عمر الشاطر
الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 04:52
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الجزء الثاني:
الاتحاد الاشتراكي-إعادة التأسيس:
في يناير 1975، أعلن المؤتمر الاستثنائي تأسيس "الاتحاد الاشتراكي" وتبني الاختيار الديمقراطي عوض الاختيار الثوري، والتأكيد على الاشتراكية العلمية مع مراعاة خصوصيات المغرب الحضارية والثقافية. تحسنت علاقات القصر بالاتحاد جزئياً بعد أحداث الصحراء، في سعي من الحسن الثاني لتجميع الأحزاب المغربية لخوض معركة الصحراء. وفي 1977، سيعقد الاتحاد الاشتراكي مؤتمره الثالث في ظل صدمة تعرض لها الاتحاديون، هي تصفية الشهيد عمر بن جلون في ديسمبر 1975 على يد أفراد تنتمي للشبيبة الإسلامية. رفع الحزب خلال هذا المؤتمر شعار الملكية البرلمانية والنضال الديمقراطي؛ والحقيقة أن الحزب خلال هذه الفترة كان يعيش استمرارية للتناقضات بين خياري المشاركة الإصلاحية والنضال الديمقراطي الجذري، خصوصاً بعد انتخابات 1977 التي شهدت عملية تزوير واسعة لإسقاط مرشحي الاتحاد.
خروج الطليعة:
خلال عام 1983، تحديداً في الثامن من ماي، سيشهد الاتحاد انشقاقاً جديداً نتيجة لاحتدام التناقض بين المكتب السياسي واللجنة الإدارية الوطنية التي كانت ترفض سياسة المكتب السياسي المعتدلة تجاه القصر، خصوصاً مع توالي الأزمات في علاقة الحزب بالقصر؛ هذه الأزمات تمثلت في انتفاضة 20 يونيو 1981، ورفض قيادة الحزب موافقة القصر على الاستفتاء على مغربية الصحراء في القمة الافريقية المنعقدة في نيروبي، وكانت النتيجة اعتقال عبد الرحيم بوعبيد، ومحمد اليازغي، وعبد الهادي خيرات في ميسور. ونتيجة لهذا، انسحبت أغلبية اللجنة الإدارية من الحزب واتجهت نحو تأسيس حزب جديد بقيادة أحمد بن جلون وعبد الرحمن بن عمرو، وسيعرف هذا الحزب فيما بعد بـ"حزب الطليعة"، وتبنى شعار النضال الجذري والاشتراكية العلمية.
الاتحاد ومأزق التناوب:
في أواخر التسعينات، كان المغرب يعيش أزمة اقتصادية واجتماعية نتيجة برنامج التقويم الهيكلي في المجال الاقتصادي، كما احتدم خطاب المعارضة البرلمانية، خصوصاً بعد إنشاء الأحزاب المعارضة الكتلة الوطنية التي جمعت حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والاتحاد الوطني للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية إضافة إلى منظمة العمل الديمقراطي الشعبي في 1992، وسبقها بعامين انتفاضة فاس الشعبية التي قمعت بقوة في ديسمبر 1990؛ كما شهد المغرب انطلاقا من بداية التسعينات انفراجا حقوقيا تمثل في إطلاق سراح مجموعة من المعارضين والسماح بعودة زعماء المعارضة من المنفى مثل أبراهام السرفاتي و محمد البصري ونتيجة لهذا الوضع، سعى القصر إلى التعاون مع الاتحاد الاشتراكي لحل الأزمة ولتأمين انتقال سلس للعرش، ولإخراج البلاد من سكتتها القلبية، كما صرح الحسن الثاني في عام 1995. ولذا، في عام 1998، سيشكل أمين عام الاتحاد الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي "حكومة التناوب"، التي تعد الحكومة الثانية في تاريخ الحركة الاتحادية. لم تكن حصيلة الحكومة محل رضا من قبل قطاعات واسعة من قبل الحزب التي اعتبرت أن هذه الحكومة لم تقدم أي فائدة للشعب، كما اعتبرت بمثابة تدجين للاتحاد وإدخاله ضمن لعبة التوافقات.
أزمة الرسالة:
في سنة 2000، خلال حكومة عبد الرحمن اليوسفي، سيشهد البيت الاتحادي أزمة بسبب رسالة أرسلها محمد البصري إلى عبد الرحمن اليوسفي وعبد الرحيم بوعبيد خلال السبعينيات، تحدث فيها البصري عن ضلوعهم في انقلاب الطائرة في غشت 1972. جاء في الرسالة أن محمد أوفقير عرض على بوعبيد المشاركة في المجلس الذي سيسير البلاد بعد نجاح الانقلاب، كما تحدث الفقيه عن علاقته بضباط كان من بينهم محمد أمقران. وأغلقت على أثر نشر هذه الرسالة بعض الصحف المغربية، وهي: "الصحيفة"، و"لوجورنال"، و"دومان". واتهم البصري بأنه يحاول تصفية الحسابات؛ وذلك لرفضه مشاركة الحزب في حكومة التناوب، حيث رأى بأن هذه المشاركة ستضعف الحزب.
انشقاق نوبير الأموي والكونفدرالية:
سيتجدد الخلاف في المؤتمر الاتحادي السادس الذي انعقد في عام 2001 بين تيار عبد الرحمن اليوسفي ومحمد اليازغي، وبين تيار النقابة بزعامة نوبير الأموي وجزء من الشبيبة الاتحادية الذي يعد محمد الساسي، ومحمد حفيظ، وخالد السفياني أبرز رموزها. أدى هذا الانقسام إلى انسحاب الأموي من الحزب وتأسيس "المؤتمر الوطني الاتحادي"؛ وتبعاً لهذا، ستنقسم الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (وهي النقابة المقربة من الاتحاد) إلى نقابتين: "فيدرالية ديمقراطية للشغل" بقيت مرتبطة بالحزب، و"الكونفدرالية" التي ابتعدت عن الاتحاد. وسيؤسس الساسي وخالد السفياني جمعية "الوفاء للديمقراطية" التي اندمجت فيما بعد في الاشتراكي الموحد. وجاءت انتخابات 2002 لتعمق الأزمة؛ فقد اختار الملك محمد السادس تعيين وزير أول تكنوقراط هو إدريس جطو، بدلاً من عبد الرحمن اليوسفي الذي نال حزبه أغلبية في الانتخابات، غير أن الدولة اعتبرت أن هذه الأغلبية لا تخوله تشكيل الحكومة، فتم اختيار جطو ليرأس الوزارة ذات الأغلبية الاتحادية، وانسحب اليوسفي من المشهد السياسي وخلفه محمد اليازغي على رأس الحزب.
الانشقاق مجدداً:
وكعادته، سيشهد الاتحاد مجدداً خلال 2014 انقساماً آخر على إثر الخلاف بين إدريس لشكر (الأمين العام الحالي) وأحمد الزايدي (رئيس المجموعة البرلمانية الاتحادية) حول الوضعية التي أصبح عليها الاتحاد. وبعد وفاة الزايدي الغامضة في العام نفسه، سيغادر تياره الحزب محاولاً الالتحاق بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية وإحياء الاتحاد الأم من جديد، غير أن هذه المحاولة تعثرت بسبب خلافات بين أعضاء الاتحاد الوطني القدامى والملتحقين الجدد.
الواقع المؤلم:
وفي تصريح حديث، خلال شهر يوليوز، قال القيادي الاتحادي حسن النجمي في حوار له على قناة "ميدي 1": "الاتحاد الاشتراكي أصبح جثة ينبغي أن تدفن"؛ وهو تعبير قاسٍ عن الأزمة العميقة التي يعيشها الاتحاد اليوم، ودعوة لإعادة النظر في أدوات العمل والتنظيم السياسي لمواجهة تحديات المستقبل. كما أن القيادة الحالية لما تبقى من الاتحاد، والتي يرأسها إدريس لشكر، لم تقدم أي خطوة إصلاحية للوضع الاتحادي. وفي جواب للشكر حول الإخفاق الذي يعيشه الاتحاد تحت قيادته، صرح بأن الاتحاد كان يعاني من هذا الإخفاق قبل صعوده للأمانة العامة، وأنه حافظ على الوضع كما وجده؛ وكأن مهمة الأمين العام هي مواصلة الإخفاق والمحافظة عليه لا معالجته. ومؤخراً، زاد لشكر الطين بلة بعد أن جدد ولايته للمرة الرابعة على التوالي خلال عام 2025؛ ويبدو أن الاتحاد قد تحول تحت قيادة ادريس لشكر إلى إقطاع سياسي بعد أن كان القوة التي ناهضت المحسوبية والإقطاع. اجتماعياً، تغيرت بنية الاتحاد الاشتراكي الطبقية وأصبح اليوم حزباً للأعيان المحليين، بعد أن كان حزب المثقفين والأساتذة وعموم الطبقات الشعبية؛ ويبدو أن الحزب قد تخلى عن اختياره الديمقراطي بعد تخليه عن الاختيار الثوري في السبعينات. غير أنه للإنصاف، هناك عوامل دولية ساهمت في تراجع اليسار العالمي والاتحاد جزء منه؛ فقد سبب انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي في بداية التسعينات تراجع شعبية الخطاب اليساري الذي تأثر بهذا الانهيار. ولتدارك الأزمة اليسارية، فقد عمد الاتحاد للتخلي عن الاشتراكية العلمية واستبدلها بالاشتراكية الديمقراطية، وتقارب مع الأحزاب الاشتراكية الأوروبية في محاولة منه لتعزيز دوره على المستوى العالمي، غير أن وضعه الداخلي ونزيفه التنظيمي المستمر لم يمكنه من النجاح في هذه الخطوة.
استشراف:
من خلال ما سبق نستخلص أن الحركة الاتحادية كانت حلماً مثالياً بخلق مغرب جديد شعبي وديمقراطي، لكن الواقع الصعب الذي واجهه الاتحاد وتوالي حملات القمع وتناسل الانشقاقات أضعف الاتحاد وحوله الى كيان حزبي هزيل يعاني من غياب الديمقراطية الداخلية وهجرة النخب المثقفة؛ ولم يبق له رابط بالاتحاد الاشتراكي سوى الاسم الذي يحاول الأمين العام أن يداري به سوءات الحزب التي عرتها الأخطاء والتراجعات المستمرة نتيجة تحوله من مناهضة الاقطاع والاستغلال الى كيان يستغل من قبل أعداء الأمس أعضاء اليوم. وتحاول الأحزاب اليسارية المغربية العمل على تعويض غياب الاتحاد الاشتراكي، ويدخل في هذا الإطار قيام حزبي: الطليعة والمؤتمر الاتحادي وجزء من الاشتراكي الموحد بتوحيد القوى ضمن فيدرالية اليسار، في سعي حثيث نحو استعادة دور اليسار. ويراهن اليساريون اليوم على الفيدرالية؛ فهل ستتمكن من تعزيز مكانة اليسار داخل المجتمع في ظل المنافسة الحادة من قبل الأحزاب ذات الخطاب اليميني الليبرالي والمحافظ؟ وهل ستتمكن من تعميق الوحدة التنظيمية بين مكوناتها؟ أم أنها ستعيد أخطاء الحركة الاتحادية؟ المستقبل كفيل بالجواب على هذه الأسئلة...
#عمر_الشاطر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟