المال المؤسسي والرمزي الذي يسمح لها، لو اجتمعت الإرادة، بتوجيه هذه المقومات نحو تجديد وطني.


أي السيناريوهات سيتحقق؟ التاريخ لا يكتب نفسه.

الحقيقة هي أن المستقبل لن يكون أي من هذه السيناريوهات بصورتها النقية. سيكون خليطاً منها. قد نرى انهياراً بطيئاً في بعض المجالات (كالهيمنة العالمية) يصحبه إصلاح مؤلم في أخرى (كاستثمارات التكنولوجيا الخضراء). قد تمنعنا الأزمة الصغيرة من الأزمة الكبيرة، وقد تطلق المعجزة الصغيرة سلسلة من التجديدات.

المفتاح يكمن في القرار السياسي والإرادة الجماعية. السيناريو الأرجح (الانهيار البطيء) هو نتاج الاستمرار على المنوال الحالي. تغيير المسار نحو الإصلاح أو المعجزة يتطلب قيادة شجاعة ورؤيوية، ونخبة مستنيرة تضع المصلحة الوطنية فوق الحزبية، وشعباً مستعداً لتقديم تضحيات قصيرة الأجل من أجل مستقبل طويل. التحدي الأمريكي اليوم ليس اقتصادياً تقنياً فحسب؛ بل هو تحدٍ سياسي وأخلاقي وجودي: هل تستطيع الديمقراطية الليبرالية العجوز، في بلدها المؤسس، أن تتجدد من داخلها قبل فوات الأوان، أم أنها ستسقط ضحية لانقساماتها وغرورها وديونها، لتترك العالم لمنافسين لا يترددون؟

القارب الأمريكي في بحر عاصف. اتجاهه النهائي لم يتحدد بعد. الدفة ما زالت بين أيدي بحارته، لكن الوقت، والوقود، وربما صبر الركاب، ليسوا في غير محدود.

……..



الجزء الخامس: الخاتمة - الاقتصاد كمرآة للروح الأمريكية: محاكمة الحلم عند منعطف التاريخ

القوة الحقيقية: المعركة التي تُخاض في معمل الروح، لا في مكاتب المحاسبين

اقتصاد أمريكا، في جوهره الأخير، ليس تجميعاً لأرقام في ميزانية، ولا خطوطاً متعرجة على شاشات التداول. إنه شيء أعمق بكثير: سيرة ذاتية جماعية مكتوبة بلغة الذهب والدمع. إنه الحلم مترجماً إلى أرقام، والخوف متجسداً في إحصائيات. والنزيف الذي تشهده اليوم هو، قبل كل شيء، نزيف روحي.

أولاً:
القصة الأخلاقية العظيمة: محاكمة الرأسمالية على سرير المشنقة
تقف الرأسمالية الأمريكية، ذلك الوحش العبقري الخلاب، اليوم في قفص الاتهام. والسؤال الجوهري الذي يواجهها ليس تقنياً، بل أخلاقي وجودي:

· الرأسمالية في نسختها المتوحشة: هل هي آلة لخدمة المساهمين وحدهم، حيث تُقاس قيمة الإنسان بـ "الإنتاجية" وقيمة الشركة بـ "عائد السهم الربع سنوي"، حتى لو كان الثمن تآكل المجتمعات وتسميم الكوكب؟ هذه هي الرأسمالية التي تخلق أوليجارشية مالية منعزلة في أبراجها، بينما تترك الشارع الرئيسي يغرق في ديون ويأس.
· الرأسمالية في نسختها الإنسانية (المفترضة): أم هل يجب أن تكون، كما حلم آباؤها المؤسسون من آدم سميث إلى روزفلت، آلة لخلق الازدهار المشترك؟ نظاماً حيث يخلق الابتكار الثروة، ولكن الضرائب العادلة وإرادة سياسية قوية يعيدان توزيعها لتمويل التعليم، والبنية التحتية، وشبكة أمان تحفظ كرامة من تخذلهم الأسواق.

أزمة ٢٠٢٤ ليست مجرد أزمة تضخم أو ديون. إنها أزمة شرعية. لقد فقد المواطن العادي الإيمان بأن النظام يعمل لصالحه. عندما يرى مديراً تنفيذياً يحصل على مكافأة تعادل دخل ٥٠٠ عامل، بينما هو نفسه لا يستطيع دفع فاتورة الطوارئ الطبية، فإن العقد الاجتماعي للرأسمالية ينفصم. الاقتصاد يصبح قصة خيانة، وليس قصة وعد. إما أن تعيد الرأسمالية الأمريكية اكتشاف روحها الأخلاقية، روح المسؤولية الاجتماعية والتضامن الوطني، أو ستحكم على نفسها بأن تكون نظاماً قصير النظر، ينتج الثروة لكنه يدمر المجتمع الذي يخلقها.

ثانياً:

الاختبار الناري: هل تستطيع الديمقراطية أن تحكم في زمن السخط؟
الاقتصاد هو أعظم اختبار للديمقراطية. فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع كل أربع سنوات، بل هي القدرة الجماعية على اتخاذ قرارات صعبة لمستقبل مشترك. وهنا تكمن المأساة الحالية:

· الديمقراطية كفن للحل: في أفضل تجلياتها، كما في "الصفقة الجديدة" أو سباق الفضاء، تكون الديمقراطية أداة لتحويل التحديات إلى إجماع، والمشاكل إلى مشاريع وطنية ملهمة. تكون القيادة شجاعة، والمعارضة بناءة، والهدف واضحاً: بقاء الأمة وتفوقها.
· الديمقراطية كمسرح للانقسام: اليوم، تحولت الساحة السياسية إلى حلبة مصارعة هويات. المشاكل الاقتصادية المعقدة (الدين، المعاشات، البنية التحتية) تُختزل إلى شعارات حزبية وتُستخدم كأسلحة في حرب ثقافية. يُفضَّل كسب الانتخابات التالية على إنقاذ الجيل القادم. المستقبل يُرهن لمصلحة الحاضر.

السؤال المصيري: هل يمكن لهذا النظام المشلول بالاستقطاب أن يجترح الإرادة لحل أزمات بطيئة الحركة ولكنها قاتلة، مثل شيخوخة السكان وانهيار البنية التحتية؟ أم أن الديمقراطية الأمريكية، في شكلها الحالي، ستثبت أنها أداة مناسبة لإدارة ازدهار، ولكنها عاجزة عن إدارة أفول؟ الإجابة تكمن في قدرة النخبة والشعب على تذكر أنهم، قبل أن يكونوا جمهوريين أو ديمقراطيين، مواطنون في سفينة واحدة، والثقوب التي يحفرها بعضهم تغرق الجميع.

ثالثاً: الصراع الكوني: أمريكتان في صراع على روح أمة
لا عاصمة واحدة لأمريكا اليوم، بل عواصم متعددة للزمن والوعي:

· أمريكا الإبداعية المتقدمة: عاصمتها وادي السليكون. هي أمريكا المستقبل، التي تعيش على حافة الإمكان التكنولوجي. لغتها بايثون وجافا سكريبت، وديانتها الابتكار المتسارع، وهدفها كسر الحدود. ترى العالم كمساحة رقمية يمكن إعادة برمجتها، والإنسان كـ "مستخدم" يمكن تحسينه. هي متفائلة، عالمية، وتمتلك ثقة شبه مذهبية بقدرتها على اختراع المستقبل.
· أمريكا المحافظة المتجذرة: عاصمتها القلب الجغرافي والأخلاقي، من مدن الصدأ إلى البلدة الصغيرة. هي أمريكا الذاكرة، التي تعيش على قيم العمل اليدوي، والجماعة المحلية، والولاء للعلم والمكان. لغتها قيمية وعاطفية، وديانتها التقليد، وهدفها الحفاظ على نمط حياة يتهدده التغيير. ترى العالم كساحة تخلى عنها النخب، والإنسان ككائن يحتاج إلى جذور واستقرار. هي متشككة، وطنية، وتشعر بالخيانة.
· وأمريكا الثالثة، المنسية: وهي أمريكا الظل، في أحياء الفقر المدقع، في مجتمعات السكان الأصليين، في صفوف العمالة الوافدة غير المسجلة. هي أمريكا الصامتة، التي لا صوت لها في حوار العواصم.

هذا الصراع ليس اقتصادياً فحسب، بل هو حرب روايات. من سيروي قصة أمريكا؟ هل ستكون قصة الانطلاق نحو آفاق كونية بلا حدود، أم قصة العودة إلى جذور مجد ضائع؟ الاقتصاد المنقسم هو نتيجة هذه الحرب، وهو في الوقت نفسه وقودها. لا يمكن لأمة أن تبني مستقبلاً مزدهراً وهي منقسمة على روحها. المصالحة بين هذه الأمريكات، أو على الأقل إيجاد لغة مشتركة بينها، هي المهمة الأكثر إلحاحاً، وهي مهمة ثقافية وأخلاقية قبل أن تكون اقتصادية.

العبرة التاريخية: عندما تصبح المحاسبة أخطر من الجيوش

التاريخ لا يكرر نفسه، لكنه يمرر الفاتورة. وإمبراطوريات الماضي تترك لنا، من تحت ركامها، دروساً مالية قاسية:

· روما: لم تسقط بفعل غزو بربري واحد، بل بفعل تحولها من جمهورية منتجة إلى إمبراطورية طفيلية. لقد اعتمدت على غنائم المقاطعات وعمل العبيد، وأهملت الزراعة والصناعة في قلبها. عندما جفّت منابع الغنائم، واجهت أزمة وجودية. قوتها العسكرية الهائلة لم تستطع إنقاذها من وهنها الاقتصادي الداخلي.
· بريطانيا: في أوجها، كانت "ورشة العالم". لكن مجدها الصناعي تحجر مع الزمن. تمسكت بتقنيات قديمة بينما تفوقت عليها ألمانيا والولايات المتحدة. جنون العظمة الإمبراطورية استنزف خزينتها في حروب بعيدة، بينما كانت بنيتها التحتية الداخلية تتعفن. الشمس غربت على الإمبراطورية عندما لم تعد قادرة على دفع فاتورة إمبراطوريتها.
· الاتحاد السوفييتي: سقط لأنه، رغم قوته العسكرية المذهلة، فشل في سباق الرفاهية. اقتصاد التخطيط المركزي أثبت عجزه عن الابتكار أو تلبية أبسط احتياجات المواطن. بينما كان الغرب ينتج ثلاجات وتلفزيونات وسيارات، كان هو ينتج دعاية وأيديولوجيا فارغة. انهار من الداخل، لأن مواطنيه توقفوا عن الإيمان بأن النظام يستحق التضحية من أجله.

أمريكا اليوم تقف على نفس المنعطف المصيري، وتحدق في نفس المرآة:

· هل ستستمر كـ "إمبراطورية استهلاكية"؟ تعيش على استيراد السلع من العالم وتمويل هذا الاستهلاك بدين يقبله الآخرون، لأنهم يخشون قوتها. هذه استراتيجية طفيليـــــــة قصيرة النظر، تزيد من ثراء القلة وتوهن عزيمة الكثرة، وتجعل الأمة رهينة لنزوة الدائنين.
· أم ستختار أن تعيد اختراع نفسها كـ "اقتصاد منتج مبتكر"؟ تستثمر في تعليم أبنائها، تحدث صناعتها، تبني بنيتها التحتية، وتخلق سلاسل قيمة مستقلة. هذه استراتيجية سيادية طويلة النفس، توزع الثروة بعدل، وتعيد بناء الطبقة الوسطى، وتستعيد السيطرة على مصيرها.

الإجابة لا تكمن في وول ستريت: فهناك، النجاح يُقاس بالربع السنوي، والقيمة تُخلق غالباً بالمضاربة، لا بالبناء. لا تكمن في مكاتب الكونجرس المحتكرة بالصراعات الصغيرة. الإجابة تكمن في الشارع الرئيسي، في كل مدينة وبلدة أمريكية. تكمن في المعلم الذي يكافح بموارد محدودة، وفي المهندس الذي يحلم ببناء جسر، وفي الممرضة التي تتحمل أعباء نظام صحي معتل. تكمن في نظرة الطفل الذي يتساءل، في صمت، عما إذا كان سيكون قادراً على العيش في بيت، أو أن يحظى بعمل أفضل من عمل والديه، أو أن يتقاعد بسلام.

الاقتصاد، في نهايته المترفة، ليس علماً دقيقاً. المعادلات تخذل، والنماذج تنهار أمام التعقيد البشري. الاقتصاد هو، في جوهره، فن إدارة الأمل. إنه القدرة على تحويل طموحات الجماعة إلى طاقة منتجة، وتحويل الثقة في الغد إلى استثمارات اليوم.

وأمريكا اليوم في أعمق اختبار لها منذ الحرب الأهلية أو الكساد الكبير: هل تستطيع أن تعطي مواطنيها سبباً للأمل؟ أملاً ليس مبنيّاً على تفاخر عسكري فارغ، ولا على وعود ديون سحريــــــــــــــة، ولا على حلم رقمي منعزل في السحابة. بل أمل ملموس: أن العمل الجاد يؤتي ثماره، أن الجيل القادم سيكون أفضل حالاً، أن النظام العادل ممكن.

اليأس، وليس العجز المالي، هو العدو الحقيقي. اليأس هو الذي يأكل لحم الأمم من الداخل، ويحول المواطنين إلى رعايا غاضبين، ويمهد الطريق للشعبوية والاستبداد. الاقتصاد الذي ينزف ذهباً هو عرض لمرض، ولكن الروح التي تفقد الأمل هي الموت بعينه.

قارب أمريكا، محمّلاً بتاريخ مجيد وأعباء ثقيلة، يواجه بحراً عاتياً. الرياح المعاكسة قوية: رياح الديون، شيخوخة السكان، المنافسة الشرسة، والانقسام الداخلي. لكن في صدر هذا القارب لا يزال ينبض قلب أمة اعتادت على تحدي المستحيل. هل تكفي هذه النبضات الأخيرة لتدفعه نحو شواطئ التجديد، أم أنها ستتضاءل وتغرق في همسات اليأس؟ الإجابة تُكتب الآن، في المصانع والمختبرات والفصول الدراسية، وفي صناديق الاقتراع، وفي قراراتنا الجماعية بأن نختار البناء على الهدم، والتضامن على الأنانية، والمستقبل على الماضي. التاريخ ينظر، والعالَم ينتظر.



…….



توثيق المراجع :


الفصل الثامن: الحلفاء المرتهنون... حين تتحول القوة إلى عبء

الجزء الأول: تشريح ظاهرة التحالف في مرحلة الأفول الإمبراطوري

1. Ikenberry, G. John. (2018). The End of Liberal International Order? International Affairs, 94(1), 7–23.
2. Mearsheimer, John J. (2014). The Tragedy of Great Power Politics (Updated Edition). W. W. Norton & Company. (الفصول المتعلقة بتحالفات الدول المهيمنة).
3. Nye, Joseph S. Jr. (2020). Do Morals Matter? Presidents and Foreign Policy from FDR to Trump. Oxford University Press. (فصل "The Alliances Burden").
4. Brands, Hal. (2018). American Grand Strategy in the Age of Trump. Brookings Institution Press. (الفصل الخاص بإدارة التحالفات).
5. Schweller, Randall L. (2022). The Tragedy of America’s Alliances. The National Interest, (177), 28–40.

الجزء الثاني: أمثلة حية: تشريح تحالفات أمريكا المرهقة

1. أوروبا:
· Walt, Stephen M. (2018). The Hell of Good Intentions: America s Foreign Policy Elite and the Decline of U.S. Primacy. Farrar, Straus and Giroux. (فصل "The Crisis of the Atlantic Alliance").
· Kundnani, Hans. (2020). Europe and the End of the American Century. Journal of European Integration, 42(5), 741–756.
· Tocci, Nathalie. (2021). European Strategic Autonomy: What It Is, Why We Need It, How to Achieve It. Istituto Affari Internazionali (IAI) Papers.
2. اليابان وكوريا الجنوبية:
· Green, Michael J. (2017). By More Than Providence: Grand Strategy and American Power in the Asia Pacific Since 1783. Columbia University Press.
· Snyder, Scott A. (2018). South Korea at the Crossroads: Autonomy and Alliance in an Era of Rival Powers. Columbia University Press.
· Hughes, Christopher W. (2022). Japan s Foreign and Security Policy Under the ‘Abe Doctrine’: New Dynamics in East Asia. Palgrave Macmillan.
3. إسرائيل:
· Mearsheimer, John J., & Walt, Stephen M. (2007). The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy. Farrar, Straus and Giroux.
· Reich, Bernard. (2018). The United States and Israel: The Nature of a Special Relationship. In U.S. Foreign Policy and Democracy Promotion (pp. 157-174). Routledge.
· Ben-Shitrit, Lihi. (2021). The Bipartisan Consensus on Israel is Crumbling. Foreign Affairs.
4. السعودية ودول الخليج:
· Gause, F. Gregory III. (2018). Should We Stay´-or-Should We Go? The United States and the Middle East. Survival, 60(5), 7–24.
· Ulrichsen, Kristian Coates. (2020). The Changing Security Dynamics of the Persian Gulf. Oxford University Press.
· Cook, Steven A. (2022). The End of the Special Relationship? Rethinking U.S.-Saudi Ties. Council on Foreign Relations (CFR) Report.

الجزء الثالث: آليات تحول التحالف إلى عبء

1. Snyder, Glenn H. (1997). Alliance Politics. Cornell University Press. (نظرية "الورطة" و"الابتزاز" في التحالفات).
2. Pressman, Jeremy. (2022). The Alliances That Aren t: Unpacking the U.S.-Taiwan Relationship. The Washington Quarterly, 45(1), 149–166.
3. Öniş, Ziya, & Kutlay, Mustafa. (2020). The New Age of Hybrid Politics and Turkey s Foreign Policy. International Politics, 57(4), 672–689.
4. Menon, Rajan. (2021). NATO s Future: Strategic Stalemate. Foreign Affairs.

الجزء الرابع والخامس والسادس: العواقب والمأزق والمخرج

1. Brooks, Stephen G., & Wohlforth, William C. (2016). America Abroad: The United States Global Role in the 21st Century. Oxford University Press.
2. Layne, Christopher. (2018). The US–Chinese Power Shift and the End of the Pax Americana. International Affairs, 94(1), 89–111.
3. Drezner, Daniel W. (2019). Counter-Hegemonic Strategies in the Global Economy. Security Studies, 28(3), 505–531.
4. Acharya, Amitav. (2018). The End of American World Order (2nd ed.). Polity Press.
5. Haass, Richard N. (2020). The World: A Brief Introduction. Penguin Press. (فصل "Alliances and Coalitions").

الفصل التاسع: الاقتصاد الأمريكي تحت الضغط - تشريح الجسد الذي ينزف ذهباً

الجزء الأول والثاني: جغرافية القلق والجروح السبعة

1. الدَّين العام والمالية العامة:
· Reinhart, Carmen M., & Rogoff, Kenneth S. (2009). This Time Is Different: Eight Centuries of Financial Folly. Princeton University Press.
· Furman, Jason, & Summers, Lawrence H. (2020). A Reconsideration of Fiscal Policy in the Era of Low Interest Rates. Brookings Papers on Economic Activity.
· Congressional Budget Office (CBO). (2023). The 2023 Long-Term Budget Outlook. (تقارير دورية).
2. التضخم والركود التضخمي:
· Blanchard, Olivier. (2022). Why I Worry About Inflation, Interest Rates, and Unemployment. Peterson Institute for International Economics (PIIE) Working Paper.
· Goodhart, Charles, & Pradhan, Manoj. (2020). The Great Demographic Reversal: Ageing Societies, Waning Inequality, and an Inflation Revival. Palgrave Macmillan.
· Federal Reserve Bank of St. Louis. (2023). FRED Economic Data (مجموعات بيانات عن التضخم، الأجور، الإنتاجية).
3. تآكل الطبقة الوسطى والتفاوت:
· Piketty, Thomas. (2014). Capital in the Twenty-First Century. Harvard University Press.
· Stiglitz, Joseph E. (2019). People, Power, and Profits: Progressive Capitalism for an Age of Discontent. W. W. Norton & Company.
· Rajan, Raghuram G. (2019). The Third Pillar: How Markets and the State Leave the Community Behind. Penguin Press.
4. العجز التجاري والاعتماد على الصين:
· Autor, David H., Dorn, David, & Hanson, Gordon H. (2016). The China Shock: Learning from Labor Market Adjustment to Large Changes in Trade. Annual Review of Economics, 8, 205–240.
· Pettis, Michael. (2022). The Economic Consequences of Deglobalization. Carnegie Endowment for International Peace.
· U.S.-China Economic and Security Review Commission (USCC). (2023). Annual Report to Congress.
5. شيخوخة السكان:
· Kotlikoff, Laurence J., & Burns, Scott. (2012). The Clash of Generations: Saving Ourselves, Our Kids, and Our Economy. MIT Press.
· Bloom, David E., et al. (2020). Demographics and the Economy. In Global Trends 2040: A More Contested World (pp. 17-30). National Intelligence Council.
6. تدهور البنية التحتية:
· American Society of Civil Engineers (ASCE). (2021). Report Card for America s Infrastructure.
· Rothstein, Richard. (2017). The Color of Law: A Forgotten History of How Our Government Segregated America. Liveright Publishing.
7. النظام المالي ووول ستريت:
· Tooze, Adam. (2018). Crashed: How a Decade of Financial Crises Changed the World. Viking.
· Ricks, Morgan. (2020). The Money Problem: Rethinking Financial Regulation. University of Chicago Press.
· Financial Stability Oversight Council (FSOC). (2023). Annual Report.

الجزء الثالث: التأثيرات الجيوسياسية

1. الدولار كعملة احتياطية:
· Eichengreen, Barry. (2011). Exorbitant Privilege: The Rise and Fall of the Dollar and the Future of the International Monetary System. Oxford University Press.
· Prasad, Eswar S. (2014). The Dollar Trap: How the U.S. Dollar Tightened Its Grip on Global Finance. Princeton University Press.
· Subramanian, Arvind. (2022). The Future of the Dollar: Weaponization and Fragmentation. Peterson Institute for International Economics (PIIE) Policy Brief.
2. المنافسة مع الصين:
· Allison, Graham. (2017). Destined for War: Can America and China Escape Thucydides s Trap? Houghton Mifflin Harcourt.
· Shambaugh, David. (2021). Where Great Powers Meet: America and China in Southeast Asia. Oxford University Press.
· Beckley, Michael. (2022). The Unipolar Era: Why American Power Persists. Foreign Affairs.
· World Bank & OECD. (2022). Comparative Economic Indicators: United States vs. China.

الجزء الرابع: سيناريوهات المستقبل

1. Gordon, Robert J. (2016). The Rise and Fall of American Growth: The U.S. Standard of Living Since the Civil War. Princeton University Press.
2. Cowen, Tyler. (2023). The Complacent Class: The Self-Defeating Quest for the American Dream. St. Martin s Press.
3. Rodrik, Dani. (2023). Straight Talk on Trade: Ideas for a Sane World Economy (2nd ed.). Princeton University Press.
4. International Monetary Fund (IMF). (2023). World Economic Outlook: Navigating Global Divergences.
5. National Intelligence Council (NIC). (2021). Global Trends 2040: A More Contested World.

الجزء الخامس: الخاتمة (الفلسفة الاقتصادية-الاجتماعية)

1. Sandel, Michael J. (2020). The Tyranny of Merit: What s Become of the Common Good? Farrar, Straus and Giroux.
2. Fukuyama, Francis. (2018). Identity: The Demand for Dignity and the Politics of Resentment. Farrar, Straus and Giroux.
3. Milanovic, Branko. (2019). Capitalism, Alone: The Future of the System That Rules the World. Harvard University Press.
4. Acemoglu, Daron, & Robinson, James A. (2019). The Narrow Corridor: States, Societies, and the Fate of Liberty. Penguin Press.
5. المجلات والتقارير الدورية الرئيسية:
· Foreign Affairs
· The Economist
· Journal of Economic Perspectives
· International Security
· Brookings Institution (تقارير)
· Peterson Institute for International Economics (PIIE) (أوراق عمل)
· RAND Corporation (تحليلات)

تم اختيار هذه المراجع لتمثيل طيف من الآراء (واقعية، ليبرالية، نقدية) ولتغطية الجوانب المتعددة التخصصية (العلاقات الدولية، الاقتصاد السياسي، العلوم السياسية، الاجتماع). تعتمد القائمة بشكل كبير على أعمال من العقد الماضي لضم معالجة التطورات المعاصرة، مع الإشارة إلى بعض الأعمال التأسيسية الأقدم حيثما كان ذلك ضرورياً لفهم الظواهر الجذرية.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صعود الشرق وانكفاء الغرب: حول اللحظة الانتقالية الدولية
- كتاب نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية ...
- سادة الخريطة وعبيد الجغرافيا
- الجسران الجويان إلى طهران: جغرافية القوة ورهان الاستراتيجيات ...
- كتاب :نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية ...
- غرينلاند والاقطاب على ضوء أطروحات سمير أمين : العبور نحو الش ...
- كتاب : ما بعد الغرب: القطب، المعادن، والنظام العالمي الجديد
- قراءة في تَشَكُّل نظام دولي جديد عبر بوابة غرينلاند
- سورية وتدوير بوصلة الخيانة: تأملات في أرشيف الانهيار
- طياف الانهيار في هشاشة الامبراطورية .. قراءة في تحذيرات جيفر ...
- من وهن الزعيم إلى تصدُّع الحامي.. تشريح لحظة التحوُّل في مصي ...
- -المعركة لم تنتهِ بعد-: تشريحٌ لجسد الحرب الدائمة.. بين وهَن ...
- هندسة العبودية الطوعية: الهيمنة في عصر الأزمات الهيكلية
- -من نهاية التاريخ - إلى -نزيف تحت الجلد-..دراسة مقارنة مع كت ...
- شمشون العصر: بين أسطورة السقوط وإستراتيجية الانهيار
- النجوم التي لم تعرف السماء ( قصة )
- صراع العمالقة على أرض المأساة: فنزويلا بين مطرقة التاجر الصي ...
- أجنحة التنين وأنياب الأسد: في دهاليز حرب تستعد، وتوازن رعب ي ...
- سردية جديدة للقوة الصينية في القارة الامريكية : صوت المحراث ...
- انزياحات العصر: تفكّك الهيمنة واستعادة التاريخ في المشرق الع ...


المزيد.....




- فيديو يظهر سيدة إيرانية توجه رسالة استغاثة لترامب.. ماذا قال ...
- مقتل شخص في إطلاق نار من عناصر بإدارة الهجرة في مينيابوليس ب ...
- أخبار اليوم: أخبار اليوم: الناتو يعتزم إنشاء -منطقة دفاع مؤت ...
- أفريقيا: قرار ترامب بوقف منح التأشيرات -تمييز وإقصاء شعبوي- ...
- البوندسليغا.. بايرن يتجرع أول خسارة بعد أشهر من الهيمنة المح ...
- إيران تؤكد استعدادها للرد على أي هجوم محتمل من قبل الولايات ...
- بين من يؤيد توجيه ضربة موجعة لإيران ومن يعتقد أن الوقت لم يح ...
- ما الذي قد تستهدفه الضربة الأمريكية المحتملة ضد إيران؟
- د. ناصر بن حمد الحنزاب: -التعليم ركيزة أساسية لتعزيز السلام ...
- هل تواجه مدينتا كادقلي والدلنج مصير الفاشر؟


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمريكية ..القسم الثالث