أمير أمين
الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 16:19
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في صيف عام 1979 وبالتحديد يوم الاول من حزيران وصلت الى دمشق هارباً من بطش النظام المقبور ومكثت فيها لمدة تقارب الاسبوعين في فندق أوغاريت مع عدد من الشيوعيين الهاربين قبلي , ثم غادرتها متوجهاً الى لبنان حيث تم ضمي لاحدى سرايا الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين مع عدد آخر من الشيوعيين العراقيين الشباب حيث بدأنا بالتدريب على الاسلحة الخفيفة والمتوسطة في معسكر الناعمة وكان آمر المعسكر حينذاك سلطان المتخصص بالمتفجرات بالاضافة الى الملازم نعيم..كنّا ننام في الخيم وعلى الاسرة ثم عند الفجر يقوم الحرس او أحد المسؤولين بالصراخ ..إنتشار ..إنتشار رفاق إنهضوا سريعاً وإنتشروا ..ننهض بسرعة ونأخذ كل واحد بطانية معه ونسير لمسافة تقدر بعشرة دقائق بعيداً عن مكان نومنا فنقوم بالانتشار تحت الاشجار الكثيفة ونضع نصف البطانية تحتنا ونتغطى بالنصف الآخر وننام بعمق وأمان ! وهذا الانتشار يحصل كل يوم خوفاً من هجوم الطائرات الاسرائيلية والتي تستهدف قواعد ومقرات الجبهة , فإذا قصفت فأنها تقصف الخيم ونحن نائمين بعيداً عنها فلا يصيبنا الاذى ! وهذه فعالية هامة للحفاظ على حياتنا ولم تحصل ضربة اسرائيلية على مواقعنا طيلة فترة مكوثي في المعسكر ..ثم حينما انتقلنا بعد انتهاء الدورة الى البقاع وفي مكان يدعى عين عرب , صار عددنا يتناقص كل اسبوع وذلك لسفر عدد من رفاقنا والتوجه الى كردستان .كنت ضمن إحدى الوجبات وتوجهت الى قاعدة بهدينان عبر تركيا اواخر عام 1979 وخلال سنة لم أسمع بفعالية الانتشار التي كنا نمارسها في معسكر الناعمة في بيروت ..! لكن في ربيع عام 1980 وحينما تم استبدال القائد العسكري الفقيد الملازم احمد الجبوري بالفقيد ملازم خضر وأصبح هو القائد العسكري والفقيد عمر ابو فاروق المستشار السياسي , تم ابلاغ بعض الانصار ومنهم أنا بأن غداً ستكون عندنا فعالية عسكرية إسمها المرابات !! إستغربت من ذلك ولما سألت عن طبيعتها , قالوا لي ستعرفها غداً لا سيما وأنك مشارك فيها ..! جاء اليوم الثاني , وقفنا أمام ملازم خضر اي ابو عايد كما كنّا نسميه ..وشرح لنا بالتحضير بعد تناول طعام الغداء واحتساء اكواب الشاي ولما انتهينا قال لنا ..إجلبوا معكم بطانيتين !! ولا نعرف لماذا ..المهم حملنا البطانيتين ثم انطلقنا من القاعدة بإتجاه موقع صار لاحقاً قاعدة صغيرة تسمى يك ماله ..واصلنا السير صعوداً هذه المرة الى قمة جبل شاهقة , كان عددنا حوالي ستة رفاق ..لاحظت ومن خلال المسيرة ان ضغطي بدأ ينخفض وصار الرفاق ينظرون لي بشيء من الشفقة حتى ان احدهم قال لي ..صار لون وجهك كلون سيارة صفرة ..إنتبه الرفيق ابو عايد ونظر لي ثم قال ..رفيق أنت بحاجة للفيتامينات ..!! وارتاحينا وقوفاً ثلاث دقائق ثم واصلنا السير وبعد حوالي ساعة ونصف وصلنا الى القمة ..حيث اشار الفقيد ابو عايد بيده الى القرى العراقية التي تقع بعيداً عنّا في الجانب المقابل والتي حالما بدأت خيوط المساء بالظهور حتى صارت اضوائها المترامية تتلألأ ..لم تكن القرية مكهربة بل إن اضوائها هي أما فوانيس او لالات ..صار الرفيق ملازم خضر يشرح لنا كيفية الوصول لها في المستقبل وهو لا يعرف إسمها بل قال إنها عراقية ..! ثم بعد حوالي ساعة اوعز لي بأن أضع بطانية على ظهري وأجلس فوق صخرة حددها هو وأن أمسك البندقية وأصوبها نحو القرية ثم قال لا تطلق النار إلاّ إذا سمعت بتقدم شخص معادي او دخول حيوان مفترس لمنطقتك ..!! ثم اعطاني كلمة ..توكي ..للصراخ بها ومعناها ..من أنت حتى لا أرتكب خطأ يضرنا ..لأن من المحتمل ان يكون التجار قادمون ويسيرون على نفس الخط او من البيشمركة الآخرين ..وعلى بعد حوالي سبعة او ثمانية أمتار وضع رفيقاً آخر على يميني وأيضاً فوق صخرة وعلى متنه بطانية ..ثم أمرنا بالانسحاب حينما تبدأ خيوط الفجر بالظهور والتوجه الى قاعدتنا ..وتمنى لنا نجاح الفعالية والعودة بسلام ..! عاد الرفيق مع الآخرين الى القاعدة وبقيت ورفيقي الآخر الذي بالكاد أرى خياله من بعيد جالسين بصمت مطبق واسلحتنا بأحضاننا ناظرين للقرية التي ينام أهلها بدفء وسكون وأمان ..مرت ساعتين وفجأةً أحسست بثقل هائل يقع على كتفي من الجانب الايمن ..وكأن أحدهم أمسك بي ويريد ذبحي من رقبتي بسكينه ّّ ارتجف قلبي هلعاً ولم أحرك ساكناً لكن صرت وببطأ شديد التفت الى اليد الثقيلة التي سقطت على متني ..! شاهدت ان جرذاً ضخماً او سنجاباً كان يجلس بدون حراك ..! حركت متني وجسمي بقوة فسقط من مكانه فزعاً وهرب ..لكن دقات قلبي لا زالت قوية من هول الصدمة والحدث المفزع لو كان هذا شخص من الجحوش او من الجيش لتم ذبحي بسرعة والاستيلاء على سلاحي ..مرت الساعات ببطأ كبير لحين انبلاج خيوط الفجر وعودتنا أنا ورفيقي الآخر نازلين بسرعة ومتوجهين الى مقر القاعدة ..! كنت بداخلي اسخر من هذها لمهمة ولم اقنع نفسي بجدواها وفي اليوم الذي وصلنا فيه وعند الظهر سألنا الفقيد ابو عايد عن ما لاحظناه وهل واجهنا مخاطر او أمور صعبة او غير ذلك ..! قلت لبعض الرفاق ان هذه اول وآخر مرابات لي .ولا أعتقد ان القاعدة عملت بها لاحقاً ابداً ..بقي الفقيد ابو عايد عدة شهور في القاعدة ثم جرى استبداله بالفقيد توما توماس ابو جوزيف وصار معه الفقيد ابو يوسف مستشار سياسي وفي أواخر عام 1982 ثم نقلي الى قاعدة بشتاشان وشاهدت الفقيد ملازم خضر سلمت عليه وقلت له ..رفيق ..هل عرفتني ..! فقال لا والله ..ضحكت ولم انطق بشيء ! كان الفقيد ابو عايد يحتل موقع عضو المكتب العسكري المركزي الذي كان يقوده الفقيد ابو عامل ..وفي يوم الخامس من كانون الثاني عام 1983 جرى نقلي مع عدد من الانصار الى قاعدة اربيل وكان معنا الفقيد ابو عايد الذي انيطت به مسؤولية قاعدة اربيل العسكرية لكنه تفاجأ بوجود عدد من العناصر القيادية فيها وهم الفقيد ابو ماهر ثابت حبيب العاني وابو جبار اسعد خضر اربيلي وابو حكمت وابو يوسف بالاضافة الى مكتب محلية اربيل وكانت عندهم غرفة خاصة بهم وكان المقر يقع في بداية قرية شيخ وسّان الذي ضربها النظام البعثي لاحقاً بالسلاح الكيمياوي والمقر كان عبارة عن مدرسة القرية وهي جديدة ونظيفة ولكنها كانت مغلقة فشغلناها لرفاق القاعدة..بقي الفقيد ابو عايد حائراً في ظل الزحمة وكثرة المسؤولين ..ماذا يعمل ..! ففي شهر آذار استدعى عدد كبير من مفارزنا القتالية ومن المتواجدين في المقر وقال ان لديه معهم مهمة وهي النزول الى أربيل كعملية استعراضية واللقاء بالجماهير وتعريفهم بالشيوعيين وبيشمركتهم..أي ان المهمة لم تكن قتالية ..إمتلأ المقر بالانصار وجرى أيضاً إصطحاب المستشار السياسي للفصيل وهو دكتور القاعدة اي الفقيد صادق وإسمه الصريح مهند البراك وكنت حينها أعمل مساعداً له أي اذا غاب لبضعة ايام فسوف أحل محله كمستشار سياسي وليس كطبيب ..!! كنت واقفاً بمكان الحرس في باب المقرحاملاً السلاح ..توجه نحوي الفقيد دكتور صادق وهو غارق بالضحك ...! قلت له نورنا ..ما الذي يضحكك ! قال هامساً باذني ..قلت لابي عايد ..رفيق ناخذ الرفيق ابو سعد أي انا معنا ..! فرد عليه .. لا خليه يبقى مستشار سياسي على الرفيقات ..!! وإستمر الرفيق بالضحك ..! بصراحة غضبت بشدة وشتمته وقلت للدكتور ..وهل هو أشجع من الرفيقات ! ثم فكرت ان ما قاله أما استهانة بي او بالرفيقات وفي الحالتين المسألة عندي كانت مرفوضة ..! فهدئني الدكتور صادق وقال بصراحة لا أعرف مقصده لكن ربما كان طرحه بضرافة ..ثم أخذ مني الدكتور وعداً بالسكوت ..علماً أن لا أحداً ابلغني بالمهمة ورفضت والمقر بقي فيه ليس فقط الرفيقات وانما اعضاء محلية اربيل وعدد من الرفاق ومن ضمنهم القياديين ..لكن ابو عايد يبدو انه عرف بزعلي عليه بحيث انه في نيسان اعطاني مهمة قيادية عسكرية وسياسية بنفس الوقت لعدد من الرفاق ولعدة ايام بمواجهة مقر الاتحاد الوطني الكردستاني وبالتنسيق مع الحزبين الاشتراكي والديمقراطي الكردستاني .ونجحنا فيها ..
......................................................................................................................................................................................................................
ولد الرفيق ملازم خضر وإسمه نعمان علوان سهيل التميمي ابو رائد في عام 1939 وفي عام 1959 التحق بالكلية العسكرية وتخرج منها عام 1961 برتبة ملازم ثاني وحينما بلغ سن الثامنة عشر اي في عام 1957 إنتمى للحزب الشيوعي العراقي وبقي عضواً وكادراً متقدماً فيه لحين وفاته في الحادي والثلاثين من تموز عام 2024 في مدينة استوكهولم السويدية , ولاسباب سياسية هرب من الجيش والتحق في سن مبكرة بقوات البيشمركة وكان معه الفقيد ادريس البرزاني ووالده القائد التاريخي السيد ملا مصطفى البرزاني الذي كان يحترمه كثيراً ويقدر بطولاته وخاصة في أيار عام 1966 حينما كان يشغل المسؤولية الاولى عن سلاح المدفعية ..وفي ايار وعند انطلاق اعمال مؤتمر الحزب الشيوعي العراقي الثالث عام 1976 في بغداد شغل الفقيد ابو عايد المسؤولية الامنية للمؤتمر وهذه مهمة غاية بالخطورة والصعوبة ..وفي عام 1991 بعد انتفاضة كردستان أصبح الفقيد مستشاراً في وزارة البيشمركة ومنح رتبة فريق وشارك في عام 2014 في القتال ضد تنظيم داعش في جبهات القتال وهو بكامل بدلته ورتبته العسكرية ..وحينما سقط النظام في نيسان عام 2003 سارع مع بعض الرفاق لتأسيس رابطة الانصار الشيوعيين العراقيين والتي تم انتخابه رئيساً لها ولعدة مؤتمرات ولحين وفاته ومنذ عام 2004 والى 31 تموز عام 2024 حيث تم لجنازته تشييع رسمي يوم الاثنين في 5 آب ,شارك فيه ممثلين عن رئيس الاقليم والاخ مسعود رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني وممثلين عن رئيس وزراء كردستان ووزير البيشمركة وعدد كبير من كوادر عدد من الاحزاب ومنهم الرفيق كاوا محمود السكرتير السابق للحزب الشيوعي الكردستاني وعدد من كوادر الحزب الشيوعي العراقي ومن كوادر رابطة الانصار حيث وري جثمانه الثرى في مقبرة الحزب الشيوعي في اربيل ..بحضور جماهيري كبير ..
#أمير_أمين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟